من مكتبة مِداد الخطيب

الْأَنْبَاءُ الْغَيْبِيَّةُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: أَقْسَامُهَا وَبَرَاهِينُهَا وَأَثَرُهَا فِي تَرْسِيخِ الْيَقِينِ

مشاركة
الْأَنْبَاءُ الْغَيْبِيَّةُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: أَقْسَامُهَا وَبَرَاهِينُهَا وَأَثَرُهَا فِي تَرْسِيخِ الْيَقِينِ الحَمدُ للهِ عَالِمِ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، الكَبِيرِ المُتَعَالِ، الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا، وَأَحصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا، فَلَا يَعزُبُ عَنهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرضِ وَلَا أَصغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ، اختَصَّ نَفسَهُ بِمَفَاتِيحِ الغَيبِ المُطلَقِ، وَأَطلَعَ مَنِ ارتَضَى مِن رُسُلِهِ عَلَى مَا شَاءَ مِن أَنبَاءِ الغَيبِ تَأيِيدًا لِنُبُوَّتِهِم وَبُرهَانًا سَاطِعًا لِلعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن آمَنَ بِالغَيبِ تَصدِيقًا وَتَسلِيمًا وَإِذعَانًا، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ المَصدُوقُ الَّذِي لَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحَى، أَخبَرَ عَنِ الغُيُوبِ المَاضِيَةِ وَالحَاضِرَةِ وَالمُستَقبَلَةِ بِوَحيٍ مِن رَبِّهِ، فَجَاءَتِ الوَقَائِعُ وَالأَعصَارُ مُصَدِّقَةً لِمَا نَطَقَ بِهِ حَرفًا بِحَرفٍ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ، أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ وَطَلَبَةَ العِلمِ الكِرَامَ: فَإِنَّ مِن أَجَلِّ المَبَاحِثِ العَقَدِيَّةِ وَالإِيمَانِيَّةِ الَّتِي تَرسَخُ بِهَا قَدَمُ المُسلِمِ فِي زَمَنِ الشُّبُهَاتِ وَالمَادِّيَّةِ الطَّاغِيَةِ، مَبحَثَ «الأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ». إِنَّ الإِنسَانَ بِطَبعِهِ مَحدُودُ السَّمعِ وَالبَصَرِ وَالإِدرَاكِ، مَحبُوسٌ بَينَ جُدرَانِ اللَّحظَةِ الحَاضِرَةِ وَالمَكَانِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ؛ فَلَا يَعلَمُ بِذَاتِهِ مَا طَوَاهُ الزَّمَنُ السَّحِيقُ قَبلَ وُجُودِهِ، وَلَا يَعلَمُ مَا يَجرِي الآنَ خَلفَ الجُدرَانِ البَعِيدَةِ أَو فِي خَوَاطِرِ الصُّدُورِ، وَلَا يَدرِي مَاذَا يَكسِبُ غَدًا! وَمِن هُنَا جَعَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى «الإِيمَانَ بِالغَيبِ» هُوَ الفَارِقَ الأَوَّلَ وَالمِحَكَّ الأَعظَمَ الَّذِي يَتمَيَّزُ بِهِ المُؤمِنُ المُهتَدِي عَنِ المَادِّيِّ الجَاحِدِ الَّذِي لَا يُؤمِنُ إِلَّا بِمَا تَقَعُ عَلَيهِ حَوَاسُّهُ كَالبَهَائِمِ؛ فَلَمَّا افتَتَحَ اللهُ تَعَالَى سُورَةَ البَقَرَةِ بِذِكرِ صِفَاتِ المُتَّقِينَ المَنتَفِعِينَ بِالقُرآنِ، قَدَّمَ الإِيمَانَ بِالغَيبِ عَلَى جَمِيعِ الصِّفَاتِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ وَاللَّالَكَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «وَاللهِ مَا إِيمَانُ أَحَدٍ أَفضَلَ مِن إِيمَانٍ بِغَيبٍ»، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ! وَفِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ عَن أَبِي جُمُعَةَ الأَنصَارِيِّ وَابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَثنَى عَلَى إِيمَانِ الَّذِينَ يَأتُونَ مِن بَعدِ الصَّحَابَةِ فَيُؤمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَبِالغَيبِ الَّذِي أَخبَرَ عَنهُ الوَحيُ وَلَم يَرَوهُ بِأَبصَارِهِم! فَتَعَالَوا بِنَا فِي هَذَا الدَّرسِ العِلمِيِّ الإِيمَانِيِّ نَجلِي حَقِيقَةَ «الأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ» مِن خِلَالِ أَربَعَةِ مَحَاوِرَ مُتَرَابِطَةٍ: الأَوَّلُ: القَاعِدَةُ العَقَدِيَّةُ فِي عِلمِ الغَيبِ وَكَيفَ تَلَقَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الأَنبَاءَ الغَيبِيَّةَ. الثَّانِي: أَقسَامُ الأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ الثَّلَاثَةُ (غَيبُ المَاضِي، وَغَيبُ الحَاضِرِ، وَغَيبُ المُستَقبَلِ) مَعَ الشَّوَاهِدِ البَاهِرَةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. الثَّالِثُ: أَنبَاءُ الغَيبِ الأُخرَوِيِّ الَّتِي نَسِيرُ إِلَيهَا كُلَّ يَومٍ. الرَّابِعُ: الضَّوَابِطُ الشَّرعِيَّةُ وَالثَّمَرَاتُ التَّربَوِيَّةُ لِلإِيمَانِ بِالأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ. أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَامُ: لِنَبدَأْ بِالمِحوَرِ الأَوَّلِ، وَهُوَ: القَاعِدَةُ العَقَدِيَّةُ الحَاسِمَةُ فِي عِلمِ الغَيبِ. لَقَد قَرَّرَ القُرآنُ الكَرِيمُ تَقرِيرًا قَاطِعًا لَا يَقبَلُ الاستِثنَاءَ أَنَّ عِلمَ الغَيبِ المُطلَقَ هُوَ مِن خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ؛ فَلَا يَعلَمُ الغَيبَ استِقلَالًا لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرسَلٌ، وَلَا وَلِيٌّ صَالِحٌ، وَلَا جِنِّيٌّ وَلَا إِنسِيٌّ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النَّملِ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾. بَل أَمَرَ اللهُ تَعَالَى سَيِّدَ الخَلقِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يُعلِنَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ بِذَاتِهِ البَشَرِيَّةِ لَا يَعلَمُ الغَيبَ إِلَّا مَا عَلَّمَهُ اللهُ وَأَوحَى بِهِ إِلَيهِ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَعرَافِ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. إِذَن، مِن أَينَ جَاءَت تِلكَ المِئَاتُ مِنَ الأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ الدَّقِيقَةِ المَذهِلَةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا القُرآنُ الكَرِيمُ وَنَطَقَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ لَقَد جَاءَت مِنَ المَصدَرِ الوَحِيدِ المَعصُومِ: إِطلَاعُ اللهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن طَرِيقِ الوَحيِ؛ كَمَا قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الجِنِّ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾! فَاللهُ سُبحَانَهُ هُوَ الَّذِي أَظهَرَ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى تِلكَ الأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ لِحِكَمٍ بَالِغَةٍ: مِنهَا: أَن تَكُونَ مُعجِزَةً خَالِدَةً وَآيَةً سَاطِعَةً مِن دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ عَصرٍ وَجِيلٍ؛ فَكُلَّمَا وَقَعَ خَبَرٌ غَيبِيٌّ أَخبَرَ بِهِ قَبلَ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا، ازْدَادَ المُؤمِنُونَ إِيمَانًا، وَقَامَتِ الحُجَّةُ الدَّامِغَةُ عَلَى المُنكِرِينَ وَالمُشَكِّكِينَ! وَمِنهَا: تَحذِيرُ الأُمَّةِ مِنَ الفِتَنِ قَبلَ وُقُوعِهَا، وَتَبشِيرُهَا