القِيَادَةُ أَمَانَةٌ وَحَقُّ الطَّرِيقِ: صِيَانَةُ الأَنفُسِ مِنَ التَّهَوُّرِ المُرُورِيِّ وَالانشِغَالِ بِالهَاتِفِ أَثنَاءَ السَّيرِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا المَرَاكِبَ وَالفُلكَ لِتَحمِلَنَا فِي البَرِّ وَالبَحرِ بِلُطفِهِ وَإِحسَانِهِ، وَجَعَلَ حِفظَ النَّفسِ المَعصُومَةِ مِن أَعظَمِ كُلِّيَّاتِ شَرعِهِ وَمِيزَانِهِ، وَحَرَّمَ الإِلقَاءَ بِالأَيدِي إِلَى التَّهلُكَةِ وَالإِضرَارَ بِالخَلقِ فِي طُرُقَاتِهِم وَأَوطَانِهِم، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى مَا أَنعَمَ بِهِ مِن تَيسِيرِ الأَسفَارِ وَتَقريبِ البُلدَانِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الرَّقِيبُ عَلَى العَبدِ فِي حِلِّهِ وَترحَالِهِ وَمَشيِهِ وَرُكُوبِهِ فِي كُلِّ آنٍ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي أَرسَى آدَابَ السَّيرِ وَأَوجَبَ حَقَّ الطَّرِيقِ وَأَمَرَ بِالسَّكِينَةِ وَالأَمَانِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ الوَقَارِ وَالإِيمَانِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي أَنفُسِكُم وَفِي دِمَاءِ المُسلِمِينَ وَالمَعصُومِينَ الَّذِينَ يَمشُونَ مَعَكُم فِي الطُّرُقَاتِ، وَاشكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم فِي هَذِهِ المَركَبَاتِ الَّتِي ذَلَّلَهَا لَكُم، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّخرُفِ مُذكِّرًا بِنِعمَةِ الرُّكُوبِ وَأَدَبِ الرَّاكِبِينَ: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: تَأَمَّلُوا هَذَا المَشهَدَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ فِي شَوَارِعِنَا وَطُرُقَاتِنَا حَتَّى أَلِفَتهُ الأَبصَارُ مَعَ عِظَمِ فَجِيعَتِهِ: أَبٌ يَخرُجُ مِن بَيتِهِ فِي الصَّبَاحِ وَقَد وَدَّعَ أَطفَالَهُ وَوَعدَهُم أَن يَعُودَ إِلَيهِم فِي المَسَاءِ، أَو أُسرَةٌ تَسِيرُ فِي سَيَّارَتِهَا آمِنَةً مُطمَئِنَّةً، وَإِذَا بِسَائِقٍ طَائِشٍ قَد أَطلَقَ لِمَركَبَتِهِ العِنَانَ بِسُرعَةٍ جُنُونِيَّةٍ، أَو قَطَعَ إِشَارَةَ المُرُورِ الحَمرَاءَ استِعجَالًا لِدَقَائِقَ، أَو غَابَ بَصَرُهُ وَعَقلُهُ عَنِ الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ كَانَ يَكتُبُ رِسَالَةً فِي هَاتِفِهِ أَو يُتَابِعُ مَقطَعًا عَابِرًا؛ فَفِي لَمحةِ بَصَرٍ، وَفِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الغَفلَةِ أَوِ الرُّعُونَةِ، يَقَعُ الِاصطِدَامُ المُرَوِّعُ، فَتَزهَقُ أَروَاحٌ بَرِيئَةٌ، وَتُيَتَّمُ ذُرِّيَّةٌ صِغَارٌ، وَيَقعُدُ أَصِحَّاءُ عَلَى الكَرَاسِيِّ المُتَحَرِّكَةِ طُولَ أَعمَارِهِم، وَيَنقَلِبُ الفَرَحُ مَأْتَمًا، وَالأَمنُ فَجِيعَةً وَحَسرَةً!
