من مكتبة مِداد الخطيب

التَّرهِيبُ مِن جَرِيمَةِ قَذفِ المُحصَنَاتِ وَصِيَانَةُ الأَعرَاضِ فِي الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ الطَّعنِ فِي العَفِيفَاتِ الغَافِلَاتِ وَعَاقِبَةِ القَاذِفِينَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ

مشاركة
التَّرهِيبُ مِن جَرِيمَةِ قَذفِ المُحصَنَاتِ وَصِيَانَةُ الأَعرَاضِ فِي الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ الطَّعنِ فِي العَفِيفَاتِ الغَافِلَاتِ وَعَاقِبَةِ القَاذِفِينَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ الحَمدُ للهِ الغَيُورِ عَلَى حُرُمَاتِهِ، المُنَزَّهِ فِي ذَاتِهِ وَأَسمَائِهِ وَصِفَائِهِ، الَّذِي صَانَ أَعرَاضَ عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ بِمَحكَمِ تَشرِيعَاتِهِ، وَتَوَعَّدَ الخَائِضِينَ فِي شَرَفِ العَفِيفَاتِ الغَافِلَاتِ بِأَلِيمِ سَخَطِهِ وَعَظِيمِ نِقَمَاتِهِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ الذَّاكِرِينَ، وَنَستَغفِرُهُ استِغفَارَ التَّائِبِينَ المُنيبِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الرَّقِيبُ الشَّهِيدُ الَّذِي يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، وَيُحصِي عَلَى الخَلَائِقِ دَقَائِقَ الكَلِمَاتِ وَالأُمُورِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَزكَى البَرِيَّةِ نَفسًا، وَأَطْهَرُهُم عِرضًا، وَأَعظَمُهُم صِيَانَةً لِحُرُمَاتِ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِ بَيتِهِ الأَطهَارِ، وَأَزوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ المُبَرَّآتِ مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الأَبرَارِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَتَقوَى اللهِ هِيَ الحِصنُ الحَصِينُ مِن مَصَارِعِ الهَوَى، وَالزِّمَامُ العَاصِمُ مِن فَلَتَاتِ اللِّسَانِ وَزَلَّاتِ الرَّدَى، كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ بَقولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وَنَادَانَا فِي سُورَةِ الأَحزَابِ مُبَيِّنًا أَنَّ صَلَاحَ الأَعمَالِ وَغُفرَانَ الذُّنُوبِ مَرهُونَانِ بِتَقوَى القُلُوبِ وَسَدَادِ الأَلسِنَةِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: تَأَمَّلُوا مَعِي مَشهَدَ بَيتٍ مُسلِمٍ مَستُورٍ، يَعِيشُ أَهلُهُ فِي كَنَفِ العَفَافِ وَالسَّكِينَةِ، وَتَقُومُ فِيهِ امرَأَةٌ مُحصَنَةٌ طَاهِرَةٌ قَد صَانَت نَفسَهَا، وَحَفِظَت غَيبَةَ زَوجِهَا، وَغَضَّت طَرفَهَا عَنِ الحَرَامِ، غَافِلَةً عَن مَسَالِكِ الفُحشِ وَدُرُوبِ الرَّذِيلَةِ؛ ثُمَّ فِي لَحظَةِ طَيشٍ أَو حَسَدٍ أَو خُصُومَةٍ فَاجِرَةٍ، يَنطَلِقُ لِسَانٌ لَا يَخَافُ اللهَ وَلَا يَستَحضِرُ وُقُوفَهُ بَينَ يَدَيهِ، فَيَرمِي تِلكَ الحُرَّةَ العَفِيفَةَ فِي شَرَفِهَا وَعِفَّتِهَا بِتُهمَةٍ بَاطِلَةٍ أَو كَلِمَةٍ قَاذِفَةٍ آثِمَةٍ! فِي