المُؤَثِّرُونَ وَمَن نَأتَمِنُهُم عَلَى قُلُوبِ أَبنَائِنَا: مِيزَانُ القُدوَةِ وَبِنَاءُ الوَعيِ الأُسَرِيِّ فِي عَصرِ المَنَصَّاتِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ العِلمَ وَالحِكمَةَ مِيرَاثَ الأَنبِيَاءِ، وَجَعَلَ الصِّدقَ وَالأَمَانَةَ حِليَةَ الأَصفيَاءِ وَالأَتقِيَاءِ، وَأَمَرَ العِبَادَ أَن يَزِنُوا الرِّجَالَ وَالأَقوَالَ بِمِيزَانِ الحَقِّ لَا بِكَثرَةِ الأَتبَاعِ وَالضَّوضَاءِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى نِعمَةِ الهِدَايَةِ وَالبَصِيرَةِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ وَالأَهوَاءِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعلَمُ المَصلِحَ مِنَ المُفسِدِ، وَيَمِيزُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَلَو أَعجَبَ النَّاسَ كَثرَةُ الخَبِيثِ وَبَرِيقُهُ الخَدَّاعُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، القُدوَةُ العُظمَى، وَالأُسوَةُ الحُسنَى، الَّذِي زَكَّى اللهُ عَقلَهُ وَقَلبَهُ وَلِسَانَهُ وَخُلُقَهُ، فَمَا تَرَكَ خَيرًا إِلَّا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيهِ، وَلَا شَرًّا أَو مَخدَعَةً إِلَّا حَذَّرَهَا مِنهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الهُدَاةِ المَيَامِينِ، وَأَصحَابِهِ النُّجُومِ الزُّهرِ الَّذِينَ كَانُوا مَنَارَاتِ هُدًى وَمَصَابِيحَ دُجًى، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم وَاستَنَّ بِسُنَّتِهِم إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَحِفظِ الأَمَانَاتِ الَّتِي استَرعَاكُمُ اللهُ إِيَّاهَا فِي بُيُوتِكُم وَذُرِّيَّاتِكُم؛ فَإِنَّ القُلُوبَ أَمانَةٌ، وَالعُقُولَ أَمَانَةٌ، وَالأَسمَاعَ وَالأَبصَارَ مَسؤُولَةٌ أَمَامَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ عَمَّا أُدخِلَ إِلَيهَا وَعَمَّن مُكِّنَ مِن قِيَادَتِهَا، كَمَا قَالَ رَبُّنَا سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: لَو أَنَّ طَارِقًا غَرِيبًا لَا تَعرِفُ أَصلَهُ وَلَا خُلُقَهُ وَلَا دِينَهُ وَلَا أَمَانَتَهُ، طَرَقَ بَابَ بَيتِكَ فِي جَوفِ اللَّيلِ أَو فِي وَضَحِ النَّهَارِ، وَقَالَ لَكَ: «افْتَحْ لِي غُرفَةَ أَبنَائِكَ وَبَنَاتِكَ، أُرِيدُ أَن أَجلِسَ مَعَهُم كُلَّ يَومٍ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ أَو أَربَعَ سَاعَاتٍ عَلَى انفِرَادٍ؛ أُحَدِّثُهُم بِمَا أَشَاءُ، وَأَعرِضُ عَلَيهِم تَفَاصِيلَ حَيَاتِي، وَأُشَكِّلُ ذَوقَهُم وَأَخلَاقَهُم وَمَفَاهِيمَهُم عَنِ السَّعَادَةِ وَالمَالِ وَالأُسرَةِ وَالدِّينِ!»؛ بِاللهِ عَلَيكُم، أَيُّ عَاقِلٍ فِيكُم يَقبَلُ أَن يَفتَحَ بَابَ بَيتِهِ لِهَذَا الغَرِيبِ المَجهُولِ؟! لَئِن فَعَلَ ذَلِكَ لَعَدَّهُ النَّاسُ مُضَيِّعًا لِأَهلِهِ، مَفْرِّطًا فِي أَمَانَتِهِ!
وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ الصَّادِمَةَ الَّتِي نَعِيشُهَا اليَومَ هِيَ أَنَّ هَذَا الغَرِيبَ لَم يَعُدْ يَحتَاجُ إِلَى أَن يَطرُقَ أَبوَابَ الخَشَبِ وَالحَدِيدِ؛ لَقَد دَخَلَ إِلَى أَعمَقِ غُرَفِ بُيُوتِنَا، وَجَلَسَ مَعَ أَبنَائِنَا وَبَنَاتِنَا فِي خَلَوَاتِهِم، وَأَمسَكَ بِأَزِمَّةِ عَوَاطِفِهِم وَأَفكَارِهِم، تَحتَ لَافِتَةٍ بَرَّاقَةٍ اسمُهَا «المُؤَثِّرُونَ وَالمَشَاهِيرُ وَصُنَّاعُ المُحتَوَى»!
