التَّهَاوُنُ بِالعِبَادَاتِ وَأَثَرُهُ فِي ضَيَاعِ هُوِيَّةِ الأُمَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حِفظِ شَعَائِرِ الإِسلَامِ وَخُطُورَةِ إِضَاعَةِ الصَّلَاةِ وَالفَرَائِضِ عَلَى عِزَّةِ المُسلِمِينَ
الحَمدُ للهِ الَّذِي صَبَغَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِصِبغَةِ التَّوحِيدِ وَالعُبُودِيَّةِ، وَأَعلَى مَنَارَهَا بِإِقَامَةِ الشَّعَائِرِ وَالفَرَائِضِ الشَّرعِيَّةِ، وَجَعَلَ عِزَّهَا وَبَقَاءَ هُوِيَّتِهَا مَنُوطًا بِطَاعَتِهِ وَالانقِيَادِ لِأَمرِهِ فِي البُكرَةِ وَالعَشِيَّةِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ الحَمِيدُ المَجِيدُ، وَأَشكُرُهُ عَلَى نِعمةِ الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ وَالتَّوفِيقِ لِلتَّسبيحِ وَالتَّحمِيدِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن عَرَفَ أَنَّ غَايَةَ وُجُودِهِ هِيَ عِبَادَةُ رَبِّهِ، وَأَنَّ ضَيَاعَ الإِنسَانِ وَتِيهَ الأَوطَانِ يَبدَأُ يَومَ يَنسَى العَبدُ حَقَّ خَالِقِهِ فَيُنسِيهِ اللهُ حَقِيقَةَ نَفسِهِ وَمَصَالِحَ قَلبِهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي جَعَلَ اللهُ قُرَّةَ عَينِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَنَى أُمَّةً عَظِيمَةً مِحْوَرُ حَيَاتِهَا المَسجِدُ، وَمِيزَانُ شَرَفِهَا السُّجُودُ، وَحِصنُ هُوِيَّتِهَا التَّمَسُّكُ بِفَرَائِضِ المَعبُودِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ كَانُوا رُهبَانًا بِاللَّيلِ فُرسَانًا بِالنَّهَارِ، فَحَفِظُوا الصَّلَاةَ وَالشَّعَائِرَ فَحَفِظَ اللهُ بِهِمُ الدِّينَ وَفَتَحَ عَلَى أَيدِيهِمُ الأَمصَارَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ القَرَارِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا المُسلِمُونَ وَنَفسِي المَقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهِيَ العُروَةُ الوُثقَى، وَالحِصنُ الأَبقَى، وَبِهَا تُحفَظُ الهُوِيَّةُ مِنَ الذَّوَبَانِ، وَتُصَانُ القُلُوبُ مِنَ الزَّيغِ وَالخُسرَانِ، وَاسمَعُوا إِلَى وَصِيَّةِ رَبِّكُم فِي مُحكَمِ سُورَةِ آلِ عِمرَانَ حَيثُ يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهَاجًا تُعرَفُ بِهِ، وَرَايَةً تَنتَسِبُ إِلَيهَا، وَهُوِيَّةً تُمَيِّزُهَا عَن سَائِرِ الأُمَمِ؛ فَمِنَ الأُمَمِ مَن جَعَلَت هُوِيَّتَهَا فِي عِرقٍ أَو دَمٍ، وَمِنهَا مَن جَعَلَت هُوِيَّتَهَا فِي أَرضٍ أَو لُغَةٍ أَو مَالٍ أَو مَظهَرٍ مَادِّيٍّ زَائِلٍ، أَمَّا أُمَّةُ الإِسلَامِ فَإِنَّ هُوِيَّتَهَا الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي صَنَعَت تَارِيخَهَا، وَوَحَّدَت شُعُوبَهَا، وَرَفَعَت فِي الآفَاقِ ذِكرَهَا، هِيَ هُوِيَّةُ العُبُودِيَّةِ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ! إِنَّهَا الصِّبغَةُ الرَّبَّانِيَّةُ الَّتِي يَصطبِغُ بِهَا قَلبُ المُسلِمِ وَقَالَبُهُ، وَوَقتُهُ وَعَملُهُ، وَبَيتُهُ وَمُجتَمَعُهُ، حَتَّى يُصبِحَ عَبدًا للهِ فِي كُلِّ نَفَسٍ مِن أَنفَاسِهِ. وَتَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ كَيفَ رَبَطَ القُرآنُ الكَرِيمُ بَينَ هُوِيَّةِ المُسلِمِ وَصِبغَتِهِ وَبَينَ العِبَادَةِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، حَيثُ قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.