بِالنَّصرِ وَالتَّمكِينِ فِي أَحلَكِ الظُّرُوفِ، وَإِعدَادُ القُلُوبِ لِمَا بَعدَ المَوتِ مِن مَنَازِلِ الدَّارِ الآخِرَةِ! أَيُّهَا الأَحِبَّةُ فِي اللهِ: وَإِذَا انتَقَلنَا إِلَى المِحوَرِ الثَّانِي لِنَستَعرِضَ أَقسَامَ الأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الوَحيُ؛ وَجَدنَاهَا تَنقَسِمُ بِحَسَبِ الزَّمَانِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ عُظمَى: القِسمُ الأَوَّلُ: أَنبَاءُ الغَيبِ المَاضِي (أَخبَارُ الأَنبِيَاءِ وَالأُمَمِ الغَابِرَةِ). لَقَد نشَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ أُمِّيًّا لَا يَقرَأُ كِتَابًا وَلَا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، فِي بِيئَةٍ عَرَبِيَّةٍ أُمِّيَّةٍ لَم تَكُن تَعرِفُ تَفَاصِيلَ تَوَارِيخِ الأَنبِيَاءِ وَلَا دَقَائِقَ شَرَائِعِهِم؛ وَفَجأَةً يَنزِلُ عَلَيهِ القُرآنُ الكَرِيمُ فَيَقصُّ عَلَى النَّاسِ وَعلَى أَهلِ الكِتَابِ أَنفُسِهِم أَدَقَّ تَفَاصِيلِ الغَيبِ المَاضِي كَأَنَّهُ حَاضِرٌ يُشَاهِدُهُ بِعَينِهِ! يَقصُّ عَلَينَا مَا دَارَ بَينَ اللهِ وَمَلَائِكَتِهِ عِندَ خَلقِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَمَا جَرَى بَينَ نُوحٍ وَقَومِهِ وَابْنِهِ فِي الطُّوفَانِ، ثُمَّ يَختِمُ اللهُ تَعَالَى قِصَّةَ نُوحٍ فِي سُورَةِ هُودٍ بِهَذَا التَّقرِيرِ الغَيبِيِّ البَاهِرِ فَيَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾! وَيَقصُّ عَلَينَا فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ كَيفَ اختَصَمَ أَحبَارُ بَنِي إِسرَائِيلَ فِي كَفَالَةِ مَريَمَ البَتُولِ وَهِيَ رَضِيعَةٌ، وَكَيفَ أَلقَوا أَقلَامَهُم فِي النَّهرِ لِلإِقرَاعِ بَينَهُم فَفَازَ بِكَفَالَتِهَا نَبِيُّ اللهِ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾! وَيَقصُّ عَلَينَا فِي سُورَةِ يُوسُفَ مَا تَآمَرَ بِهِ إِخوَةُ يُوسُفَ فِي الخَلَاءِ، وَمَا جَرَى فِي قَصرِ العَزِيزِ وَفِي السِّجنِ، ثُمَّ يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾! وَحِينَ تَآمَرَت قُرَيشٌ مَعَ أَحبَارِ يَهُودَ لِامتِحَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ عَن فِتيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهرِ الأَوَّلِ — أَصحَابِ الكَهفِ —، وَعَن رَجُلٍ طَوَّافٍ بَلَغَ مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا — ذِي القَرنَينِ —، نَزَلَت سُورَةُ الكَهفِ بِالحَقِّ اليَقِينِ الَّذِي أَبهَتَ السَّائِلِينَ وَصَحَّحَ مَا حَرَّفَهُ الأَوَّلُونَ! وَأَمَّا القِسمُ الثَّانِي مِنَ الأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ: فَهُوَ أَنبَاءُ «الغَيبِ الحَاضِرِ الخَفِيِّ» الَّتِي وَقَعَت فِي عَصرِ النُّبُوَّةِ بَعِيدًا عَن مَشهَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَسَمعِهِ وَبَصَرِهِ! كَم مَرَّةً جَلَسَ المُنَافِقُونَ أَوِ المُشرِكُونَ فِي غُرَفٍ مُغلَقَةٍ أَو خَلوَاتٍ سِرِّيَّةٍ يَتَآمَرُونَ أَو يَستهزِئُونَ، فَيَنزِلُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِن سَاعَتِهِ فَيَفضَحُ مَا قَالُوهُ كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ، حَتَّى صَارَ المُنَافِقُونَ يَرتَعِدُونَ خَوفًا مِن أَن تَنزِلَ سُورَةٌ تَكشِفُ خَبَايَا صُدُورِهِم؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾! تَأَمَّلُوا