لَقَد صَارَتِ الكَلِمَةُ اليَومَ لَا تَستَمِدُّ سُلطَانَهَا عِندَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاشِئَةِ مِن قُوَّةِ الحُجَّةِ أَو شَرَفِ العِلمِ أَو زَكَاءِ السِّيرَةِ، بَل مِن عَدَدِ المُتَابِعِينَ وَالمَلَايِينِ الَّذِينَ يَضغَطُونَ عَلامَةَ الإِعجَابِ! وَأَصبَحَ الشَّابُّ الصَّغِيرُ أَوِ الفَتَاةُ النَّاشِئَةُ يَقضِي مَعَ هَؤُلَاءِ المُتَحَدِّثِينَ عَلَى المَنَصَّاتِ أَضعَافَ الوَقتِ الَّذِي يَقضِيهِ فِي حِوَارِ وَالِدِهِ أَو وَالِدَتِهِ أَو مُعَلِّمِهِ! فَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ وَالمُرَبُّونَ: مَن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَأتَمِنُهُم عَلَى قُلُوبِ فَلَذَاتِ أَكبَادِنَا؟ وَبِأَيِّ مِيزَانٍ نَمنَحُ الثِّقَةَ فِي هَذَا الفَضَاءِ المَفتُوحِ؟ وَكَيفَ نَستَرِدُّ دَورَنَا التَّربَوِيَّ الأَصِيلَ حَتَّى لَا نُسلِمَ أَجيَالَنَا لِتُجَّارِ الإِثَارَةِ وَسَمَاسِرَةِ الشُّهرَةِ؟ تِلكُمُ القَضِيَّةُ الكُبرَى الَّتِي يُخَاطِبُنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِقَولِهِ الحَاسِمِ فِي سُورَةِ التَّحرِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ التَّأَثُّرَ بِالغَيرِ وَالبَحثَ عَنِ القُدوَةِ غَرِيزَةٌ فِطرِيَّةٌ أَودَعَهَا اللهُ فِي النَّفسِ البَشَرِيَّةِ، وَخَاصَّةً فِي مَرحَلَةِ الصِّبَا وَالشَّبَابِ؛ فَالنَّاشِئُ يَبحَثُ دَائِمًا عَن نَمُوذَجٍ يَرَى فِيهِ النَّجَاحَ وَالقُوَّةَ وَالجَاذِبِيَّةَ فَيُحَاكِيهِ فِي مَلبَسِهِ وَمَنطِقِهِ وَاهتِمَامَاتِهِ؛ وَلِأَجلِ هَذَا عَظَّمَ الإِسلَامُ أَمرَ القُدوَةِ وَالصُّحبَةِ، وَلَم يَترُكِ المُسلِمَ يَقتَدِي بِكُلِّ نَاعِقٍ، بَل رَبَطَ الهِدَايَةَ بِاتِّبَاعِ أَهلِ الصِّدقِ وَالعِلمِ وَالتَّقوَى، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ آمرًا نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَكُلَّ مُؤمِنٍ أَن يَصبرَ نَفسَهُ فِي دَائِرَةِ الصَّالِحِينَ وَأَن يَحذَرَ أَهلَ الغَفلَةِ وَالهَوَى فِي سُورَةِ الكَهفِ: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ مَثَلًا بَلِيغًا لِأَثَرِ المُخالَطَةِ وَالمُتَابَعَةِ فَقَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوءِ، كَحَامِلِ المِسكِ وَنَافِخِ الكِيرِ؛ فَحَامِلُ المِسكِ إِمَّا أَن يُحذِيَكَ، وَإِمَّا أَن تَبتَاعَ مِنهُ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ مِنهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يُحرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً».