لَقَد أَصبَحَت حَوَادِثُ الطُّرُقِ اليَومَ تَحصُدُ مِن أَروَاحِ النَّاسِ وَأَبدَانِهِم وَأَموَالِهِم مَا لَا تَحصُدُهُ الحُرُوبُ وَالأَوبِئَةُ! وَالمُصِيبَةُ الكُبرَى أَنَّ بَعضَ النَّاسِ إِذَا جَلَسَ خَلفَ مِقوَدِ السَّيَّارَةِ نَسِيَ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحَاسَبٌ أَمَامَ اللهِ، وَظَنَّ أَنَّ آدَابَ الإِسلَامِ وَأَحكَامَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ مَحصُورَةٌ فِي المَسجِدِ وَحَلَقَاتِ الذِّكرِ، وَأَمَّا فِي الشَّارِعِ فَلَهُ أَن يَطِيشَ، وَيُرَوِّعَ الآمِنِينَ، وَيُزَاحِمَ الضُّعَفَاءَ، وَيَشتُمَ مَن أَخطَأَ عَلَيهِ، وَيَتَجَاوَزَ الأَنظِمَةَ المَوضُوعَةَ لِحِفظِ الأَروَاحِ! وَمَا عَلِمَ هَذَا الغَافِلُ أَنَّ السَّيَّارَةَ فِي يَدِ قَائِدِهَا إِمَّا أَن تَكُونَ مَطِيَّةَ خَيرٍ وَأَمَانَةٍ، وَإِمَّا أَن تَنقَلِبَ بِتَهَوُّرِهِ إِلَى آلةِ قَتلٍ وَعُدوَانٍ يُسأَلُ عَن كُلِّ قَطرَةِ دَمٍ أُرِيقَت بِسَبَبِهَا بَينَ يَدَيِ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ! يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
عِبَادَ اللهِ: انظُرُوا كَيفَ حَمَتِ الشَّرِيعَةُ الإِسلَامِيَّةُ سَلَامَةَ العَابِرِينَ فِي الطُّرُقَاتِ حِمَايَةً تَبلُغُ غَايَةَ الدِّقَّةِ وَالإِعجَازِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَن مَرَّ فِي شَيءٍ مِن مَسَاجِدِنَا أَو أَسوَاقِنَا وَمَعَهُ نَبلٌ فَلْيُمسِك عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ، أَن يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ المُسلِمِينَ مِنهَا بِشَيءٍ»!
قِفُوا - يَا أُولِي الأَلبَابِ - عِندَ هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ: رَجُلٌ يَمشِي عَلَى قَدَمَيهِ فِي السُّوقِ وَفِي يَدِهِ سَهمٌ صَغِيرٌ، يَأمُرُهُ النَّبِيُّ ﷺ أَن يَقبِضَ بِكَفِّهِ عَلَى حَدِيدَةِ السَّهمِ وَيُغَطِّيَهَا؛ خَشيَةَ أَن يَزحَمَهُ أَحَدٌ فِي الطَّرِيقِ فَيَخدِشَهُ السَّهمُ خَدشًا يَسِيرًا! فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي نَصلِ سَهمٍ يُحمَلُ بِاليَدِ، فَمَا القَولُ فِيمَن يَندَفِعُ فِي شَوَارِعِ المُسلِمِينَ وَأَسوَاقِهِم بِكُتلَةٍ مِنَ الحَدِيدِ تَزِنُ الأَطنَانَ، وَهُوَ مُمسِكٌ بِإِحدَى يَدَيهِ المِقوَدَ وَبِالأُخرَى الهَاتِفَ الجَوَّالَ يَتَصفَّحُ الرَّسَائِلَ وَالصُّوَرَ وَلا يَنظُرُ إِلَى الطَّرِيقِ؟! إِنَّ الَّذِي يَقُودُ سَيَّارَتَهُ وَعَينُهُ فِي شَاشَةِ هَاتِفِهِ كَمَن يَركُضُ فِي سُوقٍ مَملُوءٍ بِالأَطفَالِ وَالشُّيُوخِ وَهُوَ مَعصُوبُ العَينَينِ شَاهِرٌ سَيفَهُ؛ فَإِذَا دَهَسَ نَفسًا أَو أَتلَفَ مَالًا فَإِنَّهُ مُفَرِّطٌ آثِمٌ ضَامِنٌ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ!
