من مكتبة مِداد الخطيب

أَوَّلُ الطَّرِيقِ.. رِسَالَةٌ إِلَى قَلْبِ طَالِبِ الْعِلْمِ الْمُبْتَدِئِ

مشاركة
📖 أَوَّلُ الطَّرِيقِ.. رِسَالَةٌ إِلَى قَلْبِ طَالِبِ الْعِلْمِ الْمُبْتَدِئِ #درس_علمي #طلب_العلم #تزكية_النفس #الإخلاص #لطلبة_العلم #رقائق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَمْدًا يَسْتَدِيمُ نِعَمَهُ، وَيَسْتَجْلِبُ رَحْمَتَهُ، وَيَسْتَدْفِعُ نِقْمَتَهُ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُعَلِّمِ الْبَشَرِيَّةِ، وَهَادِي الْإِنْسَانِيَّةِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: إِخْوَتِي وَأَخَوَاتِي فِي اللَّهِ، وَيَا أَيُّهَا السَّائِرُونَ فِي دَرْبِ النُّورِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. مَجْلِسُنَا الْيَوْمَ، لَيْسَ مَجْلِسًا لِسَرْدِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الْعَمِيقَةِ، وَلَا لِتَحْرِيرِ الْخِلَافَاتِ الْأُصُولِيَّةِ الدَّقِيقَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. مَجْلِسُنَا الْيَوْمَ هُوَ جَلْسَةُ مُصَارَحَةٍ إِيمَانِيَّةٍ، وَوُقُوفٌ عَلَى ضِفَافِ الْقَلْبِ قَبْلَ وُلُوجِ بَحْرِ الْعَقْلِ. هِيَ رِسَالَةٌ مِنْ مُحِبٍّ مُشْفِقٍ، إِلَى كُلِّ شَابٍّ أَوْ فَتَاةٍ، وَإِلَى كُلِّ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، قَرَّرَ فِي لَحْظَةِ صِدْقٍ مَعَ اللَّهِ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، أَنْ يَمْسِكَ بِكِتَابِهِ، وَأَنْ يَجْلِسَ فِي حَلَقَاتِ الذِّكْرِ مُبْتَدِئًا خُطُوَاتِهِ الْأُولَى فِي أَعْظَمِ مُهِمَّةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ هَذِهِ الْأَرْضِ. إِنَّهَا الرِّسَالَةُ الَّتِي أَتَمَنَّى لَوْ أَنِّي سَمِعْتُهَا حِينَ قَرَأْتُ أَوَّلَ سَطْرٍ فِي كُتُبِ الشَّرِيعَةِ، وَأَرْجُو مِنْكُمُ الْيَوْمَ أَنْ تَسْتَمِعُوا إِلَيْهَا بِقُلُوبِكُمْ قَبْلَ آذَانِكُمْ. أَوَّلًا: مَعْرِفَةُ قَدْرِ الِاصْطِفَاءِ وَشَرَفِ الْمَقَامِ أَيُّهَا الطَّالِبُ الْمُبْتَدِئُ.. أَيَّتُهَا الطَّالِبَةُ النَّجِيبَةُ.. هَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا: مَاذَا يَعْنِي أَنْ تَخْتَارُوا طَرِيقَ الْعِلْمِ؟ إِنَّ اخْتِيَارَكُمْ لِهَذَا الطَّرِيقِ لَيْسَ صُدْفَةً رَتَّبَتْهَا حَوَادِثُ الْأَيَّامِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ رَغْبَةٍ عَابِرَةٍ قَذَفَهَا الْفَرَاغُ فِي النُّفُوسِ. إِنَّ وُقُوفَكُمْ عَلَى بَابِ الْعِلْمِ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَرَادَ بِكُمْ خَيْرًا عَظِيمًا لَا يَعْلَمُ مُنْتَهَاهُ إِلَّا هُوَ جَلَّ جَلَالُهُ. وَلَسْتُ أَنَا مَنْ أَقُولُ هَذَا، بَلْ قَالَهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ جَلَاءً لَا لُبْسَ فِيهِ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». تَأَمَّلُوا.. لَمْ يَقُلْ: يُكْثِرْ مَالَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: يُعْلِ مَنْصِبَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: يَمْنَحْهُ شُهْرَةً فِي الْأَرْضِ، بَلْ جَعَلَ الْخَيْرِيَّةَ الْمُطْلَقَةَ الرَّبَّانِيَّةَ مَرْبُوطَةً رَبْطًا مُحْكَمًا بِالْفِقْهِ فِي دِينِهِ وَفَهْمِ شَرِيعَتِهِ. إِذَا رَأَيْتَ مِنْ نَفْسِكَ إِقْبَالًا عَلَى الْقُرْآنِ، وَحُبًّا لِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَغَفًا بِمَعْرِفَةِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَافْرَحْ؛ فَهَذِهِ بِطَاقَةُ دَعْوَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ السَّمَاءِ لَكَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ الْخَيْرَ بِكَ. ثُمَّ تَأَمَّلْ مَعِي يَا رَعَاكَ اللَّهُ، فِي مَقَامِكَ وَأَنْتَ تَمْشِي إِلَى حَلَقَةِ الْعِلْمِ، أَوْ حَتَّى وَأَنْتَ تَسْتَمِعُ إِلَى دَرْسٍ عَنْ بُعْدٍ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ. أَنْتَ حِينَ تَفْعَلُ ذَلِكَ لَسْتَ شَخْصًا عَادِيًّا يُمَارِسُ نَشَاطًا ذِهْنِيًّا مُجَرَّدًا.. أَنْتَ تَمْشِي عَلَى سَجَّادٍ أَحْمَرَ مِنَ النُّورِ غَيْرِ الْمَرْئِيِّ، نَسَجَتْهُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ لَكَ خِصِّيصًا! يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ: «وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ». تَخَيَّلْ هَذَا الْمَشْهَدَ الْمَهِيبَ فِي وُجْدَانِكَ! مَلَائِكَةُ الرَّحْمَنِ، الَّتِي لَا تَعْصِي اللَّهَ مَا أَمَرَهَا وَتَفْعَلُ مَا تُؤْمَرُ، الْمَخْلُوقَاتُ النُّورَانِيَّةُ الْهَائِلَةُ، تَتْرُكُ عِبَادَاتِهَا الْخَاصَّةَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَتَنْزِلُ لِتَحُفَّ مَجْلِسَكَ، وَتَخْفِضُ أَجْنِحَتَهَا لَكَ تَوَاضُعًا وَإِجْلَالًا، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّكَ تَسْعَى فِي تَعَلُّمِ كَلَامِ رَبِّهَا الَّذِي تُعَظِّمُهُ هِيَ أَشَدَّ التَّعْظِيمِ. أَيُّ كَرَامَةٍ هَذِهِ لِابْنِ آدَمَ الضَّعِيفِ الْمُذْنِبِ أَنْ تَتَوَاضَعَ لَهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ!