وَمَا المَنَصَّاتُ الرَّقَمِيَّةُ اليَومَ يَا عِبَادَ اللهِ إِلَّا مَجَالِسُ يَومِيَّةٌ مَفتُوحَةٌ! فَالمُتَابَعَةُ الرَّقَمِيَّةُ المُستَمِرَّةُ مُجَالَسَةٌ كَامِلَةُ الأَركَانِ، بَل هِيَ أَشَدُّ تَأثِيرًا مِنَ الجَلِيسِ العَابِرِ؛ لِأَنَّ صَانِعَ المُحتَوَى يَدخُلُ إِلَى سَمعِ الشَّابِّ وَبَصَرِهِ بِالمُؤَثِّرَاتِ البَصَرِيَّةِ، وَالإِيقَاعِ السَّرِيعِ، وَالظُّهُورِ اليَومِيِّ المُتَكَرِّرِ، حَتَّى يَتَشَرَّبَ القَلبُ أَخلَاقَهُ وَطَرِيقَةَ تَفكِيرِهِ شَيئًا فَشَيئًا دُونَ أَن يَشعُرَ! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المَرءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنظُرْ أَحَدُكُم مَن يُخَالِلُ». فَإِذَا كَانَ الإِنسَانُ يَتَطَبَّعُ بِطَبْعِ مَن يُصَاحِبُهُ فِي الطَّرِيقِ، فَكَيفَ بِمَن يُصَاحِبُهُ عَبرَ السَّمَّاعَاتِ وَالشَّاشَاتِ فِي كُلِّ خَلوَةٍ وَحَرَكَةٍ وَسُكُونٍ؟!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ الخَطَأَ المَنهَجِيَّ الأَكبَرَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ اليَومَ، هُوَ الخَلطُ بَينَ «الشُّهرَةِ وَالِانتِشَارِ» وَبَينَ «العِلمِ وَالأَهلِيَّةِ وَالأَمَانَةِ»! فَيَظُنُّ الوَاحِدُ أَنَّ مَن جَمَعَ عَشَرَاتِ المَلَايِينِ مِنَ المُتَابِعِينَ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ حَكِيمًا يُؤخَذُ عَنهُ الرَّأيُ فِي الدِّينِ وَالحَيَاةِ وَالزَّوَاجِ وَالمَالِ وَالأَخلَاقِ! وَهَذَا وَاللهِ انقِلَابٌ فِي المَوَازِينِ؛ فَإِنَّ الشُّهرَةَ فِي خَوَارِزمِيَّاتِ المَنَصَّاتِ لَا تُقَاسُ بِمِقدَارِ الحِكمَةِ وَالنَّفعِ، بَل تُقَاسُ غَالِبًا بِمِقدَارِ الإِثَارَةِ وَالغَرَابَةِ وَكَسرِ الحَوَاجِزِ وَإِرضَاءِ الغَرَائِزِ!
وَلَقَد حَذَّرَنَا القُرآنُ الكَرِيمُ مِنَ الاغتِرَارِ بِالكَثرَةِ العَدَدِيَّةِ أَوِ البَرِيقِ الظَّاهِرِيِّ؛ فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وَوَصَفَ سُبحَانَهُ قَومًا يَملِكُونَ فَصَاحَةَ اللِّسَانِ وَحَلَاوَةَ العَرضِ وَجَمَالَ الهَيئَةِ أَمَامَ الكَامِيرَاتِ، وَلَكِنَّ بَوَاطِنَهُم خَرَابٌ مِنَ القِيَمِ وَالإِخلَاصِ، فَقَالَ عَزَّ مِن قَائِلٍ فِي سُورَةِ المُنافِقُونَ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾. وَقَالَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
وَلِهَذَا أَخبَرَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن زَمَانٍ تَختَلُّ فِيهِ مَعَايِيرُ التَّصدِيرِ، فَيَتَكَلَّمُ فِي الشَّأنِ العَامِّ وَفِي عُقُولِ الجَمَاهِيرِ مَن لَا يَملِكُ عِلمًا وَلَا خُلُقًا وَلَا أَهلِيَّةً؛ فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ ابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «سَيَأتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤتَمَنُ فِيهَا الخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنطِقُ فِيهَا الرُّوَيبِضَةُ»، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيبِضَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمرِ العَامَّةِ».
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقبِضُ العِلمَ انتِزَاعًا يَنتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِن يَقبِضُ العِلمَ بِقَبضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَم يُبقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
فَتَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ هَذَا التَّحذِيرَ النَّبَوِيَّ البَلِيغَ! كَم نَرَى اليَومَ عَلَى المَنَصَّاتِ مَن لَم يَدرُسْ عِلمًا شَرعِيًّا، وَلَم يَتَخَرَّجْ فِي مَيدَانِ تَربِيَةٍ أَوِ اختِصَاصٍ، إِنَّمَا اشتَهَرَ بِمَقَاطِعِ الهَزلِ أَوِ استِعرَاضِ المُمَتَلَكَاتِ وَاليَومِيَّاتِ، ثُمَّ إِذَا بِهِ يَتَصَدَّرُ لِيُفتِيَ الشَّبَابَ فِي قَضَايَا الإِيمَانِ وَالشُّبُهَاتِ، أَو يُعَلِّمَ الفَتَيَاتِ مَفَاهِيمَ الأُسرَةِ وَالعَلَاقَاتِ، أَو يَسخَرَ مِنَ الثَّوَابِتِ وَالأَخلَاقِ! وَلِهَذَا أَرسَى التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللهُ تِلكَ القَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّةَ الَّتِي أَخرَجَهَا الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا العِلمَ دِينٌ، فَانظُرُوا عَمَّن تَأخُذُونَ دِينَكُم». وَكَانَ إِبرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُمَا اللهُ يَقُولُونَ: «كَانُوا إِذَا أَتَوا الرَّجُلَ لِيَأخُذُوا عَنهُ، نَظَرُوا إِلَى هَديِهِ وَسَمتِهِ وَصَلَاتِهِ وَحالِهِ قَبلَ أَن يَأخُذُوا عَنهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً!».
إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَإِنَّنَا حِينَ نُحَذِّرُ مِن فِتنَةِ المَشَاهِيرِ الفَارِغِينَ أَوِ المُفسِدِينَ، فَإِنَّنَا بِالمِيزَانِ العَدلِ نُقرِّرُ أَنَّ المَنَصَّاتِ الرَّقَمِيَّةَ وِعَاءٌ يَحمِلُ الخَيرَ كَمَا يَحمِلُ الشَّرَّ؛ فَفِيهَا - بِحَمدِ اللهِ - عُلَمَاءُ رَبَّانِيُّونَ، وَمُرَبُّونَ نَاصِحُونَ، وَأَطِبَّاءُ وَمُفَكِّرُونَ وَصُنَّاعُ مُحتَوًى نَافِعُونَ يَجمَعُونَ بَينَ الأَمَانَةِ العِلمِيَّةِ وَالأَدَبِ الرَّفِيعِ وَالإِبدَاعِ الجَذَّابِ؛ وَلَكِنَّ الكَارِثَةَ تَقَعُ حِينَ يُترَكُ الطِّفلُ أَوِ المُرَاهِقُ بِلَا بُوصَلَةٍ يُمَيِّزُ بِهَا بَينَ الصَّادِقِ النَّافِعِ وَبَينَ المُتَسَلِّقِ المُتَاجِرِ بِعُقُولِ مُتَابِعِيهِ!
وَفِي تَارِيخِنَا التَّربَوِيِّ المَجِيدِ مَوَاقِفُ تُبرِزُ كَيفَ كَانَ الآبَاءُ العُقَلَاءُ يَنتَقُونَ مَن يُؤَثِّرُ فِي أَبنَائِهِم انتِقَاءَ الجَوهَرِيِّ البَصِيرِ؛ فَهَذَا عُتبَةُ بنُ أَبِي سُفيَانَ - وَكَذَلِكَ عَمرُو بنُ عُتبَةَ - حِينَ اختَارَ مُؤَدِّبًا وَمُعَلِّمًا لِأَولَادِهِ، لَم يَسأَلْهُ عَن شُهرَتِهِ وَلَا عَن زَخرَفِ كَلَامِهِ فَحَسبُ، بَل وَقَفَ مَعَهُ وَقفَةَ المَسؤُولِ المُؤتَمَنِ وَقَالَ لَهُ تِلكَ الوَصِيَّةَ الخَالِدَةَ: «لِيَكُنْ أَوَّلُ إِصلَاحِكَ لِوَلَدِي إِصلَاحَكَ لِنَفسِكَ؛ فَإِنَّ عُيُونَهُم مَعقُودَةٌ بِعَينِكَ، فَالحَسَنُ عِندَهُم مَا صَنَعتَ، وَالقَبِيحُ عِندَهُم مَا تَرَكتَ، عَلِّمْهُم كِتَابَ اللهِ وَلَا تُكرِهْهُم عَلَيهِ فَيَمَلُّوهُ، وَلَا تَترُكْهُم مِنهُ فَيَهجُرُوهُ، وَرَوِّهِم مِنَ الحَدِيثِ أَشرَفَهُ، وَمِنَ الشِّعرِ أَعَفَّهُ!».