قِصَّةَ عُمَيرِ بنِ وَهبٍ الجُمَحِيِّ مَعَ صَفوَانَ بنِ أُمَيَّةَ بَعدَ غَزوَةِ بَدرٍ كَمَا رَوَاهَا الطَّبَرَانِيُّ وَابنُ إِسحَاقَ وَابنُ كَثِيرٍ؛ جَلَسَ عُمَيرٌ وَصَفوَانُ عِندَ الحِجرِ فِي مَكَّةَ لَيسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ قَطُّ، فَقَالَ عُمَيرٌ: لَولَا دَينٌ عَلَيَّ وَعِيَالٌ أَخشَى عَلَيهِمُ الضَّيعَةَ لَرَكِبتُ إِلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى أَقتُلَهُ! فَقَالَ لَهُ صَفوَانُ سِرًّا: دَينُكَ عَلَيَّ، وَعِيَالُكَ مَعَ عِيَالِي! وَأَمرَا بِكَتمِ الخَبَرِ حَتَّى عَن زَوجَتَيهِمَا! فَشَحَذَ عُمَيرٌ سَيفَهُ وَسَمَّهُ وَانطَلَقَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «فَمَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيرُ؟» قَالَ: جِئتُ لِهَذَا الأَسِيرِ الَّذِي فِي أَيدِيكُم! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَمَا بَالُ السَّيفِ فِي عُنُقِكَ؟» قَالَ: قَبَّحَهَا اللهُ مِن سُيُوفٍ وَهَل أَغنَت عَنَّا شَيئًا! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اصدُقنِي مَا الَّذِي جِئتَ لَهُ؟» قَالَ: مَا جِئتُ إِلَّا لِذَلِكَ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «بَل قَعَدتَ أَنتَ وَصَفوَانُ بنُ أُمَيَّةَ فِي الحِجرِ، فَتَذَاكَرتُمَا أَصحَابَ القَلِيبِ مِن قُرَيشٍ، ثُمَّ قُلتَ: لَولَا دَينٌ عَلَيَّ وَعِيَالٌ عِندِي لَخَرَجتُ حَتَّى أَقتُلَ مُحَمَّدًا، فَتَحَمَّلَ لَكَ صَفوَانُ بِدَينِكَ وَعِيَالِكَ عَلى أَن تَقتُلَنِي لَهُ، وَاللهُ حَائِلٌ بَينَكَ وَبَينَ ذَلِكَ»! فَصَاحَ عُمَيرٌ مَذهُولًا: «أَشهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ! قَد كُنَّا يَا رَسُولَ اللهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنتَ تَأتِينَا بِهِ مِن خَبَرِ السَّمَاءِ، وَهَذَا أَمرٌ لَم يَحضُرْهُ إِلَّا أَنَا وَصَفوَانُ، فَوَاللهِ إِنِّي لَأَعلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إِلَّا اللهُ، فَالْحَمدُ للهِ الَّذِي هَدَانِي لِلإِسلَامِ»! وَانظُرُوا إِلَى مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي يَومِ مَعرَكَةِ «مُؤتَةَ» بِأَرضِ الشَّامِ؛ الجَيشُ عَلَى بُعدِ مَسِيرَةِ شَهرٍ مِنَ المَدِينَةِ، وَلَا هَوَاتِفَ وَلَا بَرقِيَّاتٍ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَصعَدُ المِنبَرَ فِي المَدِينَةِ فَيُخبِرُ الصَّحَابَةَ بِمَا يَجرِي فِي سَاحَةِ المَعرَكَةِ لَحظَةً بِلَحظَةٍ كَأَنَّهُ يَنظُرُ إِلَيهِم، فَيَقُولُ وَعَينَاهُ تَذرِفَانِ: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيفٌ مِن سُيُوفِ اللهِ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيهِم»! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ مَلِكَ الحَبَشَةِ لِأَصحَابِهِ فِي اليَومِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فِي أَرضِ الحَبَشَةِ، وَخَرَجَ بِهِم إِلَى المَصَلَّى فَصَفَّ بِهِم وَكَبَّرَ عَلَيهِ أَربَعًا! وَأَمَّا القِسمُ الثَّالِثُ وَالأَوسَعُ مِنَ الأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ: فَهُوَ أَنبَاءُ «الغَيبِ المُستَقبَلِيِّ» الَّتِي أَخبَرَ بِهَا القُرآنُ الكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ عَمَّا سَيَقَعُ فِي مُستَقبَلِ الزَّمَانِ! تَأَمَّلُوا أَوَّلًا مَا جَاءَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ مِن تَحَدِّيَاتٍ مُستَقبَلِيَّةٍ قَاطِعَةٍ: حِينَ هَزَمَ الفُرسُ الرُّومَ هَزِيمَةً سَاحِقَةً حَتَّى ظَنَّ جَمِيعُ المُحَلِّلِينَ السِّيَاسِيِّينَ وَالعَسكَرِيِّينَ فِي ذَلِكَ العَصرِ أَنَّ دَولَةَ الرُّومِ لَن تَقُومَ لَهَا قَائِمَةٌ، وَفَرِحَ مُشرِكُو مَكَّةَ بانتِصَارِ الفُرسِ الوَثَنِيِّينَ؛ نَزَلَ القُرآنُ الكَرِيمُ بِوَعدٍ غَيبِيٍّ مُحَدَّدٍ بِالزَّمَانِ لَا يَجرُؤُ عَلَى مِثلِهِ بَشَرٌ قَطُّ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى فِي مَطلَعِ سُورَةِ الرُّومِ: ﴿الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾! «البِضعُ» فِي لِسَانِ العَرَبِ مَا بَينَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسعِ؛ فَرَاهَنَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قُرَيشًا — قَبلَ تَحرِيمِ الرِّهَانِ — وَهُوَ وَاثِقٌ بِوَعدِ رَبِّهِ، فَمَا مَضَت سَبعُ سِنِينَ حَتَّى انتَصَرَ الرُّومُ عَلَى الفُرسِ فِي اليَومِ الَّذِي انتَصَرَ فِيهِ المُؤمِنُونَ عَلَى المُشرِكِينَ يَومَ بَدرٍ، فَتَحَقَّقَتِ النُّبُوءَتَانِ الغَيبِيَّتَانِ فِي آنٍ وَاحِدٍ! وَوَعَدَ اللهُ رَسُولَهُ وَالمُستَضعَفِينَ مَعَهُ وَهُم مُطَارَدُونَ بِأَنَّهُ سَيُظهِرُ دِينَهُ وَيَستَخلِفُهُم فِي الأَرضِ وَيُبدِّلُ خَوفَهُم أَمنًا، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، وَوَعَدَهُم فِي سُورَةِ الفَتحِ بِدُخُولِ المَسجِدِ الحَرَامِ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَهُم وَمُقَصِّرِينَ، وَأَخبَرَ عَن أَبِي لَهَبٍ وَهُوَ حَيٌّ يَمشِي عَلَى الأَرضِ بِأَنَّهُ سَيَمُوتُ عَلَى الكُفرِ وَيَصلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، فَمَاتَ عَلَى كُفرِهِ بَعدَ عَشرِ سِنِينَ مِن نُزُولِ السُّورَةِ! وَتَكَفَّلَ بِحِفظِ القُرآنِ الكَرِيمِ مِنَ التَّحرِيفِ وَالضَّيَاعِ فِي سُورَةِ الحِجرِ فَقَالَ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فَمَضَت أَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا وَلَم يَتَغَيَّر مِنهُ حَرفٌ وَاحِدٌ وَلَا حَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ! وَأَمَّا فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَقَد فَتَحَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن أَنبَاءِ المُستَقبَلِ مَا يُبهِرُ العُقُولَ! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَن حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَن نَسِيَهُ، قَد عَلِمَهُ أَصحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنهُ الشَّيءُ قَد نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذكُرُهُ كَمَا يَذكُرُ الرَّجُلُ وَجهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ»! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا عَن أَبِي زَيدٍ عَمرِو بنِ أَخطَبَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الفَجرَ وَصَعِدَ المِنبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ العَصرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمسُ، فَأَخبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعلَمُنَا أَحفَظُنَا»! أَخبَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَصحَابَهُ قَبلَ مَعرَكَةِ بَدرٍ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِمَصَارِعِ صَنَادِيدِ قُرَيشٍ وَاحِدًا وَاحِدًا وَهُوَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرضِ وَيَقُولُ: «هَذَا مَصرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِن شَاءَ اللهُ، وَهَذَا مَصرَعُ فُلَانٍ»، قَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا أَخطَؤُوا الحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَأَخبَرَ وَهُوَ يَضرِبُ الصَّخرَةَ فِي الخَندَقِ وَالمُسلِمُونَ فِي أَشَدِّ الخَوفِ وَالجُوعِ بِفَتحِ الشَّامِ وَفَارِسَ وَاليَمَنِ وَإِنفَاقِ كُنُوزِ كِسرَى وَقَيصَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَالَ لِعَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «فَلَئِن طَالَت بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللهَ، وَلَئِن طَالَت بِكَ حَيَاةٌ لَتُفتَحَنَّ كُنُوزُ كِسرَى»؛ قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيتُ الظَّعِينَةَ تَرتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللهَ، وَكُنتُ فِيمَنِ افتَتَحَ كُنُوزَ كِسرَى بنِ هُرمُزَ! وَأَخبَرَ بِاستِشهَادِ عُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَبِأَنَّ عَمَّارَ بنَ يَاسِرٍ تَقتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، وَبِأَنَّ الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَن يُصلِحَ بِهِ بَينَ فِئَتَينِ عَظِيمَتَينِ مِنَ المُسلِمِينَ، فَوَقَعَ كُلُّ ذَلِكَ كَمَا أَخبَرَ كَالشَّمسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ! وَأَخبَرَ عَن أَشرَاطِ السَّاعَةِ الصُّغرَى الَّتِي نَرَاهَا اليَومَ بِأَعيُنِنَا؛ كَتَطَاوُلِ الحُفَاةِ العُرَاةِ رِعَاءِ الشَّاءِ فِي البُنيَانِ (فِي الصَّحِيحَينِ)، وَتَقَارُبِ الزَّمَانِ وَالأَسوَاقِ، وَفُشُوِّ التِّجَارَةِ وَالقَلَمِ، وَكَثرَةِ الهَرجِ، وَإِخبَارِهِ بِأَشرَاطِ السَّاعَةِ الكُبرَى كَخُرُوجِ المَهدِيِّ، وَمَجِيءِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى ابنِ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَخُرُوجِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ، وَطُلُوعِ الشَّمسِ مِن مَغرِبِهَا! أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَنَصِلُ إِلَى المِحوَرِ الثَّالِثِ: أَنبَاءُ الغَيبِ الأُخرَوِيِّ الَّتِي يَجبُ أَن تَبقَى حَاضِرَةً نُصبَ أَعيُنِنَا فِي كُلِّ لَحظَةٍ! إِنَّ أَعظَمَ مَا أَخبَرَنَا بِهِ القُرآنُ وَالسُّنَّةُ مِنَ الغَيبِ هُوَ مَا يَنتَظِرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا بَعدَ خُرُوجِ الرُّوحِ: أَنبَاءُ القَبرِ وَالبَرزَخِ، وَفِتنَةِ المَلَكَينِ مُنكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَنَعِيمِ القَبرِ أَو عَذَابِهِ، ثُمَّ النَّفخِ فِي الصُّورِ، وَالبَعثِ مِنَ القُبُورِ، وَالحَشرِ فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ، وَتَطَايُرِ الصُّحُفِ، وَنَصبِ المَوَازِينِ، وَوُرُودِ الحَوضِ، وَالمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ المَنصُوبِ عَلَى مَتنِ جَهَنَّمَ، وَالشَّفَاعَةِ، ثُمَّ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي الجَنَّةِ أَو فِي النَّارِ! كُلُّ هَذِهِ الأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ قَطعِيَّةُ الثُّبُوتِ، وَقَد رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مِنهَا عِيَانًا لَيلَةَ الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ وَفِي صَلَاةِ الكُسُوفِ؛ فَآمَنَّا بِهَا كَمَا آمَنَّا بِمَا نَرَاهُ بِأَبصَارِنَا، بَل أَشَدَّ يَقِينًا؛ لِأَنَّ البَصَرَ قَد يَغلَطُ، وَأَمَّا خَبَرُ اللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَتَخَلَّفُ أَبَدًا! وَنَختِمُ دَرسَنَا بِالمِحوَرِ الرَّابِعِ: مَا هِيَ الضَّوَابِطُ الشَّرعِيَّةُ وَالثَّمَرَاتُ العَمَلِيَّةُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأَنبَاءِ الغَيبِيَّةِ؟ الضَّابِطُ الأَوَّلُ: التَّثَبُّتُ مِن صِحَّةِ الخَبَرِ، فَإِذَا ثَبَتَ فِي القُرآنِ أَو فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَجَبَ التَّصدِيقُ وَالتَّسلِيمُ المُطلَقُ مِن دُونِ تَحرِيفٍ وَلَا تَكذِيبٍ وَلَا إِخضَاعٍ لِلأَهوَاءِ أَوِ العُقُولِ القَاصِرَةِ؛ قَالَ الإِمَامُ الزُّهرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «مِنَ اللهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ البَلَاغُ، وَعَلَينَا التَّسلِيمُ»! الضَّابِطُ الثَّانِي: الكُفرُ التَّامُّ بِكُلِّ مَن يَدَّعِي عِلمَ الغَيبِ مِنَ الكَهَنَةِ وَالعَرَّافِينَ وَالسَّحَرَةِ وَالمُنَجِّمِينَ وَأَصحَابِ الأَبرَاجِ وَقِرَاءَةِ الكَفِّ وَالفِنجَانِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن بَعضِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَن شَيءٍ، لَم تُقبَل لَهُ صَلَاةٌ أَربَعِينَ لَيلَةً»، وَفِي السُّنَنِ وَالمُسنَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَن أَتَى كَاهِنًا أَو عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَد كَفَرَ بِمَا أُنزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»! الضَّابِطُ الثَّالِثُ: عَدَمُ التَّسَرُّعِ وَالرَّجمِ بِالغَيبِ فِي تَنزِيلِ أَحَادِيثِ الفِتَنِ وَالمَلَاحِمِ وَأَشرَاطِ السَّاعَةِ عَلَى وَقَائِعَ أَو أَشخَاصٍ مُعَيَّنِينَ قَبلَ تَحَقُّقِهَا بِأَدِلَّتِهَا القَاطِعَةِ، وَعَدَمُ اتِّخَاذِ البَشَائِرِ أَوِ الفِتَنِ ذَرِيعَةً لِلتَّوَاكُلِ وَتَركِ العَمَلِ الشَّرعِيِّ؛ فَالغَيبُ للهِ، وَتَكليفُنَا نَحنُ هُوَ العَمَلُ بِالشَّرعِ وَالإِعدَادُ وَالاستِقَامَةُ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ حِينَ سُئِلَ عَنِ القَدَرِ السَّابِقِ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»! الضَّابِطُ الرَّابِعُ: أَن نَحوِّلَ إِيمَانَنَا بِأَنبَاءِ الغَيبِ الأُخرَوِيِّ إِلَى زَادٍ يَحجِزُنَا عَنِ المَعَاصِي وَيَدفَعُنَا إِلَى الطَّاعَاتِ؛ فَمَن أَيقَنَ بِسُؤَالِ القَبرِ أَعَدَّ لِلسُّؤَالِ جَوَابًا، وَمَن أَيقَنَ بِالمِيزَانِ ثَقَّلَ كِفَّةَ حَسَنَاتِهِ، وَمَن أَيقَنَ بِوَعْدِ اللهِ لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ عَاشَ عَزِيزًا مُطمَئِنًّا لَا يَتَزَعزَعُ يَقِينُهُ مَهمَا اشتَدَّتِ الظُّلُمَاتُ؛ كَمَا قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خِتَامِ سُورَةِ الرُّومِ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ أَن يَملَأَ قُلُوبَنَا بِالإِيمَانِ وَاليَقِينِ، وَأَن يَثَبِّتَنَا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ، وَأَن يَرزُقَنَا الفِقهَ فِي دِينِهِ وَالعَمَلَ بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبدِهِ وَرَسُولِهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.