فَمَن نَحْنُ أَيُّهَا المُسلِمُونَ إِذَا نُزِعَت مِن حَيَاتِنَا العِبَادَةُ؟ مَا الَّذِي يُمَيِّزُ مُجتَمَعَ المُسلِمِينَ عَن مُجتَمَعَاتِ المَادَّةِ وَالغَفلَةِ وَالإِلحَادِ إِذَا خَفَتَ فِي دِيَارِنَا صَوتُ الأَذَانِ، وَهُجِرَتِ المَسَاجِدُ، وَضُيِّعَتِ الصَّلَوَاتُ، وَمُنِعَتِ الزَّكَوَاتُ، وَاستُهِينَ بِالحِجَابِ وَالشَّعَائِرِ وَالحُرُمَاتِ؟ إِنَّ العِبَادَاتِ فِي الإِسلَامِ لَيسَت طُقُوسًا هَامِشِيَّةً تُؤَدَّى فِي زَوَايَا المَعَابِدِ ثُمَّ تَنفَصِلُ عَن مَسَارِ الحَيَاةِ، بَل هِيَ العَمُودُ الفِقرِيُّ لِهُوِيَّةِ الأُمَّةِ، وَالنِّظَامُ اليَومِيُّ الَّذِي يَضبِطُ إِيقَاعَ حَيَاتِهَا؛ فَالمُسلِمُ يَفتَتِحُ يَومَهُ بِصَلَاةِ الفَجرِ قَبلَ أَن تَطلُعَ الشَّمسُ، وَيَقطَعُ ضَجِيجَ التِّجَارَةِ وَالعَمَلِ لِيَقِفَ بَينَ يَدَي رَبِّهِ فِي الظُّهرِ وَالعَصرِ، وَيَستَقبِلُ لَيلَهُ بِالمَغرِبِ وَالعِشَاءِ، وَيَضبِطُ مَالَهُ بِالزَّكَاةِ، وَيَضبِطُ عَامَهُ بِشَهرِ الصِّيَامِ، وَتَتَوَحَّدُ قِبلَتُهُ مَعَ مَلَايِينِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا خَمسَ مَرَّاتٍ كُلَّ يَومٍ؛ فَتَبقَى هُوِيَّةُ الإِسلَامِ حَيَّةً نَابِضَةً فِي العُرُوقِ لَا تَغِيبُ وَلَا تَمُوتُ.
فَإِذَا تَسَلَّلَ التَّهَاوُنُ إِلَى هَذِهِ العِبَادَاتِ، وَاستَخَفَّ النَّاسُ بِأَوقَاتِهَا وَأَركَانِهَا وَخُشُوعِهَا، بَدَأَ الانسِلَاخُ البَطِيءُ مِنَ الهُوِيَّةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَوقَعَتِ الأُمَّةُ فِي أَخطَرِ دَاءٍ حَذَّرَ مِنهُ القُرآنُ الكَرِيمُ، وَهُوَ دَاءُ نِسيَانِ الذَّاتِ وَضَيَاعِ الهُوِيَّةِ بِسَبَبِ نِسيَانِ اللهِ وَتَركِ طَاعَتِهِ! اسمَعُوا بِقُلُوبِكُم إِلَى هَذِهِ القَاعِدَةِ القُرآنِيَّةِ الرَّهِيبَةِ فِي سُورَةِ الحَشرِ، حَيثُ يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
اللهُ أَكبَرُ! يَا لَهَا مِن آيَةٍ تَهتَزُّ لَهَا الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ! قَالَ إِمَامُ المُفَسِّرِينَ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفسِيرِهَا: «أَي لَا تَترُكُوا أَدَاءَ حَقِّ اللهِ الَّذِي أَوجَبَهُ عَلَيكُم مِن طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَيُعَاقِبَكُم بِأَن يُنسِيَكُم حُظُوظَ أَنفُسِكُم مِنَ الخَيرَاتِ وَمَا يَنفَعُهَا فِي مَعَادِهَا». وَتَأَمَّلَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ «مِفتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ» هَذَا الجَزَاءَ العَجِيبَ، فَبَيَّنَ أَنَّ مَن نَسِيَ رَبَّهُ وَتَهَاوَنَ بِعِبَادَتِهِ عَاقَبَهُ اللهُ بِأَن أَنسَاهُ ذَاتَهُ وَحَقِيقَتَهُ وَهُوِيَّتَهُ؛ فَلَم يَعرِفْ مَن هُوَ، وَلَا لِمَاذَا خُلِقَ، وَلَا مَا الَّذِي يُصلِحُهُ أَو يُفسِدُهُ، فَأَصبَحَ تَائِهًا شَرِيدًا ضَائِعَ الهُوِيَّةِ، يُقَلِّدُ كُلَّ نَاعِقٍ، وَيَنسَاقُ وَرَاءَ كُلِّ شَهوَةٍ، كَالسَّفِينَةِ الَّتِي فَقَدَت بُوصلَتَهَا وَمِرسَاتَهَا فِي بَحرٍ لُجِّيٍّ تَتَقَاذَفُهُ الأَموَاجُ!