طَرفَةِ عَينٍ يَنقَلِبُ ذَلِكَ البَيتُ الآمِنُ إِلَى جَحِيمٍ لَا يُطَاقُ، وَتُذبَحُ تِلكَ النَّفسُ البَرِيئَةُ ذَبحًا مَعنَوِيًّا هُوَ أَشَدُّ وَقعًا عَلَى الحُرِّ مِن حَدِّ السُّيُوفِ، وَتَنكَسِرُ قُلُوبُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَالأَزوَاجِ وَالأَبنَاءِ، وَتَتَصَدَّعُ الأُسَرُ، وَتُزرَعُ الأَحقَادُ وَالثَّأرَاتُ الَّتِي قَد تُسفَكُ بِسَبَبِهَا الدِّمَاءُ المَعصُومَةُ! فَسَلُوا أَنفُسَكُم يَا عِبَادَ اللهِ: أَيُّ جَرِيمَةٍ فِي الأَرضِ أَبشَعُ مِن هَذَا العدوانِ الغَادِرِ عَلَى الشَّرَفِ الطَّاهِرِ؟ وَأَيُّ ظُلمٍ أَغلَظُ عِندَ اللهِ مِن هَتكِ أَستَارِ الأَبرِيَاءِ وَالبَرِيئَاتِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا بُرهَانٍ؟ إِنَّهَا الجَرِيمَةُ الَّتِي نَقِفُ مَعَهَا اليَومَ مُحَذِّرِينَ وَمُرهِّبِينَ: جَرِيمَةُ قَذفِ المُحصَنَاتِ وَالمُحصَنِينَ، وَالخَوضِ البَاطِلِ فِي أَعرَاضِ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ؛ تِلكَ الجَرِيمَةُ الَّتِي تَسَاهَلَ فِي أَلفَاظِهَا بَعضُ الجُهَلَاءِ عِندَ الغَضَبِ وَالشِّجَارِ، أَو عَبرَ التَّعلِيقَاتِ وَالمَنَصَّاتِ الرَّقَمِيَّةِ، وَهُم يَحسَبُونَهَا كَلِمَةً هَيِّنَةً تَطِيرُ فِي الهَوَاءِ، وَهِيَ عِندَ الجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ عَظِيمَةٌ تَهدِمُ الدِّينَ وَتُورِدُ صَاحِبَهَا مَوَارِدَ الهَلَاكِ! عِبَادَ اللهِ: لَقَد أَعلَت شَرِيعَةُ الإِسلَامِ مَكَانَةَ العِرضِ إِعلَاءً لَم تَعرِفهُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، فَجَعَلَت حِفظَ العِرضِ وَالنَّسَبِ أَحَدَ الكُلِّيَّاتِ الخَمسِ الكُبرَى الَّتِي اتَّفَقَت عَلَى صِيَانَتِهَا شَرَائِعُ الأَنبِيَاءِ جَمِيعًا! وَلِذَلِكَ لَمَّا وَقَفَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي مَجمَعِ الحَجِيجِ الأَعظَمِ يَومَ النَّحرِ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، يُودِّعُ أُمَّتَهُ وَيُرَسِّخُ لَهَا أُصُولَ دِينِهَا، قَرَنَ حُرمَةَ العِرضِ بِحُرمَةِ الدَّمِ وَالمَالِ، وَشَبَّهَهَا بِأَعظَمِ الحُرُمَاتِ الزَّمَانِيَّةِ وَالمَكَانِيَّةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وَأَعرَاضَكُم عَلَيكُم حَرَامٌ، كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا، فِي شَهرِكُم هَذَا». وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَرسَى هَذَا السِّيَاجَ المَنِيعَ بِقَولِهِ: «كُلُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرضُهُ». بَل إِنَّ الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا نَظَرَ يَومًا إِلَى الكَعبَةِ المُعَظَّمَةِ كَمَا أَخرَجَ التِّرمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، فَقَالَ: «مَا أَعظَمَكِ وَأَعظَمَ حُرمَتَكِ! وَالمُؤمِنُ أَعظَمُ حُرمَةً عِندَ اللهِ مِنكِ»! فَمَن مَدَّ لِسَانَهُ إِلَى عِرضِ مُؤمِنٍ أَو مُؤمِنَةٍ بِالبُهتَانِ وَالقَذفِ، فَقَد هَدَمَ حُرمَةً هِيَ عِندَ اللهِ أَعظَمُ مِن حُرمَةِ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ القَذفَ فِي شَرِيعَةِ اللهِ هُوَ رَميُ المُحصَنِ أَوِ المُحصَنَةِ بِالزِّنَا أَوِ الفَاحِشَةِ أَو نَفيِ النَّسَبِ صَرَاحَةً أَو كِنَايَةً يُفهَمُ مِنهَا ذَلِكَ؛ وَلِشَنَاعَةِ هَذَا الجُرمِ وَفَظَاعَةِ آثَارِهِ عَلَى الفَردِ وَالأُسرَةِ وَالمُجتَمَعِ، جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي طَلِيعَةِ السَّبعِ المُوبِقَاتِ؛ أَيِ الكَبَائِرِ المُهلِكَاتِ الَّتِي تُردِي فاعِلَهَا فِي النَّارِ، فَقَرَنَهُ بِالشِّركِ بِاللهِ وَالسِّحرِ وَقَتلِ النَّفسِ! فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ»، وَذَكَرَ مِنهُنَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَقَذفُ المُحصَنَاتِ المُؤمِنَاتِ الغَافِلَاتِ». قِفُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ عِندَ هَذِهِ الأَلفَاظِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي تُصَوِّرُ بَشَاعَةَ الجِنَايَةِ: «المُحصَنَاتِ المُؤمِنَاتِ الغَافِلَاتِ»! فَالمَرأَةُ المُحصَنَةُ قَد تَحَصَّنَت بِإِيمَانِهَا وَعَفَافِهَا وَحَيَائِهَا، وَهِيَ غَافِلَةٌ عَنِ الفَوَاحِشِ، نَقِيَّةُ السَّرِيرَةِ، لَا تَخطُرُ الرَّذِيلَةُ لَهَا عَلَى بَالٍ، فَيَأتِي ذَلِكَ اللِّسَانُ الأَثِيمُ فَيَطعَنُهَا مِن خَلفِ ظَهرِهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ بَرِيئَةٌ! وَقد أَجمَعَ عُلَمَاءُ الإِسلَامِ قَاطِبَةً كَمَا نَقَلَ الإِجمَاعَ الإِمَامُ ابنُ المُنذِرِ وَابنُ قُدَامَةَ وَالنَّوَوِيُّ وَالقُرطُبِيُّ رَحِمَهُمُ اللهُ عَلَى أَنَّ قَذفَ الرِّجَالِ المُحصَنِينَ الأَعِفَّاءِ كَقَذفِ النِّسَاءِ المُحصَنَاتِ العَفِيفَاتِ فِي التَّحرِيمِ وَالإِثمِ وَالحَدِّ الشَّرعِيِّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَإِنَّمَا خُصَّتِ النِّسَاءُ بِالذِّكرِ فِي النُّصُوصِ لِأَنَّ الطَّعنَ فِي شَرَفِ المَرأَةِ أَوجَعُ لِقَلبِهَا، وَأَشَدُّ إِيلَامًا لِأَهلِهَا، وَأَسرَعُ إِلَى أَلسِنَةِ السُّفَهَاءِ عِندَ الخُصُومَاتِ! عِبَادَ اللهِ: إِذَا أَرَدتُم أَن تَعلَمُوا مِقدَارَ غَضَبِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى القَاذِفِينَ الهَاتِكِينَ لِلأَعرَاضِ، فَانظُرُوا إِلَى مَا حَكَمَ اللهُ بِهِ عَلَيهِم فِي سُورَةِ النُّورِ؛ إِذ جَمَعَ اللهُ عَلَى القَاذِفِ الَّذِي يَرمِي المُحصَنَاتِ بِلَا أَربَعَةِ شُهَدَاءَ ثَلَاثَ عُقُوبَاتٍ صَارِمَةٍ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، حَيثُ قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مَطلَعِ سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾! تَدَبَّرُوا يَا عِبَادَ اللهِ هَذَا التَّشْدِيدَ الإِلَهِيَّ العَجِيبَ: أَوَّلًا: اشترَطَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِثبَاتِ هَذِهِ الجَرِيمَةِ أَربَعَةَ شُهَدَاءَ عُدُولٍ؛ بَينَمَا سَائِرُ الحُقُوقِ وَالدِّمَاءِ وَالأَموَالِ تَثبُتُ بِشَاهِدَينِ اثنَينِ! وَلِمَاذَا جَعَلَ اللهُ النِّصَابَ هُنَا أَربَعَةَ شُهَدَاءَ يَرَونَ الفَاحِشَةَ رَأيَ العَينِ؟ صِيَانَةً لِلأَعرَاضِ، وَتَغلِيقًا لِأَبوَابِ الإِشَاعَاتِ، وَسَترًا عَلَى العِبَادِ، وَقطعًا لِأَلسِنَةِ المُتَطَفِّلِينَ وَالفُضُولِيِّينَ! حَتَّى لَو أَنَّ ثَلَاثَةً مِنَ النَّاسِ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَوِ امرَأَةٍ بِالزِّنَا وَلَم يَكتَمِلوا أَربَعَةً، لَجُلِدَ الثَّلَاثَةُ حَدَّ القَذفِ كَمَا فَعَلَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي القِصَّةِ المَشهُورَةِ فِي البَصرَةِ! وَثَانِيًا: أَوجَبَ اللهُ عَلَى القَاذِفِ عُقُوبَةً بَدَنِيَّةً رَادِعَةً وَهِيَ جَلدُهُ ثَمَانِينَ جَلدَةً، ثُمَّ أَتبَعَهَا بِعُقُوبَةٍ مَعنَوِيَّةٍ قَضَائِيَّةٍ تُسقِطُ كَلِمَتَهُ فِي المُجتَمَعِ وَهِيَ رَدُّ شَهَادَتِهِ، ثُمَّ خَتَمَهَا بِوَصمَةٍ شَرعِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ وَهِيَ الحُكمُ عَلَيهِ بِالفِسقِ وَالكَذِبِ عِندَ اللهِ مَا لَم يَتُب وَيُصلِح وَيُكَذِّب نَفسَهُ! ثُمَّ لَم يَقتَصِرِ الأَمرُ عَلَى عُقُوبَةِ الدُّنيَا، بَل جَاءَ الوَعِيدُ الأُخرَوِيُّ الَّذِي تَتَصدَّعُ مِنهُ القُلُوبُ الخَاشِعَةُ؛ إِذ تَوَعَّدَ اللهُ الَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤمِنَاتِ بِالطَّردِ مِن رَحمَتِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَالعَذَابِ العَظِيمِ كَمَا فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وَأَخبَرَ سُبحَانَهُ فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا أَنَّ تِلكَ الأَلسِنَةَ القَاذِفَةَ وَالأَيدِيَ الكَاتِبَةَ سَتَنطِقُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى أَصحَابِهَا شَاهِدَةً بِمَا اجتَرَحَت: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾! يَا مَن يُطلِقُ لِسَانَهُ أَو يَخطُّ بِأَصَابِعِهِ عَلَى شَاشَةِ هَاتِفِهِ طَعنًا فِي عِرضِ فُلَانَةَ أَو فُلَانٍ: تَذَكَّر هَذَا المَشهَدَ الرَّهِيبَ! تَذَكَّر يَومَ يُختَمُ عَلَى فَمِكَ، فَيَنطِقُ لِسَانُكَ الَّذِي قَذَفتَ بِهِ، وَتَنطِقُ يَدُكَ الَّتِي كَتَبتَ بِهَا المَنشُورَ أَوِ التَّعلِيقَ أَو أَعَدتَ بِهَا إِرسَالَ الإِشَاعَةِ، فَتَشهَدُ عَلَيكَ أَمَامَ مَلِكِ المُلُوكِ جَلَّ جَلَالُهُ! وَاستَمِع إِلَى هَذَا الوَعِيدِ النَّبَوِيِّ الشَّدِيدِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن قَالَ فِي مُؤمِنٍ مَا لَيسَ فِيهِ أَسكَنَهُ اللهُ رَدغَةَ الخَبَالِ حَتَّى يَخرُجَ مِمَّا قَالَ»! أَتَدرُونَ مَا رَدغَةُ الخَبَالِ يَا عِبَادَ اللهِ؟ لَقَد فَسَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخرَى بِأَنَّهَا عُصَارَةُ أَهلِ النَّارِ مِن صَدِيدِهِم وَقَيحِهِم، نَعُوذُ بِاللهِ مِن سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ! أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد سَجَّلَ القُرآنُ الكَرِيمُ فِي سُورَةِ النُّورِ أَعظَمَ دَرسٍ تَارِيخِيٍّ وَتَربَوِيٍّ لِلأُمَّةِ فِي صِيَانَةِ الأَعرَاضِ وَمُوَاجَهَةِ الإِفكِ وَالبُهتَانِ، وَذَلِكَ فِي حَادِثَةِ الإِفكِ الَّتِي افتَرَاهَا رَأسُ المُنَافِقِينَ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ عَلَى الصِّدِّيقَةِ بَنتِ الصِّدِّيقِ، أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَعَن أَبِيهَا، حَبِيبَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! لَقَد مَكَثَ بَيتُ النُّبُوَّةِ وَمَعهُ بَيتُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ شَهرًا كَامِلًا يَعتَصِرُهُمُ الأَلَمُ، وَتَبكِي فِيهِ الصِّدِّيقَةُ الطَّاهِرَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ حَتَّى تَظُنَّ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدَهَا، وَتَقُولُ لِأَبَوَيهَا: «وَاللهِ لَقَد عَلِمتُ لَقَد سَمِعتُم هَذَا الحَدِيثَ حَتَّى استَقَرَّ فِي أَنفُسِكُم وَصَدَّقتُم بِهِ، فَلَئِن قُلتُ لَكُم إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ! وَلَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بِأَمرٍ، وَاللهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ مِنهُ، لَتُصَدِّقُنِّي! فَوَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُم مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: فَصَبرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُستَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ»! فَمَاذَا كَانَتِ العَاقِبَةُ؟ أَنزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ قُرآنًا يُتلَى إِلَى يَومِ القِيَامَةِ فِي بَرَاءَةِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَطَهَارَتِهَا وَعِفَّتِهَا، حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾! وَقَد أَجمَعَ العُلَمَاءُ قَاطِبَةً كَمَا قَرَّرَهُ الإِمَامُ ابنُ كَثِيرٍ وَالقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُمُ اللهُ عَلَى أَنَّ مَن قَذَفَ أُمَّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا بَعدَ بَرَاءَةِ اللهِ لَهَا فِي القُرآنِ فَهُوَ كَافِرٌ مُكَذِّبٌ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ! وَاستَخرَجَ القُرآنُ الكَرِيمُ مِن تِلكَ الحَادِثَةِ أَربَعَ قَوَاعِدَ ذَهَبِيَّةً تُحَاصِرُ جَرِيمَةَ القَذفِ وَالإِشَاعَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ: القَاعِدَةُ الأُولَى: وَاجِبُ حُسنِ الظَّنِّ بِالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ وَقيَاسُهُم عَلَى النُّفُوسِ الطَّاهِرَةِ فورَ سَمَاعِ الإِشَاعَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾! وَمَا