🕌 إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
#خطبة_جمعة #الإحسان #محبة_الله #الأخلاق #تزكية_النفس #إيمانيات
إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفُسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادِيَ له. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسُولُه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدَقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهَديِ هَديُ مُحمَّدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بدعَةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
عَجبًا لقلبٍ يَبحثُ عن المحبَّةِ في أرضِ المخلوقينَ الفانين، ويَغفُل عن محبَّةِ مَالِكِ المُلْكِ والمَلَكوت! هل استَشعَرتَ يومًا كيفَ يكونُ حالُ العبدِ إذا نَادَى اللهُ جلَّ جَلالُهُ في السَّماواتِ العُلا بأنَّهُ يُحِبُّ فُلانًا؟ إنَّ المحبَّةَ الإلهيَّةَ ليست مجرَّدَ شُعورٍ عابر، بل هي أثمنُ غَنيمةٍ يَحظى بها إنسانٌ على وَجهِ الأرض. وثَلاثُ كلماتٍ كَرَّرَها القرآنُ العظيمُ تُمَثِّل أعظمَ مَفَاتيحِ هذه المَنزِلَةِ العَالِيَة، حِينَ قالَ ربُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
عبادَ الله، هل سألتُم أنفُسَكم يومًا: ما هو الإحسانُ الذي استَحَقَّ أصحابُهُ هذا الشَّرَفَ الأجلَّ؟ وهل الإحسانُ مجرَّدُ نَافِلَةٍ نَفعلُها حِينَ نَشاء ونَترُكُها حِينَ نَشاء، أم أنَّهُ مَنهَجُ حياةٍ شَاملٌ يَصرِفُ حركةَ العبدِ كُلَّها في خَلوَتِهِ وجَلْوَتِه؟
انتبهوا يرحَمُكم الله؛ إنَّ الإحسانَ ليسَ مَقامًا مُنَفصِلًا عن حَياتِكم اليَوميَّة، بل هو الرُّوحُ التي تُنفَخُ في الصَّلاةِ فتَصيرُ خُشوعًا، وفي الصَّدَقَةِ فتَغدو زَكاةً وتَطهيرًا، وفي المَعاملاتِ فتَستَحيلُ بَشرًا وَرَحمَة.
يقولُ ربُّنا جلَّ في عُلاه وهو يُبَيِّنُ اتِّساعَ مِظَلَّةِ الإحسانِ وأثرَهُ في تنَزُّلِ الرَّحَمَات: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].
تَأمَّلوا معي كيفَ قرَنَ اللهُ عزَّ وجلَّ بينَ الأَمرِ بالإحسانِ وبينَ النَّهيِ عنِ التَّهلُكَة. وكَأنَّ السَّعيَ في هذهِ الحياةِ بلا إحسانٍ هو تهلُكَةٌ مَحتومَةٌ للقلوبِ والمُجتَمَعات. فالعملُ الذي يَخلو من الإحسانِ كالجَسَدِ الذي لا روحَ فيه، ظاهِرُهُ قائمٌ وباطِنُهُ خاوٍ من الشُّعورِ واليقين.
أَيُّهَا المسلمون، إنَّ للإحسانِ أصلًا راسِخًا يَنبَثِقُ منه، وأوَّلُ ذُرَى هذا المَقامِ هو الإحسانُ في عبادةِ اللهِ تعالى.
وَسَلوا أنفُسَكم حِينَ تَقِفون بينَ يَدَيِ اللهِ في الصَّلاة: أينَ تَكُونُ عُقولُكم وقُلوبُكم؟ هل نُصَلِّي صَلاةَ مَن يَرى المَلِكَ العَظيم، أم نُصَلِّي صلاةَ الغافلينَ الذين يُريدونَ إسقاطَ الواجِبِ واستِراحَةَ الأَبدان؟
ولقَد سَأَلَ جِبريلُ عليهِ السلامُ نَبِيَّنا المَؤَيَّدَ بالوَحيِ ﷺ عن هذا المَقامِ العَظيم، فجاءَ الجَوابُ النَّبَويُّ الشَّافي الذي يُمَثِّلُ جَوهَرَ الدِّين. اسمعوا لِمَا رَواهُ الإمامُ مسلمٌ في صَحيحِهِ من حديثِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنه حِينَ قالَ النبيُّ ﷺ مُعَرِّفًا الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (رواه مسلم).
