من مكتبة مِداد الخطيب

ادعُونِي أَستَجِبْ لَكُم: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن أَسرَارِ الوَعدِ الإِلَهِيِّ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَسُنَنِ اللهِ فِي كَشفِ الكُرُبَاتِ

مشاركة
ادعُونِي أَستَجِبْ لَكُم: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن أَسرَارِ الوَعدِ الإِلَهِيِّ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَسُنَنِ اللهِ فِي كَشفِ الكُرُبَاتِ الحَمدُ للهِ السَّمِيعِ القَرِيبِ المُجِيبِ، الَّذِي لَا يَشغَلُهُ سَمعٌ عَن سَمعٍ، وَلَا تُغلِّطُهُ كَثرَةُ المَسَائِلِ، وَلَا يَتَبَرَّمُ بِإِلحَاحِ المُلِحِّينَ، وَلَا تَغِيضُ خَزَائِنُهُ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ وَالسِّنِينَ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن أَنَزلَ بِسَاحَتِهِ الحَاجَاتِ فَقَضَاهَا، وَرَفَعَ إِلَيهِ الكُرُبَاتِ فَجَلَّاهَا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، مَلِكُ المُلُوكِ وَرَبُّ العَالَمِينَ، الَّذِي نَادَى عِبَادَهُ نِدَاءَ الكَرَمِ وَالرَّحمَةِ، وَوَثَّقَ لَهُمُ العَهدَ بِالإِجَابَةِ وَالنُّصرَةِ، فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ غَافِرٍ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، كَانَ أَعظَمَ الخَلقِ افتِقَارًا إِلَى رَبِّهِ، وَأَصدَقَهُم تَضَرُّعًا بَينَ يَدَيهِ، يَرفَعُ يَدَيهِ الشَّرِيفَتَينِ فِي المَضَايِقِ وَالشَّدَائِدِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبطَيهِ وَيَسقُطَ رِدَاؤُهُ عَن مَنكِبَيهِ، فَمَا تَنزِلُ يَدَاهُ إِلَّا وَقَد فُتِحَتْ لَهُ أَبوَابُ السَّمَاءِ بِالنَّصرِ وَالتَّأيِيدِ وَالعَطَاءِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا المُسلِمُونَ وَنَفسِي المِقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ المِفتَاحُ الأَعظَمُ لِتَفرِيجِ الكُرُبَاتِ، وَالسَّبَبُ الأَقوَى لِقَبُولِ الأَعمَالِ وَإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ، يَا مَن أَتَيتُم إِلَى بَيتِ رَبِّكُم تَرجُونَ رَحمَتَهُ وَتَخشَونَ عَذَابَهُ: فِي كِتَابِ اللهِ العَزِيزِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ، لَو تَأَمَّلَهَا المهمُومُ لَانقَشَعَ هَمُّهُ، وَلَو تَدَبَّرَهَا المَكرُوبُ لَزَالَ غَمُّهُ، وَلَو وَقَفَ عِندَهَا الفَقِيرُ المِعدَمُ وَالمَرِيضُ المُوجَعُ وَالمَظلُومُ المَقهُورُ لَامْتَلَأَ قَلبُهُ يَقِينًا وَطُمَأنِينَةً وَسَكِينَةً؛ إِنَّهَا الآيَةُ السِّتُّونَ مِن سُورَةِ غَافِرٍ، حَيثُ يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾! يَا لَهَا مِن آيَةٍ تَهتَزُّ لِجَلَالِهَا الجِبَالُ الرَّوَاسِي، وَيَذُوبُ لِحَلَاوَتِهَا القَلبُ القَاسِي! إِنَّهَا مَرسُومٌ مَلَكِيٌّ إِلهِيٌّ صَادِرٌ مِن فَوْقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ، مِنَ الغَنِيِّ الحَمِيدِ إِلَى العَبِيدِ الفُقَرَاءِ، وَمِنَ القَوِيِّ العَزِيزِ إِلَى الخَلقِ الضُّعَفَاءِ؛ فَتَعَالَوا بِنَا عِبَادَ اللهِ نَقِفْ خَاشِعِينَ أَمَامَ أَركَانِ هَذِهِ الآيَةِ الأَربَعَةِ، لِنَستَخرِجَ مِن بَحرِهَا دُرَرَ الهِدَايَةِ وَأسرارَ العُبُودِيَّةِ! الرُّكنُ الأَوَّلُ مِن أَركَانِ هَذِهِ الآيَةِ الجَلِيلَةِ هُوَ قَولُهُ سُبحَانَهُ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾! تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ دِقَّةَ هَذَا الاختِيَارِ القُرآنِيِّ البَدِيعِ؛ لَم يَقُلْ سُبحَانَهُ هُنَا: «وَقَالَ القَاهِرُ»، أَو «وَقَالَ الجَبَّارُ»، أَو «وَقَالَ المُنْتَقِمُ»؛ بَل قَالَ بِلُطفِهِ وَحَنَانِهِ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾! فَأَضَافَ رُبُوبِيَّتَهُ إِلَيكُم تشْرِيفًا وَتَكرِيمًا وَتَطْمِينًا؛ وَالرَّبُّ هُوَ الخَالِقُ المَالِكُ المُدَبِّرُ المُرَبِّي لِعِبَادِهِ بِالنِّعَمِ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً؛ هُوَ الَّذِي رَبَّاكَ وَأَنتَ جَنِينٌ فِي ظُلُمَاتِ الأَرحَامِ، وَرَعَاكَ وَأَنتَ طِفلٌ رَضِيعٌ لَا تَملِكُ لِنَفسِكَ ضَرًّا وَلَا نَفعًا، وَسَاقَ إِلَيكَ رِزقَكَ وَعَافِيَتَكَ وَأَنفَاسَكَ فِي كُلِّ لَحظَةٍ مِن لَحَظَاتِ عُمُرِكَ! فَإِذَا قَالَ لَكَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾، فَاعلَمْ أَنَّ الَّذِي يَدعُوكَ إِلَى سُؤَالِهِ هُوَ أَرحَمُ بِكَ مِن أُمِّكَ الَّتِي وَلَدَتكَ، وَأَعلَمُ بِمَصلَحَتِكَ مِن نَفسِكَ الَّتِي بَينَ جَنبَيكَ، وَأَقدَرُ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكَ مِن كُلِّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ! أَرَأَيتُم مُلُوكَ الدُّنيَا وَأَغنِيَاءَهَا وَكُبَرَاءَهَا؟ إِنَّ أَحَدَهُم إِذَا سَأَلتَهُ مَرَّةً ضَاقَ صَدرُهُ، وَإِذَا سَأَلتَهُ الثَّانِيَةَ قَطَّبَ جَبِينَهُ، وَإِذَا سَأَلتَهُ الثَّالِثَةَ أَغلَقَ بَابَهُ دُونَكَ وَحَجَبَكَ عَن مَجلِسِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ يَنقُصُ بِالعَطَاءِ! أَمَّا رَبُّ الأَربَابِ وَمَلِكُ المُلُوكِ جَلَّ جَلَالُهُ، فَإِنَّهُ يَغضَبُ إِذَا تَرَكتَ سُؤَالَهُ، وَيَفرَحُ كُلَّمَا أَلحَحتَ عَلَيهِ وَوَقَفتَ بِبَابِهِ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ»! وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ العَظِيمِ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ»! وَأَمَّا الرُّكنُ الثَّانِي مِن أَركَانِ هَذِهِ الآيَةِ يَا عِبَادَ اللهِ فَهُوَ الأَمرُ الإِلَهِيُّ الكَرِيمُ: ﴿ادْعُونِي﴾! قِفُوا عِندَ هَذِهِ الكَلِمَةِ الوَاحِدَةِ: ﴿ادْعُونِي﴾؛ لَم يَقُلْ سُبحَانَهُ: «ادعُوا وَسَائِطِي»، وَلَا قَالَ: «ادعُوا أَولِيَائِي أَو مَلَائِكَتِي لِيَرفَعُوا حَوَائِجَكُم إِلَيَّ»، وَلَا قَالَ: «ادعُونِي فِي يَومِ كَذَا دُونَ يَومِ كَذَا، أَو فِي مَكَانِ كَذَا دُونَ مَكَانِ كَذَا»؛ بَل فَتَحَ البَابَ عَلَى مِصرَاعَيهِ لِكُلِّ دَاعٍ، فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: ﴿ادْعُونِي﴾! وَانظُرُوا إِلَى نظِيرَةِ هَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، لِتَرَوا عَجِيبَ قُربِ اللهِ مِنَ الدَّاعِينَ؛ فَقَد سَأَلَ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن أَشيَاءَ كَثِيرَةٍ فِي القُرآنِ؛ سَأَلُوهُ عَنِ الأَهِلَّةِ، فَجَاءَ الجَوَابُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، وَسَأَلُوهُ عَنِ الخَمرِ وَالمَيسِرِ، فَجَاءَ الجَوَابُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، وَسَأَلُوهُ عَنِ الجِبَالِ، فَجَاءَ الجَوَابُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾؛ فِي كُلِّ هَذِهِ المَوَاضِعِ يَأتِي الفَصلُ بِلَفظِ «قُلْ» يَا مُحَمَّدُ؛ إِلَّا فِي مَوضِعٍ وَاحِدٍ فِي القُرآنِ كُلِّهِ، حِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ، أَم بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَحَذَفَ اللهُ لَفظَةَ «قُلْ»؛ لِئَلَّا يَشعُرَ العَبدُ الدَّاعِي بِأَدْنَى وَاسِطَةٍ أَو حِجَابٍ أَو بُعدٍ بَينَهُ وَبَينَ رَبِّهِ، وَتَوَلَّى الجَوَابَ بِنَفسِهِ مُبَاشَرَةً فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾! سُبحَانَكَ يَا رَبَّنَا مَا أَقرَبَكَ مِنَّا وَمَا أَغفَلَنَا عَنكَ! هُوَ قَرِيبٌ مِنكَ يَا عَبدَ اللهِ فِي جَوفِ اللَّيلِ إِذَا أُغلِقَتِ الأَبوَابُ وَنَامَتِ العُيُونُ، قَرِيبٌ مِنكَ فِي سُجُودِكَ حِينَ تَضَعُ جَبهَتَكَ عَلَى التُّرَابِ، قَرِيبٌ مِنكَ فِي مَرَضِكَ وَكَربِكَ وَضِيقِكَ، يَسمَعُ هَمْسَ شَفَتَيكَ، وَيَعْلَمُ أَنِينَ قَلبِكَ، وَيُبصِرُ دَمعَةَ عَينِكَ الَّتِي تَسقُطُ فِي الخَفَاءِ فَلَا يَرَاهَا أَحَدٌ سِوَاهُ! وَأَمَّا الرُّكنُ الثَّالِثُ مِن أَركَانِ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ فَهُوَ الوَعدُ الإِلَهِيُّ الصَّادِقُ: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾! إِنَّهُ وَعدٌ مَجزُومٌ فِي جَوَابِ الطَّلَبِ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ فَجَعَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الإِجَابَةَ مُرتَبِطَةً بِالدُّعَاءِ ارتِبَاطَ النَّتِيجَةِ بِمُقَدِّمَتِهَا، وَالثَّمَرَةِ بِشَجَرَتِهَا؛ وَمَن أَصدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا، وَمَن أَوفَى بِعَهدِهِ مِنَ اللهِ؟! وَلِهَذَا فَهِمَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هَذَا السِّرَّ العَظِيمَ، فَقَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ الَّتِي نَقَلَهَا عَنهُ أَئِمَّةُ الإِسلَامِ كَابنِ تَيمِيَّةَ وَابنِ القَيِّمِ وَغَيرِهِمَا: «إِنِّي لَا أَحْمِلُ هَمَّ الإِجَابَةِ، وَلَكِنْ أَحْمِلُ هَمَّ الدُّعَاءِ، فَإِذَا أُلْهِمْتُ الدُّعَاءَ فَإِنَّ الإِجَابَةَ مَعَهُ»! تَأَمَّلُوا فِقهَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِنَّ الإِجَابَةَ هِيَ وَعدُ اللهِ وَشَأنُهُ، وَاللهُ لَا يُخلِفُ المِيعَادَ؛ وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَهُوَ وَظِيفَةُ العَبدِ؛ فَمَتَى مَا وَفَّقَكَ اللهُ وَشَرَحَ صَدرَكَ وَأَطلَقَ لِسَانَكَ بِالدُّعَاءِ الصَّادِقِ الخَاشِعِ، فَاعلَمْ يَقِينًا أَنَّ اللهَ مَا فَتَحَ لَكَ بَابَ الدُّعَاءِ إِلَّا وَهُوَ يُرِيدُ أَن يَفتَحَ لَكَ بَابَ الإِجَابَةِ! افتَحُوا كِتَابَ اللهِ عِبَادَ اللهِ، وَاقرَؤُوا سُورَةَ الأَنبِيَاءِ وَغَيرَهَا، لِتَرَوا كَيفَ تَجَلَّى وَعدُ اللهِ ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فِي حَيَاةِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ حِينَ أُغلِقَتْ فِي وُجُوهِهِم أَبوَابُ الأَرضِ فَقَرَعُوا أَبوَابَ السَّمَاءِ: هَذَا نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ يَمكُثُ فِي قَومِهِ أَلفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمسِينَ عَامًا، يُؤذَى وَيُسخَرُ مِنهُ وَيُكَذَّبُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الكَربُ مُنتَهَاهُ رَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ فَقَطْ؛ كَمَا حَكَى اللهُ عَنهُ فِي سُورَةِ القَمَرِ: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾؛ فَمَاذَا كَانَ الجَوَابُ لِتِلكَ الكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ؟ تَغَيَّرَ نِظَامُ الكَونِ كُلِّهِ استِجَابَةً لِدَعوَةِ نُوحٍ؛ تَفَجَّرَتِ السَّمَاءُ بِمَاءٍ مُنهَمِرٍ، وَتَفَجَّرَتِ الأَرضُ عُيُونًا، وَغَرِقَ الطُّغَاةُ الجَبَابِرَةُ، وَنَجَا نُوحٌ وَمَن مَعَهُ عَلَى الفُلكِ المَشحُونِ! وَهَذَا أَيُّوبُ عَلَيهِ السَّلَامُ، يَشتَدُّ بِهِ البَلَاءُ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ ثَمَانِيَ عَشرَةَ سَنَةً، حَتَّى تَخَلَّى عَنهُ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، فَنَادَى رَبَّهُ بِنِدَاءِ الأَدَبِ وَالِانكِسَارِ كَمَا فِي سُورَةِ الأَنبِيَاءِ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فَيَأتِي التَّعقِيبُ الإِلَهِيُّ الفَورِيُّ بِفَاءِ السُّرعَةِ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾! وَهَذَا يُونُسُ بنُ مَتَّى عَلَيهِ السَّلَامُ فِي بَطنِ الحُوتِ، فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ: ظُلمَةِ اللَّيلِ، وَظُلمَةِ البَحرِ العَمِيقِ، وَظُلمَةِ بَطنِ الحُوتِ؛ حَيثُ لَا يَصِلُ صَوتٌ إِلَى بَشَرٍ، وَلَا تَنفَعُ حِيلَةٌ وَلَا قُوَّةٌ؛ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فَسَمِعَ اللهُ صَوتَهُ مِن قَعرِ المُحِيطِ، وَجَاءَ الجَوَابُ مَقرُونًا بِقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ لِكُلِّ مُؤمِنٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾! أَي: لَيسَتْ هَذِهِ الإِجَابَةُ خَاصَّةً بِيُونُسَ وَحدَهُ، بَل ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ إِذَا دَعَونَا بِصِدقٍ وَتَوحِيدٍ وَإِقرَارٍ! وَهَذَا زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ، وَقَد وَهَنَ العَظمُ مِنهُ، وَاشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيبًا، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ عَاقِرًا، تَقُولُ لَهُ قَوَانِينُ الطِّبِّ وَالأَسبَابِ المَادِّيَّةِ: لَا أَمَلَ فِي الوَلَدِ! فَيَرفَعُ يَدَيهِ إِلَى مَن يَقُولُ لِلشَّيءِ كُن فَيَكُونُ: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، فَيَأتِي الجَوَابُ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾! ثُمَّ قِفُوا عِبَادَ اللهِ عِندَ الرُّكنِ الرَّابِعِ مِن أَركَانِ آيَةِ غَافِرٍ، وَهُوَ الوَعِيدُ الشَّدِيدُ الَّذِي خَتَمَ اللهُ بِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾! لَاحِظُوا هَذَا الرَّبطَ القُرآنِيَّ المَهِيبَ: فِي أَوَّلِ الآيَةِ قَالَ: ﴿ادْعُونِي﴾، وَفِي آخِرِهَا لَم يَقُلْ: «إِنَّ الَّذِينَ يَستَكبِرُونَ عَن دُعَائِي»، بَل قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾! لِيُعلِنَ لِلخَلقِ أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ لُبُّ العِبَادَةِ وَرُوحُهَا وَجَوهَرُهَا! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ»، ثُمَّ قَرَأَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وَإِنَّمَا كَانَ تَارِكُ الدُّعَاءِ مُستَكبِرًا؛ لِأَنَّ العَبدَ مَجبُولٌ عَلَى الفَقرِ وَالعَجزِ وَالضَّعفِ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرَّاتِهِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾؛ فَمَن أَعرَضَ عَن دُعَاءِ رَبِّهِ وَاستَغنَى بِعَقلِهِ أَو مَالِهِ أَو قُوَّتِهِ أَو سُلطَانِهِ، فَقَد تَمَرَّدَ عَلَى مَقَامِ العُبُودِيَّةِ وَادَّعَى الغِنَى الكَاذِبَ، فَجَزَاؤُهُ أَن يُدخِلَهُ اللهُ جَهَنَّمَ ﴿دَاخِرِينَ﴾؛ أَي: صَاغِرِينَ ذَلِيلِينَ حَقِيرِينَ، جَزَاءً وِفَاقًا عَلَى استِكبَارِهِم عَن رَفعِ أَكُفِّ الضَّرَاعَةِ إِلَى مَولَاهُم! إِخوَةَ الإِيمَانِ: هُنَا يَبرُزُ سُؤَالٌ يَدُورُ فِي خَلَدِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَيُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيطَانُ فِي صُدُورِ المَبتَلَينَ، فَيَقُولُ القَائِلُ: «يَا إِمَامُ، إِنَّ اللهَ وَعَدَ فَقَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وَهَا أَنَا أَدعُو اللهَ فِي مَرَضِي، أَو فِي دَينِي، أَو فِي وَظِيفَتِي، أَو فِي ذُرِّيَّتِي، أَو فِي نُصرَةِ المَظلُومِينَ، فَلِمَاذَا لَم أَرَ مَا طَلَبتُ قَد تَحَقَّقَ حَتَّى الآنَ؟!». وَالجَوَابُ الشَّافِي الكَافِي عَن هَذَا السُّؤَالِ يَكشِفُهُ لَنَا الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَحصُرُ مَعنَى «الِاستِجَابَةِ» فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَهِيَ أَن يُعطَى عَينَ مَا طَلَبَ فِي الوَقتِ الَّذِي طَلَبَ! وَلَيسَ الأَمرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَيسَ سَمِيعًا قَدِيرًا فَحَسبُ، بَل هُوَ «العَلِيمُ الحَكِيمُ» الَّذِي يَعلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ وَمَآلَاتِهَا؛ فَقَد تَسأَلُ اللهَ شَيئًا تَظُنُّ فِيهِ سَعَادَتَكَ، وَاللهُ يَعلَمُ بِعِلمِهِ المُحِيطِ أَنَّ هَذَا الشَّيءَ لَو أُعطِيتَهُ الآنَ لَكَانَ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ أَو دُنيَاكَ! فَيَستَجِيبُ اللهُ لَكَ بِمَا هُوَ أَنفَعُ لَكَ وَأَرحَمُ بِكَ! اسْمَعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ الَّذِي يَملَأُ القَلبَ رِضًا وَيَقِينًا؛ فَقَد أَخرَجَ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ، وَالبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ، وَالحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا»، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ»! اللهُ أَكبَرُ! أَرَأَيتَ يَا عَبدَ اللهِ؟ إِنَّ دَعوَتَكَ الصَّادِقَةَ لَا تَضِيعُ عِندَ اللهِ أَبَدًا، وَلَا تَسقُطُ فِي الفَرَاغِ أَبَدًا؛ بَل هِيَ رَابِحَةٌ مَقبُولَةٌ فِي جَمِيعِ الأَحوَالِ بَينَ ثَلَاثِ عَطَايَا رَبَّانِيَّةٍ: إِمَّا أَن يُعَجِّلَ اللهُ لَكَ مَا طَلَبتَ فِي الدُّنيَا فِي الوَقتِ الَّذِي تَقتَضِيهِ حِكمَتُهُ البَالِغَةُ؛ وَإِمَّا أَن يَصرِفَ عَنكَ بِتِلكَ الدَّعوَةِ بَلَاءً أَو مَرَضًا أَو فِتنَةً أَو مُصِيبَةً كَانَتْ نَازِلَةً بِكَ أَو بِأَولَادِكَ وَأَنتَ لَا تَشعُرُ؛ وَإِمَّا أَن يَدَّخِرَهَا لَكَ جِبَالًا مِنَ الحَسَنَاتِ وَالدَّرَجَاتِ فِي الآخِرَةِ يَومَ تَشتَدُّ فَاقَتُكَ إِلَى حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى إِنَّ العَبدَ إِذَا رَأَى يَومَ القِيَامَةِ عِظَمَ ثَوَابِ دَعَوَاتِهِ الَّتِي ادُّخِرَتْ لَهُ فِي الآخِرَةِ تَمَنَّى أَنَّهُ لَم تُعَجَّلْ لَهُ فِي الدُّنيَا دَعوَةٌ وَاحِدَةٌ! فَاستَبشِرُوا بَوَعدِ رَبِّكُم عِبَادَ اللهِ، وَأَحسِنُوا الظَّنَّ بِمَولَاكُم، وَأَكثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ؛ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ كَاشِفِ الغُمَمِ، وَمُفرِّجِ الكُرَبِ، وَمُجزِلِ النِّعَمِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ذُو الجَلَالِ وَالإِكرَامِ وَالجُودِ وَالكَرَمِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ العَرَبِ وَالعَجَمِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أُولِي الفَضلِ وَالهِمَمِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ لِلدُّعَاءِ آدَابًا تَرفَعُهُ، وَمَوَانِعَ تَحجُبُهُ؛ فَمَن أَرَادَ أَن يَتَحَقَّقَ لَهُ وَعدُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قَولِهِ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فَعَلَيهِ أَن يُزِيلَ مِن طَرِيقِ دُعَائِهِ أَربَعَةَ مَوَانِعَ كُبرَى حَذَّرَ مِنهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ: المَانِعُ الأَوَّلُ: أَكلُ المَالِ الحَرَامِ! فَكَم مِن إِنسَانٍ يَرفَعُ يَدَيهِ إِلَى السَّمَاءِ وَفِي بَطنِهِ سُحتٌ أَو رِشوَةٌ أَو رِبًا أَو مَالُ يَتِيمٍ أَو حَقٌّ مَغصُوبٌ لِأَجِيرٍ أَو شَرِيكٍ أَو وَرَثَةٍ، ثُمَّ يَعجَبُ لِمَاذَا لَا يُستَجَابُ لَهُ! فَقَد أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الرَّجُلَ «يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!»