من مكتبة مِداد الخطيب

اسمُ اللهِ العَزيز... مَلاذُ القلوبِ وعِزَّةُ المؤمنين

مشاركة
🕌 اسمُ اللهِ العَزيز... مَلاذُ القلوبِ وعِزَّةُ المؤمنين #خطبة_جمعة #اسم_الله_العزيز #العزة #أسماء_الله_الحسنى #عقيدة #إيمانيات #رقائق الحمدُ للهِ العَزيزِ الغَفَّار، القاهِرِ الجَبَّار، الَّذي خَضَعَت لِعِزَّتِهِ الرِّقاب، وذَلَّت لِعَظَمَتِهِ الصِّعاب، ولانَت لِقُدرَتِهِ الشَّدائِدُ الصِّلاب. الحمدُ للهِ الَّذي لا يُغالَبُ في أمرِه، ولا يُنازَعُ في مُلكِه، يَرفَعُ مَن شاءَ بِعَدلِه، ويَضَعُ مَن شاءَ بِحِكمَتِه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادةً تُعِزُّ قائِلَها يومَ العَرضِ الأكبر، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، إمامُ العُزَماءِ، وسَيِّدُ الشُّرفاءِ، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: أيُّها الإخوةُ الأحبَّة، هل سَألتُم أنفسَكم يومًا وأنتم تَرَون أمواجَ الفِتَنِ تَتَلاطَم، وتَكابُد الهُمومِ يَشتَدّ، والمصائِبَ تَتَوالى... مَن لنا في هذا الزَّحام؟ حينَ تَشعُرُ أنَّ الأبوابَ مُغلَقَة، وأنَّ الأسبابَ مُنقَطِعَة، وأنَّكَ ضَعيفٌ في مُواجَهَةِ مَرَضٍ، أو دَينٍ، أو ظُلمٍ، أو كَيدِ كائِد... إلى مَن تَلجَأ؟ هناك اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى، مَن عَرَفَهُ حقَّ المَعرِفَة، ومَن لامَسَ يَقينُهُ شِغافَ قَلبِه، عاشَ في الدُّنيا مَلِكًا وإن لم يَملِك دِرهَمًا، ومَشى على الأرضِ شامِخًا وإن حارَبَهُ أهلُ الأرضِ جَميعًا. هذا الاسمُ، أيُّها المؤمنون، سَيُغَيِّرُ نَظرَتَكم لِلحياةِ تمامًا، وسَأقولُ لكم بعدَ قليلٍ كيفَ كانَ هذا الاسمُ سَبَبًا في نَجاةِ أنبياءٍ وتَمكينِ مُستَضعَفين. إنَّهُ اسمُ اللهِ "العَزيز". عبادَ الله، يَقولُ اللهُ تباركَ وتَعالى في مُحكَمِ كِتابِه، كاشِفًا لِهَذا السِّرِّ العَظيم: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10]. تَأمَّلوا... اللهُ عزَّ وجلَّ لم يَقُل "فَلِلَّهِ العِزَّة"، بَل أضافَ كَلِمَةً تَحسِمُ الأَمر: ﴿جَمِيعًا﴾. كلُّ قَطرَةِ عِزَّةٍ، كلُّ مَقامِ رِفعَةٍ، كلُّ لَحظَةِ كَرامَةٍ في هذا الكَونِ... هي مِلكٌ للهِ وحدَه. ما معنى أنَّ اللهَ هو "العَزيز"؟ يُقَرِّرُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله، وهو يَغوصُ في بِحارِ هَذا الاسمِ، أنَّ العِزَّةَ للهِ سُبحانَهُ تَتَضَمَّنُ ثَلاثَةَ مَعانٍ لا تَنفَكُّ عن بَعضِها: أوَّلُها: عِزَّةُ القُوَّة؛ فهو القَويُّ الَّذي لا يَغلِبُهُ شَيء، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: 66]. وثانيها: عِزَّةُ الامتِناع؛ فهو الغَنيُّ بِذاتِه، الَّذي لا يَحتاجُ إلى أحدٍ مِن خَلقِه، ولا يَصِلُ إليهِ ضُرٌّ فَيَضُرُّه، ولا نَفعٌ فَيَنفَعُه. وثالِثُها: عِزَّةُ القَهرِ والغَلَبَة؛ فكلُّ الكائِناتِ مَقهورَةٌ لِعَظَمَتِه، ذَليلَةٌ لِكِبريائِه، مُستَسلِمَةٌ لِقَبضَتِه، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]. أفَبَعدَ أن نَعرِفَ هَذا، كَيفَ يُعقَلُ أن يَبحَثَ أحَدُنا عَنِ العِزَّةِ عِندَ غَيرِه؟ نَرى اليَومَ مَن يَلهَثُ وَراءَ العِزَّةِ بِالمال، يَظُنُّ أنَّ رَصيدَهُ في البَنكِ هو ما يَرفَعُ قَدرَه! ونَرى مَن يَلتَمِسُ العِزَّةَ بِالمَنصِبِ والكُرسِيّ، يَظُنُّ أنَّ تَوقيعَهُ وخَتمَهُ هو مَصدَرُ هَيبَتِه! ونَرى مِنَ الشَّبابِ مَن يَلتَمِسُ العِزَّةَ والتَّقديرَ في كَثرَةِ المُتابِعينَ على شاشاتِ الهَواتِف (السوشال ميديا)، أو بِمُجاراةِ أهلِ الباطِلِ لِيَنالَ رِضاهُم! إلى هَؤلاءِ جَميعًا، يَأتِي النِّداءُ القُرآنيُّ الصَّاعِق، نِداءٌ يَفضَحُ هَذا السَّرابَ الَّذي نَركُضُ خَلفَه: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139]. أيَبتَغونَ عِندَهُمُ العِزَّة؟! كَيفَ تَطلُبُ الغِنى مِن فَقير؟ وكَيفَ تَطلُبُ العِزَّةَ مِن ذَليل؟ وكَيفَ تَطلُبُ الخُلودَ مِن فانٍ؟! ألا يُشبِهُ هَذا حالَ كَثيرٍ مِنَّا؟ نَتَذَلَّلُ لِمُديرٍ في عَمَل، ونُداهِنُ في دينِنا لِنُرضِيَ مَسؤولًا، ونَنسى أنَّ قُلوبَ هَؤلاءِ جَميعًا، ومَناصِبَهُم، وأرزاقَهُم، في يَدِ "العَزيزِ" الَّذي لَو شاءَ لَسَلَبَهُم إيَّاها في طَرفَةِ عَين! يَقولُ سُبحانَه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].
ولِيَظهَرَ لَكم سِرُّ هَذا الاسمِ وتَجلِّياتُه في الواقِع؛ دَعونا نَنتَقِلِ الآنَ آلافَ السِّنينَ لِلخَلف، إلى قِصَّةٍ تَهتَزُّ لَها القُلوب. طِفلٌ صَغيرٌ، يُنتَزَعُ مِن حِضنِ أبيهِ النَّبيّ، ويُلقى في غَيابَةِ الجُبّ. مَوقِفٌ لا يُمكِنُ أن تَتَخَيَّلَ فيهِ ذَرَّةً مِنَ العِزَّة. ثُمَّ يُباعُ في سوقِ النَّخاسَةِ بِدَراهِمَ مَعدودَةٍ بَخسَة، كَأَيِّ سِلعَةٍ رَخيصَة. ثُمَّ يُلقى بِهِ في قَصرِ رَجُلٍ غَريبٍ لِيَكونَ خادِمًا، وهُناكَ تُراوِدُهُ امرَأةُ العَزيزِ عن نَفسِه، وحينَما يَرفُضُ — مُعتَصِمًا بِعِزَّةِ المُؤمِنِ — يُلقى بِهِ في ظُلُماتِ السِّجنِ سِنينَ عَدَدًا! قِف هُنا وتَأمَّل... ظاهِرُ الأَحداثِ أنَّ يُوسُفَ عليهِ السَّلام مَقهورٌ، ذَليلٌ، مُستَضعَفٌ لا حَولَ لَهُ ولا قُوَّة. مَطروحٌ في الجُبّ، مُباعٌ في السُّوق، مَحبوسٌ في السِّجن. لَكِن... لأنَّهُ اعتَصَمَ بِـ "العَزيز"، وقالَ كَلِمَتَهُ الخالِدَة: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]، ماذا حَدَث؟ أرادَ إخوَتُهُ إبْعادَه... فَقَرَّبَهُ الله! وأرادوا إسقاطَه... فَرَفَعَهُ الله! وأرادَتِ امرَأةُ العَزيزِ إِذلالَه... فَأعَزَّهُ الله! وخَرَجَ مِنَ السِّجنِ لِيَكونَ هو "عَزيزَ مِصر"، ولِيَقِفَ إخوَتُهُ بَينَ يَدَيهِ راكِعينَ يَقولون: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف: 88]. مَن الَّذي قَلَبَ المَوازين؟ مَن الَّذي حَوَّلَ السَّجينَ إلى أَمير، والمَظلومَ إلى حاكِم؟ إنَّهُ "العَزيز" جلَّ جَلالُه، الَّذي يَرفَعُ مَن عَرَفَه، ويُذِلُّ مَن تَنَكَّرَ لَه! وهذا المَعنى لم يَكُن غائِبًا عَن جيلِ الصَّحابَةِ رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم. واسمَعوا لِهَذا المَوقِفِ الَّذي حَدَثَ مَعَ رَجُلٍ نَعرِفُهُ جَميعًا. حينَ قَدِمَ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه لاستِلامِ مَفاتيحِ بَيتِ المَقدِس، رَآهُ أبو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ رضي الله عنه يَخوضُ في مَخاضَةٍ مِن طين، وقَد حَمَلَ نَعلَيهِ على عاتِقِه، ويَأخُذُ بِخِطامِ راحِلَتِه. فَقالَ لَهُ أبو عُبَيدَة مُشفِقًا على هَيبَةِ الخَليفَةِ أمامَ الرُّوم: "لَقَد صَنَعتَ اليَومَ صَنيعًا عَظيمًا عِندَ أهلِ الأَرضِ، ما يَسُرُّني أنَّ أهلَ البَلَدِ استَشرَفوك!". فَضَرَبَ عُمَرُ في صَدرِهِ ضَربَةً خَفيفَةً وقالَ مَقولَتَهُ الَّتي لا تَزالُ تَرِنُّ في أُذُنِ التَّاريخ: "أوَّه! لَو غَيرُكَ قالَها يا أبا عُبَيدَة! جَعَلتُهُ نَكالًا لأُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ... إنَّا كُنَّا أذَلَّ قَومٍ، فَأعَزَّنا اللهُ بِالإسلام، فَمَهما نَطلُبِ العِزَّةَ بِغَيرِ ما أعَزَّنا اللهُ بِهِ أذَلَّنا الله!". تَأمَّلوا هَذِهِ الجُملَة: "فَمَهما نَطلُبِ العِزَّةَ بِغَيرِ ما أعَزَّنا اللهُ بِهِ أذَلَّنا الله!". إنَّ مَن يَطلُبُ العِزَّةَ بِالتَّنازُلِ عَن مَبادِئِه سَيَعيشُ ذَليلًا وإن صَفَّقَ لَهُ النَّاس. ومَن يَطلُبُ العِزَّةَ بِالمالِ الحَرام سَيَفتَضِحُ يَومًا ما. ومَن يَطلُبُ العِزَّةَ بِمُحاكاتِهِ لِعاداتِ الغَربِ وتَقليدِهِ الأعمى لِكُلِّ ساقِطَةٍ وتافِهَة، سَيَبقى في عُيونِهِم مَسخًا لا هُوِيَّةَ لَه، وفي ميزانِ اللهِ خاسِرًا! ويَشهَدُ لِهَذا حَديثُ النَّبيِّ ﷺ في صَحيحِ مُسلِم، حينَ قال: «إِنَّ اللَّهَ يُعِزُّ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ». العِزَّةُ مَنوطَةٌ بِهَذا الوَحي، بِمِقدارِ تَمَسُّكِكَ بِالقُرآن، بِسُنَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ، تَكونُ عِزَّتُك، وبِمِقدارِ بُعدِكَ عَنهُ، تَكونُ المَذَلَّة! وتَعالَوا نَنظُر إلى واقِعِنا اليَوم. شابٌّ في مُقتَبَلِ عُمرِه، يَعمَلُ في شَرِكَةٍ مَليئَةٍ بِالتَّجاوُزاتِ الأخلاقيَّة، يُطلَبُ مِنهُ أن يُشارِكَ في تَزويرٍ لِأوراق، أو رِشوَةٍ مُغَلَّفَةٍ بِاسمِ "هَديَّة"، أو يُضغَطُ عَلَيهِ لِيَجلِسَ في مَجالِسِ مُنكَراتٍ مَعَ زُمَلائِه وإدارَتِهِ لِئَلَّا يُعَدَّ "رَجعِيًّا مُتَخَلِّفًا". في تِلكَ اللَّحظَة، يَقِفُ هَذا الشَّابُّ أمامَ امتِحانِ العِزَّة! إن طاوَعَهُم، كَسَبَ وِدَّهُم، ورُبَّما كَسَبَ العِلاوَة، لَكِنَّهُ سَقَطَ مِن عَينِ "العَزيز". وإن رَفَضَ وصَمَد، قَد يُهَمَّش، وقَد يُضيَّقُ عَلَيه، وقَد يُفصَلُ مِن عَمَلِه... لَكِنَّهُ عِندَ اللهِ "عَزيز"! أخِي المُؤمِن، إيَّاكَ أن تَعتَقِدَ أنَّ اللهَ سَيُضَيِّعُكَ إنِ اعتَصَمتَ بِعِزَّتِه. سَيَرزُقُكَ مِن حَيثُ لا تَحتَسِب، والأَهَمُّ مِن ذَلِك؛ سَيَرزُقُكَ سَكينَةً في قَلبِكَ، وعِزَّةً في نَفسِكَ، لا تُعادِلُها كُنوزُ الأَرض!
وقَد يُوَسْوِسُ لَكَ الشَّيطانُ ويَقول: كَيفَ تَعفو وتَصفَحُ عَمَّن أساءَ إلَيك؟ ألَيسَ هَذا ضَعفًا ومَذَلَّة؟! واسمَعوا لِجوابِ النَّبيِّ ﷺ، الصَّادِقِ المَصدوق، الَّذي يَنطِقُ بِوَحيِ السَّماء، كَما في صَحيحِ مُسلِم: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا». السِّرُّ هُنا أنَّ العِزَّةَ الحَقيقيَّةَ لَيسَت بانفِلاتِ غَضَبِك، بَل بِقُدرَتِكَ على التَّحَكُّمِ في هَذا الغَضَب ابتِغاءَ وَجهِ الله. أمَّا العاصي، والمُتَكَبِّر، والمُتَمَرِّدُ على شَرعِ الله... فَمَهما بَدا لَكَ مَزهُوًّا بِمَعصِيَتِه، مُنتَشِيًا بِقُوَّتِه، فَفي قَلبِهِ مِنَ الذُّلِّ ما يَكادُ يَخنُقُه. وهُنا يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ العُيون، يَصِفُ فيها أهلَ المَعاصي: *"إنَّهُم وإن طَقطَقَت بِهِمُ البِغال، وهَملَجَت بِهِمُ البَراذين، إنَّ ذُلَّ المَعصِيَةِ لا يُفارِقُ رِقابَهُم، أبى اللهُ إلَّا أن يُذِلَّ مَن عَصاه"*. أيُّها الإخوَة... في هَذا العَصر، الَّذي نَرى فيهِ أمَّتَنا تَمُرُّ بِمَراحِلِ الاستِضعاف، وتَكَلُّبِ الأُمَمِ، قد يَتَسَلَّلُ إلى قَلبِ المُسلِمِ شَيءٌ مِنَ الهَزيمَةِ النَّفسيَّة. قد يَرى قُوَّةَ العَتادِ، وتَقَدُّمَ التِّكنُولوجيا عِندَ المُخالِفين، فَيَشعُرُ بِالدُّونيَّة. نَقولُ لَهُ: ارفَع رَأسَك! أنتَ تَعبُدُ رَبًّا قالَ عَن نَفسِه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: 47]. ومَهما بَدَت سَطوَةُ الباطِل، فإنَّ العاقِبَةَ للمُتَّقين. واسمَع قَولَ الحَبيبِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» [مسلم]. والقُوَّةُ هُنا تَتَّسِعُ لِتَشمَلَ قُوَّةَ الإيمانِ، واليَقين، والثَّبات، والأخذ بالأسباب. نَسألُ اللهَ العَزيزَ الحَكيم أن يَرزُقَنا العِزَّةَ بِطاعَتِه، وأن يُعيذَنا مِن ذُلِّ مَعصِيَتِه. أقولُ هذا القَولَ وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائِرِ المُسلمينَ مِن كلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ وتوبوا إليه، إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ: عِبادَ الله، قَد وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مع اسمِ اللهِ "العَزيز"، وأدرَكنا كَيفَ أنَّ العِزَّةَ جَميعًا لله، وكَيفَ رَفَعَ اللهُ بها أنبياءَهُ، وأعَزَّ بِها الصَّحابَةَ يومَ أنِ اعتَصَموا بِحَبلِ الإسلام، وكَيفَ أنَّ مَنِ التَمَسَها عِندَ غَيرِ اللهِ ذاقَ الذُّلَّ والهَوان. والآن، ونحنُ نَستَعِدُّ لِمُغادَرَةِ هَذا المَجلِس، كَيفَ نُحَوِّلُ هَذا الشُّعورَ إلى واقِعٍ نَعيشُه؟ أُوصيكم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نيَّتَكَ واجعَلِ اعتِمادَكَ الكُلِّيَّ في قَلبِكَ على اللهِ "العَزيز" وَحدَه؛ فَلا تَخَف مِن مُدير، ولا تَخشَ مِن ظالِم، ولا تَرتَجِف مِن فائِقِ قُوَّة؛ تَذَكَّر دائِمًا أنَّ قُلوبَ الخَلقِ كُلِّهِم بَينَ أُصبُعَينِ مِن أصابِعِ الرَّحمَن. الثانيَة (لِسانيَّة): رَدِّد في دُعائِكَ وما بَينَ صَلَواتِكَ دُعاءَ القُنوتِ الَّذي عَلَّمَنا إيَّاهُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ»، استَشعِرها بِلِسانِكَ لِيَمتَلِئَ قَلبُكَ بِاليَقين. الثالثَة (عَمَليَّة): عاهِدِ اللهَ اليَومَ ألَّا تَتَنازَلَ عَن حُكمٍ مِن أحكامِ دينِك، أو فريضَةٍ مِن فَرائِضِه، مُراضاةً لِلنَّاسِ أو خَوفًا مِنِ انتِقادِهِم. اعتَزَّ بِصَلاتِك، واعتَزِّي بِحِجابِكِ، فالمُؤمِنُ يُعَظِّمُ أوامِرَ رَبِّهِ كَي يُعَظِّمَهُ رَبُّهُ بَينَ الخَلق. الرابِعَة (اجتِماعيَّة): أعِزَّ إخوانَكَ المُسلمين! ومِن أعظَمِ ذَلِك أن تَعفُوَ عَمَّن زَلَّ في حَقِّك، فَاليَومَ تَنازَل وقابِلِ الإساءَةَ بِالإحسان، فَإنَّ النَّبيَّ ﷺ وَعَدَكَ قائِلًا: "وما زادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إلَّا عِزًّا". الخامِسَة (مَوضوعيَّة): تَذكَّر دائِمًا أنَّ ضَعفَ الأمَّةِ اليَومَ هو بِسَبَبِ بُعدِنا عَن كِتابِ الله؛ فَليَكُن لَكَ وِردٌ مِنَ القُرآنِ تَتَعَلَّمُ مِنهُ كَيفَ تكونُ العِزَّةُ في سُيَرِ الأنبياء، وكَيفَ بَنى المُسلِمونَ الأوائِلُ مَجدَهُم بِهذا الكِتاب.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العِزَّةَ تاجٌ لا يُوضَعُ إلَّا على رُؤوسِ المُتَّقين. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عليه، فَقَد قالَ قائلًا عَليمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ بِاسمِكَ العَزيزِ أن تُعِزَّنا بِطاعَتِك، ولا تُذِلَّنا بِمَعصِيَتِك. اللَّهُمَّ كَما أعَزَزتَ أولياءَكَ وأنبيائَكَ، أعِزَّ الإسلامَ والمُسلمينَ في كُلِّ مَكان. اللَّهُمَّ اربُط على قُلوبِ المُستَضعَفينَ مِنَ المُؤمِنين، وأنزِل عَلَيهِم سَكينَتَك، وأمِدَّهُم بِعِزَّتِكَ وقُوَّتِك، وثَبِّت أقدامَهُم، واكشِف غُمَّتَهُم، فَرِّج كَربَ المَكروبين، ونَفِّس هَمَّ المَهمومين. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن يَلتَمِسُ العِزَّةَ عِندَ غَيرِك، واجعَل افتِقارَنا وتَذَلُّلَنا لَكَ وَحدَك. اللَّهُمَّ اغفِر للمُسلمينَ والمُسلِمات، والمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، الأَحياءِ مِنهُم والأَموات. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.