🕌 لا يَخافَنَّ عَبدٌ إلَّا ذَنبَه.. ولا يَرجُوَنَّ إلَّا رَبَّه
#خطبة_جمعة #الخوف_من_الله #التوكل #الرجاء #عقيدة #اليقين #رقائق
الحمدُ للهِ الذي بِيَدِهِ نواصي العباد، ومقاديرُ البلاد. الحمدُ للهِ الذي لا مانعَ لِما أعطى، ولا مُعطيَ لِما مَنع، ولا رافعَ لِمَن خفض، ولا خافضَ لِمَن رفع. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، إلهاً واحداً أحداً صمداً، لا ملجأَ ولا منجا منهُ إلا إليه. وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمداً عبدُهُ ورسولُه، المبعوثُ بالتوحيدِ الخالص، واليقينِ الصادق، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً. أما بعد:
عبادَ الله، لو سألتكم اليوم: ما هو أثقل قيدٍ يكبّل أعناق الناس في هذا الزمان؟ هل هو الفقر؟ أم هو المرض؟ الحقيقة الغائبة أن أكبر سجان للإنسان هو "الخوف".. الخوف من المستقبل المجهول، الخوف من انقطاع الرزق، الخوف من سطوة الناس! اليوم، سنكسر هذا القيد الوهمي بكلمة واحدة، وصية خالدة سطرها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. كلمةٌ من أدرك عمقها وتشرّبها قلبه، عاش في هذه الدنيا ملكاً حراً لا يستعبده بشر، ولا يكسره هم. فما هي هذه الوصية؟ وكيف تقلب موازين المخاوف في حياتنا؟
يا أيُّها المسلمون، هل سألتم أنفسكم يوماً: مما نخاف حقيقةً في يومياتنا؟ كم مرة تركنا قول الحق خوفاً من فلان؟ كم مرة داهمنا القلق على أرزاقنا فبتنا لا ننام خوفاً من غدٍ لا نملكه؟ نحن نعيش في عصر كثرت فيه المخاوف، وتشعبت فيه سبل القلق، فباتت القلوب معلقة بالأسباب، ناسية لرب الأرباب.
ولكن، تعالوا نستمع إلى طبيب القلوب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو يضع لنا العلاج الجذري لكل هذه الأمراض في جملة واحدة، كأنها نُحتت من نور. يقول رضي الله عنه في وصيته العظيمة: «لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ».
تأملوا! لم يقل: "ولا يخافن إلا ربه"، بل قال: "ولا يخافن إلا ذنبه". لماذا؟ لأن المخلوقين جميعاً أضعف من أن يضروك إلا إذا أذن الله، والله سبحانه لا يسلط عليك البلاء إلا بذنوبك. فخوفك الحقيقي يجب أن يكون من المعصية التي تقطع الحبل بينك وبين خالقك، فإذا انقطع الحبل، سلط عليك المخلوقين وتكالبت عليك الهموم!
يقول الله تعالى في محكم التنزيل، مؤصلاً لهذه القاعدة: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: 175].
واسمعوا لهذه الآية التي إذا تأملتموها لن تبقى قلوبكم كما كانت. يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [سورة الزمر: 36].
استفهام إلهي يهز الوجدان! أليس الله القوي، المتين، الخالق، الرازق، بكافٍ عبده؟ بلى والله. ولكن العيب فينا نحن. الشيطان يأتي للإنسان فيخوفه بالذين من دون الله. يخوفه بمديره في العمل، يخوفه بمرض، يخوفه بفقر محتمل.
وهنا يقرر الإمام الحسن البصري رحمه الله قاعدة ذهبية حين قال: "من خاف الله، أخاف الله منه كل شيء. ومن خاف الناس، أخافه الله من كل شيء". الخوف من الله يجمع شتات القلب فيطير حراً، والخوف من الناس يمزق القلب في كل واد!