وَيَأْتِي كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَتْوِيجًا وَإِعْلَانًا لِهَذَا التَّكْرِيمِ، إِذْ يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُقَرِّرًا هَذِهِ الرِّفْعَةَ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: 11]. وَالرِّفْعَةُ هُنَا رِفْعَةٌ مُطْلَقَةٌ؛ يَرْفَعُكَ دَرَجَاتٍ فِي الدُّنْيَا بِالْبَصِيرَةِ، فَلَا تَتِيهُ مَعَ الْحَيَارَى فِي زَمَنِ الْفِتَنِ، وَيَرْفَعُكَ دَرَجَاتٍ فِي الْقَبْرِ بِبَرَكَةِ عَمَلِكَ الصَّالِحِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْعِلْمِ، وَيَرْفَعُكَ دَرَجَاتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حِينَ يُحْشَرُ النَّاسُ عُمَاةً خَائِفِينَ فَتَأْتِي أَنْتَ وَيَمْشِي نُورُ يَقِينِكَ بَيْنَ يَدَيْكَ لِيَقُودَكَ إِلَى مَقَامَاتِ النَّعِيمِ. ثَانِيًا: الْإِخْلَاصُ وَتَزْكِيَةُ النِّيَّةِ فِي عَصْرِ الشَّاشَاتِ لَكِنَّنَا، يَا إِخْوَتِي الْأَحِبَّةَ، مُلْزَمُونَ بِالْوُقُوفِ طَوِيلًا عِنْدَ الْمُزَلِّقِ الْأَكْبَرِ. هَذَا الشَّرَفُ الَعَظِيمُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكُمْ لَيْسَ شَرَفًا مَجَّانِيًّا يُعْطَى بِمُجَرَّدِ الِانْتِسَابِ أَوِ التَّسْجِيلِ فِي حَلَقَةٍ. إِنَّ دُونَهُ عَقَبَةً كَئُودًا أَسْقَطَتْ كَثِيرًا مِمَّنْ سَارُوا قَبْلَنَا وَاغْتَرُّوا بِحَجْمِ مَعْلُومَاتِهِمْ. هَذِهِ الْعَقَبَةُ اسْمُهَا "الْإِخْلَاصُ وَفَسَادُ النِّيَّةِ". نَسْأَلُ أَنْفُسَنَا دَائِمًا وَنُحَاسِبُ قُلُوبَنَا: لِمَاذَا نَتَعَلَّمُ حَقًّا؟ هَلْ نَحْنُ نَتَعَلَّمُ لِأَجْلِ أَنْ يُشَارَ إِلَيْنَا بِالْبَنَانِ؟ هَلْ لِيُقَالَ لَنَا فِي الْمَجَالِسِ "يَا شَيْخُ" أَوْ "يَا طَالِبَ الْعِلْمِ"؟ هَلْ لِنَتَصَدَّرَ الصُّفُوفَ، وَنَلْفِتَ الْأَنْظَارَ، وَنُجَادِلَ النَّاسَ وَنُفْحِمَهُمْ لِنُظْهِرَ بَرَاعَتَنَا وَقُوَّةَ حُجَّتِنَا عَلَى حِسَابِ جَهْلِهِمْ؟ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْبَوَاعِثُ الْخَفِيَّةُ لِلْقَلْبِ، فَقَدْ فَسَدَ الرِّبْحُ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ التِّجَارَةُ مَعَ اللَّهِ! وَوَاللَّهِ إِنَّ الْجَهْلَ عِنْدَ اللَّهِ لَأَهْوَنُ أَلْفَ مَرَّةٍ مِنْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ تُرَادُ بِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةُ وَشَهْوَةُ النَّفْسِ. اسْمَعُوا بِقُلُوبٍ وَاجِلَةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُخِيفِ، الَّذِي يُزَلْزِلُ الْقُلُوبَ الْمُؤْمِنَةَ، وَكَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ يَغْشَى عَلَيْهِ حِينَ يُحَدِّثُ بِهِ. أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُهَا لِيَكُونُوا حَطَبًا لَهَا.. هَلْ تَعْلَمُونَ مَنْ هُمْ؟ لَيْسُوا مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ الْمُشْرِكِينَ! وَلَا مِنْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ الْمُجْرِمِينَ! بَلْ هُمْ: شَهِيدٌ، وَمُتَصَدِّقٌ بِمَالِهِ، وَعَالِمٌ قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ! يُؤْتَى بِالْعَالِمِ وَالْقَارِئِ، فَيُعَرِّفُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نِعَمَهُ الَتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَيَعْرِفُهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مُفْتَخِرًا: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ يَا رَبِّ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي قَرَارَةِ الْقَلْبِ: كَذَبْتَ! وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ! لَقَدْ أَخَذْتَ أَجْرَكَ ثَنَاءً مِنَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا فَلَيْسَ لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ. ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ، فَيُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ إِهَانَةً لَهُ حَتَّى يُلْقَى فِي النَّارِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ! (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). يَا اللَّهُ! مَا أَفْجَعَهَا مِنْ نِهَايَةٍ! حَيَاةٌ كَامِلَةٌ تُصْرَفُ بَيْنَ الْكُتُبِ وَتَقْلِيبِ الصَّفَحَاتِ، وَالِانْتِقَالِ بَيْنَ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ، وَالسَّهَرِ فِي مَرَاجَعَةِ الْمُتُونِ وَتَحْقِيقِ الْمَسَائِلِ، ثُمَّ تَكُونُ الْخَاتِمَةُ إِلَى صَقَرَ بِسَبَبِ فَسَادِ النِّيَّةِ! لِذَلِكَ، يَا كِرَامُ، كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ أَشَدَّ النَّاسِ رُعْبًا وَخَوْفًا عَلَى نِيَّاتِهِمْ مِنْ أَنْ تَتَلَوَّثَ. كَانَ الْإِمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ رَحِمَهُ اللَّهُ- يَقُولُ كَلِمَتَهُ الشَّهِيرَةَ الَّتِي تَقْطُرُ صِدْقًا: "مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي؛ إِنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ".