وَلَقَد قَعَّدَ فُقَهَاءُ الإِسلَامِ قَاعِدَةً فِقهِيَّةً ذَهَبِيَّةً فِي فِقهِ السَّيرِ وَالمُرُورِ؛ فَقَالَ الإِمَامُ المَرغِينَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ «الهِدَايَةِ»: «الأَصلُ أَنَّ المُرُورَ فِي طَرِيقِ المُسلِمِينَ مُبَاحٌ مُقَيَّدٌ بِشَرطِ السَّلَامَةِ فِيمَا يُمكِنُ الِاحتِرَازُ عَنهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ مِن وَجهٍ وَفِي حَقِّ غَيرِهِ مِن وَجهٍ لِكَونِهِ مُشتَرَكًا بَينَ كُلِّ النَّاسِ»! يَا لَعَظَمَةِ هَذَا الفِقهِ: «مُبَاحٌ مُقَيَّدٌ بِشَرطِ السَّلَامَةِ»! فَالطَّرِيقُ العَامُّ لَيسَ مِلكًا خَاصًّا لَكَ تَستَعرِضُ فِيهِ قُوَّةَ مُحَرِّكِ سَيَّارَتِكَ أَو تُفَرِّغُ فِيهِ غَضَبَكَ، بَل هُوَ حَقٌّ مُشتَرَكٌ لِلجَمِيعِ، وَلَا يَحِلُّ لَكَ السَّيرُ فِيهِ إِلَّا بِشَرطِ أَن تَأخُذَ بِكُلِّ أَسبَابِ الِاحتِرَازِ وَالسَّلَامَةِ مِن تَفقُّدِ المَكابِحِ وَالإِطَارَاتِ، وَالِالتِزَامِ بِالسُّرعَةِ المَأْمُونَةِ، وَاليَقَظَةِ التَّامَّةِ أَثنَاءَ القِيَادَةِ!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِذَا أَرَدتُم أَن تَرَوا كَيفَ كَانَ سَيِّدُ الخَلقِ ﷺ يَقُودُ رَاحِلَتَهُ وَسَطَ الزِّحَامِ الشَّدِيدِ، فَتَأَمَّلُوا مَشهَدَ إِفَاضَتِهِ ﷺ مِن عَرَفَةَ إِلَى مُزدَلِفَةَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَمَعَهُ عَشَرَاتُ الآلَافِ مِنَ الرُّكبَانِ وَالمُشَاةِ! كَانَ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ إِذَا دَفَعُوا مِن عَرَفَةَ رَكَضُوا رَكضًا عَنِيفًا وَزَاحَمُوا النَّاسَ مُفَاخَرَةً وَاستِعجَالًا؛ فَمَاذَا صَنَعَ رَسُولُ الرَّحمَةِ وَالهُدَى ﷺ؟ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ مِن عَرَفَةَ وَقَد «شَنَقَ لِنَاقَتِهِ القَصوَاءِ زِمَامَهَا حَتَّى إِنَّ رَأسَهَا لَيُصِيبُ مَورِكَ رَحلِهِ» - أَي كَبَحَ جِمَاحَهَا وَجَذَبَ زِمَامَهَا بِقُوَّةٍ حَتَّى لَا تُسرِعَ فَتُؤذِيَ المَارَّةَ - وَهُوَ يُشِيرُ بِيَدِهِ الكَرِيمَةِ إِلَى النَّاسِ وَيُنَادِي: «أَيُّهَا النَّاسُ: السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ! فَإِنَّ البِرَّ لَيسَ بِالإِيضَاعِ»! وَالإِيضَاعُ هُوَ الإِسرَاعُ الشَّدِيدُ فِي السَّيرِ! وَكَانَ ﷺ يَسِيرُ سَيرًا هَادِئًا مُتَّزِنًا، حَتَّى إِذَا وَجَدَ «فَجوَةً» - أَي مُتَّسَعًا خَالِيًا مِنَ الزِّحَامِ - أَسرَعَ إِسرَاعًا مُعتَدِلًا لَا يَضُرُّ أَحَدًا!
اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا هَذَا الدَّرسَ المُرُورِيَّ النَّبَوِيَّ البَلِيغَ: يَكبَحُ زِمَامَ نَاقَتِهِ فِي الزِّحَامِ، وَيُنَادِي: «السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، فَإِنَّ البِرَّ لَيسَ بِالإِيضَاعِ»! فَلَيسَتِ البُطُولَةُ وَلَا المَهَارَةُ وَلَا الرُّجُولَةُ فِي التَّفحِيطِ وَالمُرَاوَغَةِ بَينَ السَّيَّارَاتِ، وَتَروِيعِ النِّسَاءِ وَالأَطفَالِ وَالشُّيُوخِ بِالأَبوَاقِ المُزعِجَةِ وَالأَنوَارِ العَالِيَةِ وَاللُّصُوقِ خَلفَ المَركَبَاتِ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي لَيلَى عَن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يُرَوِّعَ مُسلِمًا»!
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ لِلطَّرِيقِ فِي الإِسلَامِ حُقُوقًا عَظِيمَةً جَمَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ قَالَ: «أَعطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ»، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ، وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ»، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَإِرشَادُ السَّبِيلِ، وَإِغَاثَةُ المَلهُوفِ». وَإِنَّ مِن أَعظَمِ كَفِّ الأَذَى فِي الطَّرِيقِ اليَومَ: احتِرَامَ أَنظِمَةِ المُرُورِ؛ فَإِنَّ تِلكَ الإِشَارَاتِ وَالخُطُوطَ وَاللَّوحَاتِ لَم تُوضَع تَضييقًا عَلَى النَّاسِ، بَل وُضِعَت تَحقِيقًا لِمَقصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي حِفظِ الضَّرُورَاتِ الخَمسِ وَفِي مُقَدِّمَتِهَا حِفظُ النَّفسِ، وَقَاعِدَةُ الشَّرعِ المُتَّفَقُ عَلَيهَا كَمَا فِي الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»!
وَمَا أَجمَلَ أَن يَتَحَلَّى قَائِدُ المَركَبَةِ بِخُلُقِ «الحِلمِ وَالإِيثَارِ وَالعَفوِ» فِي زِحَامِ الطُّرُقَاتِ؛ فَإِذَا أَخطَأَ عَلَيكَ سَائِقٌ أَو تَجَاوَزَكَ بِجَهلٍ، فَلَا تَستَدرِجْكَ الشَّيَاطِينُ إِلَى مَطَارَدَتِهِ وَمُشَاتَمَتِهِ وَتَعريضِ الأَروَاحِ لِلهَلَاكِ انتِصَارًا لِلنَّفسِ، بَل تَذَكَّر وَصفَ اللهِ لِعِبَادِ الرَّحمَنِ فِي سُورَةِ الفُرقَانِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾!
وَلَقَد أَحسَنَ الشَّاعِرُ حِينَ دَعَا إِلَى التَّؤَدَةِ وَالأَنَاةِ فِي السَّيرِ فَقَالَ:
عَلَيكَ بِرفقِ السَّيرِ فِي كُلِّ مَسلَكٍ ... فَفِي الرِّفقِ مَنجَاةٌ وَفِي الطَّيشِ مَهلَكُ
وَلَا تَشغَلِ العَينَينِ عَن دَربِ سَائِرٍ ... فَكَم أَورَثَت غَفلاتُ عَينٍ مَنَاسِكُ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهُدَاهُ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الصَّحِيحَينِ: «الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ شُعبَةً، فَأَفضَلُهَا قَولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ». فَإِذَا كَانَت إِزَالَةُ الحَجَرِ وَالشَّوكَةِ عَنِ الطَّرِيقِ شُعبَةً مِن شُعَبِ الإِيمَانِ، فَكَيفَ بِكَفِّ أَذَى المَركَبَاتِ وَحِفظِ الأَروَاحِ فِيهَا؟! وَحَتَّى تَكُونَ قِيَادَتُنَا فِي طُرُقَاتِنَا عِبَادَةً وَأَمَانًا، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ:
الأُولَى: القَطعُ النِّهَائِيُّ لِاستِعمَالِ الهَاتِفِ الجَوَّالِ بِاليَدِ أَوِ البَصَرِ أَثنَاءَ القِيَادَةِ؛ فَاجعَل لِنَفسِكَ قَاعِدَةً صَارِمَةً لَا تَتَنَازَل عَنهَا أَبَدًا: لَا قِرَاءَةَ لِرِسَالَةٍ، وَلَا تَصَفُّحَ لِشَاشَةٍ، وَلَا تَصوِيرَ وَأَنتَ خَلفَ المِقوَدِ، وَإِن كَانَ هُنَاكَ أَمرٌ ضَرُورِيٌّ لَا يَحتَمِلُ التَّأجِيلَ فَقِفْ فِي مَكَانٍ آمِنٍ خَارِجَ الطَّرِيقِ ثُمَّ اقضِ حَاجَتَكَ؛ فَلَا تَعدِلُ رِسَالَةٌ فِي الدُّنيَا رُوحَ إِنسَانٍ!
الثَّانِيَةُ: التَّقَيُّدُ بِأَنظِمَةِ السَّلَامَةِ وَأَحزِمَةِ الأَمَانِ وَتَركُ السُّرعَةِ وَالتَّهَوُّرِ؛ فَالِالتِزَامُ بِالإِشَارَاتِ وَالسُّرعَاتِ المُحَدَّدَةِ وَرَبطُ حِزَامِ الأَمَانِ وَإِجلَاسُ الأَطفَالِ فِي مَقَاعِدِهِمُ المَخصُوصَةِ يَجِبُ أَن يَنبَعَ مِن تَقوَى اللهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، لَا مِن خَوفِ كَامِيرَاتِ الرَّصدِ وَالغَرَامَاتِ فَحَسبُ، مَعَ تَعَاهُدِ صِيَانَةِ المَركَبَةِ وَمَكَابِحِهَا وَإِطَارَاتِهَا قَبلَ كُلِّ سَفَرٍ.
الثَّالِثَةُ: رَحمَةُ المُشَاةِ وَإِعطَاءُ الأَولَوِيَّةِ لِلعَابِرِينَ وَالضُّعَفَاءِ؛ فَعِندَ مَعَابِرِ المُشَاةِ وَأَبوَابِ المَدَارِسِ وَالمَسَاجِدِ وَالمُستَشفَيَاتِ وَفِي أَيَّامِ المَطَرِ، خَفِّفْ سُرعَتَكَ، وَافسَحِ الطَّرِيقَ لِلكَبِيرِ وَالطِّفلِ وَالمَرأَةِ وَصَاحِبِ الحَاجَةِ، وَاحذَر مِن رشِّ المَارَّةِ بِمِيَاهِ الطَّرِيقِ أَو إِفزَاعِهِم بِصَوتِ المُنَبِّهِ.
الرَّابِعَةُ: عَدَمُ تَسليمِ السَّيَّارَةِ لِلقُصَّرِ وَغَيرِ المُؤَهَّلِينَ شَرعًا وَنِظَامًا؛ فَعَلَى الآبَاءِ أَن يَتَّقُوا اللهَ فِي أَولَادِهِم وَفِي أَروَاحِ النَّاسِ، فَلَا يُعطُوا مَفَاتِيحَ السَّيَّارَاتِ لِصِبيَةٍ صِغَارٍ لَم يَبلُغُوا سِنَّ الرُّشدِ وَالنِّظَامِ وَلَم يَتَدَرَّبُوا عَلَى القِيَادَةِ الآمِنَةِ، فَالوَالِدُ الَّذِي يُمَكِّنُ صَبِيًّا طَائِشًا مِنَ المَركَبَةِ شَرِيكٌ فِي الإِثمِ وَالضَّمَانِ إِذَا جَنَى عَلَى نَفسِهِ أَو غَيرِهِ.
الخَامِسَةُ: التَّحَلِّي بِالذِّكرِ وَالحِلمِ وَتَركُ الهُرُوبِ عِندَ وُقُوعِ الخَطَأِ؛ فَابدَأ رُكُوبَكَ بِدُعَاءِ السَّفَرِ وَالرُّكُوبِ، وَاخرُج لِمَوعِدِكَ مُبَكِّرًا حَتَّى لَا يَدفَعَكَ ضِيقُ الوَقتِ إِلَى العَجَلَةِ، وَإِن قُدِّرَ أَن أَخطَأتَ فَصَدَمتَ سَيَّارَةً وَاقِفَةً أَو أَتلَفتَ شَيئًا لِغَيرِكَ وَلَم يَرَكَ أَحَدٌ، فَإِيَّاكَ وَالهُرُوبَ! بَلِ اثبُت وَاتْرُك بَيَانَاتِكَ وَأَدِّ الحَقَّ لِصَاحِبِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَرَاكَ وَمَظَالِمَ العِبَادِ لَا تَسقُطُ بِالفِرَارِ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ العَفوَ وَالعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ احفَظنَا وَأَهلِينَا وَأَولَادَنَا وَالمُسلِمِينَ فِي حِلِّنَا وَتَرحَالِنَا، وَفِي غُدُوِّنَا وَرَوَاحِنَا، وَاصْرِف عَنَّا وَعَنهُم شَرَّ الحَوَادِثِ وَالفَوَاجِعِ وَالطَّوَارِقِ يَا خَيرَ الحَافِظِينَ. اللَّهُمَّ ارزُقنَا السَّكِينَةَ وَالوَقَارَ وَالحِلمَ وَالأَنَاةَ، وَجَنِّبنَا الطَّيشَ وَالعَجَلَةَ وَالغَفلَةَ وَالعدوَانَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ احفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ، وَوَفِّق وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ خَيرُ العِبَادِ وَالبِلَادِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
القِيَادَةُ أَمَانَةٌ وَحَقُّ الطَّرِيقِ: صِيَانَةُ الأَنفُسِ مِنَ التَّهَوُّرِ المُرُورِيِّ وَالانشِغَالِ بِالهَاتِفِ أَثنَاءَ السَّيرِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.