تَأَمَّلُوا قَولَهُ: «فَإِنَّ عُيُونَهُم مَعقُودَةٌ بِعَينِكَ، فَالحَسَنُ عِندَهُم مَا صَنَعتَ، وَالقَبِيحُ عِندَهُم مَا تَرَكتَ»! أَلَيسَ هَذَا هُوَ الوَصفَ الدَّقِيقَ لِحَالِ الصَّبِيِّ أَوِ الشَّابِّ مَعَ «المُؤَثِّرِ» الَّذِي يُتَابِعُهُ كُلَّ يَومٍ؟! فَمَا يَستَحسِنُهُ ذَلِكَ المَشهُورُ مِن كَلِمَاتٍ سُوقِيَّةٍ أَوِ استِهلَاكٍ مُسرِفٍ أَو سُخرِيَةٍ بِالآخَرِينَ يَصيرُ عِندَ المُتَابِعِ الصَّغِيرِ حَسَنًا مَقبُولًا، وَمَا يَستَثقِلُهُ ذَلِكَ المَشهُورُ مِنَ الجِدِّ وَالحَيَاءِ وَالأَدَبِ يَصيرُ عِندَ المُتَابِعِ الصَّغِيرِ ثَقِيلًا مَرفُوضًا!
وَقَد بَيَّنَ الإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ سِرَّ هَذَا التَّأَثُّرِ السَّرِيعِ عِندَ النَّاشِئَةِ فَقَالَ: «الصَّبِيُّ أَمَانَةٌ عِندَ وَالِدَيهِ، وَقَلبُهُ الطَّاهِرُ جَوهَرَةٌ نَفِيسَةٌ سَاذَجَةٌ خَالِيَةٌ عَن كُلِّ نَقشٍ وَصُورَةٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِكُلِّ مَا نُقِشَ، وَمَائِلٌ إِلَى كُلِّ مَا يُمَالُ بِهِ إِلَيهِ؛ فَإِن عُوِّدَ الخَيرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيهِ وَسَعِدَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَإِن عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهمِلَ إِهمَالَ البَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ، وَكَانَ الوِزرُ فِي رَقَبَةِ القَيِّمِ عَلَيهِ وَالوَالِي لَهُ!». وَمَا أَصدَقَ قَولَ الشَّاعِرِ العَرَبِيِّ القَدِيمِ عَدِيِّ بنِ زَيدٍ:
عَنِ المَرءِ لَا تَسأَل وَسَل عَن قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارِنِ يَقتَدِي
إِذَا كُنتَ فِي قَومٍ فَصَاحِب خِيَارَهُم ... وَلَا تَصحَبِ الأَردَى فَتَردَى مَعَ الرَّدِي
مَعَاشِرَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ: إِنَّ أَخطَرَ مَا يُمَارِسُهُ كَثِيرٌ مِن مَشَاهِيرِ الِاستِعرَاضِ اليَومَ عَلَى نُفُوسِ أَبنَائِنَا ثَلَاثُ جِنَايَاتٍ كُبرَى:
الجِنَايَةُ الأُولَى: تَزيِيفُ الوَاقِعِ وَزرعُ السُّخطِ عَلَى عَيشِ الأُسرَةِ؛ إِذ يَعرِضُ المَشهُورُ دَقَائِقَ مُنتَقَاةً مَصنُوعَةً مِنَ الرَّفَاهِيَةِ وَالسَّفَرِ وَالهَدَايَا وَالمَطَاعِمِ الفَاخِرَةِ المَدفُوعَةِ إِعلَانِيًّا، فَيَظُنُّ الشَّابُّ أَوِ الفَتَاةُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الحَيَاةُ الطَّبِيعِيَّةُ، فَيَحتَقِرُ بَيتَ أَبِيهِ، وَيَستَصغِرُ كَدحَ وَالِدَيهِ، وَيَعِيشُ فِي حَسرَةٍ وَتَطَلُّعٍ لِلمَظَاهِرِ الفَارِغَةِ!
وَالجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ: قَتلُ قِيمَةِ الجِدِّ وَالعِلمِ وَالعَمَلِ؛ حِينَ يَرَى الطِّفلُ أَنَّ الطَّبِيبَ وَالمُهَندِسَ وَالعَالِمَ وَالعَامِلَ المُجِدَّ يَكدَحُ سِنِينَ طَوِيلَةً، بَينَمَا يَجنِي صَاحِبُ المَقَاطِعِ التَّافِهَةِ وَالتَّحَدِّيَاتِ السَّخِيفَةِ الأَموَالَ الطَّائِلَةَ فِي لَحَظَاتٍ، فَتَهتَزُّ فِي عَقلِهِ قِيمَةُ التَّعَبِ الشَّرِيفِ وَالبِنَاءِ النَّافِعِ!
وَالجِنَايَةُ الثَّالِثَةُ: تَميِيعُ الحَيَاءِ وَالقِيَمِ الأَخلَاقِيَّةِ؛ بِتَحوِيلِ الخُصُوصِيَّاتِ البَيتِيَّةِ إِلَى سِلعَةٍ لِلمُشَاهَدَةِ، وَتَطبِيعِ البَذَاءَةِ اللَّفظِيَّةِ وَالتَّنَمُّرِ تَحتَ سِتَارِ الضَّحِكِ وَالتَّرفِيهِ!