! وَالمَانِعُ الثَّانِي: الِاستِعجَالُ وَالقُنُوطُ وَتَركُ الدُّعَاءِ! فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَأتِي إِلَى العَبدِ إِذَا طَالَ عَلَيهِ البَلَاءُ فَيَقُولُ لَهُ: «قَد دَعَوتَ كَثِيرًا وَلَم يُستَجَبْ لَكَ، فَلَا تُتعِبْ نَفسَكَ»، فَيَنقَطِعُ المِسكِينُ عَنِ الدُّعَاءِ فِي اللَّحظَةِ الَّتِي قَرُبَ فِيهَا الفَرَجُ! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي»؛ وَفِي لَفظِ مُسلِمٍ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاستِعجَالُ؟ قَالَ: «يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ»! وَالمَانِعُ الثَّالِثُ: غَفلَةُ القَلبِ عِندَ الدُّعَاءِ وَضَعفُ اليَقِينِ بِاللهِ! فَبَعضُ النَّاسِ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ بِدَعَوَاتٍ مَحفُوظَةٍ، وَقَلبُهُ غَافِلٌ لَاهٍ سَارِحٌ فِي أَودِيَةِ الدُّنيَا، أَو يَدعُو عَلَى سَبِيلِ التَّجرِبَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ اليَقِينِ! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ». وَالمَانِعُ الرَّابِعُ: الإِصرَارُ عَلَى المَعَاصِي وَقَسوَةُ القُلُوبِ عَنِ استِجَابَةِ أَمرِ اللهِ! فَقَد قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَعدَ وَعدِهِ بِالإِجَابَةِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؛ وَمَرَّ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ رَحِمَهُ اللهُ بِسُوقِ البَصرَةِ، فَاجتَمَعَ إِلَيهِ النَّاسُ وَقَالُوا لَهُ: «يَا أَبَا إِسحَاقَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وَنَحنُ نَدعُوهُ مُنذُ دَهرٍ فَلَا يُستَجَابُ لَنَا!»، فَقَالَ لَهُم إِبرَاهِيمُ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَاتٍ تُكتَبُ بِمَاءِ العُيُونِ: «يَا أَهْلَ البَصْرَةِ، مَاتَتْ قُلُوبُكُمْ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ، فَكَيْفَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ؟! عَرَفْتُمُ اللَّهَ فَلَمْ تُؤَدُّوا حَقَّهُ، وَقَرَأْتُمْ كِتَابَ اللَّهِ فَلَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وَادَّعَيْتُمْ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكْتُمْ سُنَّتَهُ، وَادَّعَيْتُمْ عَدَاوَةَ الشَّيْطَانِ وَوَافَقْتُمُوهُ، وَقُلْتُمْ نُحِبُّ الجَنَّةَ وَلَمْ تَعْمَلُوا لَهَا، وَقُلْتُمْ نَخَافُ النَّارَ وَرَهَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهَا، وَقُلْتُمْ إِنَّ المَوْتَ حَقٌّ وَلَمْ تَسْتَعِدُّوا لَهُ، وَاشْتَغَلْتُمْ بِعُيُوبِ إِخْوَانِكُمْ وَنَبَذْتُمْ عُيُوبَكُمْ، وَأَكَلْتُمْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ وَلَمْ تَشْكُرُوهَا، وَدَفَنْتُمْ مَوْتَاكُمْ وَلَمْ تَعْتَبِرُوا بِهِمْ»! فَيَا أَيُّهَا المَهمُومُ، وَيَا أَيُّهَا المَكرُوبُ، وَيَا مَن ضَاقَتْ عَلَيهِ الأَرضُ بِمَا رَحُبَتْ: أَقبِلْ عَلَى رَبِّكَ بِتَوبَةٍ نَصُوحٍ، وَطَهِّرْ مَطعَمَكَ وَمَكسَبَكَ، وَأَيقِظْ قَلبَكَ، وَارفَعْ يَدَيكَ إِلَى مَن بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، وَلَا تُذِلَّ وَجهَكَ لِمَخلُوقٍ ضَعِيفٍ مِثلِكَ؛ وَمَا أَصدَقَ قَولَ الشَّاعِرِ الحَكِيمِ: لَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً ... وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لَا تُحْجَبُ اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ ... وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ وَإِذَا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فَاصْبِرْ لَهَا ... صَبْرَ الكَرِيمِ فَإِنَّهُ بِكَ أَعْلَمُ وَإِذَا شَكَوْتَ إِلَى ابْنِ آدَمَ إِنَّمَا ... تَشْكُو الرَّحِيمَ إِلَى الَّذِي لَا يَرْحَمُ وَاغتَنِمُوا عِبَادَ اللهِ فِي يَومِكُم هَذَا «سَاعَةَ الِاستِجَابَةِ» فِي يَومِ الجُمُعَةِ، الَّتِي أَخبَرَ عَنهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»، وَأَرجَى أَوقَاتِهَا مَا بَينَ جُلُوسِ الإِمَامِ عَلَى المِنبَرِ إِلَى انقِضَاءِ الصَّلَاةِ، وَآخرُ سَاعَةٍ بَعدَ العَصرِ قَبلَ غُرُوبِ الشَّمسِ؛ فَأَرُوا اللهَ مِن أَنفُسِكُمُ اليَومَ ضَرَاعَةً وَافتِقَارًا وَإِلحَاحًا، وَأَبشِرُوا بِفَرَجٍ قَرِيبٍ وَعَطَاءٍ جَزِيلٍ! هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالهُدَى، كَمَا أَمَرَكُمُ المَولَى جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللَّهُمَّ يَا مَن قُلتَ وَقَولُكَ الحَقُّ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، هَا نَحنُ قَد دَعَونَاكَ كَمَا أَمَرتَنَا، فَاستَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدتَنَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ! اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذَا ذَنبًا إِلَّا غَفَرتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجتَهُ، وَلَا كَربًا إِلَّا نَفَّستَهُ، وَلَا دَينًا إِلَّا قَضَيتَهُ، وَلَا مَرِيضًا إِلَّا شَفَيتَهُ، وَلَا مَظلُومًا إِلَّا نَصَرتَهُ، وَلَا ضَالًّا إِلَّا هَدَيتَهُ، وَلَا مَيتًا إِلَّا رَحِمتَهُ، وَلَا حَاجَةً مِن حَوَائِجِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضًا وَلَنَا فِيهَا صَلَاحٌ إِلَّا قَضَيتَهَا وَيَسَّرتَهَا يَا قَاضِيَ الحَاجَاتِ وَيَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن عِلمٍ لَا يَنفَعُ، وَمِن قَلبٍ لَا يَخشَعُ، وَمِن نَفسٍ لَا تَشبَعُ، وَمِن دَعوَةٍ لَا يُستَجَابُ لَهَا. اللَّهُمَّ الطُفْ بِإِخوَانِنَا المُستَضعَفِينَ وَالمَكرُوبِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَعَجِّلْ لَهُم بِالفَرَجِ وَالنَّصرِ وَالتَّمكِينِ، وَاغفِرْ لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.