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ ضَيَاعَ هُوِيَّةِ الأُمَمِ لَا يَقَعُ بَينَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا، وَلَا يَبدَأُ بِإِعلَانِ الكُفرِ الصَّرِيحِ، بَل يَبدَأُ خُطوَةً خُطوَةً بِالتَّهَاوُنِ فِي العِبَادَاتِ، وَتَأخِيرِ الصَّلَوَاتِ، وَتَفرِيغِ الشَّعَائِرِ مِن رُوحِهَا وَتَعظِيمِهَا. وَلَقَد كَشَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا هَذِهِ السُّنَّةَ الكَونِيَّةَ وَالتَّارِيخِيَّةَ فِي سُورَةِ مَريَمَ، حِينَ ذَكَرَ أَنبِيَاءَهُ الكِرَامَ وَبَيَّنَ حَالَهُم مَعَ العِبَادَةِ وَالبُكَاءِ وَالسُّجُودِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَلَّ بِالأَجيَالِ الَّتِي جَاءَت بَعدَهُم حِينَ تَهَاوَنَت بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
تَأَمَّلُوا هَذَا التَّرتِيبَ القُرآنِيَّ الدَّقِيقَ: أَضَاعُوا الصَّلَاةَ أَوَّلًا، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ الحَتمِيَّةُ أَنَّهُمُ اتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ وَذَابَت هُوِيَّتُهُمُ الإِيمَانِيَّةُ وَالأَخلَاقِيَّةُ! وَمَاذَا كَانَت حَقِيقَةُ إِضَاعَةِ الصَّلَاةِ عِندَ أُولَئِكَ الخَلفِ؟ أَخرَجَ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيرُهُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، كَمَا قَرَّرَهُ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ فِي «مَجمُوعِ الفَتَاوَى»، عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا إِضَاعَتُهَا؟ فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «تَأخِيرُهَا عَن وَقتِهَا»، فَقَالُوا لَهُ: مَا كُنَّا نَظُنُّ ذَلِكَ إِلَّا تَركَهَا! فَقَالَ ابنُ مَسعُودٍ: «لَو تَرَكُوهَا لَكَانُوا كُفَّارًا».
فَيَا للهِ العَجَبُ! إِذَا كَانَ تَأخِيرُ الصَّلَاةِ عَن وَقتِهَا وَالتَّهَاوُنُ فِي أَدَائِهَا قَد سَمَّاهُ اللهُ إِضَاعَةً لِلصَّلَاةِ، وَجَعَلَهُ بَوَّابَةً لِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَسُقُوطِ الأَجيَالِ فِي أَودِيَةِ الغَوَايَةِ وَالخَيبَةِ وَالخُسرَانِ؛ فَمَا بَالُكُم بِمَن يَترُكُ الصَّلَاةَ بِالكُلِّيَّةِ، أَو يَنَامُ عَن صَلَاةِ الفَجرِ الشُّهُورَ وَالأَعوَامَ، أَو يُقَدِّمُ عَلَى فَرِيضَةِ اللهِ مُبَارَاةً أَو سَهرَةً أَو تِجَارَةً أَو لَهوًا رَخِيصًا؟ أَيُّ هُوِيَّةٍ إِسلَامِيَّةٍ تَبقَى فِي بَيتٍ لَا يُسمَعُ فِيهِ تَكبِيرُ مُصَلٍّ، وَلَا تِلَاوَةُ قَارِئٍ، وَلَا يُوقَظُ أَبنَاؤُهُ لِلوقُوفِ بَينَ يَدَيِ اللهِ، بَينَمَا يُوقَظُونَ بِأَدَقِّ المَوَاعِيدِ لِلمَدَارِسِ وَالوَظَائِفِ وَالدُّنيَا الفَانِيَةِ؟
إِنَّ الصَّلَاةَ وَالعِبَادَةَ هِيَ آخِرُ خَطِّ دِفَاعٍ عَن هُوِيَّةِ الإِسلَامِ فِي قَلبِ العَبدِ وَفِي وَاقِعِ الأُمَّةِ؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِإِسنَادٍ جَيِّدٍ عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَتُنقَضَنَّ عُرَى الإِسلَامِ عُروَةً عُروَةً، فَكُلَّمَا انتَقَضَت عُروَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقضًا الحُكمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ». فَحِينَ يَتَهَاوَنُ النَّاسُ بِالصَّلَاةِ وَالعِبَادَاتِ، فَهُم يَقطَعُونَ العُروَةَ الأَخِيرَةَ الَّتِي تَربِطُهُم بِهُوِيَّتِهِم وَتَارِيخِهِم وَعِزَّتِهِم، فَإِذَا انتَقَضَتِ الصَّلَاةُ فَمَاذَا يَبقَى بَعدَهَا مِنَ الدِّينِ؟
وَلهَذَا كَانَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهُوَ الفَارُوقُ المُلْهَمُ الَّذِي أَسَّسَ دَواوِينَ الدَّولَةِ وَفَتَحَ المَمَالِكَ وَالإِمبِرَاطُورِيَّاتِ، يَعلَمُ عِلمَ اليَقِينِ أَنَّ هُوِيَّةَ الأُمَّةِ وَقُوَّتَهَا وَتَمَاسُكَهَا لَا تُحفَظُ بِالجُيُوشِ وَالأَموَالِ وَحدَهَا، بَل تُحفَظُ أَوَّلًا بِإِقَامَةِ العِبَادَةِ وَتَعظِيمِ الصَّلَاةِ؛ فَرَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ فِي «المُوَطَّأِ» بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ وَوُلَاتِهِ فِي الأَمصَارِ كِتَابًا رَسمِيًّا جَاءَ فِيهِ: «إِنَّ أَهَمَّ أَمرِكُم عِندِي الصَّلَاةُ؛ فَمَن حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَن ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضيَعُ».
اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا كَلِمَةَ الفَارُوقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَمَن ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضيَعُ»! مَن تَهَاوَنَ بِحَقِّ اللهِ الأَعظَمِ، كَيفَ يُؤتَمَنُ عَلَى هُوِيَّةِ أُمَّةٍ، أَو عَلَى شَرَفِ أُسرَةٍ، أَو عَلَى تَربِيَةِ جِيلٍ، أَو عَلَى أَمَانَةِ وَطَنٍ؟ إِنَّ التَّهَاوُنَ بِالعِبَادَاتِ يَكسِرُ فِي النَّفسِ هَيبَةَ الحُدُودِ الشَّرعِيَّةِ؛ فَالمُسلِمُ الَّذِي يَعتَادُ سَمَاعَ نِدَاءِ «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ» فَلَا يَتَحَرَّكُ لَهُ سَاكِنٌ، وَلَا يَشعُرُ بِوَخزِ الضَّمِيرِ الإِيمَانِيِّ، يَتلَبَّدُ إِحسَاسُهُ الدِّينِيُّ شَيئًا فَشَيئًا، حَتَّى يَهُونَ عَلَيهِ بَعدَ ذَلِكَ تَركُ سَائِرِ الوَاجِبَاتِ، وَتَهُونَ عَلَيهِ مُوَاقَعَةُ المُحَرَّمَاتِ، وَيَهُونَ عَلَيهِ التَّنَازُلُ عَن ثَوَابِتِ دِينِهِ وَهُوِيَّةِ أُمَّتِهِ أَمَامَ أَوَّلِ إِغرَاءٍ أَوِ امْتِحَانٍ!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ الطبيعَةَ البَشَرِيَّةَ لَا تَقبَلُ الفَرَاغَ؛ فَالقلبُ إِمَّا أَن يَمتَلِئَ بِتَعظِيمِ اللهِ وَتَعظِيمِ شَعَائِرِهِ وَالاعتِزَازِ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَإِمَّا أَن يَمتَلِئَ بِتَعظِيمِ الشَّرقِ أَوِ الغَربِ وَالانبِهَارِ بِثَقَافَاتِ الغَافِلِينَ وَالتَّبَعِيَّةِ العَميَاءِ لِأَعدَاءِ الدِّينِ! إِنَّ السَّبَبَ الأَوَّلَ لِمَا نَرَاهُ اليَومَ فِي بَعضِ شَبَابِنَا وَفَتَيَاتِنَا مِنِ اغتِرَابٍ رُوحِيٍّ، وَانسِحَاقٍ نَفسِيٍّ، وَتَقلِيدٍ أَعمَى لِغَيرِ المُسلِمِينَ فِي أَزيَائِهِم وَأَعيَادِهِم وَعَادَاتِهِم وَتَفَاهَاتِهِم وَأَفكَارِهِم المُنحَرِفَةِ، هُوَ الخَوَاءُ الرُّوحِيُّ النَّاتِجُ عَنِ التَّهَاوُنِ بِالعِبَادَاتِ!
حِينَ فَرَغَتِ القُلُوبُ مِن حَلَاوَةِ المُنَاجَاةِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، وَمِن لَذَّةِ السُّجُودِ وَتَدَبُّرِ القُرآنِ، وَمِن شَرَفِ الانتِمَاءِ إِلَى مَوكِبِ العَابِدِينَ السَّاجِدِينَ، شَعَرَتِ النُّفُوسُ بِالهَزِيمَةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالضَّيَاعِ، فَذَهَبَت تَبحَثُ عَن هُوِيَّةٍ مُستَعَارَةٍ زَائِفَةٍ فِي مَزَابِلِ الثَّقَافَاتِ المَادِّيَّةِ، فَوَقَعَ فِيهَا مَا أَخبَرَ عَنهُ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبلَكُم شِبرًا بِشِبرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَو سَلَكُوا جُحرَ ضَبٍّ لَسَلَكتُمُوهُ»، قُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَن؟!».
انظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى عُمقِ التَّشبيهِ النَّبَوِيِّ: «جُحرُ ضَبٍّ»! وَجُحرُ الضَّبِّ ضَيِّقٌ مُظلِمٌ مُلتَوٍ خَبِيثُ الرَّائِحَةِ لَا يَدخُلُهُ عَاقِلٌ، وَلَكِنَّ الأُمَّةَ حِينَ تَتَهَاوَنُ بِعِبَادَةِ رَبِّهَا الَّتِي هِيَ نُورُهَا وَفَضَاؤُهَا الفَسِيحُ، تُصَابُ بِالعَمَى البَصِيرِيِّ وَفِقدَانِ الهُوِيَّةِ، فَتَزحَفُ خَلفَ الأُمَمِ الضَّالَّةِ حَتَّى فِي أَضيَقِ الجُحُورِ وَأَقبَحِ المَسَالِكِ!
وَلَقَد بَيَّنَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ حِفظَ شَعَائِرِ العِبَادَةِ وَتَعظِيمَهَا هُوَ المِقيَاسُ الحَقِيقِيُّ لِحَيَاةِ القُلُوبِ وَقُوَّةِ الهُوِيَّةِ الإِيمَانِيَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. فَالشَّعَائِرُ التَّعَبُّدِيَّةُ مِن أَذَانٍ وَصَلَاةِ جَمَاعَةٍ وَجُمُعَةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ وَذِكرٍ وَحِجَابٍ هِيَ أَعلَامُ الإِسلَامِ الظَّاهِرَةُ الَّتِي تَحفَظُ لِلمُجتَمَعِ صِبغَتَهُ وَهُوِيَّتَهُ؛ فَكُلَّمَا عُظِّمَت هَذِهِ الشَّعَائِرُ فِي القُلُوبِ وَالوَاقِعِ، عَظُمَت هَيبَةُ الإِسلَامِ وَثَبَتَت هُوِيَّةُ أَهلِهِ، وَكُلَّمَا هَانَت هَذِهِ الشَّعَائِرُ وَتُهُووِنَ بِهَا، ذَبُلَت شَجَرَةُ الإِيمَانِ وَتَآكَلَت هُوِيَّةُ المُجتَمَعِ مِنَ الدَّاخِلِ.
إِنَّ التَّهَاوُنَ بِالعِبَادَاتِ يَا عِبَادَ اللهِ لَهُ صُوَرٌ خَفِيَّةٌ وَجَلِيَّةٌ نَحتَاجُ إِلَى مُصَارَحَةِ أَنفُسِنَا بِهَا قَبلَ فَوَاتِ الأَوَانِ:
فَمِن أَخطَرِ صُوَرِ هَذَا التَّهَاوُنِ: التَّفرِيطُ فِي صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلَاةِ الجَمَاعَةِ فِي المَسَاجِدِ؛ حَيثُ أَصبَحَ السَّهَرُ عَلَى الشَّاشَاتِ وَالهَوَاتِفِ وَالمَلاهِي يَسرِقُ أَعمَارَ المَلَايِينِ مِنَ المُسلِمِينَ، فَيَنَامُونَ قُبَيلَ الفَجرِ أَو بَعدَهُ دُونَ أَن يَركَعُوا للهِ رَكعَةً، وَيَستَيقِظُونَ وَقَد بَالَ الشَّيطَانُ فِي آذَانِهِم، وَعَقَدَ عَلَى قَوَافِيهِم عُقَدَ الكَسَلِ وَالخُبثِ وَالغَفلَةِ؛ فَبِأَيِّ رُوحٍ وَبِأَيِّ هُوِيَّةٍ يَبدَأُ يَومَهُ مَن خَانَ عَهدَ الفَجرِ وَقَاطَعَ نِدَاءَ السَّمَاءِ؟
وَمِن صُوَرِ التَّهَاوُنِ بِالعِبَادَاتِ: أَدَاءُ العِبَادَاتِ جَسَدًا بِلَا رُوحٍ، وَحَرَكَاتٍ سَرِيعَةً بِلَا خُشُوعٍ وَلَا حُضُورِ قَلبٍ؛ فَتَرَى الرَّجُلَ يَدخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَبَصَرُهُ يَجُولُ، وَفِكرُهُ فِي أَودِيَةِ الدُّنيَا يَصُولُ، يَنقُرُ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ نَقرَ الغُرَابِ، ثُمَّ يَخرُجُ مِن صَلَاتِهِ كَمَا دَخَلَ فِيهَا، لَم تَنهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ، وَلَم تَترُكْ فِي سُلُوكِهِ وَلَا فِي مُعَامَلَاتِهِ أَثَرًا مِن أَمانَةٍ أَو صِدقٍ أَو عِفَّةٍ! وَقَد ثَبَتَ فِي المَوطَّأِ وَغَيرِهِ أَنَّ الرَّجُلَ قَد يُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً لَا