من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

اسم الله العليم: ما نخفيه لا يغيب عن الله

مشاركة
🕌 اسمُ اللهِ العليم: ما نُخفيهِ لا يَغيبُ عن الله #خطبة_جمعة #أسماء_الله_الحسنى #العليم #مراقبة_الله #العقيدة #السر_والعلن #إيمانيات الحمدُ للهِ العليمِ الخبير، السميعِ البصير، الذي أحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عَدَدًا. الحمدُ لله الذي يَعلَمُ دبيبَ النملةِ السوداء، على الصخرةِ الصماء، في الليلةِ الظلماء. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرضِ ولا في السماء، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، المبعوثُ بالحقِّ والضياء، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ تسليماً كثيراً. أمَّا بعد: تُغلقُ بابَ غرفتك، وتُسدلُ الستائر، وتتأكدُ أن أحداً من البشر لا يراك، ثم تفتحُ هاتفك أو تبدأ في معصيةِ الخلوة. في تلك اللحظةِ بالضبط، هناك من ينظرُ إليك، ويسمعُ نبضَ قلبك، ويعلمُ ما يدورُ في ذهنك قبل أن تفعله! من هو؟ وماذا يعني أن تعيشَ وأنت تدركُ أنه يراك؟ الجوابُ على هذا السؤال سيُغيّر شكلَ خلواتنا، وحياتنا كلها، إلى الأبد. أيها الإخوةُ الكرام، نعيشُ اليوم في عصرِ السِّرِّيَّةِ بامتياز. كلماتُ مرورٍ معقدة، ورسائلُ مشفرة، وملفاتٌ محمية، وسجلاتٌ تُمسح بضغطة زر. لقد أتقنَّا فنَّ التخفي عن عيون البشر، وظنَّ الكثيرون أنهم إذا أوصدوا الأبوابَ، وأطفؤوا الأنوار، ومسحوا آثارَ التصفح، فقد نجحوا في إخفاءِ أسرارهم. لكننا وسط هذا الوهم، نسينا عيناً لا تنام، وعلماً لا يحدُّه زمانٌ ولا مكان. نسينا أننا نتعاملُ مع من سمّى نفسه "العليم". يقولُ ربُّنا تبارك وتعالى عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: 5]. تأملوا هذا الحصرَ والشمول! ليس عليماً بالظواهرِ فقط، بل بالبواطن. ليس عليماً بما تنطقُ به الألسنة، بل بما تُخفيه الصدور. واسمعوا لهذه الآيةِ العظيمة، التي لو نزلَت على قلبٍ حيٍّ لرجفَ منها، يقول جل جلاله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]. تخيلوا معي يا عباد الله... غابةً شاسعةً مظلمة، في ليلةٍ عاصفة، تسقطُ فيها ورقةٌ من شجرة... هل يلتفتُ إليها أحد؟ هل يسجلُ سقوطها بشر؟ اللهُ جل جلاله يعلم متى سقطت، وأين استقرت، وكم تقلبت في الهواء! فإذا كان هذا علمه بورقةٍ تسقطُ في فلاة، فكيف بعلمه بدمعةٍ تسقطُ من عينك في ظلام غرفتك؟ كيف بعلمه بكلمةٍ خطتها يدك في هاتفك؟ وكيف بعلمه بنيةٍ انعقد عليها قلبك؟ لقد أدرك السلفُ الصالحُ هذا المعنى، فكانت مراقبةُ اللهِ حاضرةً في قلوبهم كأنهم يرونه. واسمعوا لهذه القصةِ العجيبة التي وقعت لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما. خرج في سفرٍ، فلقي راعيَ غنمٍ صغيراً في الجبل. فأراد ابنُ عمر أن يختبر أمانته، فقال له: بعني شاةً من هذه الغنم. فقال الغلام: إنها ليست لي، إنها لسيدي (أي أنا أجير). فقال له ابن عمر ممتحناً: قل لسيدك إن الذئب أكلها! وهنا... لم ينظر الغلامُ يميناً ولا يساراً ليتأكد من غياب الكاميرات أو غياب سيده، بل نظر إلى السماء، وصرخ بكلمتين زلزلتا قلب ابن عمر: "فأين الله؟!" كلمتان فقط: "أين الله؟". جعلت ابن عمر يبكي، ويرددها كلما تذكرها: "يقول الراعي: أين الله... يقول الراعي: أين الله". ثم ذهب فاشترى الغلام وأعتقه، وقال له: أعتقتك هذه الكلمة في الدنيا، وأرجو أن تعتقك يوم القيامة. أيها المسلمون، هل سألنا أنفسنا يوماً: ماذا لو عُرضت أفكارنا الخفية، ونوايانا الباطنة، وسجلات هواتفنا المخفية، على شاشةٍ أمام الناس؟ واللهِ لافتضح الكثير، ولتمنى الواحدُ منا أن تبتلعه الأرضُ قبل أن يرى الناسُ سره! فكيف نرضى أن يرى اللهُ منا ما نستحي أن يراه البشر؟! أيعقل أن تخافَ من كاميرا مراقبةٍ في متجر، فتستقيم حركاتك، وتتأدب في وقفتك، ثم لا تخاف من نظرِ العليم الخبير إليك وأنت في خلوتك؟! يقول الله موبخاً هذا الصنف من الناس: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108]. ويقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله... وواللهِ لخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب، أعظم من الذنب نفسه! لأنك هبت المخلوق ولم تهب الخالق". وتأملوا معي هذه الآية التي تشق شغاف القلب: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. ما هي خائنة الأعين؟ قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: "هو الرجل يكون في القوم، فتمر بهم المرأة، فيريهم أنه يغض بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ إليها، وإذا فطنوا غض، وقد علم الله عز وجل من قلبه أنه ود لو نظر إلى عورتها!". يا سبحان الله! لمحةُ عينٍ سريعة، يظن صاحبها أنه سرقها بمهارة، ولم يلاحظه الجالسون بجواره... لكنها لم تغب عن "العليم". فمن الذي يعلم النية المخفية خلف كلماتك الجميلة؟ ومن الذي يعلم حقيقة ادعاءاتك؟ إنه الله. لقد حذرنا النبي ﷺ من مغبة التهاون في ذنوب الخلوات، حيث لا يراك إلا الله. واسمعوا لهذا الحديث الصادم؛ يقول النبي ﷺ: «لأعلمنَّ أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً». قال ثوبان: يا رسول الله صِفهم لنا، جَلِّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: «أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوامٌ إذا خَلَوا بمحارم الله انتهكوها» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني). كانوا يصلون ويصومون أمام الناس... لكن المشكلة كانت في الخلوة. عندما تغلق الأبواب، تسقط هيبة الله من قلوبهم. قال بعض السلف: "أجمع العارفون على أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وأن طاعات الخلوات هي أصل الثبات". إخوتي في الله... لعلكم تسألون الآن: هل اسمُ اللهِ "العليم" يحملُ معانيَ التخويف والرعب فقط؟ هل استشعارنا لمراقبته يعني أن نعيش في قلقٍ مستمر؟ والحقيقة التي نغفل عنها، أن اسم الله "العليم" هو أعظم اسمٍ يجلبُ الطمأنينة للمؤمن المظلوم والمكروب! تخيل أنك مظلوم، وتكالبت عليك الاتهامات، والكل يصدق الباطل، وأنت عاجز عن إثبات براءتك. ألا يكفيك أن "العليم" يعلم صدقك؟ تخيل أنك تعمل بصمت، وتبذل الخير لأسرتك أو لمجتمعك، ولا أحد يقدر تعبك، بل ربما يقابلون إحسانك بالجحود. ألا يمسح على قلبك أن تقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 215]؟ حين تبكي في ظلام غرفتك، ولا يرى أحد دمعتك، ولا يفهم أقرب الناس إليك وجعك... العليم يعلم. ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80]. ولهذا كان من صفات عباد الرحمن الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» (متفق عليه). لماذا فاضت عيناه في الخلوة؟ لأنه تذكر العليم، فاستحيا منه حباً وشوقاً وخوفاً. وقد قال النبي ﷺ: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي» (رواه مسلم). الخفي الذي لا يبحث عن تصفيق البشر، بل يكفيه نظر رب البشر. اللهم يا عليم يا خبير، نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأن تجعل سرائرنا خيراً من علانيتنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ لله حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، يُحاطُ بعلمِه ما دَقَّ وجَلَّ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله، المبعوث بالحق، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بعد: عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن اسم الله "العليم"، وكيف أن علم الله يحيط بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، ووقفنا مع ذنوب الخلوات خطرها وعاقبتها، ثم رأينا كيف أن استشعار علم الله هو أكبر مواساة للمظلوم والموجوع. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستمر مرور الريح أم ستثمر في قلوبكم: كيف نترجم هذا اليقين إلى واقع في حياتنا اليومية؟ وأوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِل من منبري: الأولى (قَلبيَّة): أصلح نيتك الخفية قبل أي عمل. لا تقم بعمل للناس تنتظر ثناءهم، بل استحضر أن العليم يرى قلبك. قال النبي ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (متفق عليه). فجدد نيتك اليوم، واجعلها خالصة لله وحده. الثانية (لِسانيَّة): استغفر الله سراً اليوم مائة مرة، واذكر الله بكلمة "سبحان الله" وأنت توقن أنه يسمع همسك. لا تقل ليس عندي وقت، فذكر الله في سرك وأنت تمشي أو تعمل يمحو ذنوب الخلوات، ويرفع درجتك عند من يعلم سرك ونجواك. الثالثة (عَمَليَّة): اصنع لنفسك اليوم "خبيئةً" من عمل صالح لا يعلم بها أحد من البشر، لا زوجتك ولا صديقك. ركعتان في جوف الليل، أو صدقة عبر هاتفك تخفيها، أو دمعة من خشية الله. هذه الخبيئة هي رصيدك يوم تبلى السرائر. الرابعة (اجتماعيَّة): اعفُ عن شخص ظلمك أو أساء إليك، وافعل ذلك سراً بينك وبين الله الليلة. قل: يا رب قد عفوت عنه لعلمك بوجعي، فارحمني. فإن من عفى في السر، تولاه العليم في العلن. الخامسة (موضوعيَّة): طهر خلواتك الرقمية. هاتفك الذي بين يديك هو أكبر اختبار لمراقبتك لله. اليوم، احذف أي محتوى لا يرضي الله، أو تطبيقاً يسرق دينك في الخلوة. وتذكر دائماً: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 13-14]. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على خشيته في الغيب والشهادة، وتدفعكم لإصلاح البواطن قبل الظواهر. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، فقد قال الله جل جلاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللهم يا عليم يا خبير، يا من يعلم السر وأخفى، طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. اللهم اجعلنا ممن يخشاك في الغيب والشهادة، واجعل سرائرنا خيراً من علانيتنا، واجعل علانيتنا صالحة. اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنّا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم إنك عليم بحالهم، بصير بضعفهم، غني عن سؤالنا، فكن لهم مؤيداً ونصيراً، وارفع الظلم عن المظلومين، واجبر كسر المكروبين. اللهم آمنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وولّ أمورنا خيارنا، ولا تولّ أمورنا شرارنا. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.