من مكتبة مِداد الخطيب

المطهَّرون… من يستحق أن يلامس القرآن؟

مشاركة
🕌 المطهَّرون… من يستحق أن يلامس القرآن؟ #خطبة_جمعة #القرآن_الكريم #طهارة_القلب #تدبر_القرآن #إيمانيات #تزكية_النفس #الرقائق الحمدُ للهِ الذي أنزَلَ على عَبدِهِ الكِتابَ ولم يَجعَل لهُ عِوَجًا، الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ القُرآنَ ربيعًا للقُلوبِ الصَّادقة، ونورًا للبصائرِ المُتَّقية، وشفاءً للصُّدورِ المُؤمنة. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، نَزَّهَ كلامَهُ العظيمَ عن أن يَمَسَّهُ إلَّا طاهر، وعن أن يَستَقِرَّ معانيهِ إلَّا في قَلبٍ مُطَهَّر. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أطهرُ النَّاسِ قَلبًا، وأزكاهُم نَفسًا، المُتَلَقِّي للوَحيِ بالأمانة، والمُبَلِّغُ لهُ بالصِّدق، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ واقتَفى أثَرَهُ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: تَخيَّلوا معي رَجلًا دُعِيَ لمقابلةِ مَلِكٍ من مُلوكِ الدُّنيا، لِيَتَسَلَّمَ مِنهُ رسالةً مَكتوبةً بخَطِّ يَدِه. هل يُمكِنُ أن يَدخُلَ عليهِ بثيابٍ مُتَّسِخة؟ هل يُمكِنُ أن تَمُدَّ يَدًا مُلَطَّخةً بالطِّينِ لِتَأخُذَ وَثيقةً مَلَكيَّة؟ مُستحيل. فكيفَ إذا كانت الرِّسالةُ من مَلِكِ المُلوك، وجَبَّارِ السَّماواتِ والأرض؟ وكيفَ إذا كانت هذه الرِّسالةُ هي أعظَمُ ما نَزَلَ من السَّماءِ إلى الأرض؟ يا عبادَ الله، يَقولُ ربُّنا تبارك وتعالى في مُحكَمِ التَّنزيل، واصِفًا كِتابَهُ العظيم: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ۝ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 77-79]. قِفوا معي عند هذه الآيةِ العظيمة، وعند هذا الوَصفِ الرَّبانيِّ الدَّقيق: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. لعلَّ سائلًا يَسأل، ولعلَّ ذِهنًا يَتأمَّل: لماذا قال اللهُ عز وجل ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ ولم يَقُل "الطَّاهِرون"؟ وما الفَرقُ بين الكَلِمَتَينِ في لُغةِ القُرآن وميزانِ الإيمان؟ واسمَعوا لهذا السِّرِّ البَيانيِّ الذي يَفتَحُ أقفالَ القُلوب. "الطَّاهِرُ" هو مَن طَهَّرَ نفسَهُ بنفسِهِ؛ رَجلٌ تَوَضَّأَ فغَسَلَ أعضاءَه، أو اغتَسَلَ فأزالَ الخَبَثَ عن جَسَدِه. هذا طاهر. أمَّا "المُطَهَّرُ" فهو مَن طَهَّرَهُ غَيرُه. هو مَن تَوَلَّى اللهُ جلَّ جلالُه تَطهيرَهُ وتَنقِيَتَه. ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ هم الملائكةُ الأبرارُ في السَّماء، طَهَّرَهُم اللهُ من الذُّنوبِ والشَّهوات، فلا يَمَسُّون اللَّوحَ المَحفوظَ إلَّا وهُم في غايةِ النَّقاء. وفي عالَمِ الأرض، لا يَمَسُّ المُصحَفَ حَقيقةً، ولا يَمَسُّ مَعاني القُرآنِ ويَذوقُ حَلاوَتَها، إلَّا قَلبٌ طَهَّرَهُ اللهُ من شِركِ الرِّياء، وطَهَّرَهُ من حِقدِ الحَسَد، وطَهَّرَهُ من رِجسِ الكِبر. الطَّاهِرُ غَسَلَ يَدَيهِ بالماء، والمُطَهَّرُ غَسَلَ اللهُ قَلبَهُ باليَقين! أيُّها المُسلمون، إنَّنا في زَمَنٍ كَثُرَت فيهِ المَصاحِف، وتَنَوَّعَت طَبَعاتُها، وزُخرِفَت أوراقُها، وحُمِّلَت في هَواتِفنا الذَّكيَّة. نَقرأُ القُرآنَ في كُلِّ مَكان، ولكن، ألا تَسأَلونَ أنفُسَكُم: لماذا نَقرأُ الجُزءَ والجُزأَينِ ولا تَتَحَرَّكُ فينا شَعرة؟ لماذا نَمرُّ على آياتِ الوَعيدِ وكأنَّها تُخاطِبُ قَومًا غَيرَنا؟ لماذا نَسمَعُ آياتِ الجنَّةِ فلا تَطيرُ قُلوبُنا شَوقًا إليها؟ الجوابُ، يا رِجالَ الأمَّةِ ويا حَرائِرَها، في كَلِمةٍ واحِدة: الأقفال. يَقولُ اللهُ جَلَّ في عُلاه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. القُرآنُ لا يَدخُلُ قَلبًا مُقفَلًا بِمَعصية. القُرآنُ كِتابٌ عَزيز، كِتابٌ حَسَّاس، لا يَرضى بالمُزاحَمَة. إن وَجَدَ القَلبَ مَشغولًا بِحُبِّ الدُّنيا الزَّائفة، مُمتَلِئًا بَغَضائِنِ النَّاس، مُلَطَّخًا بالنَّظَرِ الحَرام.. ارْتَحَل. لا يُمكِنُ لآيةِ الفاتحةِ أن تَسكُنَ في قَلبٍ يَتَرَنَّمُ بأغاني الخَنا في الصَّباحِ والمساء. ولا يُمكِنُ لِآياتِ المواريثِ والعَدلِ أن تَستَقِرَّ في صَدرِ مَن يأكُلُ حُقوقَ أخَواتِهِ وعُمَّالِه. كلامُ اللهِ أكرَمُ من أن يَنزِلَ في مَزبلةِ الشَّهوات! قال الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله، بِعبارةٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهب: "القلبُ كالإناء، فإن امتَلأَ بِشيءٍ لم يَسع غَيرَه، فإذا امتَلأَ القَلبُ بمَحَبَّةِ الدُّنيا والشَّهوات، لم يَبقَ فيهِ مَتَّسَعٌ لِمَحَبَّةِ اللهِ وكَلامِه". واسمَعوا كيف كان السَّلَفُ يَفهَمونَ هذا المَعنى الدَّقيق. عُثمانُ بنُ عَفَّانَ، ذو النُّورَينِ، رضي الله عنه وأرضاه، الرَّجلُ الذي قُتِلَ ودمُهُ يَتَقاطَرُ على المُصحَف، ماذا كان يَقول؟ كان يَقول: "واللهِ لَو طَهَرَت قُلوبُنا، ما شَبِعَت مِن كَلامِ رَبِّنا". إذن، الشِّبَعُ والمَلَلُ من قِراءةِ القُرآنِ ليس سَبَبُهُ ضِيقَ الوَقت، بل سَبَبُهُ ضِيقُ القَلب.. تَلَوُّثُ القَلب.. عَدَمُ الدُّخولِ في زُمرةِ "المُطَهَّرين". يا عِبادَ الله، دَعوني أعودُ بكُم إلى مَكَّة، قبل أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا. شَابٌّ طَويلٌ، عَملاق، يَمشي بسَيفِهِ المَشهورِ يُريدُ قَتلَ النَّبيِّ ﷺ. إنَّهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ قَبلَ إسلامِه. يَلتقي بِرجلٍ في الطَّريقِ فيُخبِرُهُ أنَّ أختَهُ فاطمةَ قد أسلَمَت. يَطيرُ عُمرُ إلى بَيتِ أختِه، يَضرِبُها، يُدميها.. ثُمَّ تَقَعُ عَينُهُ على صَحيفةٍ فيها قُرآن. يَطلُبُ عُمرُ الصَّحيفةَ لِيَقرأ. فماذا تَقولُ له أختُهُ المُؤمنةُ الثَّابتة، الدَّارِكةُ لِعَظَمَةِ هذا الكِتاب؟ قالت، والدِّماءُ تَسيلُ من وَجهِها: "يا أخي، إنَّكَ نَجَسٌ على شِركِك، وإنَّهُ لا يَمَسُّهُ إلَّا المُطَهَّرون، فَقُم فاغتَسِل!". تأمَّلوا! لم تُجامِله. هذا كلامُ الله. قامَ عُمر، الرَّجُلُ الذي تَهابُهُ العَرَب، فاغتَسَل.. غَسَلَ جَسَدَهُ بالماء، وفي تِلكَ اللَّحظاتِ كانَ اللهُ يَغسِلُ قَلبَهُ من الشِّرك. عادَ عُمر، أمسَكَ الصَّحيفةَ بيَدٍ طاهِرة، وقَلبٍ بَدأَ يُطَهَّر، فقرأ: ﴿طه ۝ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ [طه: 1-2]. فاختَرَقَت الآياتُ حُجُبَ نَفسِهِ المَنيعة، وبَكى، وصاح: دُلُّوني على مُحمَّد! الماءُ الذي سَكَبَهُ عُمَرُ على جَسَدِه، كان إعلانًا لِتَواضُعِ النَّفسِ أمامَ عَظَمَةِ الوَحي. ولذلكَ، أجمَعَ الفُقَهاءُ والمذاهِبُ الأربَعةُ على أنَّهُ يَحرُمُ مَسُّ المُصحَفِ للمُحدِثِ حَدَثًا أصغَرَ أو أكبَر، تَأدُّبًا مع كَلامِ الله. هذا في حُكمِ الفِقهِ الظَّاهِر، فكيفَ بِحُكمِ الفِقهِ الباطِن؟ قال النَّبيُّ ﷺ، كما جاء في الحديثِ الذي رواهُ الحاكمُ عن أبي بكرِ بنِ محمَّدِ بنِ عمرو بنِ حَزمٍ عن أبيه عن جَدِّه: «ولا يَمَسَّ القُرآنَ إلَّا طاهِرٌ». هذا الجَسَدُ يَجِبُ أن يَكونَ طاهِرًا ليَمَسَّ الوَرَق، وهذا القَلبُ يَجِبُ أن يَكونَ مُطَهَّرًا ليَمَسَّ المَعنى. يا مَعاشِرَ المُصلِّين، انظُروا إلى حالِنا اليَوم. يَدخُلُ أحَدُنا المَسجِد، يَمسِكُ هاتِفَهُ المُحمول.. هذا الهاتِفُ الذي نُشاهِدُ فيهِ الغَثَّ والسَّمين، هذا الهاتِفُ الذي نَقرأُ فيهِ الإشاعات، ونَتَصَفَّحُ فيهِ عَوراتِ النَّاس، هذا الهاتِفُ الذي رُبَّما تَتَلَطَّخُ شاشَتُهُ بِنَظَراتٍ حَرام.. ثُمَّ بِضَغطةِ زِرٍّ واحِدة، نَفتَحُ تطبيقَ القُرآنِ الكَريم، ونَبدأُ بِتِلاوةِ كَلامِ ربِّ العالَمين، ونَحنُ نَتَصفَّحُ الرَّسائلَ في ذاتِ الوَقت! أيُّ قَسوَةٍ هَذِه؟ أيُّ ابتِذالٍ لِكتابِ الله؟ لا أقولُ لكُم إنَّ قِراءةَ القُرآنِ من الهاتِفِ حَرام، لا، هي جائِزةٌ ومُيسَّرةٌ وللهِ الحَمد. ولكنِّي أتَحَدَّثُ عَن الهَيبة! أين هَيبةُ الكَلام؟ أين حُضورُ القَلب؟ كيف نَنقُلُ أعيُنَنا في ثانيةٍ واحِدةٍ من حَديثِ الخَلقِ إلى حَديثِ الخالِق، دُونَ أن نَقِفَ لَحظةً لِنَسألَ أنفُسَنا: مَن أُناجي؟ وبِكلامِ مَن أتَلَفَّظ؟ كانَ الشَّعبيُّ وغَيرُهُ من السَّلَف، إذا أرادوا أن يَقرَؤوا القُرآن، تَوَضَّؤوا، ولَبِسوا أحسَنَ ثِيابِهِم، واستَقبَلوا القِبلة، وتَطَيَّبوا.. كأنَّهُم في حَضرةِ مَلِك. واسمَعوا إلى هذا المَوقِفِ العَجيب، لِصَحابيٍّ جَليل، كان أبوهُ أَلَدَّ أعداءِ الإسلام، ثم هَداهُ الله. إنَّهُ عِكرِمةُ بنُ أبي جَهلٍ رضي الله عنه. كان عِكرِمةُ إذا أرادَ أن يَقرأَ القُرآن، يَأخُذُ المُصحَف، فَيَضَعُهُ على وَجهِهِ.. يَمرِّغُ وَجهَهُ بالمُصحَف، ويَبكي بُكاءً مُرًّا، ويَقول: "كَلامُ رَبِّي! كَلامُ رَبِّي! كَتابُ رَبِّي!". يَبكي لأنَّهُ يَعرِفُ مَن المُتَكَلِّم. يَبكي لأنَّهُ يَستَشعِرُ أنَّ هذا الحَرفَ نَزَلَ من سَبعِ سَماواتٍ ليُخاطِبَ هذا العَبدَ الضَّعيف. هل سَألتَ نَفسَك يَومًا: متى آخِرَ مَرَّةٍ دَمَعَت فيها عَينُكَ وأنتَ تَقرأُ آية؟ متى آخِرَ مَرَّةٍ أوقَفَتكَ آيةٌ في وِردِك فَأعَدتَها خَمسَ مرَّاتٍ لأنَّها ضَرَبَت عَلى وتَرٍ في قَلبك؟ إذا كُنتَ تَقرأُ الجُزءَ كُلَّ يَوم، وهَمُّكَ مَتى تَصِلُ إلى آخِرِ الصَّفحة، فاعلَم أنَّكَ قَد غَسَلتَ الجَسَد، لكِنَّ القَلبَ ما زالَ يَبحَثُ عَن مَن يُطَهِّرُه. يَقولُ اللهُ سُبحانَه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]. الآياتُ مَكانُها الحَقيقي ليس السُّطور.. مَكانُها الصُّدور. فإذا كان الصَّدرُ مُظلِمًا، لا يُمكِنُ للنُّورِ أن يَستَقِرَّ فيه. القُرآنُ كِتابٌ عَظيم، يَأبى أن يُقيمَ في جِوارِ خَطيئةٍ يُصِرُّ صَاحِبُها عَلَيها. أَيُّهَا المُؤمِنون، إنَّنا في مَعرَكةٍ طاحِنةٍ على انتباهِنا وقُلوبنا. الشَّياطينُ، وشَياطينُ الإنس، والشَّاشات، والمُلهِيات، كُلُّها تَعمَلُ لِتَجعَلَ قُلوبَنا "مُغَلَّفة" بالغَبَش. حَتَّى إذا جِئنا لِنَفتَحَ المُصحَف، نَجِدُ حِجابًا كَثيفًا بيننا وبَينَ الآيات. فَنَقرَأُ ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ ونَحنُ نَغِشُّ في تِجارَتِنا بلا وَجَل. ونَقرَأُ ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ وفي قُلوبِنا ضَغينةٌ ولُحومُ إخوانِنا في أفواهِنا. قال عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه مُلَخِّصًا حَقيقةَ "المُطَهَّرين": "يَنبَغي لِحامِلِ القُرآنِ أن يُعرَفَ بلَيلِهِ إذا النَّاسُ نائمون، وبِنَهارِهِ إذا النَّاسُ مُفطِرون، وبِحُزنِهِ إذا النَّاسُ يَفرَحون، وبِبُكائِهِ إذا النَّاسُ يَضحَكون، وبِصَمتِهِ إذا النَّاسُ يَخوضون، وبِخُشوعِهِ إذا النَّاسُ يَختالون". هذا هو المُطَهَّر. القُرآنُ لَم يُغَيِّر مَعلوماتِه فَحَسب، بل غَيَّرَ هَيكَلَ شَخصيَّتِه. القُرآنُ نَزَت حُروفُهُ في دَمِه، فَصارَ قُرآنًا يَمشي عَلى الأَرض. يا مَن تَشكو هَمًّا لا يَنفَرِج، ويا مَن يَشكو قَسوةً في قَلبِه، ويا مَن تَضيقُ عَليهِ الدُّنيا بِما رَحُبَت.. دَواؤُكَ بين يَدَيك، على رَفِّ مَكتَبَتِك. كِتابٌ أنزَلَهُ اللهُ لِيُخرِجَكَ مِن الظُّلُماتِ إلى النُّور. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. شِفاءٌ للأمراضِ النَّفسيَّةِ والروحيَّة، ورَحمةٌ تَغسِلُ أوجاعَ الأيَّام. ولكِن، احذَر، ثُمَّ احذَر، ثُمَّ احذَر.. أن تَكونَ مِن الَّذينَ يَقرَؤونَ القُرآنَ، والقُرآنُ يَلعَنُهُم! تَقرأ ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وأنتَ تَظلِمُ زَوجَتَك أو أُختَك في ميراث. تَقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ وأنتَ تَخونُ أمانةَ عَمَلِك. إيَّاكَ أن تَكونَ ممَّن حَذَّرَ منهُم النَّبيُّ ﷺ حين قال في الحديث المتفق عليه: «والقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أو عَلَيك». الكَلِمةُ الَّتي تَقرَؤُها اليوم، إمَّا أن تَأتيَ يَومَ القِيامةِ في صورَةِ مَلاكٍ بَهِيٍّ يُحاجُّ عَنك، وإمَّا أن تَأتيَ كَخَصمٍ يَقِفُ أمامَ العَرشِ يَقول: "يا رَبِّ، حَمَّلتَهُ إيَّايَ فَضَيَّعَني". أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَع مَعنى كَلمةِ "المُطَهَّرين"، وكَيفَ أنَّ القُرآنَ العَظيمَ لا يَمَسُّ وَرَقَهُ إلَّا جَسَدٌ طاهِر، ولا يَمَسُّ حَقائِقَهُ ومَعانيهِ إلَّا قَلبٌ مُطَهَّر. عَرَفنا أنَّ الأقفالَ التي عَلى القُلوبِ هي سَبَبُ قَسوَتِنا أمامَ الآيات، وأنَّنا بِحاجَةٍ إلى غَسيلٍ رُوحيٍّ دائمٍ حَتَّى نَستَحِقَّ شَرَفَ مُخاطَبَةِ اللهِ لَنا. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأهم: كَيفَ نَكونُ مِن هَؤُلاءِ المُطَهَّرينَ حَقيقَةً لا ادِّعاءً؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونوا من أصحابِ هذا الكِتابِ حَقًّا: الأولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ قَبلَ أن تَفتَحَ المُصحَف. قَبلَ أن تَقرَأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قُل في نَفسِك: يا رَبِّ، إنِّي أُبرِئُ قَلبي من كُلِّ حِقدٍ وغِلٍّ عَلى مُسلِم، فاغسِلهُ لِيَتَلَقَّى كَلامَك. النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ في التَّوبةِ تَفتَحُ لَكَ في القُرآنِ ما لا تَفتَحُهُ كُتُبُ التَّفاسير. الثانية (لِسانيَّة): لا تَخلِط حَلاوَةَ القُرآنِ بِمَرارَةِ الغِيبة. اللِّسانُ الذي يَقرأُ كَلامَ الله، كَيفَ يَليقُ بِهِ أن يَنهَشَ لُحومَ النَّاس؟ قال النَّبيُّ ﷺ: «اقرَؤوا القُرآنَ فَإنَّهُ يَأتي يَومَ القِيامَةِ شَفيعًا لأصحابِه». فَاجعَل لِسانَكَ صَاحِبًا وفِيًّا لِلقُرآن، لا تَسمَح لِكَلمَةٍ فَاحِشَةٍ أن تَمُرَّ مِن نَفسِ الطَّريقِ الَّذي تَخرُجُ مِنهُ الآيات. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): عَظِّم شَعائِرَ اللهِ في التِّلاوة. لا تَقرَأ القُرآنَ إلَّا وأنتَ عَلى طَهارَةٍ كامِلَة، حَتَّى وإن كُنتَ تَقرأُ مِن حِفظِكَ أو مِن شَاشَةِ هاتِفِك (تَأدُّبًا لا وُجوبًا في حال الهاتِف). تَوَضَّأ، استَقبِلِ القِبلَة، اجلِس جِلسَةَ المُتَذَلِّل.. هَذا الفِعلُ يُرسِلُ رِسالَةً لِعَقلِكَ الباطِنِ أنَّكَ لَستَ تَقرأُ صَحيفَةَ أخبار، بَل تَتَلَقَّى رِسالَةَ المَلِك. الرابعة (اجتماعيَّة): اجعَل لِبَيتِكَ وزَوجَتِكَ وأولادِكَ نَصيبًا مِن طَهارَةِ القُرآن. سَورةُ البَقَرَةِ تَطرُدُ الشَّياطينَ مِن البُيوت، فَكَيفَ إذا كانت الآياتُ تُتلى وتُفسَّرُ على مائِدَةِ الطَّعام؟ عَلِّم ابنَكَ آية، فَسِّر لِزَوجَتِكَ حَديثًا.. بَيتٌ يُتلى فيهِ القُرآنُ يَتَّسِعُ عَلى أهلِه، ويَكثُرُ خَيرُه، وتَحضُرُهُ المَلائِكَة. الخامسة (مَوضوعيَّة): الآيَةُ الَّتي تَقرَؤُها اليَوم، طَبِّقها غَدًا. إن قَرأتَ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فَلْتَكُن هَذِه مُهِمَّتَكَ هَذا النَّهار. القُرآنُ كِتابُ هِدايَةِ عَمَل، لا كِتابُ تَبَرُّكٍ لَفظي. فَاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ هذا القُرآنَ هو العَهدُ الذي بَينَنا وبَينَ رَبِّنا، فَمَن ضَيَّعَ عَهدَهُ، ضَاعَت دُنياهُ وآخِرَتُه. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن أهلِ القُرآنِ الَّذينَ هُم أهلُكَ وخَاصَّتُك. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا من النِّفاق، وأعمالَنا من الرِّياء، وألسِنَتَنا من الكَذِب، وأعيُنَنا من الخِيانة. اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظيمَ رَبيعَ قُلوبِنا، ونورَ صُدورِنا، وجَلاءَ أحزانِنا، وذَهابَ هُمومِنا وغُمومِنا. اللَّهُمَّ ذَكِّرنا مِنهُ ما نُسِّينا، وعَلِّمنا مِنهُ ما جَهِِلنا، وارزُقنا تِلاوَتَهُ آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهارِ عَلى الوَجهِ الَّذي يُرضيكَ عَنَّا. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن يَحفَظُ حُروفَه ويُضَيِّعُ حُدودَه. اللَّهُمَّ اجعَلهُ شَفيعًا لَنا يَومَ القِيامَة، سائقًا لَنا إلى جَنَّاتِ النَّعيم، ولا تَجعَلهُ حُجَّةً عَلَينا سائقًا لَنا إلى النَّار. اللَّهُمَّ فرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، واقضِ الدَّينَ عَنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلِمين، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلِمين. اللَّهُمَّ احفَظ إخوانَنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ اربُط عَلى قُلوبِهِم، وثَبِّت أقدامَهُم، وكُن لَهُم ناصِرًا ومُعينًا يا رَبَّ العالَمين. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.