من مكتبة مِداد الخطيب

مَوسِمُ المُباهَاة.. نَفَحاتُ عَرَفَةَ وَأَسْرَارُ العَطَاءِ الإِلَهِيّ

مشاركة
🕌 مَوسِمُ المُباهَاة.. نَفَحاتُ عَرَفَةَ وَأَسْرَارُ العَطَاءِ الإِلَهِيّ #خطبة_جمعة #يوم_عرفة #عشر_ذي_الحجة #الحج #التوبة #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ في تَقَلُّبِ الأيَّامِ واللَّيالي عِبَرًا للمُتَّقين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ لعِبادِهِ مَواسِمَ للطَّاعاتِ يَتَدارَكونَ فيها ما فات، ويَرتَفِعونَ بها إلى أعلى الدَّرجات، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أعرَفُ الخَلقِ بربِّه، وأعظَمُهم تَعظيمًا لشَعائِرِه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: يا أُمَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ، هل سَأَلتُم أنفسَكم يومًا: لماذا يَختَصُّ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ أيَّامًا بِعَينِها بِمَزيدٍ من الفَضل؟ ولماذا يَجعَلُ الرَّحمَةَ فيها تَتَنَزَّلُ كالغَيثِ المُتَدارَك؟ إنَّنا نَعيشُ في غَفلَةٍ تَطول، وتَأخُذُنا دُنْيانا في زِحامِها حتَّى تَنسَدَّ مَسامُّ قُلوبِنا، فَتَأتي هذهِ المَواسِمُ الرَّبَّانيَّةُ كَنَبضَةِ حَياةٍ تُوقِظُ القَلبَ مِن غَيبوبَتِه، وتُعيدُ الرُّوحَ إلى مَسارِها الصَّحيح. وإنَّنا في هذهِ الأيَّامِ نَتَنَسَّمُ عَبَقَ أعظَمِ أيَّامِ الدُّنيا على الإطلاق؛ نَعيشُ أيَّامَ عَشرِ ذي الحِجَّة، ونَتَرَقَّبُ مِسكَ خِتامِها، وتُوَيجَ تاجِها.. يومَ عَرَفَة. يومُ المُباهَاةِ، ويومُ العَطَاءِ الذي لا يَحُدُّهُ حَدّ، ويومُ العِتقِ الذي لا يُستَثنى مِنهُ صادِق. عبادَ الله، إنَّ العَقلَ لَيَقِفُ مَذهولًا أمامَ عَظَمَةِ هذا اليوم. يومٌ واحِدٌ في السَّنَةِ يَختَلِفُ فيهِ مِيزانُ الكَون. استَمِعوا بِقُلوبِكم إلى هذا الحَديثِ الذي يَرُجُّ الوِجدان، تَقولُ أُمُّ المُؤمِنينَ عائِشَةُ رَضيَ اللهُ عنها، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» [رواهُ مُسلم]. تَأمَّلوا.. اللهُ جَلَّ جَلالُهُ، المَلِكُ القُدُّوسُ، الغَنيُّ عَنِ العالَمين، "يَدْنُو".. دُنُوًّا يَلِيقُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِه، ثمَّ يَنظُرُ إلى عِبادٍ جاءوهُ شُعْثًا غُبْرًا، تَرَكوا مَناصِبَهم، وخَلَعوا ثِيابَ كِبريائِهِم، ولَبِسوا خِرقَتَينِ بَيضاوَينِ كأَكفانِ المَوتى، وَوَقَفوا يَرفَعونَ أيدِيَهُم يَبكون. هُنا