انظروا إلى حالنا اليوم أيها الأحبة. الموظف في عمله قد يرتجف خوفاً من رئيسه، يخشى على تقريره السنوي، أو يخشى الخصم من راتبه، فيضطر للكذب، أو يوافق على محرم، أو يداهن في باطل. لماذا؟ لأنه نسي أن الرزاق في السماء وليس في الأرض.
أيعقل أن نخاف من مخلوق يتنفس مثلنا وننسى خالق الأنفاس؟ أيعقل أن نرتعد من بشر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ونأمن مكر من بيده مقاليد السماوات والأرض؟
اسمعوا ما يقوله الصادق المصدوق ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي، موجهاً رسالة قاطعة لكل خائف: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ، سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ».
معادلة دقيقة لا تتخلف! من خاف ربه ولم يخف الناس، كفاه الله شرهم وجعلهم يرضون عنه رغماً عنهم. ومن خاف الناس وعصى ربه، تخلى الله عنه وسلط عليه من خافهم!
وما قرره الوحي في هذه الآيات والأحاديث، صدّقه الواقع في قصة عجيبة وقعت في زمن موسى عليه السلام. تخيلوا معي ذلك المشهد الدرامي المهيب. موسى ومن معه من المؤمنين المستضعفين يهربون. وصلوا إلى شاطئ البحر الأحمر. البحر من أمامهم تتلاطم أمواجه العاتية، وفرعون من خلفهم بجيشه الجرار، بخيله ورجله وأسلحته وغضبه.
الناس من حول موسى رأوا الأسباب الدنيوية، ورأوا الموت بأعينهم، فصرخوا صرخة اليائس الخائف: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [سورة الشعراء: 61].
الهلاك محتوم بحسابات البشر. فماذا كان رد الرجل الذي تشرب قلبه اليقين بأنه لا يخاف إلا ربه؟ لم يلتفت يمنة ولا يسرة، ولم يرتجف صوته، بل أطلق كلمة شقت عباب السماء قبل أن تشق البحر: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الشعراء: 62].
"كلا".. حرف ردع وزجر. لا تخافوا! الخوف من المخلوقين لا مكان له هنا. فجاء الفرج الإلهي من حيث لا يحتسبون: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الشعراء: 63].
هذا هو اليقين يا عباد الله! الله تبارك وتعالى يقول لموسى وهارون في موضع آخر لما خافا من بطش فرعون قبل الذهاب إليه: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [سورة طه: 46].
إذا كان الله معك يسمع ويرى، فممن تخاف؟ ولماذا تقلق؟
ولعلكم تسألون: إن كان الخوف من الطغاة قد تبدد بهذا اليقين، فما بالنا نخاف من الفقر وانقطاع الرزق؟ والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا يخاف الإنسان من المستقبل والرزق بيد الله، لا بيد خلقه؟
الشيطان يا إخوتي هو مهندس الخوف. يقول الله عز وجل فاضحاً هذه الخطة: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾ [سورة البقرة: 268].
كل قلق يأتيك في منتصف الليل يهمس لك: "من أين ستطعم أولادك؟ ماذا لو طُردت من الوظيفة؟ ماذا لو ارتفعت الأسعار؟" فاعلم أنه صوت الشيطان يبث فيك الرعب لتبتعد عن التوكل!
كيف يرتجف قلب المؤمن وهو يقرأ في كتاب الله: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة هود: 6]. الدابة العمياء في قاع المحيط يرزقها الله، فهل ينساك أنت وأنت تسجد له؟
ولقد حسم النبي ﷺ قضية الخوف على الرزق والأجل بكلمات تُكتب بماء الذهب، فاسمعوا وتدبروا ما صح عنه ﷺ أنه قال: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ».
مستحيل أن تموت ولك قطرة ماء في هذه الدنيا لم تشربها. فلماذا الانحناء للعبيد؟ ولماذا الخوف من الغد؟
وهذا المعنى العظيم هو ما تشربه جيل الصحابة، فصنع منهم أبطالاً لا يهابون أحداً إلا الله. واسمعوا لهذه القصة التي تهتز لها القلوب، وتطأطئ لها الرؤوس.