وَفِي زَمَانِنَا هَذَا، زَمَانِ الْأَجْهِزَةِ الذَّكِيَّةِ وَالشَّاشَاتِ، وَالْمِنَصَّاتِ الرَّقْمِيَّةِ التِي حَوَّلَتْ حَيَاتَنَا إِلَى مَسْرَحٍ مَفْتُوحٍ، أَصْبَحَ الْخَطَرُ عَلَى النِّيَّةِ مُضَاعَفًا آلَافَ الْمَرَّاتِ عَمَّا كَانَ سَابِقًا. الْيَوْمَ، يَقْرَأُ الشَّابُّ حَدِيثًا صَحِيحًا أَوْ مَسْأَلَةً رَقِيقَةً، لَا لِيَتَدَبَّرَهَا فِي قَلْبِهِ، بَلْ لِيُسْرِعَ كِتَابَتَهَا فِي "تَغْرِيدَةٍ" أَوْ مَنْشُورٍ، يَنْتَظِرُ عَدَّادَ الْإِعْجَابَاتِ، وَتَعْلِيقَاتِ الثَّنَاءِ عَلَى عُمْقِ فَهْمِهِ وَبَلَاغَةِ عِبَارَتِهِ! لَقَدْ صَارَ شَهْوَةُ "حُبِّ الظُّهُورِ" مَرَضًا يَقْصِمُ ظُهُورَ بَعْضِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ. وَيْحَكَ يَا مِسْكِينُ، تَجْمَعُ حَسَنَاتِ الطَّلَبِ بِيَدٍ، وَتُبَعْثِرُهَا فِي مَهَبِّ الرِّيَاءِ بِالْيَدِ الْأُخْرَى! يَا طَالِبَ الْعِلْمِ، وَيَا حَامِلَةَ كِتَابِ اللَّهِ، جَدِّدُوا النِّيَّةَ فِي كُلِّ صَفْحَةٍ تَقْرَؤُونَهَا، بَلْ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ. اجْعَلُوا النِّيَّةَ هِيَ: "رَفْعُ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِي أَوْلًا، لِأَعْبُدَ اللَّهَ عَلَى بَصِيرَةٍ وَعِلْمٍ بَدَلَ التَّخَبُّطِ فِي ظُلُمَاتِ الْهَوَى، ثُمَّ رَفْعُ الْجَهْلِ عَنْ غَيْرِي، حُبًّا لَهُمْ فِي اللَّهِ، وَإِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَابِ نَارِ جَهَنَّمَ". إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، بُورِكَ لَكُمْ فِي الْقَلِيلِ، وَإِنْ غَفَلْتُمْ عَنْهُ، مُحِقَتْ بَرَكَةُ الْكَثِيرِ. ثَالِثًا: الْأَدَبُ رُوحُ الْعِلْمِ وَجَنَاحُهُ وَمِنْ أَعْظَمِ الدَّعَائِمِ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا مَسَارُكَ الْعِلْمِيُّ الرَّصِينُ، أُصُولُ "الْأَدَبِ". إِخْوَتِي فِي اللَّهِ، الْعِلْمُ بِغَيْرِ أَدَبٍ كَالسَّيْفِ الْحَادِّ فِي يَدِ سَفِيهٍ مَجْنُونٍ؛ يُؤْذِي بِهِ نَفْسَهُ، وَيَجْرَحُ بِهِ مَنْ حَوْلَهُ دُونَ حِكْمَةٍ وَلَا بَصِيرَةٍ. وَلَقَدْ أُلِينَا فِي زَمَانِنَا بِظَاهِرَةٍ مُؤْلِمَةٍ لِلْقُلُوبِ الْغَيُورَةِ؛ حَيْثُ أَصْبَحْنَا نَرَى بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُونَ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ فِي سِنِيهِمْ الْأُولَى، يَحْفَظُونَ بَعْضَ الْمُتُونِ، وَيَسْرُدُونَ حُفْنَةً مِنَ الْأَدِلَّةِ، لَكِنَّ لِسَانَ أَحَدِهِمْ كَالْمِقَصِّ الَّذِي لَا يَرْحَمُ؛ يَشْتِمُ هَذَا الشَّيْخَ، وَيُسَفِّهُ رَأْيَ هَذَا الْعَالِمِ، وَيَتَطَاوَلُ عَلَى الرُّمُوزِ الْكِبَارِ الَّذِينَ شَابَتْ لِحَاهُمْ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ تَطَاوُلَهُ هَذَا مِنْ بَابِ "إِظْهَارِ الْحَقِّ وَالذَّبِّ عَنِ السُّنَّةِ"، وَمَا هُوَ وَاللَّهِ إِلَّا مِنْ بَابِ سُوءِ الْأَدَبِ وَخَفَاءِ الْبَصِيرَةِ. أَيْنَ هَؤُلَاءِ الصِّغَارُ مِنْ كَلَامِ أُمِّ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ؟ حِينَ كَانَتْ تُلْبِسُهُ ثِيَابَهُ جَمِيلَةً وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ، وَتُعَمِّمُهُ، وَتَقُولُ لَهُ كَلِمَةً كُتِبَتْ بِمَاءِ الذَّهَبِ التَّرْبَوِيِّ: "اذْهَبْ إِلَى رَبِيعَةَ (وَهُوَ شَيْخُهُ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ) فَتَعَلَّمْ مِنْ أَدَبِهِ وَسَمْتِهِ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ مِنْ عِلْمِهِ". وَأَيْنَ هُمْ مِنْ مَقَوْلَةِ الْإِمَامِ الْعَابِدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ، حِينَمَا جَلَسَ يُلَخِّصُ تَجْرِبَتَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ، فَقَالَ: "نَحْنُ إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِلْمِ". إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَوْ كَانَ جَاهِلًا بِبَعْضِ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّ أَدَبَهُ يَرْفَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ عِنْدَ النَّاسِ وَيَجْعَلُ قُلُوبَهُمْ تَنْفَتِحُ لِنُصْحِهِ، أَمَّا قَلِيلُ الْأَدَبِ، فَلَوْ حَفِظَ كُتُبَ الْأَرْضِ كُلَّهَا، فَلَنْ تُطِيقَهُ النُّفُوسُ كَمَا لَا تُطِيقُ لَدْغَ الْعَقَارِبِ.