يَلتَفِتُ المَلِكُ إلى مَلائِكَتِهِ الأطهارِ الذينَ لَم يَعصوهُ طَرفَةَ عَين، ويُباهي بهِم! يقولُ كما جاءَ في رِوايَةِ الإمامِ أحمَد: «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ، مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ». يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! المَلائِكَةُ تُسَبِّحُ اللَّيلَ والنَّهارَ لا يَفتُرون، وهؤلاءِ البَشَرُ يُذنِبونَ ويُخطِئون، لكنَّ اللهَ يُباهي بالبَشَر! أتَدرونَ لِماذا؟ لأنَّ المَلَكَ جُبِلَ على الطَّاعَةِ فلا يَعرِفُ المَعصِيَة، أمَّا هذا الإِنسانُ الضَّعيف، فَقَد تَنازَعَتهُ الشَّهَوات، وجاذَبَهُ الشَّيطان، وضَغَطَت عَليهِ الدُّنيا، ثُمَّ رَغْمَ ذلِك كُلِّه.. غَلَبَ ضَعفَهُ، وقَهَرَ شَهوَتَهُ، وجاءَ يَبكي طالبًا عَفْوَ مَولاه. هذهِ المُجاهَدَةُ هي التي استَحَقَّتِ المُباهَاة. وقَد يَقولُ قائِلٌ مِنكُم في نَفسِهِ الآن: يا خَطيب، أنتَ تَتَحَدَّثُ عَنِ الحُجَّاجِ الواقِفينَ في صَعيدِ عَرَفات، ونَحنُ هُنا في بُلدانِنا، قَد حَبَسَتْنا الأعذار، وضاقَت بِنا السُّبُل، ومَنَعَتْنا قِلَّةُ ذاتِ اليَد، فَهَل حُرِمنا هذا الفَضل؟ أقولُ لَك: حاشا لِكَريمٍ أن يَحرِمَ صادِقًا! إنَّ الحَجَّ حَجَّان: حَجٌّ بالأبدان، وحَجٌّ بالقُلوب. فَمَن عَجَزَ بَدَنُهُ عَن بُلوغِ البَيتِ الحَرام، فإنَّ قَلبَهُ لا عُذرَ لَهُ إن لَم يَبلُغ رَبَّ البَيت. يقولُ الإمامُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَليُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ العَين، قال: "مَن فاتَهُ في هذا العامِ القِيامُ بِعَرَفَة، فَليَقُمْ لِلَّهِ بِحَقِّهِ الذي عَرَفَه. ومَن عَجَزَ عَنِ المَبيتِ بِمُزدَلِفَة، فَلْيُبَيِّتْ عَزمَهُ عَلى طاعَةِ اللهِ وقَد أزلَفَه. ومَن لَم يُمكِنهُ القِيامُ بِأَرجاءِ الخَيف، فَلْيَقُمْ لِلَّهِ بِحَقِّ الرَّجاءِ والخَوف. ومَن لَم يَقدِر عَلى نَحرِ هَدْيِهِ بِمِنَى، فَلْيَذبَحْ هَواهُ هُنا وَقَد بَلَغَ المُنَى". يا أخي، إنْ كانَ الحُجَّاجُ قَد وَقَفوا بأجسادِهِم، فَقِفْ أنتَ بِقَلبِكَ المُنكَسِر. كم مِن حاجٍّ واقِفٍ هُناك وقَلبُهُ غافِل، وكم مِن جالِسٍ في بَيتِهِ هُنا وقَلبُهُ يُطَوِّفُ حَولَ العَرشِ شَوقًا ورَهبَة! قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِه: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]. التَّقوى هي المِيزان، والانكِسارُ هو الباب.