يا لَعَظَمَةِ هذا الحديث! مَرتَبَتانِ لا ثالِثَ لَهُما في عبادةِ المُحسِنين:
الأُولى: مَرتَبَةُ المُشاهَدَةِ والشَّوق، أن تَعبُدَ اللهَ وكأنَّ الحُجُبَ قد رُفِعَت، فتَعبُدَهُ عِبادَةَ مُحِبٍّ يَرى جَلالَ سَيِّدِه، فتَستَحي أن يَلتَفِتَ قَلبُكَ إلى غيرِه وهو بَينَ يَدَيه.
والثانية: فإن لم تَصِل إلى هذا التَّصَوُّرِ العالي، فنَزَلتَ إلى مَرتَبَةِ المُراقَبَةِ والحَذَر، أن تَستَحضِرَ دائمًا أنَّ بَصَرَ اللهِ نافِذٌ إليك، وأنَّ عينَهُ تَرَاكَ في ظُلمَةِ الليلِ وحَرِّ النَّهار، في سِرِّكَ وعَلانيَتِك.
قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمه اللهُ تعالى هذا المَعنى في كِتابِهِ «مدارج السالكين» حِينَ قال: "مَقامُ الإحسانِ هو لُبُّ الإيمانِ ورُوحُهُ وحَقِيقَتُه، وهو أن يَعبُدَ العَبدُ ربَّهُ على الحُضورِ والمُراقَبَة، كأنَّهُ يَرَى اللهَ برُوحِهِ وقَلبِه، فتَكونُ المَعرِفَةُ قد صَارَت له بَصَرًا".
فيا عبدَ الله، كم صَلاةٍ أَقَمتَها وأنتَ غَائِبُ القَلب؟ وكم قُرآنٍ تَلوتَهُ واللِّسانُ يَتلو والفِكرُ في أَسواقِ الدُّنيا؟ الإحسانُ هو الذي يَرُدُّ إلى العِبادَةِ حَيَوِيَّتَها، فيَجعلُ الرُّكوعَ خُضوعًا حقيقيًّا، والسُّجودَ قُربًا وافتِقارًا.
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ الإحسانَ لا يَقِفُ عندَ مَحرابِ العِبادَة، بل يَتَعَدَّاهُ لِيَشمَلَ الإحسانَ إلى خَلقِ الله.
وتَأمَّلوا كيفَ وسَّعَ النَّبيُّ ﷺ هذا المَفهومَ ليَسَعَ الكَونَ كُلَّه، بل حتى البَهائِمَ والحيوان! قالَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ ﷺ فيما رَواهُ الإمامُ مسلمٌ عن شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رضيَ اللهُ عنه: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (رواه مسلم).
سُبحانَ الله! إذا كانَ الإحسانُ مَطلُوبًا ومَكتُوبًا حتى في لَحظَةِ إزهاقِ رُوحِ البَهيمَةِ المُحلَّلَةِ للذَّبح، بأن تُطَبَّبَ وتُساقَ برِفقٍ ولا تُذْبَحَ أَمَامَ أُختِها، فكيفَ بالإحسانِ إلى الإنسانِ المَكَرَّمِ عندَ الله؟ كيفَ بالإحسانِ إلى الوالِدَين، وإلى الزَّوجَةِ والأولاد، وإلى الجارِ والمُسلمين؟
أينَ نحنُ من هذا الهَديِ النَّبَويِّ العَظيمِ في حَياتِنا اليَوميَّة؟
انظُروا إلى حالِ العَلاقاتِ الأُسَرِيَّةِ اليوم: كم من بُيوتٍ تُهدَمُ بسببِ الجَفَاءِ وغِيابِ الإحسان! يَتَعامَلُ الزَّوجانِ بمِقياسِ "الحَقِّ والمُستَحَقِّ" المَجَرَّد، بِلُغَةِ الحِساباتِ والواجباتِ الجافَّة، ونَسُوا أنَّ اللهَ لم يَبنِ البيوتَ على الفِقهِ المَجرَّدِ وحدَهُ، بل بَناها على المَوَدَّةِ والرَّحمَةِ والإحسان!
