الجَنَّةُ وَنَعِيمُهَا وَجَهَنَّمُ وَعَذَابُهَا وَأَهوَالُهَا: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن دَارِ الكَرَامَةِ وَدَارِ البَوَارِ وَسَبِيلِ الفَوزِ وَالنَّجَاةِ
الحَمدُ للهِ المَلِكِ الحَقِّ المُبِين، الجَوَادِ الكَرِيمِ أَكرَمِ الأَكرَمِين، وَالعَزِيزِ الجَبَّارِ شَدِيدِ العِقَابِ عَلَى الكَافِرِينَ وَالمُجرِمِين، الَّذِي خَلَقَ الجَنَّةَ بِفَضلِهِ وَرَحمَتِهِ دَارَ كَرَامَةٍ وَخُلُودٍ لِعِبَادِهِ المُتَّقِين، وَأَعَدَّ جَهَنَّمَ بِعَدلِهِ وَحِكمَتِهِ سِجنًا وَسَعِيرًا لِلطَّاغِينَ وَالمُعرِضِين، وَجَعَلَ مَصِيرَ الخَلَائِقِ يَومَ الجَمعِ إِلَى إِحدَى المَنزِلَتَين، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةً نَرجُو بِهَا الفَوزَ بِرِضوَانِهِ وَجَنَّاتِه، وَالنَّجَاةَ مِن سَخَطِهِ وَعَذَابِهِ وَنِيرَانِه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، البَشِيرُ النَّذِيرُ، وَالسِّرَاجُ المُنِيرُ، الَّذِي وَصَفَ لَنَا الجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَالنَّارَ وَجَحِيمَهَا كَأَنَّنَا نَرَاهُمَا رَأيَ العَين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ السَّابِقِينَ إِلَى الخَيرَات، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ المِيقَات.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ مِفتَاحُ الجِنَان، وَالجُنَّةُ الوَاقِيَةُ مِنَ النِّيرَان، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ القُلُوبَ البَشَرِيَّةَ إِذَا طَالَ عَلَيهَا الأَمَدُ فِي زَحمةِ الدُّنيَا وَشَهَوَاتِهَا، عَلَاهَا الصَّدَأُ وَالغَفلَةُ، فَلَا يَجلُو صَدَأَهَا وَلَا يُوقِظُهَا مِن رَقدَتِهَا شَيءٌ مِثلُ السَّفَرِ بِأَروَاحِهَا إِلَى الدَّارِ الآخِرَة؛ حَيثُ المَصِيرُ الأَبَدِيُّ الَّذِي لَا ثَالِثَ لَه: إِمَّا إِلَى جَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ فِيهَا مَا تَشتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعيُن، وَإِمَّا إِلَى نَارٍ تَلَظَّى لَا يَصلَاهَا إِلَّا الأَشقَى!
فَتَعَالَوا بِنَا عِبَادَ اللهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ المُبَارَكَةِ نَطوفُ بِقُلُوبِنَا أَوَّلًا فِي رِيَاضِ «الجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا» شَوقًا وَطَمَعًا، ثُمَّ نَقِفُ عَلَى شَفِيرِ «جَهَنَّمَ وَعَذَابِهَا وَأَهوَالِهَا» خَوفًا وَحَذَرًا وَفَزَعًا؛ لِتَطِيرَ قُلُوبُنَا إِلَى اللهِ بِجَنَاحَيِ الرَّجَاءِ وَالخَوف.
عِبَادَ اللهِ: مَا الجَنَّةُ؟ وَمَا أَدرَاكُم مَا الجَنَّةُ؟!
إِنَّهَا دَارُ الكَرَامَةِ الَّتِي غَرَسَهَا الرَّحمَنُ بِيَدِهِ، وَجَعَلَهَا مُستَقَرًّا لِأَولِيَائِهِ وَأَهلِ طَاعَتِه، وَأَخفَى فِيهَا مِن أَنوَاعِ النَّعِيمِ وَالبَهجَةِ وَالسُّرُورِ مَا تَعجِزُ العُقُولُ عَن تَصَوُّرِهِ وَالأَلسِنَةُ عَن وَصفِه! قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَعدَدتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَينٌ رَأَت، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَت، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ!».
سَأَلَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بشَوقِ المُحِبِّينَ كَمَا فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثنَا عَنِ الجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟»، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَبِنَةٌ مِن ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِن فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا المِسكُ الأَذفَرُ، وَحَصبَاؤُهَا اللُّؤلُؤُ وَاليَاقُوتُ، وَتُربَتُهَا الزَّعفَرَانُ، مَن يَدخُلُهَا يَنعَمُ وَلَا يَبأَسُ، وَيَخلُدُ وَلَا يَمُوتُ، لَا تَبلَى ثِيَابُهُم، وَلَا يَفنَى شَبَابُهُم!».
لَهَا ثَمَانِيَةُ أَبوَابٍ عَظِيمَةٍ، مَا بَينَ المِصرَاعَينِ مِن مَصَارِيعِ البَابِ الوَاحِدِ مَسِيرَةُ أَربَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأتِيَنَّ عَلَيهِ يَومٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِم! فَإِذَا دَخَلَهَا المُؤمِنُونَ بَعدَ طُولِ التَّعَبِ وَالصَّبرِ فِي الدُّنيَا، استَقبَلَتهُمُ المَلَائِكَةُ بِالتَّحِيَّةِ وَالبِشَارَةِ قَائِلِين: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. هُنَاكَ يَرَى المُؤمِنُ قُصُورًا شَاهِقَةً، وَخِيَامًا مِن لُؤلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا، وَغُرَفًا عَالِيَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِن بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِن ظَاهِرِهَا مِن شِدَّةِ صَفَائِهَا وَنُورِهَا، تَجرِي مِن تَحتِهَا أَربَعَةُ أَنهَارٍ عَجِيبَةٍ لَا تَجري فِي أَخَادِيدَ بَل تَنسَابُ عَلَى أَرضِ المِسكِ وَالكَافُور؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي وَصفِهَا: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥].
فِي الجَنَّةِ يَا عِبَادَ اللهِ يَنتَهِي النَّصَبُ وَالوَصَبُ، وَيَذهَبُ الهَمُّ وَالحُزنُ وَالمَرَضُ وَالهَرَمُ وَالمَوت! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُم أَن تَصِحُّوا فَلَا تَسقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَحيَوا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَشِبُّوا فَلَا تَهرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَنعَمُوا فَلَا تَبأَسُوا أَبَدًا!».
فَإِذَا تَمَّ لِأَهلِ الجَنَّةِ هَذَا النَّعِيمُ، جَاءَتِ اللَّحظَةُ الكُبرَى الَّتِي يَتَضَاءَلُ عِندَهَا كُلُّ نَعِيمٍ فِي الجَنَّة؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن صُهَيبٍ الرُّومِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيئًا أَزِيدُكُم؟ فَيَقُولُونَ: أَلَم تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَم تُدخِلْنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعطُوا شَيئًا أَحَبَّ إِلَيهِم مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِم عَزَّ وَجَلَّ!»، ثُمَّ تَلَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. يَا لَهَا مِن غَايَةٍ تَرخُصُ فِي سَبِيلِهَا النُّفُوسُ وَالأَعمَار!
وَفِي المُقَابِلِ يَا عِبَادَ اللهِ، اِلتَفِتُوا بِقُلُوبِكُم إِلَى الدَّارِ الأُخرَى -أَجَارَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم وَوَالِدِينَا وَأَهلِينَا مِنهَا-؛ إِنَّهَا «جَهَنَّمُ وَعَذَابُهَا وَأَهوَالُهَا»!