تُقبَلُ لَهُ صَلَاةٌ؛ لِأَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ، أَو يُتِمُّ السُّجُودَ وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ! وَحِينَ تَتَحَوَّلُ العِبَادَةُ إِلَى عَادَةٍ مَيتَةٍ لَا تُغَيِّرُ الأَخلَاقَ وَلَا تُزَكِّي النُّفُوسَ، يَحدُثُ الفِصَامُ النَّكِدُ بَينَ الشَّعِيرَةِ وَالسُّلُوكِ، فَيَفقِدُ المُسلِمُ هُوِيَّتَهُ الأَخلَاقِيَّةَ الَّتِي هِيَ ثَمَرَةُ العِبَادَةِ الصَّحِيحَةِ؛ إِذِ الصَّلَاةُ الحَقَّةُ هِيَ الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا فِي سُورَةِ العَنكَبُوتِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
وَمِن صُوَرِ التَّهَاوُنِ بِالعِبَادَاتِ الَّتِي تُضَيِّعُ هُوِيَّةَ الأُمَّةِ: إِهمَالُ تَنشِئَةِ الأَبنَاءِ وَالأَجيَالِ النَّاشِئَةِ عَلَى العِبَادَةِ مُنذُ الصِّغَرِ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ يَحرِصُونَ أَشَدَّ الحِرصِ عَلَى طَعَامِ أَولَادِهِم وَشَرَابِهِم وَكِسوَتِهِم وَشَهَادَاتِهِم الدُّنيَوِيَّةِ، وَيَتَأَلَّمُونَ أَشَدَّ الأَلَمِ إِذَا نَقَصَت دَرَجَةُ أَحَدِهِم فِي اختِبَارٍ دِرَاسِيٍّ، لَكِنَّهُم لَا يَتَأَلَّمُونَ إِذَا بَلَغَ الابنُ عَشرَ سِنِينَ أَو خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً وَهُوَ لَا يَعرِفُ طَرِيقَ المَسجِدِ، وَلَا يُحسِنُ الوُضُوءَ، وَلَا يَقرَأُ القُرآنَ، وَلَا تَتَمَعَّرُ وُجُوهُهُم إِذَا رَأَوهُ نَائِمًا عَنِ الصَّلَاةِ! وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَلِكُلِّ أَبٍ وَمُرَبٍّ فِي سُورَةِ طَهَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.
لَم يَقُلْ سُبحَانَهُ: مُرْ أَهلَكَ بِالصَّلَاةِ مَرَّةً ثُمَّ اترُكْهُم، بَل قَالَ: «وَاصطَبِرْ عَلَيهَا»! لِأَنَّ غَرسَ الهُوِيَّةِ التَّعَبُّدِيَّةِ فِي قُلُوبِ الأَبنَاءِ يَحتَاجُ إِلَى مُصَابَرَةٍ يَومِيَّةٍ، وَقُدوَةٍ عَمَلِيَّةٍ، وَمُتَابَعَةٍ حَنُونَةٍ حَازِمَةٍ، حَتَّى تَمتَزِجَ العِبَادَةُ بِلَحمِهِم وَدَمِهِم، فَيَنشَؤُوا مُعتَزِّينَ بِدِينِهِم، ثَابِتِينَ عَلَى هُوِيَّتِهِم، لَا تَهُزُّهُم رِيَاحُ الشُّبُهَاتِ وَلَا أَعَاصِيرُ الشَّهَوَاتِ.
عِبَادَ اللهِ: اقرَؤُوا تَارِيخَ أُمَّتِكُمُ المَجِيدَ؛ فَوَاللهِ مَا انتَصَرَت هَذِهِ الأُمَّةُ يَومًا بِكَثرَةِ عَدَدٍ وَلَا بِوَفرَةِ عَتَادٍ، وَإِنَّمَا انتَصَرَت وَحَفِظَت هُوِيَّتَهَا وَقَادَتِ العَالَمَ يَومَ كَانَتِ العِبَادَةُ هِيَ رُوحَ حَيَاتِهَا وَسِرَّ قُوَّتِهَا! لَقَد كَانَ أَعدَاءُ الإِسلَامِ إِذَا أَرَادُوا أَن يَختَبِرُوا قُوَّةَ جَيشِ المُسلِمِينَ أَرسَلُوا عُيُونَهُم لِيَنظُرُوا إِلَى حَالِهِم فِي اللَّيلِ؛ فَإِذَا رَأَوهُم قَائِمِينَ سَاجِدِينَ بَاكِينَ بَينَ يَدَيِ اللهِ، يتلُونَ آيَاتِهِ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيهِ، رَجَعُوا إِلَى قَادَتِهِم وَقَالُوا: لَا طَاقَةَ لَكُم بِقَومٍ هُم رُهبَانٌ بِاللَّيلِ فُرسَانٌ بِالنَّهَارِ!