يقولُ ربنا جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237]. الفَضلُ هنا هو الإحسان... أن تُعطيَ أكثَرَ ممَّا عليك، وأن تَتَغاضَى عن حَقِّك، وأن تُقابِلَ الإساءَةَ بالإحسان.
واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ الدَّرامِيِّ العَجيبِ الذي يَرويهِ لَنا القُرآنُ الكريمُ في بَيانِ صِفاتِ أُولِي الأَلباب، الذين يَدخُلونَ الجَنَّةَ بحُسنِ تَعَامُلِهم مع النَّاس. يقولُ جلَّ في عُلاه: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 22].
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾! ما أعظَمَ هذا المَقام! أن يَجيئَكَ مَن يُسيءُ إليك، مَن يَشتُمُك، مَن يَقطَعُك، مَن يَبخَسُكَ حَقَّك، فلا تُقابِلُهُ بمِثلِ صَنيعِهِ الجَاهِل، بل تَدْفَعُ سيِّئَتَهُ بحَسَنَةٍ تَمتَصُّ غَضَبَهُ وتَسُلُّ السَّخِيمَةَ من صَدرِه!
تَخَيَّلوا رَجُلًا يُؤذِيكَ بألسِنَتِه، فتَبتَسِمُ في وَجهِهِ وتَدعو لهُ بالخَير... أَتَظُنُّونَ أنَّ هذا ضَعفٌ أو خَوَر؟ كَلَّا والله! هذا هو الشَّجاعَةُ الإيمانيَّةُ التي لا يَقدِرُ عليها إلا القَليل.
يقولُ العَلَّامةُ عبدُ الرحمنِ بنُ ناصِرٍ السَّعدِيُّ رحمهُ اللهُ في تَفسيرِه عندَ هذه الآية: "الإحسانُ إلى مَن أساءَ إليكَ هو طَريقُ الشَّرَف، وبِهِ يَنقَلِبُ العَدُوُّ الـمُبينُ صَديقًا حَميمًا، ولا يُوفَّقُ لهذا إلا مَن صَبَرَ نَفسَهُ لله، وظَفِرَ بالحَظِّ العَظِيم".
وهنا نَصلُ إلى مَصلَبِ قَضِيَّتِنا اليوم: هل نحنُ مُحسِنُونَ في أَفعَالِنا ومعَامَلاتِنا؟
تأمَّلوا في أسواقِنا... في أعمالِنا... في وَظائفِنا. الصَّانِعُ الذي يَغُشُّ في صِناعَتِهِ هل هو مُحسِن؟ الموظَّفُ الذي يُؤَخِّرُ مُعَامَلاتِ النَّاسِ ويَتَكاسَلُ عن أداءِ واجِبِهِ هل هو مُحسِن؟ التَّاجِرُ الذي يَستَغِلُّ حاجَةَ الفُقَراءِ فيَرْفَعُ الأسعارَ هل هو مُحسِن؟
كَلَّا والله! إنَّ الإحسانَ في العَمَلِ هو الإتقان، وأن يَستَحضِرَ العَبدُ أنَّ اللهَ يَرى عَمَلَهُ قَبلَ أن يَرَاهُ المَديرُ أو المفتِّش.
قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلَاقِ، وَيُبْغِضُ سَفْسَافَهَا» (رواه الحاكم وصححه الألباني).
ومِن أرقَى صورِ الإحسانِ وأجلِّها: الإحسانُ إلى الوالِدَين.
قالَ تبارك وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23-24].
