من مكتبة مِداد الخطيب

إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ... مَقامُ الحُبِّ الخَفيّ

مشاركة
🕌 إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ... مَقامُ الحُبِّ الخَفيّ #خطبة_جمعة #التقوى #محبة_الله #مراقبة_الله #الخلوات #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ التقوى لِباساً يَسترُ العَورات، وزاداً يَبلُغُ بالعبدِ أعلى المقامات، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، أحَبَّ المتَّقينَ فأدناهم، ونَظَرَ إلى صِدقهم في خَلَواتهم فَتَوَلَّاهم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المتَّقين، وسيِّدُ المُخبِتين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً. أمَّا بعد: عبادَ الله، كلُّنا يَرجو الجنَّةَ ويَخافُ النَّار، ولكن هل سألنا أنفُسَنا يوماً: هل يُحِبُّنا الله؟ سؤالٌ عظيمٌ تَهونُ أمامَه كلُّ أماني الدُّنيا وكنوزها. في القرآن آيةٌ واحدةٌ تَختصرُ الطريقَ إلى هذا الحُبّ، ثلاثُ كلماتٍ فقط تَرسُم لكَ خريطةَ النَّجاة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. فمَن هم هؤلاء؟ وما هي صِفاتهم؟ وكيف نكونُ منهم في زمنٍ كَثُرَت فيه الفِتَن وعَزَّت فيه الخَلَوات؟ إجابةٌ تَستحقُّ أن نَقِفَ معها في دَقائقنا هذه. أيها الإخوةُ الأكارم، عَجباً لنفسٍ تُفني عُمُرها بَحثاً عن محبَّة النَّاس، والناسُ لا يَملكون لها نفعاً ولا ضَرّاً، وتَغفلُ عن محبَّة مَن بيدهِ ملكوتُ السماوات والأرض! إنَّ أعظمَ مَقامٍ يمكن أن يَبلغهُ إنسانٌ على وجه الأرض ليس أن يكون غنياً، ولا أن يكون صاحبَ منصب، بل أن يُنادى باسمه في الملأ الأعلى: إنَّ اللهَ يحبُّ فلاناً. واسمعوا إلى هذا الحديث العظيم، يقول النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ» (رواه مسلم). تأملوا أول صفة: "التقي". فما هي التقوى التي تبلغ بك هذا المقام؟ التقوى يا عباد الله ليست سُبحةً تُحمل، ولا لحيةً تُرسل فحسب، ولا مجرد ركوع وسجود وقلبٌ غافل. التقوى حقيقةٌ تسري في الدم. سأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبيَّ بن كعب عن التقوى، فقال أُبيّ: "يا أمير المؤمنين، أما سلكتَ طريقاً ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فماذا صنعت؟ قال: شمَّرتُ واجتهدتُ. قال: فذلك التقوى". الله أكبر! هذا هو الوصف الدقيق لحياتنا اليوم. أنتم في هذا العصر — عصر الشاشات والهواتف والمغريات — تمشون في طريقٍ مليء بشوك الفتن. شوكُ النظرة الحرام، وشوكُ الكلمة الخبيثة، وشوكُ الكسب الحرام، وشوكُ الغيبة والنميمة. المتقي هو الذي يَجمَع ثيابه، ويَحذر أن تَخدشه هذه الأشواك. وقد لخّصها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بكلمات تُكتب بماء الذهب حين قال: "التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل". أيها المسلمون، هل تظنون أن التقوى تُختبر في الصف الأول من المسجد؟ لا والله. اختبار التقوى الحقيقي يبدأ عندما يغلق عليك باب غرفتك، وتُطفأ الأنوار، وتنفرد بشاشة هاتفك، ولا يبقى بينك وبين المعصية إلا ضغطة زر. هناك، في تلك اللحظة المظلمة، يُختبر قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. يقول طلق بن حبيب رحمه الله: "التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله. وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله". فكيف ندعي البحث عن حب الله، ونحن نبارزه بالذنوب في خلواتنا؟ كيف نبحث عن ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ونحن نجعل الله أهون الناظرين إلينا؟ لنتأمل معاً هذا الموقف الذي يهز الوجدان، ويرسم لنا حقيقة التقوى في الواقع. خرج عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في سفر، فلقي راعياً للغنم. فقال له ابن عمر يمتحنه: "بِعني شاةً من هذه الغنم". فقال الراعي الصغير: "إنها ليست لي، إنما أنا مملوك لسيدي". فقال ابن عمر: "قل لسيدك أكلها الذئب". فانتفض الراعي الشاب، ورفع أصبعه إلى السماء وقال بكلمة تزلزل الجبال: "فأين الله؟ فأين الله؟". بكى ابن عمر رضي الله عنه، وظل يرددها: "الراعي يقول: فأين الله!". ولما عاد إلى المدينة، اشترى الراعي وأعتقه، واشترى الغنم ووهبها له. ... فأين الله؟ سؤالٌ يهز أركان القلب. هذا السؤال نحتاجه اليوم في كل تفاصيل حياتنا. أيها التاجر الذي يطفف الميزان أو يخفي عيب سلعته... فأين الله؟ أيها الموظف الذي يتقاعس عن أداء عمله ويأخذ راتبه كاملاً... فأين الله؟ أيها الشاب الذي يقلب بصره في عورات المسلمين عبر هاتفه... فأين الله؟ يا من يغتاب إخوانه ويأكل لحومهم في المجالس... فأين الله؟ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "التقوى حقيقتها أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية". أن تبني جداراً من الخوف والحياء يمنعك من السقوط في وحل المعصية. أيها الأحبة، إن من أعظم ثمار التقوى، وأجلّ بركاتها في الدنيا قبل الآخرة، أن الله يتولى المتقي، ويجعل له من كل هم فرجاً. اسمعوا لربكم تبارك وتعالى وهو يعلنها قاعدة كونية لا تتخلف: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
هل سألت نفسك يوماً: لماذا أُغلقت الأبواب في وجهي؟ لماذا تعسرت أموري؟ لماذا ضاق رزقي؟ فتّش في تقواك! فوالله ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة وتقوى. ومن بركات التقوى أنها نور يقذفه الله في قلب العبد، يفرق به بين الحق والباطل، في زمن كثر فيه التلبيس والتدليس. قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29]. فرقاناً تدرك به المكر، وتنجو به من الشبهات والشهوات. وهي الوصية الجامعة التي وصى الله بها الأولين والآخرين. يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]. وكان النبي ﷺ إذا بعث أميراً على جيش وصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً. وكان يكثر من الدعاء قائلاً: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» (رواه مسلم). فيا من يرجو محبة الله... ويا من يبحث عن المخرج في دنياه، وعن النجاة في أخراه: العروة الوثقى هي التقوى. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ۝ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54-55]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أمّا بعد: عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن مقام محبة الله للمتقين، وكيف أن التقوى ليست ادعاءً باللسان، بل هي حذرٌ في طريق الشوك، وورعٌ في الخلوات، وصرخة قلبٍ عند الفتنة يقول: "فأين الله؟"، وعلمنا أن المتقي هو من يجعل بينه وبين الحرام وقاية من مراقبة الله. والآن، ونحن نغادر هذا المقام، كيف نترجم هذه التقوى إلى واقع في أيامنا؟ أوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري: الأولى (قلبية): عاهد الله اليوم، وفي هذه اللحظة، أن تراقب قلبك وتطهر نيتك. اجعل سريرتك خيراً من علانيتك، فإن الله ينظر إلى القلوب لا إلى الصور، فاملأ قلبك بخشيته يملأ حياتك بطمأنينته. الثانية (لسانية): احفظ لسانك قبل أن تنطق. لا تتحدث بكلمةٍ في بيتك أو عملك أو عبر لوحة مفاتيحك إلا وقد عرضتها على ميزان الله. اجعل لسانك رطباً بذكر الله، فإن اللسان الذاكر لا يجد وقتاً لاغتياب المسلمين. الثالثة (عملية فعلية): اركع الليلة ركعتين في جوف الليل، لا يعلم بهما إلا الله. صلِّ صلاة المودع المتقي، وادعُ فيها دعاء النبي ﷺ: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها». الرابعة (اجتماعية): اتق الله في أرحامك وأهل بيتك وجيرانك ومَن تحت يدك. أدِّ الحقوق قبل أن تُطالب بها يوم القيامة. فإن المتقي الحقيقي هو أسمح الناس تعاملاً، وألينهم جانباً. الخامسة (موضوعية): إذا خلوت بهاتفك، وأُغلقت الأبواب، وتيسرت لك المعصية، وتهيأت أسباب الفتنة، فتذكر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. اترك المعصية لله، واستشعر أنك بتركها تشتري محبة الله، ومن اشترى محبة الله لم يندم أبداً. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على مرضاة ربكم، وتنجيكم من عذابه، وبها تفلحون وتسعدون في الدارين. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اجعلنا من المتقين الذين تحبهم، ويحبونك، واجعلنا ممن يخافك في الغيب والشهادة. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وانصر المستضعفين والمظلومين من إخواننا، واربط على قلوبهم، واجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً. اللهم اجعلنا ممن إذا خلى بالمعاصي تذكر وقوفه بين يديك فاستحيا وتاب. اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.