فَكَيفَ كَانَ مَنهَجُ الوَحيِ فِي حِمَايَةِ الأَبنَاءِ مِن مُؤَثِّرَاتِ بِيئَتِهِم؟ انظُرُوا إِلَى قِصَّةِ لُقمَانَ الحَكِيمِ مَعَ ابنِهِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ؛ لَم يَكُنْ لُقمَانُ أَبًا غَائِبًا يَصرُخُ بِالأَوَامِرِ الجَافَّةِ مِن بَعِيدٍ، بَل كَانَ أَبًا مُحَاوِرًا قَرِيبًا يَفتَحُ قَلبَ ابنِهِ بِـ «يَا بُنَيَّ»، وَيَشرَحُ لَهُ العِلَلَ وَالمَعَانِيَ، وَيَربِطُهُ بِمُرَاقَبَةِ اللهِ، وَيُعَلِّمُهُ التَّوَاضُعَ وَخَفضَ الصَّوتِ وَالإِعْرَاضَ عَنِ المُختَالِينَ الفَخُورِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ لُقمَانَ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
وَانظُرُوا فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ إِلَى تَجرِبَةِ أَبٍ بَصِيرٍ لَاحَظَ أَنَّ ابنَهُ الفَتَى قَد تَغَيَّرَت أَلفَاظُهُ، وَكَثُرَ تَذَمُّرُهُ مِن حَالِ الأُسرَةِ، وَصَارَ يُقَلِّدُ حَرَكَاتِ أَحَدِ مَشَاهِيرِ البَثِّ المَبَاشِرِ؛ فَلَم يَلجَأِ الأَبُ إِلَى الصُّرَاخِ أَو كَسرِ الهَاتِفِ - لِأَنَّ المَنعَ القَسرِيَّ وَحدَهُ يَدفَعُ المُرَاهِقَ إِلَى المُتَابَعَةِ فِي الخَفَاءِ - بَل جَلَسَ مَعَ ابنِهِ جِلسَةَ صَدِيقٍ مُحبٍّ، وَطَلَبَ مِنهُ أَن يُشَاهِدَا مَعًا مَقطَعًا لِذَلِكَ المَشهُورِ، ثُمَّ سَأَلَهُ بِهُدُوءٍ ذَكِيٍّ: «يَا بُنَيَّ، مَا الفَائِدَةُ الَّتِي خَرَجتَ بِهَا بَعدَ نِصفِ سَاعَةٍ مِن مُشَاهَدَةِ هَذَا الرَّجُلِ؟ هَل تَعلَمُ أَنَّهُ يَحصُدُ الأَموَالَ مِن وَقتِكَ وَانتِبَاهِكَ بَينَمَا تَخسَرُ أَنتَ تَركِيزَكَ وَسَعَادَتَكَ؟ تَعَالَ نَبحَثْ مَعًا عَن صُنَّاعِ مُحتَوًى فِي مَجَالِ شَغَفِكَ الرِّيَاضِيِّ أَوِ التِّقنِيِّ أَوِ العِلمِيِّ يَحترِمُونَ عَقلَكَ وَدِينَكَ وَيُضِيفُونَ إِلَيكَ مَهَارَةً حَقِيقِيَّةً!». فَلَمَّا خَاطَبَ الأَبُ عَقلَ ابنِهِ وَاحْتَرَمَ شَخصِيَّتَهُ، سَقَطَتِ الهَالَةُ الكَاذِبَةُ عَن ذَلِكَ المَشهُورِ مِن عَينِ الفَتَى بِقَنَاعَتِهِ الذَّاتِيَّةِ!
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ رِعَايَةَ قُلُوبِ الأَبنَاءِ أَعظَمُ عِندَ اللهِ مِن رِعَايَةِ أَبدَانِهِم بِالطَّعَامِ وَالكِسوَةِ؛ فَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخرَجَهُ الشَّيخَانِ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ».
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ هَادِي المُستَرشِدِينَ، وَمُبَصِّرِ القُلُوبِ بِنُورِ الوَحيِ المُبِينِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِمَامُ المُتَّقِينَ وَقُدوَةُ العَالَمِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ الفَرَاغَ العَاطِفِيَّ وَالحِوَارِيَّ دَاخِلَ البَيتِ هُوَ الثَّغرَةُ الأُولَى الَّتِي يَتَسَلَّلُ مِنهَا المَشَاهِيرُ إِلَى قُلُوبِ أَبنَائِنَا؛ فَالطِّفلُ أَوِ المُرَاهِقُ الَّذِي لَا يَجِدُ أَبًا يُنصِتُ إِلَيهِ وَيُشَارِكُهُ اهتِمَامَاتِهِ، وَلَا أُمًّا تُحَاوِرُهُ بِمَوَدَّةٍ وَتَحتَوِي تَسَاؤُلَاتِهِ، سَيَبحَثُ حَتمًا عَن بَدِيلٍ يُؤنسُ وَحدَتَهُ الرُّوحِيَّةَ عَلَى الشَّاشَاتِ! وَقَد أَوصَى الإِمَامُ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ كُلَّ سَالِكٍ يَبحَثُ عَنِ الحَقِّ فِي زَمَنِ الضَّجِيجِ فَقَالَ: «لَا تَستَوحِشْ طُرُقَ الهُدَى لِقِلَّةِ أَهلِهَا، وَلَا تَغتَرَّ بِكَثرَةِ الهَالِكِينَ». وَقَالَ صَالِحُ بنُ عَبدِ القُدُّوسِ فِي أَثَرِ التَّأدِيبِ وَالمُتَابَعَةِ فِي الصِّغَرِ:
وَإِنَّ مَن أَدَّبتَهُ فِي الصِّبَا ... كَالعُودِ يُسقَى المَاءَ فِي غَرسِهِ
حَتَّى تَرَاهُ مُورِقًا نَاضِرًا ... بَعدَ الَّذِي أَبصَرتَ مِن يُبسِهِ
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: حَتَّى نَحفَظَ عُقُولَنَا وَقُلُوبَ أَبنَائِنَا فِي عَصرِ المَنَصَّاتِ، وَنَبنِيَ مَنَاعَةً ذَاتِيَّةً رَشِيدَةً، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ لِكُلِّ أُسرَةٍ مُسلِمَةٍ:
الوَصِيَّةُ الأُولَى: تَصحِيحُ مِعيَارِ الثِّقَةِ وَالإِعجَابِ عِندَنَا وَعِندَ أَبنَائِنَا؛ عَلِّمُوا أَبنَاءَكُم أَنَّ الرَّجُلَ أَوِ المَرأَةَ فِي المَنَصَّاتِ يُوزَنُ بِمِيزَانَينِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: العِلمُ النَّافِعُ المُتقَنُ، وَالخُلُقُ الكَرِيمُ الأَمِينُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ القَصَصِ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. وَأَمَّا الأَرقَامُ وَالمُشَاهَدَاتُ فَلَيسَت دَلِيلًا عَلَى حَقٍّ وَلَا عَلامَةً عَلَى فَضلٍ؛ فَالبَاطِلُ قَد يَنتَفِخُ كَزَبَدِ البَحرِ ثُمَّ يَذهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمكُثُ فِي الأَرضِ.
الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: تَنظِيفُ قَائِمَةِ المُتَابَعَاتِ الشَّخصِيَّةِ وَالأُسَرِيَّةِ؛ لِيَبْدَأْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِنَفسِهِ اليَومَ قَبلَ أَن يُحَاسِبَ أَبنَاءَهُ؛ فَلْيَفتَحْ هَاتِفَهُ وَلْيَسأَلْ نَفسَهُ: «مَن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمنَحُهُم وَقتِي وَانتِبَاهِي؟»، ثُمَّ لِيُلغِ مُتَابَعَةَ كُلِّ حِسَابٍ يَنشُرُ التَّفَاهَةَ، أَو يُثِيرُ الحَسَدَ وَالسُّخطَ الطَّبَقِيَّ، أَو يَخدِشُ الحَيَاءَ، أَو يَطعَنُ فِي القِيَمِ؛ فَإِنَّ إِهمَالَ البَاطِلِ وَعَدَمَ مُتَابَعَتِهِ إِمَاتَةٌ لَهُ، وَمُشَاهَدَتَهُ وَلَو مِن بَابِ الفُضُولِ أَوِ السُّخرِيَةِ تَموِيلٌ لَهُ وَرَفعٌ لِأَسهُمِهِ!
الوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: بِنَاءُ التَّفكِيرِ النَّاقِدِ بِالحِوَارِ لَا بِالمَنعِ الصَّامِتِ؛ اجلِسُوا مَعَ أَبنَائِكُم وَحَاوِرُوهُم فِي مَا يُشَاهِدُونَهُ بِمَوَدَّةٍ وَاحتِرَامٍ، وَاشْرَحُوا لَهُم كَيفَ تَعمَلُ صِنَاعَةُ الإِعلَانَاتِ وَالشُّهرَةِ، وَكَيفَ يُصنَعُ المَشهَدُ الوَاحِدُ بِعَشَرَاتِ اللَّقَطَاتِ المُزَيَّفَةِ لِإِيهَامِ المُتَابِعِ بِالكَمَالِ أَوِ الثَّرَاءِ السَّرِيعِ؛ فَإِذَا فَهِمَ الشَّابُّ خَدِيعَةَ الكَوَالِيسِ، لَم يَنخَدِعْ بِبَرِيقِ المَسْرَحِ، وَتَحَقَّقَ فِيهِ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
الوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: تَقدِيمُ البَدِيلِ القُدوَةِ الحَيِّ مِنَ السِّيرَةِ وَالوَاقِعِ؛ إِنَّ النَّفسَ لَا تَترُكُ قُدوَةً هَابِطَةً إِلَّا إِذَا وَجَدَت قُدوَةً عَالِيَةً تَملَأُ القَلبَ إِعجَابًا وَمَحَبَّةً؛ فَاربِطُوا قُلُوبَ أَبنَائِكُم بِسِيرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابِهِ الكِرَامِ وَأَبطَالِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا بِأُسلُوبٍ قَصَصِيٍّ شَيِّقٍ، وَعَرِّفُوهُم عَلَى النَّمَاذِجِ المُعَاصِرَةِ المُشرِقَةِ مِنَ العُلَمَاءِ وَالمُخْتَرِعِينَ وَالأَطِبَّاءِ وَالدُّعَاةِ وَالبُنَاةِ الصَّادِقِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.
الوَصِيَّةُ الخَامِسَةُ: كُنْ أَنتَ المُؤَثِّرَ الأَوَّلَ فِي بَيتِكَ؛ تَذَكَّرْ أَيُّهَا الأَبُ الكَرِيمُ وَأَيَّتُهَا الأُمُّ الفَاضِلَةُ أَنَّ أَعظَمَ مُؤَثِّرٍ فِي حَيَاةِ الطِّفلِ هُوَ وَالِدَانِ يَرَى فِيهِمَا الصِّدقَ، وَالبَشَاشَةَ، وَالعَدلَ، وَحُبَّ القُرآنِ، وَدِفءَ المَجَالِسِ العَائِلِيَّةِ؛ فَمَتَى شَبِعَ الِابنُ حُبًّا وَتَقدِيرًا وَحِوَارًا فِي بَيتِهِ، عَزَّت عَلَيهِ نَفسُهُ أَن يَستَجدِيَ قِيمَتَهُ مِن مَشهُورٍ عَابِرٍ عَلَى شَاشَةٍ صَمَّاءَ!
فَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ: لَا تُسلِمُوا قُلُوبَ أَبنَائِكُم لِتُجَّارِ الغَفلَةِ، وَاصنَعُوا فِي بُيُوتِكُم مَحَاضِنَ وَعيٍ وَمَحَبَّةٍ وَإِيمَانٍ، يَحفَظِ اللهُ لَكُم ذُرِّيَّاتِكُم وَيَجعَلْهُم قُرَّةَ أَعيُنٍ لَكُم فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ!
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى الهَادِي البَشِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِيرِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُمُ العَلِيُّ الكَبِيرُ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا. اللَّهُمَّ احفَظْ أَبنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا وَشَبَابَ المُسلِمِينَ مِن مُضِلَّاتِ الفِتَنِ وَمَصَايِدِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، اللَّهُمَّ بَصِّرْهُم بِالحَقِّ وَحَبِّبْهُ إِلَيهِم، وَأَرِهِمُ البَاطِلَ بَاطِلًا وَارزُقْهُمُ اجتِنَابَهُ، وَقَيِّضْ لَهُمُ الصُّحبَةَ الصَّالِحَةَ وَالقُدوَةَ النَّافِعَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَهلَ العِلمِ وَالحِكمَةِ وَالإِصلَاحِ لِنَشرِ الخَيرِ وَالهُدَى فِي المَنَصَّاتِ وَالمَجَامِعِ، وَاكفِ المُسلِمِينَ شَرَّ المُفسِدِينَ وَدُعَاةِ الغَوَايَةِ وَالتَّفَاهَةِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. اللَّهُمَّ اغفِرْ لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، وَأَصلِحْ ذَاتَ بَينِنَا، وَأَلِّفْ بَينَ قُلُوبِنَا، وَاجعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
المُؤَثِّرُونَ وَمَن نَأتَمِنُهُم عَلَى قُلُوبِ أَبنَائِنَا: مِيزَانُ القُدوَةِ وَبِنَاءُ الوَعيِ الأُسَرِيِّ فِي عَصرِ المَنَصَّاتِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.