انظُروا كَيفَ قَرَنَ اللهُ توحِيدَهُ بالإحسانِ إلى الوالِدَين! ولَم يَقُل "وبالوالدينِ عَدلًا"، بل قالَ: ﴿إِحْسَانًا﴾! لأنَّ العَدلَ أن تُعطِيَهُم كما أعطَوْك، وهذا مُستَحيل... أمَّا الإحسانُ فهو أن تَخفِضَ لهما جَناحَ الذُّلِّ صَاغِرًا مُحبًّا، وأن تَتَحَمَّلَ كِبَرَهَما كما تَحَمَّلا طُفُولَتَك، وأن تَتَلطَّفَ في قَوْلِكَ معهما فلا تَقولَ «أُفٍّ» حتّى!
أينَ نحنُ من هذا الإحسانِ يا أُمَّةَ القرآن؟ كم مِن أبٍ يَبكي في ظُلمَةِ الليلِ جَفَاءَ أبنائِهِ؟ وكم مِن أُمٍّ تُعاني الوَحدَةَ والرَّفضَ لأنَّ ابنَها شُغِلَ عنها بزَوجَتِهِ وأولادِه وأعمالِه؟
اذكُروا قصَّةَ البَارِّ العَظيمِ أُوَيسٍ القَرَنِيِّ رحمهُ الله، الذي لم يَرَ النَّبيَّ ﷺ ولا صَحِبَهُ، ولكنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ عنه لِعُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنه: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ... كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» (رواه مسلم).
تأمَّلوا! عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ — أميرُ المؤمنين، والفَاروقُ العَظيم — يُوصِيهِ النَّبيُّ ﷺ أن يَطْلُبَ الاستغفارَ من رَجُلٍ من التَّابِعينَ! لِماذَا؟ ما السِّرُّ الذي بَلَغَ بهِ أُوَيسٌ هذه المَنزِلَةَ التي يَفتَحُ اللهُ بها أبوابَ السَّماء؟ السِّرُّ كَلِمَةٌ واحِدَة: «لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ»! كانَ مُحسِنًا لأُمِّهِ، فرَفَعَهُ اللهُ بالإحسانِ فوقَ رُؤوسِ العَالَمين.
فيا مَن يَبْحَثُ عن الاستجابَةِ لدُعائِه... ويا مَن يَبْحَثُ عن البَرَكَةِ في رِزقِه وزِيادَةِ عُمُرِه... ها هُوَ البابُ أَمامَك، طَريقُ الإحسانِ لِوالِدَيْك.
أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه إنَّه هو الغفورُ الرحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وكَفَى، وصَلاةً وسَلامًا على عِبادِهِ الذينَ اصطَفَى، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أُولِي الصِّدقِ والوَفَا. أمَّا بعد:
عبادَ الله، تحدَّثنا في خطبتِنا الأولى عن مَقامِ الإحسانِ العَظيم، وعَرَفنا أنَّهُ يَبْدَأُ من عِبادَةِ اللهِ كأنَّا نَرَاهُ بالمُراقَبَةِ والحُضور، ويَمتَدُّ ليَشمَلَ المَعامَلاتِ كُلَّها، بالإحسانِ إلى خَلقِ اللهِ بالقولِ والفِعلِ والإتقان، واللُّطفِ حتّى مع البَهائِم، ورَأينا كَيفَ رَفَعَ اللهُ شَأْنَ المُحسِنينَ لِوالِدِيهم كأُوَيسٍ القَرَنِيِّ رحمه الله.
والآن، ونحنُ نَقِفُ على أَعتابِ هذا المَفهومِ الشَّامِل، بَقِيَ السؤالُ الأَهَمُّ الذي سيُحَدِّدُ ما إذا كنَّا سَنَخرُجُ من هذا المَسجِدِ بقرارٍ حقيقيّ، أم سَتَمُرُّ المَوعِظَةُ كريحٍ عابِرَة: كيفَ نُترجمُ الإحسانَ إلى واقعٍ عَمَلِيٍّ نَعيشُهُ في يَومِنا ولَيلَتِنا؟
أوصيكم بخَمْسٍ مُحَدَّداتٍ قبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكُم اليوم:
الأولى (قلبيَّة): جَدِّدوا مَقامَ المُرَاقَبَةِ في قُلوبِكم، وتَذَكَّروا في كلِّ خَلوَةٍ أنَّ اللهَ يَرَاكم. حِينَ تَخلو بالهَاتِف، حِينَ تَخلو بالمال، حِينَ تَخلُو بالمَعصِيَة... اذْكُر ﴿فَإِنَّهُ يَرََاكَ﴾، واجعَل حَياءَكَ من اللهِ أكبَرَ من حَيائِكَ من الخَلق.