وقع الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي أسيراً في أيدي الروم. فأُتي به إلى ملك الروم (قيصر). وكان قيصر يعلم قوة إيمان المسلمين، فأراد أن يكسره.
قال له قيصر: هل لك أن تتنصر وأشركك في ملكي وسلطاني؟
فقال عبد الله بكل عزة وثبات: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب، على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت!
فقال قيصر: إذن أقتلك.
قال عبد الله: أنت وذاك.
فأمر قيصر بقدر عظيم من النحاس، فمُلئ بالزيت، وأُغلي حتى صار يفور. ثم أمر بأسير من المسلمين فأُلقي في الزيت المغلي أمام عيني عبد الله، فإذا لحمه يتناثر وعظامه تطفو! مشهد يذيب القلوب من الرعب!
ثم التفت قيصر إلى عبد الله وقال: تتنصر أم ألقيك؟ فرفض عبد الله. فلما جروه ليلقوه في الزيت، بكى عبد الله!
ظن قيصر أن الخوف قد هزمه، وأن الرعب قد تسلل إلى قلبه، فقال: ردوه إلي. فقال له قيصر مبتسماً: لم بكيت؟ هل تراجعت؟
فأطلق عبد الله إجابة سجلها التاريخ بحروف من نور: "والله ما بكيت جزعاً من الموت، ولكن بكيت لأن لي نفساً واحدة تُلقى الساعة في هذا القدر فتموت في سبيل الله، وكنت أتمنى لو أن لي أنفساً بعدد شعر رأسي، تُلقى كلها في الزيت في سبيل الله!".
يا لعظمة هذا اليقين! من أين جاء بهذه القوة العجيبة؟ إنه تطبيق عملي لوصية علي: "لا يخافن إلا ذنبه"! الخوف من الله ابتلع كل المخاوف، حتى الخوف من الزيت المغلي.
وهنا نعود إلى الشطر الثاني من وصية أمير المؤمنين: "ولا يخافن إلا ذنبه".
لماذا الذنب بالذات؟
لأن الذنب هو العدو الحقيقي. المخلوق لا يملك لك شيئاً، ولكن الذنب هو الذي ينزع عنك حصانة حفظ الله، فيجعلك مكشوفاً لسهام البشر وسهام الأقدار.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق دابتي وزوجتي". الذنب يجلب الشؤم، والذنب يجلب الخوف والقلق ووحشة القلب.
وقرر الإمام ابن القيم رحمه الله هذا المعنى البديع حين قال: "القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه. فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى فُقد الجناحان صار عرضة لكل صائد وكاسر".
أما الشطر الأول من الوصية: "لا يرجون عبد إلا ربه". فالرجاء هو تعلق القلب بحصول المحبوب. فكيف ترجو الشفاء من طبيب، وتنسى الشافي؟ وكيف ترجو الرزق من مدير، وتنسى الرزاق؟ وكيف ترجو النصر من دولة، وتنسى القوي العزيز؟
الطبيب سبب، والوظيفة سبب، والأرض سبب، لكن مسبّب الأسباب هو الله جل جلاله.
يقول النبي ﷺ في الحديث العظيم الذي رواه الإمام أحمد والترمذي، والذي يجب أن نحفّظه لأبنائنا في كل بيت: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
أيها المؤمنون، من خاف مقام ربه، عاش في أمان. ومن اتقى الله، جعل الله له مخرجاً.
قال الله تعالى واصفاً جزاء من خاف مقامه وأفرد رجاءه فيه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [سورة الرحمن: 46].
وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [سورة النازعات: 40-41].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الذي سُجن وعُذب وخُوف بالسلاطين، فكان يقول بعزة من لا يخاف إلا ربه ولا يرجو إلا ثوابه: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أينما رحت فهي معي، حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة".