أَروَعَ المَوقِفَ العَمَلِيَّ لِأَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَزَوجَتِهِ أُمِّ أَيُّوبَ كَمَا ذَكَرَهُ ابنُ إِسحَاقَ وَابنُ كَثِيرٍ فِي تَفسِيرِهِ؛ إِذ قَالَت لَهُ امرَأَتُهُ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، أَمَا تَسمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ قَالَ: بَلَى، وَذَلِكَ الكَذِبُ! أَكُنتِ يَا أُمَّ أَيُّوبَ فَاعِلَةً ذَلِكَ؟ قَالَت: لَا وَاللهِ مَا كُنتُ لِأَفعَلَهُ! قَالَ: فَعَائِشَةُ وَاللهِ خَيرٌ مِنكِ! وَالقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَحريمُ نَقلِ القَذفِ بِالأَلسِنَةِ بِلَا عِلمٍ وَلَا بَيِّنَةٍ وَعَدَمُ الاستِهَانَةِ بِالكَلِمَةِ، كَمَا عَاتَبَ اللهُ الخَائِضِينَ فِي سُورَةِ النُّورِ بَقولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾! وَالقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: إِنكَارُ القَلبِ وَاللِّسَانِ عِندَ سَمَاعِ الطَّعنِ فِي الأَعرَاضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ مِنهَا: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾! وَالقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّحذِيرُ القَاطِعُ مِن مَحَبَّةِ شِيَاعِ الفَاحِشَةِ وَأَخبَارِهَا بَينَ المُؤمِنِينَ، كَمَا قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾! وَلَقَد صَدَقَ الشَّاعِرُ الحَكِيمُ حِينَ حَذَّرَ مِن جِرَاحَاتِ اللِّسَانِ الَّتِي تَفتِكُ بِالأَعرَاضِ فَقَالَ: جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا التِئَامٌ ... وَلَا يَلتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أُولِي المَكَارِمِ وَالتُّقَى، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ اللِّقَا. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاحفَظُوا أَلسِنَتَكُم وَأَقْلَامَكُم وَهَوَاتِفَكُم عَن أَعرَاضِ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ؛ فَإِنَّ مِن أَخطَرِ صُوَرِ القَذفِ الَّتِي فَشَت فِي مُجتَمَعَاتِنَا اليَومَ وَلَا يَكَادُ يَنتَبِهُ إِلَيهَا كَثِيرٌ مِنَ الغَافِلِينَ أَربَعَ صُوَرٍ مُهلِكَةٍ لَا بُدَّ مِنَ التَّحذِيرِ الصَّرِيحِ مِنهَا: الصُّورَةُ الأُولَى: أَلفَاظُ السِّبَابِ وَالشَّتَائِمِ البَذِيئَةِ الَّتِي تَجرِي عَلَى أَلسِنَةِ بَعضِ السُّفَهَاءِ فِي الشَّوَارِعِ وَالأَسوَاقِ وَالمَلَاعِبِ وَعِندَ الغَضَبِ، فَيَشتُمُ الرَّجُلُ أُمَّ خَصمِهِ أَو أُختَهُ أَو زَوجَتَهُ بِأَلفَاظِ الفَاحِشَةِ الصَّرِيحَةِ، أَو يَرمِيهِ بِأَنَّهُ ابنُ حَرَامٍ! يَا عَبدَ اللهِ: مَا ذَنبُ تِلكَ الأُمِّ العَفِيفَةِ الطَّاهِرَةِ أَو تِلكَ الأُختِ المُحصَنَةِ الغَافِلَةِ حَتَّى تَرمِيَهَا بِالفَاحِشَةِ مِن أَجلِ خِلَافٍ عَلَى مَالٍ أَو مَوقِفِ سَيَّارَةٍ؟! لَقَد وَقَعَ هَذَا الشَّاتِمُ فِي كَبِيرَةِ القَذفِ المَوجِبَةِ لِلحَدِّ وَاللَّعنَةِ، وَحَمَلَ عَلَى ظَهرِهِ إِثمًا عَظِيمًا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾! وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: قَذفُ الرَّجُلِ لِزَوجَتِهِ وَأُمِّ أَولَادِهِ أَو طَلِيقَتِهِ عِندَ نُشُوزِ الخِلَافَاتِ الزَّوجِيَّةِ وَالمَحَاكِمِ الأُسَرِيَّةِ! فَبَعضُ مَن نُزِعَ الخَوفُ مِنَ اللهِ مِن قُلُوبِهِم إِذَا غَضِبَ مِن زَوجَتِهِ رَمَاهَا فِي شَرَفِهَا وَعِرضِهَا، أَو شَكَّكَ فِي نَسَبِ وَلَدِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَقِينٍ، لِيَنتَقِمَ مِنهَا أَو لِيُسقِطَ حُقُوقَهَا! وَمَا عَلِمَ هَذَا المسكِينُ أَنَّ قَذفَ الزَّوجَةِ يَستَوجِبُ المُلاعَنَةَ الشَّرعِيَّةَ بِالأَيمَانِ المُغَلَّظَةِ الَّتِي يَختِمُهَا بِأَنَّ لَعنَةَ اللهِ عَلَيهِ إِن كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ، وَتُفَرَّقُ بَينَهُمَا فُرقَةً أَبَدِيَّةً لَا يَجتَمِعَانِ بَعدَهَا أَبَدًا! وَالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: القَذفُ الإِلِكترُونِيُّ وَالتَّشهِيرُ عَبرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجتِمَاعِيِّ! حِينَ يَقُومُ بَعضُ الفَسَقَةِ بِفَبرَكَةِ الصُّوَرِ أَوِ المَقَاطِعِ، أَو نَشرِ الشَّائِعَاتِ الكَاذِبَةِ عَن فَتَاةٍ أَو أُسرَةٍ، أَو كِتَابَةِ التَّعلِيقَاتِ الجَارِحَةِ لِلأَعرَاضِ، أَو إِعَادَةِ نَشرِهَا بِضَغطَةِ زِرٍّ! وَاعلَمُوا يَا عِبَادَ اللهِ أَنَّ القَذفَ بِالكِتَابَةِ وَالإِشَارَةِ فِي الهَوَاتِفِ وَالمَوَاقِعِ هُوَ كَالقَذفِ بِاللِّسَانِ، بَل هُوَ أَعظَمُ جُرمًا وَأَشَدُّ إِثمًا؛ لِأَنَّ الكَلِمَةَ المَنطُوقَةَ يَسمَعُهَا عَدَدٌ مَحدُودٌ، أَمَّا الكَلِمَةُ المَكتُوبَةُ فِي الفَضَاءِ الرَّقَمِيِّ فَيَقرَؤُهَا الآلَافُ وَتَبقَى شَاهِدَةً عَلَى صَاحِبِهَا حَتَّى بَعدَ مَوتِهِ! وَالصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: التَّرَاشُقُ بِاتِّهَامِ الأَعرَاضِ عِندَ الخُصُومَاتِ الفِكرِيَّةِ أَوِ الاجتِمَاعِيَّةِ أَوِ القَبَلِيَّةِ؛ وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ مِن خِصَالِ المُنَافِقِ الخَالِصِ: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»! وَمِن أَعظَمِ الفُجُورِ فِي الخُصُومَةِ أَن يَتَعَدَّى الخَصمُ إِلَى الطَّعنِ فِي الحُرُمَاتِ وَالأَعرَاضِ المَصُونَةِ! فَيَا مَنِ ابتُلِيَ بِشَيءٍ مِن هَذِهِ الكَبِيرَةِ المُوبِقَةِ: بَادِر إِلَى التَّوبَةِ النَّصُوحِ قَبلَ أَن يَفجَأَكَ المَوتُ فَتَقِفَ يَومَ القِيَامَةِ مُفلِسًا بَينَ يَدَيِ اللهِ، يَأخُذُ المَقذُوفُونَ مِن حَسَنَاتِكَ، فَإِن فَنِيَت حَسَنَاتُكَ أُخِذَ مِن سَيِّئَاتِهِم فَطُرِحَت عَلَيكَ ثُمَّ طُرِحتَ فِي النَّارِ، كَمَا فِي حَدِيثِ المُفلِسِ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ! وَقَد فَتَحَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَابَ التَّوبَةِ وَالإِصلَاحِ بَعدَ آيَةِ القَذفِ مُبَاشَرَةً فِي سُورَةِ النُّورِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وَتَوبَةُ القَاذِفِ تَكُونُ بِالنَّدَمِ الصَّادِقِ، وَالعَزمِ عَلَى عَدَمِ العَودِ، وَإِعلَانِ تَكذِيبِ نَفسِهِ وَتَبرِئَةِ المَقذُوفِ عِندَ مَن بَلَغَهُمُ القَذفُ، وَاستِحلَالِ صَاحِبِ الحَقِّ أَوِ الإِكثَارِ مِنَ الدُّعَاءِ وَالاستِغفَارِ وَالثَّنَاءِ الحَسَنِ لَهُ إِن كَانَ إِعلَامُهُ يُثِيرُ فِتنَةً أَكبَرَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وَابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ. وَيَا أَيُّهَا المُؤمِنُونَ الصَّادِقُونَ: كُونُوا حُرَّاسًا لِأَعرَاضِ إِخوَانِكُم وَأَخَوَاتِكُم؛ فَإِذَا سَمِعتُم قَاذِفًا أَو مُغتَابًا يَخُوضُ فِي عِرضِ مُسلِمٍ أَو مُسلِمَةٍ، فَرُدُّوا عَن عِرضِهِ وَأَلقِمُوا الخَائِضَ حَجَرًا، وَأَبشِرُوا بِالوَعدِ النَّبَوِيِّ الكَرِيمِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن رَدَّ عَن عِرضِ أَخِيهِ رَدَّ اللهُ عَن وَجهِهِ النَّارَ يَومَ القِيَامَةِ»، وَاستُرُوا عَلَى عِبَادِ اللهِ يَستُرِ اللهُ عَلَيكُم؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ». ثُمَّ اعلَمُوا يَا عِبَادَ اللهِ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ المُسَبِّحَةِ بِقُدسِهِ، وَثَلَّثَ بِكُم أَيُّهَا المُؤمِنُونَ مِن جِنِّهِ وَإِنسِهِ، فَقَالَ جَلَّ مِن قَائِلٍ عَلِيمًا فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللهمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ الطَّاهِرَاتِ المُبَرَّآتِ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللهمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَدَمِّر أَعدَاءَ الدِّينِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. اللهمَّ احفَظ أَعرَاضَنَا وَأَعرَاضَ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَاستُر عَورَاتِنَا، وَآمِن رَوعَاتِنَا، وَطَهِّر أَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ وَالقَذفِ وَالغِيبَةِ وَالبُهتَانِ، وَطَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ وَالنِّفَاقِ وَالعِصيَانِ. اللهمَّ مَن أَرَادَ بُيُوتَ المُسلِمِينَ وَحُرُمَاتِهِم وَعَفِيفَاتِهِم بِسُوءٍ أَو فَاحِشَةٍ أَو بُهتَانٍ فَأَشغِلهُ بِنَفسِهِ، وَرُدَّ كَيدَهُ فِي نَحرِهِ، وَاجعَل تَدبِيرَهُ تَدمِيرَهُ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. اللهمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ مِنَ المُسلِمِينَ، وَنَفِّس كَربَ المَكرُوبِينَ، وَاقضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِينَ، وَاشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِينَ، وَارحَم مَوتَانَا وَمَوتَى المُسلِمِينَ، وَانصُر إِخوَانَنَا المُستَضعَفِينَ فِي فِلَسطِينَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.