الثانية (لسانيَّة): طَهِّروا ألسِنَتَكُم بالإحسانِ في القول. يقولُ ربُّكم: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]. لا تَقُلْ القَولَ الحَسَنَ فقط، بلِ ابحَث عن «الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»... الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ لزَوجَتِك، الاِبتِسامَةُ لجَارِك، اللُّطفُ مع المُرؤُوسين.
الثالثة (عَمَلِيَّة): أتقِنوا أعمالَكم ووَظائِفَكُم. مَن كانَ منكم مُعَلِّمًا فَلْيُحسِن لتَلاميذِه، ومَن كانَ طَبيبًا فَلْيُحسِن لِمَرضَاه، ومَن كانَ صَانِعًا فَلْيُتْقِن صِناعَتَه؛ فإنَّ اللهَ كَتَبَ الإحسانَ على كُلِّ شيء، ومَن أتقَنَ عَمَلَهُ ابتغاءَ وَجهِ اللهِ صَارَ عَمَلُهُ كُلُّهُ عِبادَة.
الرابعة (اجتماعيَّة): صِلُوا مَن قَطَعَكُم، وأَعْطُوا مَن حَرَمَكُم، واعفُوا عَمَّن ظَلَمَكُم. خُذوا قَرارًا اليومَ بالإحسانِ إلى شَخصٍ بَينَكُم وبَينَهُ خِلافٌ أو جَفاء... اتَّصِل به، أرسِل لهُ رِسالَةً، ادعُ لهُ بظَهرِ الغَيب. اسْلُلِ السَّخِيمَةَ بالإحسان.
الخامسَة (موضوعيَّة): ابدَؤوا بالإحسانِ الأقْرَب... الوالِدَانِ والبيْت. مَن كانَ أبواهُ أو أحَدُهُما حَيًّا، فَلْيَذهَبِ اليومَ ويُقَبِّل أيدِيَهُما ويَسأَلهُما الرِّضا. ومَن كانا مَيِّتَينِ فَلْيَسْتَغفِر لهُما وَليَتَصَدَّق عنهُمَا، فإنَّ الإحسانَ لا يَنقَطِعُ بالمَوت.
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ تَقوَى اللهِ هي التي تَحمِلُ العَبدَ على التَّرَقِّي في مَدارِجِ الإحسان، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّمُوا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ والسلامِ عليه، فقد قالَ جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عبدِكَ ورسولِكَ محمَّد، وارْضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِهِ الرَّاشِدين، أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ وعليّ، وعن سائرِ الصَّحابَةِ والتَّابِعين، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا من المُحسِنينَ الذينَ تُحِبُّهم ويُحِبُّونَك. اللَّهُمَّ ارزُقنا مَقامَ المُرَاقَبَةِ والخَشيَةِ في الغَيبِ والشَّهادَة.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا على عِبادَتِكَ كأنَّا نَرَاك، واجعَل القُرآنَ رَبيعَ قُلوبِنا، ونُورَ صُدورِنا.
اللَّهُمَّ اجعَلنا بَارِّينَ بوالِدِينا، مُحسِنينَ لأَهْلِينا، أُمَناءَ في أعمالِنا، طَيِّبِينَ في أقوالِنا.
اللَّهُمَّ لا تَجdevْ لَنا ذَنبًا إلا غَفَرتَه، ولا هَمًّا إلا فَرَّجتَه، ولا دَيْنًا إلا قَضَيتَه، ولا مَريضًا إلا شَفَيتَه، ولا مَيِّتًا للمُسلمينَ إلا رَحِمتَه.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ في كُلِّ مكان، واجمَع قُلوبَهُم على التَّقوى، وانصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومِين، وأسبِغ علينا وعلى بلادِ المُسلمينَ الأمْنَ والأمانَ والسَّكِينَة.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُرْكُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُم، ولَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَقلِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.