وَفِي التَّارِيخِ المَعَاصِرِ يَومَ حَاوَلَ المُستَعمِرُونَ طَمسَ هُوِيَّةِ الشُّعُوبِ الإِسلَامِيَّةِ فِي الشَّرقِ وَالغَربِ وَفِي بِلَادِ المَغرِبِ الإِسلَامِيِّ وَآسِيَا الوُسطَى، مَا الَّذِي حَفِظَ هُوِيَّةَ تِلكَ الشُّعُوبِ مِنَ الذَّوَبَانِ وَالتَّنصِيرِ وَالتَّغرِيبِ عَبرَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ مِنَ القَهرِ وَالطُّغيَانِ؟ لَقَد حَفِظَتْهَا المَسَاجِدُ وَالكَتَاتِيبُ القُرآنِيَّةُ، وَحَفِظَتْهَا الأُمُّ المُسلِمَةُ الصَّالِحَةُ الَّتِي كَانَت تُوقِظُ أَبنَاءَهَا فِي جَوفِ اللَّيلِ لِيَتَوَضَّؤُوا وَيُصَلُّوا وَيَحفَظُوا كِتَابَ اللهِ، فَتَحَطَّمَت جُيُوشُ الِاستِعمَارِ عَلَى صَخرَةِ السَّجَّادَةِ وَالمُصحَفِ وَالمِئذَنَةِ!
وَصَدَقَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي كَلِمَتِهِ الخَالِدَةِ الَّتِي رَوَاهَا الحَاكِمُ فِي «المُستَدرَكِ» بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ الشَّيخَينِ عَن طَارِقِ بنِ شِهَابٍ، حِينَ خَاطَبَ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَائِلًا: «إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَومٍ فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسلَامِ، فَمَهمَا نَطلُبُ العِزَّةَ بِغَيرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللهُ». وَأَيُّ إِسلَامٍ يَبقَى بِلَا صَلَاةٍ وَلَا زَكَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا عُبُودِيَّةٍ خَالِصَةٍ للهِ؟ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعتُم بِالعِينَةِ، وَأَخَذتُم أَذنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُم بِالزَّرعِ، وَتَرَكتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيكُم ذُلًّا لَا يَنزِعُهُ حَتَّى تَرجِعُوا إِلَى دِينِكُم». فَالذُّلُّ وَالهَوَانُ وَضَيَاعُ الهُوِيَّةِ عُقُوبَةٌ إِلهِيَّةٌ لِمَن هَجَرَ فَرَائِضَ الدِّينِ وَاستَغرَقَ فِي شَهَوَاتِ الطِّينِ، وَلَا خَلَاصَ وَلَا عِزَّةَ وَلَا استِردَادَ لِلهُوِيَّةِ وَالمَكَانَةِ إِلَّا بِالرُّجُوعِ الصَّادِقِ إِلَى دِينِ اللهِ وَإِقَامَةِ عِبَادَتِهِ فِي القُلُوبِ وَالبُيُوتِ وَالمُجتَمَعَاتِ.
وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ شَرطَ التَّمكِينِ فِي الأَرضِ وَثَمَرَتَهُ الأُولَى إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. فَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالعِبَادَاتِ تَتَّصِلُ الأَرضُ بِالسَّمَاءِ، وَتَستَمِدُّ الأُمَّةُ قُوَّتَهَا مِنَ القَوِيِّ العَزِيزِ، وَتَثبُتُ هُوِيَّتُهَا الرَّبَّانِيَّةُ نُورًا يَهدِي الحَائِرِينَ، وَرَحمَةً تُنقِذُ العَالَمِينَ.
نَفَعَنِي اللهُ وَإِيَّاكُم بِالهَديِ القُرآنِيِّ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَجَارَنَا مِنَ الغَفلَةِ وَالتَّهَاوُنِ بِالشَّعَائِرِ المَرعِيَّةِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَتَقصِيرٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ العِبَادَةَ حَيَاةً لِلأَروَاحِ، وَمِفتَاحًا لِلنَّصرِ وَالعِزَّةِ وَالفَلَاحِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَالِقُ الإِصبَاحِ، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ العَابِدِينَ وَقُدوَةُ الصَّالِحِينَ، الَّذِي كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَكَانَ يَقُولُ لِبِلَالٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَرِحنَا بِهَا يَا بِلَالُ»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهُدَاهُ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ استِعَادَةَ هُوِيَّةِ الأُمَّةِ وَحِمَايَةَ أَجيَالِهَا مِنَ التِّيهِ وَالذَّوَبَانِ لَا تَتِمُّ بِالشِّعَارَاتِ الرَّنَّانَةِ وَلَا بِالحَسرَةِ وَالبُكَاءِ عَلَى الأَطلَالِ، وَإِنَّمَا تَبدَأُ مِن إِحيَاءِ العُبُودِيَّةِ الحَقَّةِ فِي نُفُوسِنَا وَبُيُوتِنَا وَمَسَاجِدِنَا وَأَسوَاقِنَا.