هذا هو خوف الأحرار، وتلك هي جنة اليقين.
فيا من أتعبته المخاوف، ويا من أرقه القلق، ويا من تشتت قلبه بين أبواب العبيد.. اجمع همومك في هم واحد يطوي لك ما سواه. اجعل خوفك من الذي بيده مقاليدك، واجعل رجاءك في الذي خزائنه لا تنفد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولِسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن تحرير القلب من مخاوف الدنيا الزائفة، ووقفنا مع وصية الإمام علي العظيمة "لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه". ورأينا كيف أن اليقين بالله يطفئ نار الخوف من البشر ومن الرزق ومن المستقبل، وكيف كان ثبات الأنبياء والصحابة نابعاً من إفراد الله وحده بالخشية. والآن، إخواني، بقي السؤال العملي الأهم: كيف نترجم هذا اليقين إلى واقع نعيشه في بيوتنا وأعمالنا؟
وأوصيكم بخمسٍ قبل أن أنزل من منبري، فاحفظوها واعملوا بها:
الأولى (قلبية): أفرغ قلبك من تعظيم المخلوقين. إذا رأيت صاحب سلطة، أو ذا مال، أو مديراً تخافه، فاستحضر في قلبك فوراً عظمة الخالق، وقل في نفسك: هذا عبدٌ ناصيته بيد ربي، فلا تعطه من الرهبة ما لا يستحقه إلا الله.
الثانية (لسانية): اجعل من لسانك حصناً لقلبك، وأكثر الليلة وكل يوم من قول: "حسبنا الله ونعم الوكيل". فهي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام في النار فصارت برداً وسلاماً، وقالها الصحابة يوم أحد فانقلبوا بنعمة من الله وفضل.
الثالثة (عملية): من أراد أن ينام آمناً ويستيقظ آمناً، فليصلِّ صلاة الفجر في جماعة. قال النبي ﷺ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ». أي في حفظه ورعايته وضمانه، فمن ذا الذي يجرؤ على إخافتك وأنت في حفظ ملك الملوك؟
الرابعة (اجتماعية): لا تداهن أحداً في باطل خوفاً من قطع علاقة أو خسارة منفعة. قُل كلمة الحق بأدب وحكمة، ولكن بثبات. تذكر أن إرضاء الناس بغضب الله سيورثك غضبهم عاجلاً أم آجلاً، وإرضاء الله يورثك العز والمحبة في قلوبهم.
الخامسة (موضوعية): فتش في صحيفتك وحاسب نفسك على ذنوبك. الذنب هو الثغرة التي يتسلل منها الخوف إلى قلبك. تُب إلى الله اليوم من ذنب تصر عليه، فكلما تطهرت من الذنوب، ألبسك الله ثوب الأمن واليقين.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على خشيته وحده، وتسوقكم آمنين مطمئنين إلى جنات النعيم.
ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، فقد أمركم الله بذلك في محكم التنزيل فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبيك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين.
اللهم اجعلنا ممن إذا خاف لجأ إليك، وإذا رجا لم يطرق باباً غير بابك.
اللهم املأ قلوبنا بخشيتك حتى تحول بيننا وبين معاصيك، وبطاعتك ما تبلغنا به جنتك، وبيقينك ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، ومن الرجاء إلا فيك.
اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، ولا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.
اللهم طهر قلوبنا من الرياء والنفاق، ومن التعلق بالأسباب ونسيان مسبب الأسباب.
اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.
اللهم من كان منا في ضيق ففرجه، ومن كان في هم فنفسه، ومن خاف من رزقه فاكفه بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.
اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، واربط على قلوب المستضعفين والمظلومين في كل بقعة من بقاع الأرض، وأنزل عليهم سكينتك ونصرك المبين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
لا يَخافَنَّ عَبدٌ إلَّا ذَنبَه.. ولا يَرجُوَنَّ إلَّا رَبَّه
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.