وَاسْمَعُوا يَا رَعَاكُمُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ، لِحَبْرِ الْأُمَّةِ، وَتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ، الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَهُوَ كَمَا تَعْلَمُونَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَهُ شَرَفُ الْقَرَابَةِ، وَشَرَفُ دُعَاءِ النَّبِيِّ لَهُ. كَانَ هَذَا الشَّابُّ الْيَافِعُ يَأْتِي فِي ظَهِيرَةِ أَيَّامِ الْمَدِينَةِ الْحَارَّةِ إِلَى بَابِ شَيْخِهِ الصَّحَابِيِّ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَاتِبِ الْوَحْيِ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ. فَإِذَا جَاءَ وَوَجَدَهُ نَائِمًا يَقِيلُ، لَمْ يَطْرُقِ الْبَابَ لِيُوقِظَهُ كَمَا نَفْعَلُ نَحْنُ الْيَوْمَ فِي اسْتِعْجَالِنَا بِرُعُونَةٍ! بَلْ كَانَ يَفْرِشُ رِدَاءَهُ عَلَى بَابِ زَيْدٍ فِي تُرَابِ الْأَرْضِ، فَتَسْفِي الرِّيحُ عَلَيْهِ التُّرَابَ وَهُوَ يَنْتَظِرُ مُتَحَمِّلًا حَرَّ الشَّمْسِ وَالْغُبَارَ، حَتَّى يَسْتَيْقِظَ شَيْخُهُ بِنَفْسِهِ فَيَخْرُجَ. فَلَمَّا خَرَجَ زَيْدٌ ذَاتَ يَوْمٍ وَرَأَى حَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ الْمُتَوَاضِعَةِ الْمُنْكَسِرَةِ، فَزِعَ، وَقَالَ تَوْقِيرًا لِنَسَبِهِ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ! هَلَّا أَيْقَظْتَنِي حِينَ جِئْتَ؟ فَرَدَّ الشَّابُّ الْمُتَأَدِّبُ بِأَدَبِ النُّبُوَّةِ الْعَالِي رَدًّا قَاطِعًا لِعُرُوقِ الْكِبْرِ: "هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا"! إِخْوَتِي.. إِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي لَا يُورِثُكَ تَوَاضُعًا شَدِيدًا فِي الْقَلْبِ، وَلِينًا هَادِئًا فِي الْجَانِبِ، وَرَحْمَةً غَامِرَةً لِلْخَلْقِ يَدْفَعُكَ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ.. هُوَ عِلْمٌ وَبَالٌ عَلَيْكَ، وَلَيْسَ نُورًا لَكَ أَبَدًا! إِذَا رَأَيْتَ نَفْسَكَ، بَعْدَ حِفْظِكَ لِمَتْنٍ أَوْ قِرَاءَتِكَ لِكِتَابٍ، قَدْ تَعَالَيْتَ وَتَكَبَّرْتَ عَلَى أَبِيكَ الْعَامِّيِّ، أَوِ اسْتَخْفَفْتَ بِأُمِّكَ وَزَجَرْتَهَا لِأَنَّهَا لَا تُتْقِنُ مَسْأَلَةً، أَوِ احْتَقَرْتَ الْعُصَاةَ فِي الْمُجْتَمَعِ وَنَظَرْتَ إِلَيْهِمْ نَظْرَةَ الْمُشْمَئِزِّ الْمُتَعَالِي، فَاعْلَمْ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّكَ لَمْ تَنَلْ مِنَ بَرَكَةِ الْعِلْمِ شَيْئًا، بَلْ هِيَ قَسْوَةٌ خَبِيثَةٌ سَرَتْ فِي قَلْبِكَ لُبِّسَتْ بِثَوْبِ الْمَعْرِفَةِ. يَقُولُ الْحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصْفًا قَاطِعًا دَقِيقًا لِلْغَايَةِ الْكُبْرَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فَاطِرٍ: 28]. خَشْيَةُ اللَّهِ الرَّقِيقَةُ الْمُنْكَسِرَةُ هِيَ الثَّمَرَةُ وَهِيَ الْمِيزَانُ، وَكُلُّ عِلْمٍ شَكْلِيٍّ مَهْمَا عَظُمَ لَا يُورِثُ صَاحِبَهُ خَشْيَةً وَتَوَاضُعًا، فَلَا بَرَكَةَ وَلَا خَيْرَ فِيهِ. رَابِعًا: آفةُ التَّعَالُمِ.. الْوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ (لَا أَدْرِي) ثُمَّ إِنِّي أُحَذِّرُكَ يَا صَاحِبِي، تَحْذِيرَ مَنْ يَخَافُ عَلَيْكَ سُقُوطَ الطَّرِيقِ، مِنْ آفَةٍ خُبَثَاءِ قَدْ تَذْبَحُ مَسِيرَتَكَ الْعِلْمِيَّةَ فِي مَهْدِهَا الْأَوَّلِ.. إِنَّهَا "آفَةُ التَّعَالُمِ وَوَهْمُ الْكَمَالِ". مَا أَسْهَلَ وَمَا أَخْطَرَ أَنْ يَقْرَأَ الشَّابُّ الْمُتَحَمِّسُ الْيَوْمَ كُتَيِّبًا صَغِيرًا أَوْ تَلْخِيصًا سَرِيعًا، أَوْ يَسْتَمِعَ إِلَى عِدَّةِ مُحَاضَرَاتٍ مُجْتَزَأَةٍ عَلَى الشَّبَكَةِ، ثُمَّ يَنْتَفِخَ مَعْرِفِيًّا فِي خَيَالِهِ لِيُنَصِّبَ نَفْسَهُ مُفْتِيًا لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ جَمْعَاءَ! يُخَطِّئُ هَذَا الْمَذْهَبَ بِكَلِمَةٍ، وَيُسَفِّهُ ذَلِكَ الْإِمَامَ الْجَبَلَ فِي فَتْوَاهُ بِجَرَّةِ قَلَمٍ، وَيَقُولُ بِكُلِّ صَلَفٍ وَسُوءِ أَدَبٍ، ظَانًّا بِنَفْسِهِ الشَّجَاعَةَ: "هُمُ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ"! نَعَمْ هُمْ رِجَالٌ، وَأَنْتَ رَجُلٌ حَقًّا، وَلَكِنَّهُمْ رِجَالٌ نَحَتُوا الْجِبَالَ بِعُقُولِهِمْ حَتَّى اسْتَخْرَجُوا دُرَرَ الْأَحْكَامِ، وَأَنْتَ رَجُلٌ تُقَلِّبُ صَفَحَاتِ كَدْحِهِمْ وَأَنْتَ تَتَّكِئُ عَلَى وِسَادَتِكَ.
رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ مِنْ سَلَفِنَا حِينَ شَخَّصَ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ النَّفْسِيَّةَ: "الْقِرَاءَةُ فِي الْعِلْمِ كَمَا يَقُولُونَ ثَلَاثَةُ أَشْبَارٍ؛ مَنْ دَخَلَ فِي الشِّبْرِ الْأَوَّلِ تَكَبَّرَ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَمَنْ دَخَلَ فِي الشِّبْرِ الثَّانِي تَوَاضَعَ بَعْدَ أَنْ أَحَسَّ بِسَعَةِ الْبَحْرِ، وَمَنْ دَخَلَ فِي الشِّبْرِ الثَّالِثِ وَتَعَمَّقَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا وَأَنَّ الْجَهْلَ يُحِيطُ بِهِ". الْخَطَرُ الْمَاحِقُ كُلُّ الْخَطَرِ، يَكْمُنُ فِي مُنْتَصَفِ ذَلِكَ "الشِّبْرِ الْأَوَّلِ". هُنَاكَ يَنْتَفِخُ غُرُورُ الْأَنَا، وَيُصَابُ الطَّالِبُ الْمُبْتَدِئُ بِوَهْمِ الْإِحَاطَةِ وَالْكَمَالِ. تَأَمَّلْ يَا طَالِبَ الْحَقِّ مَعِي هَذِهِ الْمَحَطَّةَ الْعَظِيمَةَ؛ يَأْتِي رَجُلٌ مُسَافِرٌ رَاحِلٌ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدَةٍ، مَسَافَةُ رِحْلَتِهِ امْتَدَّتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ كَامِلَةٍ مُتَكَبِّدًا عَنَاءَ السَّفَرِ وَوَعْثَاءَهُ، لِيَقْصِدَ الْإِمَامَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي دَارِ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِمَامَ الدُّنْيَا فِي زَمَانِهِ. يَأْتِيهِ فَيَسْأَلُهُ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً جَمَعَهَا مِنْ قَوْمِهِ لِيُفْتِيَهُمْ فِيهَا، فَيُجِيبُهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْفَقِيهُ فِي ثَمَانِ مَسَائِلَ فَقَطْ! وَأَمَّا فِي الْمَسَائِلِ الِاثْنَتَيْنِ وَالثَّلَاثِينَ الْبَاقِيَةِ قَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً ثَقِيلَةً مُسْتَقِيمَةً: "لَا أَدْرِي". فَصُدِمَ الرَّجُلُ السَّائِلُ، وَقَالَ لَهُ: جِئْتُكَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أَعُودُ لِأَقُولَ لِقَوْمِي إِنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا يَقُولُ لَا أَدْرِي؟ فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ بِكُلِّ حَزْمٍ وَصِدْقٍ وَرِعٍ: "نَعَمْ، اِذْهَبْ إِلَيْهِمْ وَقُلْ لَهُمْ ذَلِكَ! وَإِيَّاكَ أَنْ تَشْتَرِيَ الْعِلْمَ بِالظَّنِّ". عُلَمَاءُ جِبَالٌ رُسِّخَتْ عُقُولُهُمْ بِالْأَدِلَّةِ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ كَلِمَةِ "لَا أَدْرِي"، فَكَيْفَ يَسْتَحْيِي مِنْهَا شَابٌّ لَمْ يَبْلُغْ عُشْرَ مِعْشَارِهِمْ؟ قَالَهَا السَّلَفُ جَلِيَّةً: "مَنْ تَرَكَ 'لَا أَدْرِي' أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ". فَلَا تَتَعَجَّلِ الْفُتْيَا، وَلَا تَتَصَدَّرْ قَبْلَ النُّضْجِ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ الْعَالِمَ الرَّبَّانِيَّ، كَشَجَرَةِ الزَّيْتُونِ الصَّامِدَةِ، تُبْنَى فِي سِنِينَ مِنَ الصَّبْرِ الطَّوِيلِ، وَالصَّمْتِ الْمُتَأَمِّلِ، وَمُدَارَسَةِ الْمُتُونِ، وَالِانْكِسَارِ الْخَاشِعِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِتَوْجِيهٍ أَوْ فَتْوَى. وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَقْتَحِمَ النِّقَاشَاتِ الْعَقِيمَةَ وَالْمُجَادَلَاتِ الْفَارِغَةَ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الْحَدِيثَةِ وَالتَّعْلِيقَاتِ الشَّبَكِيَّةِ، فَإِنَّهَا مَقْبَرَةٌ لِلْوَقْتِ الثَّمِينِ، وَمَهْلَكَةٌ لِخُشُوعِ الْقَلْبِ، وَمَسْلَبَةٌ أَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ كُلِّهَا. خَامِسًا: الْعِلْمُ الَّذِي يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ وَلَعَلَّكُمُ تَسْأَلُونَ الْآنَ وَأَنْتُمْ فِي مُقْتَبَلِ دَرْبِكُمْ هَذَا: إِذَنْ، مَا هُوَ الْمِحَكُّ الْعَمَلِيُّ الْحَقِيقِيُّ لِنَجَاحِ طَالِبِ الْعِلْمِ الْمُبْتَدِئِ؟ كَيْفَ أَعْرِفُ أَنَّنِي أَسِيرُ عَلَى الْجَادَّةِ الصَّوَابِ؟ الْمِحَكُّ الدَّقِيقُ يَا إِخْوَتِي الْمُبَارَكِينَ، لَيْسَ أَبَدًا فِي كَثْرَةِ الْمَحْفُوظَاتِ مِنَ الْأَبْيَاتِ، وَلَا فِي سُرْعَةِ اسْتِحْضَارِ الْمَرَاجِعِ، وَلَا فِي تَنْمِيقِ الْعِبَارَاتِ الْمُزَخْرَفَةِ لِلْمُتُونِ.. الْمِحَكُّ الْأَعْظَمُ هُوَ فِي نَجَاحِكَ فِي تَحْوِيلِ هَذَا الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ الْبَارِدِ فِي الصُّطُورِ، إِلَى سُلُوكٍ حَيٍّ دَافِئٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ بِأَقْدَامٍ رَاسِخَةٍ. كَانَ الْإِمَامُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَقُولُ حِينَ يَصِفُ طَلَبَةَ الْعِلْمِ الصَّادِقِينَ فِي زَمَانِهِ: "كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَبَ الْعِلْمَ، لَمْ يَلْبَثْ أَنْ يُرَى أَثَرُ ذَلِكَ جَلِيًّا وَاضِحًا، فِي بَصَرِهِ وَتَغُضُّهِ، وَخُشُوعِهِ فِي نَفْسِهِ، وَلِسَانِهِ وَحِفْظِهِ، وَيَدِهِ، وَصَلَاتِهِ وَرُكُوعِهِ".
تَعَلَّمْتَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى سُنَّةٌ مَأْثُورَةٌ وَأَنَّهَا صَدَقَةٌ عَنْ مَفَاصِلِ الْجَسَدِ؟ إِذَنْ قُمْ وَتَوَضَّأْ وَصَلِّهَا كُلَّ يَوْمٍ دُونَ انْقِطَاعٍ. تَعَلَّمْتَ خُطُورَةَ حَصَائِدِ الْأَلْسِنَةِ وَالْغِيبَةِ؟ إِذَنْ أَطْبِقْ عَلَى شَفَتَيْكَ إِغْلَاقًا مُحْكَمًا إِذَا خَاضَ النَّاسُ فِي الْأَعْرَاضِ أَمَامَكَ أَوْ فِي الْمَجْمُوعَاتِ الِهَاتِفِيَّةِ التِي تَحْمِلُهَا بِيَدِكَ. تَعَلَّمْتَ أَنَّ الرَّحْمَةَ وَاللِّينَ مِنْ أَخْصَصِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ؟ إِذَنْ لِنْ لِصِغَارِ إِخْوَتِكَ، وَامْسَحْ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ قَدْ تَجِدُهُ فِي مَسْجِدِكَ، وَكُنْ بَارًّا هَيِّنًا سَهْلًا مُسْفِرَ الْوَجْهِ بَيْنَ يَدَيْ وَالِدَيْكَ. فَمَا أَقْبَحَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّابُّ طَلَبَ الْعِلْمِ لِيَتَعَلَّمَ الْفِقْهَ لَكِنْ خُلُقُهُ سَيِّئٌ مَعَ أُمِّهِ حِينَ تُكَلِّمُهُ! يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ يُوَبِّخُ بِصَرِيمِ الْكَلَامِ قَوْمًا قَالُوا وَلَمْ يَفْعَلُوا مَا قَالُوهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: 2-3]. الْمَقْتُ هُوَ أَشَدُّ الْبُغْضِ، فَلَا تَكُونُوا مِمَّنْ حَمَلَ الْكِتَابَ وَخَالَفَ مَا فِيهِ! وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ الْحَكِيمِ الْمَنْسُوبِ لِلْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ: "هَتَفَ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ". الْعِلْمُ الْمُجَرَّدُ الْخَالِي مِنَ الْعَمَلِ شَجَرَةٌ جَافَّةٌ بِلَا ثَمَرٍ يُرْتَجَى، فَمَا قِيمَةُ أَنْ تَعْرِفَ دَقَائِقَ وَتَفَاصِيلَ شُرُوطِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ بُطُونِ الْأَسْفَارِ، وَأَنْتَ تَنَامُ مُتَثَاقِلًا عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَارِقَةً؟ وَمَا قِيمَةُ أَنْ تَحْفَظَ أَبْوَابَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَالزَّكَاةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ عِنْدَ الِاخْتِبَارَاتِ الدِّرَاسِيَّةِ، وَقَلْبُكَ الْقَاسِي يَشُحُّ وَيَبْخَلُ حَتَّى بِالِابْتِسَامَةِ فِي وُجُوهِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ؟ سَادِسًا: الصَّبْرُ وَالْمُثَابَرَةُ حَتَّى بُلُوغِ الْغَايَةِ إِخْوَتِي الْمُرَابِطِينَ فِي حَلَقَاتِ الْعِلْمِ.. إِنَّ مَسَارَ الْعِلْمِ مُضْنٍ وَطَوِيلٌ شَاقٌّ، فِيهِ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ جَمِيلٍ، وَجَلَدٍ لَا يَنْكَسِرُ، وَمُثَابَرَةٍ حَتَّى رَمَقِ النِّهَايَةِ. كَثِيرُونَ جِدًّا هُمُ الَّذِينَ يَبْدَءُونَ بِحَمَاسٍ مُتَّقِدٍ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ يَتَسَاقَطُونَ لَمَّا تَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْمُتُونُ وَيُخْتَبَرُ فِيهِمُ الصَّبْرُ. هَلْ سَمِعْتُمْ قَطُّ بِقِصَّةِ إِمَامِ الْكُوفَةِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، الْإِمَامِ الْكِسَائِيِّ؟ هَذَا الْعَالِمُ الْجَبَلُ، بَدَأَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فِي السِّنِّ بَعْدَ مُرُورِ الشَّبَابِ، فَاسْتَصْعَبَ النَّحْوَ كَثِيرًا وَتَعِبَ فِيهِ حَتَّى كَادَ يَسْتَسْلِمُ لِلْيَأْسِ وَيَتْرُكُ الدَّرْبَ، بَلْ قَرَّرَ تَرْكَهُ فِعْلًا. وَفِي خِضَمِّ يَأْسِهِ، إِذَا بِهِ يَجْلِسُ يَوْمًا، فَيَرَى نَمْلَةً صَغِيرَةً ضَعِيفَةً تَحْمِلُ فِتَاتَ طَعَامٍ ثَقِيلًا لِتَصْعَدَ بِهِ عَلَى حَائِطٍ أَمَامَهُ. كُلَّمَا ارْتَفَعَتْ قَلِيلًا، سَقَطَتْ هِيَ وَمَا تَحْمِلُ! ثُمَّ تَعُودُ لِتَحْمِلَهُ، فَتَصْعَدَ وَتَسْقُطَ ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً، وَعَاشِرَةً.. حَتَّى تَمَكَّنَتْ بَعْدَ مُحَاوَلَاتٍ شَاقَّةٍ مُضْنِيَةٍ لَا تُعَدُّ مِنْ بُلُوغِ هَدَفِهَا فِي أَعْلَى الْجِدَارِ وَالنَّجَاحِ بِهِ. فَوَقَفَ الْكِسَائِيُّ مَذْهُولًا مَنْ أَمَامِ هَذَا الْمَشْهَدِ الصَّغِيرِ الْعَظِيمِ، وَقَالَ لِنَفْسِهِ بِمُحَاسَبَةٍ عَمِيقَةٍ: "هَذِهِ النَّمْلَةُ الْهَزِيلَةُ ثَابَرَتْ وَصَبَرَتْ وَعَاوَدَتِ الْمُحَاوَلَةَ مُرَارًا حَتَّى بَلَغَتْ غَايَتَهَا الْخَيْيِّرَةَ، أَفَلَا أَصْبِرُ أَنَا؟!"