فَيَا أَيُّهَا المُسلِمُ الغَيُورُ عَلَى دِينِهِ وَهُوِيَّةِ أُمَّتِهِ: ابدَأْ بِنَفسِكَ السَّاعَةَ؛ فَجَدِّدْ عَهدَكَ مَعَ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ فِي جَمَاعَةِ المَسجِدِ، وَاجعَلِ الصَّلَاةَ مِحْوَرَ يَومِكَ الَّذِي تَدُورُ حَولَهُ جَمِيعُ أَعمَالِكَ وَمَوَاعِيدِكَ، فَلَا تُؤَخِّرْ صَلَاةً عَن وَقتِهَا مَهمَا كَانَتِ الشَّوَاغِلُ، وَاستَحضِرْ عَظَمَةَ مَن تَقِفُ بَينَ يَدَيهِ، وَاجعَلْ لَكَ وِردًا يَومِيًّا ثَابِتًا مِن كِتَابِ اللهِ لَا تَهجُرُهُ أَبَدًا، وَرَكَعَاتٍ فِي جَوفِ اللَّيلِ تَشكُو فِيهَا إِلَى رَبِّكَ ضَعفَكَ وَتَقصِيرَكَ؛ فَإِنَّ العَبدَ إِذَا عَمَرَ مَا بَينَهُ وَبَينَ اللهِ بِالعِبَادَةِ وَالإِخلَاصِ، كَفَاهُ اللهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ النَّاسِ، وَمَلَأَ قَلبَهُ عِزَّةً وَطُمَأنِينَةً وَثَبَاتًا.
وَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ وَالمُرَبُّونَ: اجعَلُوا بُيُوتَكُم قِلَاعًا لِلعِبَادَةِ وَحُصُونًا لِلهُوِيَّةِ الإِسلَامِيَّةِ؛ أَحيُوا فِيهَا السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ، وَتِلَاوَةَ القُرآنِ، وَأَذكَارَ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ، وَاصطَحِبُوا أَبنَاءَكُم إِلَى بُيُوتِ اللهِ حَتَّى تَرتَبِطَ قُلُوبُهُم بِالمَسَاجِدِ، وَعَلِّمُوهُم أَنَّ شَرَفَهُم وَمَجدَهُم وَهُوِيَّتَهُم فِي سُجُودِهِم للهِ وَاتِّبَاعِهِم لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، لَا فِي تَقلِيدِ التَّافِهِينَ وَالمُنحَلِّينَ. ذَكِّرُوهُم بِوَصِيَّةِ اللهِ لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
أَلَا فَأَقبِلُوا عَلَى رَبِّكُم إِقبَالَ المُنِيبِينَ، وَعَظِّمُوا شَعَائِرَ دِينِكُم تَعظِيمَ الصَّادِقِينَ، وَتَمَسَّكُوا بِعُرَى إِسلَامِكُم تَمَسُّكَ المُوقِنِينَ، وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُم بِأَمرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ المُسَبِّحَةِ بِقُدسِهِ، وَثَلَّثَ بِكُم أَيُّهَا المُؤمِنُونَ مِن جِنِّهِ وَإِنسِهِ، فَقَالَ قَولًا كَرِيمًا فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَدَمِّر أَعدَاءَ الدِّينِ، وَاحفَظ عَلَى أُمَّتِنَا دِينَهَا وَإِيمَانَهَا وَهُوِيَّتَهَا وَشَعَائِرَهَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ رُدَّنَا وَالمُسلِمِينَ إِلَيكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَأَيقِظ قُلُوبَنَا مِن رَقدَةِ الغَافِلِينَ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ. اللَّهُمَّ اجعَل قُرَّةَ أَعيُنِنَا فِي الصَّلَاةِ، وَاجعَلنَا مُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّاتِنَا رَبَّنَا وَتَقَبَّل دُعَاءَنَا. اللَّهُمَّ حَبِّب إِلَينَا وَإِلَى شَبَابِنَا وَفَتَيَاتِنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّه إِلَينَا الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَاجعَلنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ أَصلِح أَحوَالَ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاحقِن دِمَاءَهُم، وَآمِن رَوعَاتِهِم، وَاستُر عَورَاتِهِم، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
التَّهَاوُنُ بِالعِبَادَاتِ وَأَثَرُهُ فِي ضَيَاعِ هُوِيَّةِ الأُمَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حِفظِ شَعَائِرِ الإِسلَامِ وَخُطُورَةِ إِضَاعَةِ الصَّلَاةِ وَالفَرَائِضِ عَلَى عِزَّةِ المُسلِمِينَ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.