إِنَّهَا دَارُ البَوَارِ وَالخِزيِ وَالعَذَابِ الأَلِيم، الَّتِي حَذَّرَنَا اللهُ مِنهَا أَشَدَّ التَّحذِيرِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
تَصَوَّرُوا هَولَ مَجيءِ جَهَنَّمَ فِي أَرضِ المَحشَر! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يُؤتَى بِجَهَنَّمَ يَومَئِذٍ لَهَا سَبعُونَ أَلفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا!». أَي: أَربَعَةُ مِلْيَارَاتٍ وَتِسعُمِائَةِ مِليُونِ مَلَكٍ مِنَ المَلَائِكَةِ الغِلَاظِ الشِّدَادِ يَجُرُّونَ جَهَنَّمَ بِأَزِمَّتِهَا! فَمَا ظَنُّكُم بِعِظَمِ هَذِهِ النَّارِ الَّتِي إِذَا رَأَتِ المُجرِمِينَ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، حَتَّى تَجثُوَ الأُمَمُ عَلَى الرُّكَبِ مِن هَولِ مَنظَرِهَا؟!
أَمَّا حَرُّهَا يَا عِبَادَ اللهِ، فَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنه: «نَارُكُم جُزءٌ مِن سَبعِينَ جُزءًا مِن نَارِ جَهَنَّمَ!»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِن كَانَت لَكَافِيَةً! قَالَ: «فُضِّلَت عَلَيهِنَّ بِتِسعَةٍ وَسِتِّينَ جُزءًا، كُلُّهُنَّ مِثلُ حَرِّهَا!». وَأَمَّا قَعرُهَا وَعُمقُهَا، فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذ سَمِعَ وَجبَةً -أَي صَوتَ سُقُوطِ شَيءٍ عَظِيمٍ- فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: تَدرُونَ مَا هَذَا؟ قُلنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنذُ سَبعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انتَهَى إِلَى قَعرِهَا!».
إِنَّ أَهلَ النَّارِ يُلقَونَ فِيهَا مُقَرَّنِينَ فِي الأَصفَادِ وَالسَّلَاسِلِ وَالأَغلَال، سَرَابِيلُهُم مِن قَطِرَانٍ وَتَغشَى وُجُوهَهُمُ النَّار؛ طَعَامُهُم فِيهَا الضَّرِيعُ وَالزَّقُّومُ الَّذِي يَغلِي فِي البُطُونِ كَغَليِ الحَمِيم، وَشَرَابُهُم فِيهَا المَاءُ الحَمِيمُ الَّذِي إِذَا قُرِّبَ إِلَى وُجُوهِهِم شَوَى الوُجُوهَ وَقَطَّعَ الأَمعَاءَ، وَالصَّدِيدُ وَالغَسَّاق، وَكُلَّمَا احترَقَت جُلُودُهُم بُدِّلُوا جُلُودًا غَيرَهَا لِيَتصِلَ العَذَابُ وَلَا يَنقَطِع؛ كَمَا قَالَ القَوِيُّ العَزِيز: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].
وَاسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى حَالِ «أَخَفِّ أَهلِ النَّارِ عَذَابًا»؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَهوَنَ أَهلِ النَّارِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخمَصِ قَدَمَيهِ جَمرَتَانِ يَغلِي مِنهُمَا دِمَاغُهُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهوَنُهُم عَذَابًا!». إِذَا كَانَ هَذَا حَالَ أَهوَنِهِم وَأَخَفِّهِم عَذَابًا، فَكَيفَ بِمَن هُوَ فِي الدَّرَكَاتِ السُّفلَى مِنَ النَّارِ يَتَقَلَّبُ فِي جَحِيمِهَا وَيَصطَرِخُ فِيهَا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فَيَأتِيهِمُ الجَوَابُ القَاطِعُ الَّذِي يَقصِمُ الظُّهُور: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]؟!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَقِفُوا مَعَ أَنفُسِكُم أَمَامَ هَذَا المَشهَدِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ الَّذِي يَضَعُ الدُّنيَا كُلَّهَا فِي حَجمِهَا الحَقِيقِيِّ أَمَامَ الجَنَّةِ وَالنَّار! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يُؤتَى بِأَنعَمِ أَهلِ الدُّنيَا مِن أَهلِ النَّارِ يَومَ القِيَامَةِ، فَيُصبَغُ فِي النَّارِ صَبغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابنَ آدَمَ، هَل رَأَيتَ خَيرًا قَطُّ؟ هَل مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ! وَيُؤتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤسًا فِي الدُّنيَا مِن أَهلِ الجَنَّةِ، فَيُصبَغُ صَبغَةً فِي الجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابنَ آدَمَ، هَل رَأَيتَ بُؤسًا قَطُّ؟ هَل مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيتُ شِدَّةً قَطُّ!».
اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ الله! غَمسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي النَّارِ أَنسَتِ المُترَفَ الغَافِلَ كُلَّ لَذَّةٍ وَشَهوَةٍ حَرَامٍ تَمَتَّعَ بِهَا سِنِينَ فِي الدُّنيَا! وَغَمسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ أَنسَتِ المُؤمِنَ الصَّابِرَ كُلَّ مَرَضٍ وَفَقرٍ وَابتِلَاءٍ وَتَعَبٍ ذَاقَهُ فِي طَاعَةِ الله! ثُمَّ يُؤتَى بِالمَوتِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ فَيُذبَحُ بَينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيُنَادِي المُنَادِي: «يَا أَهلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوتَ، وَيَا أَهلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوتَ!»، فَيَزدَادُ أَهلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِم، وَيَزدَادُ أَهلُ النَّارِ حُزنًا إِلَى حُزنِهِم!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّنَا اليَومَ فِي دَارِ المُهلَةِ وَالعَمَل، وَبَابُ الجَنَّةِ مَفتُوحٌ أَمَامَنَا، وَسَبِيلُ النَّجَاةِ مِنَ النَّارِ مَيسُورٌ لِمَن صَدَقَ مَعَ الله! قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِم: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَن يَأبَى؟ قَالَ: «مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن عَصَانِي فَقَد أَبَى!». وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ، فَمَن لَم يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ!».
فَاشْتَرُوا أَنفُسَكُم مِنَ اللهِ اليَومَ بِالتَّوحِيدِ الخَالِصِ، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمسِ، وَبِرِّ الوَالِدَينِ، وَأَدَاءِ الحُقُوقِ، وَاجتِنَابِ الكَبَائِرِ وَالفَوَاحِشِ وَالظُّلمِ، وَأَكثِرُوا فِي كُلِّ يَومٍ مِن سُؤَالِ اللهِ الجَنَّةَ وَالِاستِعَاذَةِ بِهِ مِنَ النَّار؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن سَأَلَ اللهَ الجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدخِلهُ الجَنَّةَ، وَمَنِ استَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرهُ مِنَ النَّارِ!». وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ هَتَفَ مُوقِظًا الهِمَم:
فَاعْمَلْ لِدَارٍ غَدًا رِضوَانُ خَازِنُهَا ... وَالجَارُ أَحمَدُ وَالرَّحمَنُ بَانِيهَا
قُصُورُهَا ذَهَبٌ وَالمِسكُ طِينَتُهَا ... وَالزَّعفَرَانُ حَشِيشٌ نَابِتٌ فِيهَا
وَاهْرَبْ بِنَفسِكَ مِن نَارٍ مُسَعَّرَةٍ ... تَشوِي الوُجُوهَ وَتُصْلِي مَن يُعَاصِيهَا
مَن بَاعَ فَانِيَةَ الدُّنيَا بِآخِرَةٍ ... نَالَ الكَرَامَةَ فِي أَعلَى مَعَالِيهَا
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَل، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَل. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الفِردَوسَ الأَعلَى مِنَ الجَنَّةِ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلَا سَابِقَةِ عَذَاب، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّظَرَ إِلَى وَجهِكَ الكَرِيمِ فِي غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتنَةٍ مُضِلَّة. اللَّهُمَّ أَعتِق رِقَابَنَا وَرِقَابَ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِنَ النَّار، وَحَرِّم وُجُوهَنَا وَأَجسَادَنَا عَلَى النَّارِ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّار. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
الجَنَّةُ وَنَعِيمُهَا وَجَهَنَّمُ وَعَذَابُهَا وَأَهوَالُهَا: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن دَارِ الكَرَامَةِ وَدَارِ البَوَارِ وَسَبِيلِ الفَوزِ وَالنَّجَاةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.