، فَرَجَعَ إِلَى الْعِلْمِ مُثَابِرًا بِقُوَّةٍ، وَكَابَدَ صُعُوبَاتِهِ وَأَسْفَارَهُ كَثِيرًا حَتَّى صَارَ فِيهِ الْإِمَامَ الْكِسَائِيَّ الَّذِي تَتَعَلَّمُونَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ قِرَاءَتَهُ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ! هَذَا هُوَ دَرْبُ الصَّابِرِينَ، مَنْ ثَبَتَ نَبَتَ يَا أَحِبَّتِي، وَمَنْ أَدْمَنَ الْقَرْعَ لِلْبَابِ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ فَتْحًا مَجِيدًا. سَابِعًا: الْخُطُوَاتُ الْعَمَلِيَّةُ.. زَادُ طَالِبِ الْعِلْمِ فِي بِدَايَتِهِ
وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَخْتِمُ مَجْلِسِي هَذَا بِتَنْظِيرٍ عَاطِفِيٍّ ثُمَّ أَتْرُكُكُمْ لِلْحِيرَةِ، بَلْ أُوصِيكُمْ بِخَمْسِ خُطُوَاتٍ عَمَلِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ مُجَرَّبَةٍ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ قَبْلَ أَنْ تَنْصَرِفُوا إِلَى حَيَاتِكُمْ: أَوَّلًا (خُطْوَةٌ قَلْبِيَّةٌ): أَكْثِرُوا بِإِلْحَاحٍ مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ أَنْ يَرْزُقَكُمُ اللَّهُ الْفَهْمَ الصَّائِبَ. لَا تَرْكَنُوا إِلَى ذَكَائِكُمْ وَحِدَّةِ عُقُولِكُمْ قَطُّ؛ فَإِنَّ الذَّكِيَّ قَدْ يَزِلُّ. سَلُوا اللَّهَ دَائِمًا فِي سُجُودِكُمْ قَائِلِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِانْكِسَارٍ: "اللَّهُمَّ عِلْمًا نَافِعًا يَزِيدُنِي لَكَ ذُلًّا، وَبِكَ مَعْرِفَةً وَيَقِينًا". ثَانِيًا (خُطْوَةٌ لِسَانِيَّةٌ): اضْبِطُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِشِدَّةٍ عَنِ الْخَوْضِ فِيمَا لَا تُحْسِنُونَهُ كَثِيرًا. الصَّمْتُ فِي الْبِدَايَاتِ زِينَةُ الطَّالِبِ، بَلْ لَا تَدْخُلُوا فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ لِتُرَاقِبُوا صِرَاعَاتِ الْجِدَالِ بَيْنَ الدُّعَاةِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَأَشْغِلُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِحِفْظِ الْمُتُونِ، وَالتَّرَدُّدِ بِآيَاتِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى دَلِيلًا. ثَالِثًا (خُطْوَةٌ عَمَلِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ): تَدَرَّجُوا فِي الطَّلَبِ الْمَنْهَجِيِّ بِرِفْقٍ وَعِنَايَةٍ. لَا تَقْفِزُوا أَبَدًا إِلَى شُرُوحِ الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ، قَبْلَ أَنْ تُتْقِنُوا الْمُتُونَ الصَّغِيرَةَ الْمَبْدَئِيَّةَ. احْفَظُوا بِيَقِينٍ "الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةَ" فَإِنَّ فِيهَا بَرَكَةً جَامِعَةً لِأُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَتَدَارَسُوا "تَفْسِيرَ السَّعْدِيِّ" الْمُيَسَّرَ لِلْمُبْتَدِئِينَ كَيْ تَفْهَمُوا مَعَانِيَ كَلَامِ رَبِّكُمْ قَبْلَ أَنْ تَغْرَقُوا فِي فُرُوعِ غَيْرِهَا، وَافْهَمُوا أَبْوَابَ الْعِبَادَاتِ الْيَوْمِيَّةِ جَيِّدًا. رَابِعًا (خُطْوَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ): لَا تَسِيرُوا وَحْدَكُمْ أَبَدًا فِي الصَّحْرَاءِ. اتَّخِذْ لَكَ رَفِيقًا صَالِحًا، زَمِيلًا ذَا هِمَّةٍ مُتَوَقِّدَةٍ، تَتَذَاكَرَانِ الْمَسَائِلَ بَعْدَ الدَّرْسِ. إِذَا كَسِلْتَ أَنْتَ فِي يَوُمٍ قَامَ هُوَ بِنُصْحِكَ، وَإِذَا غَفَلَ هُوَ، أَشْعَلْتَ أَنْتَ حَمَاسَهُ؛ فَالْمُسَافِرُ الْمُنْفَرِدُ عُزْلَتُهُ تَجْعَلُهُ عُرْضَةً לلذِّئْبِ وَالشَّيْطَانِ، أَمَّا فِي الْجَمَاعَةِ، فَالْبَرَكَةُ حَالَّةٌ. خَامِسًا (خُطْوَةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ إِيمَانِيَّةٌ مُرْتَبِطَةٌ بِالْعِلْمِ): اجْعَلُوا لَكُمْ خَبِيئَةً وَحَظًّا لَا يُقْطَعُ قَطُّ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ كُلَّ لَيْلَةٍ! وَاللَّهِ، لَا شَيْءَ يُثَبِّتُ مَعْلُومَةً، وَيُنِيرُ بَصِيرَةً غَائِمَةً، وَيَحُطُّ عَنْ قَلْبٍ أَثْقَالَ الدُّنْيَا، كَرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تُسَبِّحُ اللَّهَ فِيهِمَا وَتَبْكِي بَيْنَ يَدَيْهِ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ الْفَهْمَ. قِيَامُ اللَّيْلِ لِلْعَالِمِ هُوَ الزَّادُ السِّرِّيُّ الْخَفِيُّ الَّذِي صَنَعَ الْجِبَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَعْلَامِ الْهُدَى الْمُنِيرِ! خَاتِمَةُ الْمَجْلِسِ وَمِحْرَابُ الدُّعَاءِ إِخْوَتِي السَّاعِينَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ الْأَنْوَرِ الْأَزْهَرِ.. لَا تَحْتَقِرُوا بِدَايَاتِكُمْ مُطْلَقًا، وَإِنْ بَدَتْ لَكُمْ صَغِيرَةً وَمُتَعَثِّرَةً بَطِيئَةً. إِنَّ كُلَّ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ عَظِيمٍ رَأَيْتُمُوهُ يَوْمًا يَتَهَادَى بِالْعِلْمِ، قَدْ بَدَأَ حَيَاتَهُ كَمَا بَدَأْتُمْ تَمَامًا: يَقْرَأُ الصَّفْحَةَ وَلَا يَفْهَمُهَا كَثِيرًا فَيُعِيدُهَا، وَيُكَابِدُ عَنَاءَ الْحِفْظِ وَالنِّسْيَانِ.. فَلَا تَسْتَسْلِمُوا، وَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ، وَوَاصِلُوا الْمَسِيرَ بِخُطًى ثَابِتَةٍ! فَإِنَّ الْأُمَّةَ الْمُثْخَنَةَ بِالْجِرَاحِ تَنْتَظِرُكُمْ؛ تَنْتَظِرُ عُقُولَكُمُ الشَّابَّةَ لِتُحَامِيَ بِعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ عَنْ عَقِيدَتِهَا، وَقُلُوبَكُمُ اللَّيِّنَةَ الْمُخْبِتَةَ لِتَنْشُرَ الرَّحْمَةَ الصَّادِقَةَ فِي صُفُوفِهَا، وَأَيْدِيَكُمْ لِتُبَدِّدَ غَيَاهِبَ الْجَهْلِ الْمُتَرَاكِمِ مِنْ وَاقِعِهَا.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ، بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وَصِفَاتِكَ الْعُلَى، عِلْمًا صَحِيحًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مَبْرُورًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا حَلَالًا طَيِّبًا وَاسِعًا. اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، ارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ فِي أَقْوَالِنَا كُلِّهَا وَأَعْمَالِنَا جَمِيعِهَا! وَطَهِّرْ بِفَضْلِكَ قُلُوبَنَا مِنَ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ، وَأَعْمَالَنَا الدَّعْوِيَّةَ وَالْعِلْمِيَّةَ مِنَ السُّمْعَةِ وَالنِّفَاقِ، وَاجْعَلْ عِلْمَنَا هَذَا شَفِيعًا وَحُجَّةً لَنَا لَا حُجَّةً مَاحِقَةً عَلَيْنَا، يَوْمَ نَلْقَاكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا بِلُطْفِكَ مَا يَنْفَعُنَا فِي دُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا، وَانْفَعْنَا وَارْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا، وَزِدْنَا عِلْمًا وَفَهْمًا لَا يَنْقَطِعُ، وَلَا تَجْعَلْ بِفَضْلِكَ فِي قُلُوبِنَا كِبْرًا مُهْلِكًا وَلَا غُرُورًا طَاغِيًا بِمَا رَزَقْتَنَا مِنْ بَصِيرَةٍ. اللَّهُمَّ بَارِكْ بَرَكَةً كَامِلَةً فِي إِخْوَانِي هَؤُلَاءِ؛ شُبَّانًا وَشُيُوخًا، رِجَالًا وَنِسَاءً، مِمَّنْ تَجَشَّمُوا بِصِدْقٍ عَنَاءَ الْحُضُورِ وَالِاسْتِمَاعِ وَطَلَبِ الْحَقِّ. ثَبِّتْ يَا مَوْلَانَا عَلَى طَرِيقِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَقْدَامَهُمُ الضَّعِيفَةَ، وَنَوِّرْ بِنُورِ الْبَصِيرَةِ الْقُرْآنِيَّةِ بَصَائِرَهُمُ الظَّامِئَةَ، وَاجْعَلْهُمْ فِي أُمَّتِهِمْ قَادَةً وَأَئِمَّةً صَالِحِينَ يُهْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ دَائِمًا. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ أَتَمَّ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ عَلَى نَبِيِّنَا وَمُعَلِّمِنَا وَقُدْوَتِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. ✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ وَالْمُعَلِّمُ الْكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجُ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالْخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا جَيِّدًا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ الدَّافِئَةَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ السَّلِيمَةَ. الْمِنْبَرُ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا يَوْمَ الْعَرْضِ، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ أَمَامَ رَبِّهِ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا أَوْ تَخْصِيصَهَا بِزَاوِيَةٍ أُخْرَى فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الْإِجَابَةَ تَأْتِي بِقَدْرِ وُضُوحِ وَدِقَّةِ السُّؤَالِ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.