عبادَ الله، إنَّنا نَعيشُ أيَّامًا لا يُشبِهُها شيءٌ في أزْمِنَةِ الدُّنيا. واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الذي يَنبَغي أن يُكْتَبَ في صَدرِ كُلِّ مُسلِم. قالَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعني أيَّامَ العَشر، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [رواهُ البُخاري]. تَأمَّلوا! هل بَعدَ هذا البَيانِ بَيان؟ رَكعَتانِ تُصَلِّيهِما في هذهِ الأيَّام، تَسبيحَةٌ تَقولُها، صَدَقَةٌ تُخرِجُها، دَمعَةٌ تَذرِفُها، أكرَمُ عندَ اللهِ وأحَبُّ إلَيهِ مِنَ الجِهادِ في سَبيلِ اللَّهِ في غَيرِها مِنَ الأيَّام! فَكَيفَ نَنام؟ وكَيفَ نَغفُل؟ وكَيفَ تَمُرُّ عَلَينا هذهِ السَّاعاتُ ونَحنُ نُقَلِّبُ في هَواتِفِنا ونُضَيِّعُ أوقاتَنا في مَجالِسِ اللَّغو؟ إذا كانَت هذهِ مَكانَةَ الأيَّامِ العَشرِ عُمومًا، فَكَيفَ بِيَومِ عَرَفَةَ على وَجهِ الخُصوص؟ يومُ عَرَفَةَ لِغَيرِ الحاجِّ لَهُ مِيزَتانِ عَظيمَتانِ لا عُذرَ لِمُسلِمٍ في تَركِهِما: الأُولى: الصِّيام. سُئِلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عَن صَومِ يَومِ عَرَفَة، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» [رواهُ مُسلم]. سُبحانَ الله! سَبعَ عَشرَةَ ساعَةً مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ في يَومٍ واحِد، تَمسَحُ صَحيفَةَ سَنتَينِ كامِلَتَينِ مِنَ الخَطايا والثَّغَرات! سَنَةٌ مَضَتْ وسَنَةٌ آتِيَة. أيُّ تِجارَةٍ أربَحُ مِن هذه؟ وأيُّ كَرَمٍ إلهيٍّ أعظَمُ مِن هذا؟ إنَّ مَن يُفَرِّطُ في صِيامِ هذا اليومِ — مِن غَيرِ عُذرٍ قاهِر — لَمَحرومٌ حَقَّ الحِرمان. والثَّانيَةُ: الدُّعاء. يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [رواهُ التِّرمذي]. في يَومِ عَرَفَة، الدُّعاءُ مُستَجاب، والسَّماءُ مَفتوحَة، واللَّهُ قَريب. خُصوصًا في العَشيَّة، مِن بَعدِ صَلاةِ العَصرِ إلى غُروبِ الشَّمس. هذهِ السَّاعاتُ القَليلَةُ هي "ساعاتُ الذُّروَةِ" في الرَّحمَة. مِنَ المُحزِنِ، والمُبكي حَقًّا، أن تَرى بَعضَ المُسلِمينَ في عَشيَّةِ عَرَفَة، وهِيَ أعظَمُ ساعاتِ الدُّنيا، جالِسًا في السُّوق، أو نائِمًا في بَيتِه، أو مُمسِكًا بِهاتِفِهِ يُتابِعُ مَقاطِعَ تافِهَة! في الوَقتِ الذي يَتَنَزَّلُ فيهِ الجَبَّارُ جَلَّ جَلالُهُ يُعتِقُ الرِّقاب، هو مَشغولٌ بِمُتابَعَةِ خَلقٍ ضُعَفاء. كيفَ نَرضى أن نَترُكَ هذا الكَنزَ المَفتوح؟ قالَ تَعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. لَم يَقُل "قَد" أستَجيب، بَل قالَها قاطِعَةً حاسِمَة: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. إخوَتي الأَحِبَّة، لِنَنظُر كَيفَ كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَعيشونَ هذا اليَوم. هؤلاءِ الرِّجالُ الذينَ عَرَفوا قِيمَةَ اللَّحَظات. وقَفَ العالِمُ العابِدُ "مُطَرِّفُ بنُ عَبدِ اللهِ" في عَرَفات، فَنَظَرَ إلى زِحامِ النَّاسِ وبُكائِهِم، فَخافَ أن تَمنَعَ ذُنوبُهُ إجابَةَ دُعاءِ هؤلاءِ النَّاس، فَقالَ مُتَضَرِّعًا: "اللَّهُمَّ لا تَرُدَّهُمُ اليَومَ مِن أجلِي!". ووَقَفَ بَكرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ المُزَنيُّ في نَفسِ المَوقِف، فَنَظَرَ إلى الجُموعِ وقال: "يا لَهُ مِن مَوقِفٍ ما أشرَفَه، ومِن مَجمَعٍ ما أكرَمَه، لَولا أنِّي فِيهِ لَظَنَنتُ أنَّ اللهَ قَد غَفَرَ لَهُم جَميعًا!". يا الله! هَكَذا كانَ عُظَماءُ الأُمَّةِ يَتَّهِمونَ أنفُسَهُم، ولا يَرَوْنَ لَها فَضلًا. أمَّا نَحنُ، فَنَغوصُ في وُحولِ الذُّنوب، ونَأتي إلى اللهِ بِقُلوبٍ قاسِيَة، ونَظُنُّ أنَّنا قَدَدنا ما عَلَينا! ومِن أروَعِ المَواقِف، ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ الفُضَيلِ بنِ عِياض رَحِمَهُ اللَّه، أنَّهُ وَقَفَ عَشيَّةَ عَرَفَة، فَنَظَرَ إلى النَّاسِ وَهُم يَبكونَ ويَصرُخونَ يَدعونَ الله، فالتَفَتَ إلى مَن حَولَهُ وقال: "أرَأيتُم لَو أنَّ هَؤُلاءِ كُلَّهُم وَقَفوا بِبابِ رَجُلٍ يَطلُبونَ مِنهُ سُدُسَ دِرهَم، أكانَ يَرُدُّهُم؟" قالوا: لا وَالله. قال: "وَاللهِ، لَلْمَغفِرَةُ عِندَ اللَّهِ، أهوَنُ مِن سُدُسِ دِرهَمٍ عِندَ ذَلِكَ الرَّجُل!".
تَأمَّلوا حُسنَ الظَّنِّ بِالله! المَغفِرَةُ عِندَ اللَّهِ هَيِّنَة. هُوَ غَنيٌّ عَن عَذابِنا. هُوَ رَحيمٌ بِنا. هُوَ يَبسُطُ يَدَهُ باللَّيلِ لِيَتوبَ مُسيءُ النَّهار. قالَ تَعالى في الآيَةِ التي تَقطُرُ رَحمَةً وعَطْفًا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. يا مَن أسرَفتَ عَلى نَفسِكَ في الخَطايا.. يا مَن ضَيَّعتَ الصَّلَوات.. يا مَن عَقَقتَ الوالِدَين.. يا مَن ظَلَمتَ وأكَلتَ الحُقوق.. يا مَن وَقَعتَ في الفَواحِش.. البابُ مَفتوح، وعَرَفَةُ قَد أظَلَّتْنا. دَمعَةٌ واحِدَةٌ صادِقَة، واعتِرافٌ بَينَ يَدَيِ الكَريمِ في عَشيَّةِ عَرَفَة، قَد تَغسِلُ قَذارَةَ سِنينَ طِوال. يقولُ الشَّيطانُ لَك: "أنتَ مُنافِق، تَفعَلُ الذُّنوبَ طَوالَ العام ثُمَّ تَأتي تَومَ عَرَفَةَ تَدعو؟" فَقُل لَه: "نَعَم، أنا عَبدٌ عاصٍ، ولكِنِّي أقصِدُ رَبًّا رَحيمًا، وَسِعَت رَحمَتُهُ كُلَّ شَيء، وقَد قالَ في كِتابِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25]." أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن مَكانَةِ يومِ عَرَفَة، وكَيفَ أنَّ اللهَ يُباهي فيهِ مَلائِكَتَه، وعَرَفنا أنَّ الفَضلَ لَيسَ مَحصورًا فيمَن وَقَفَ بِمَكَّة، بَل مَن صَدَقَ قَلبُهُ نالَ الأجرَ في بَيتِه. وعَرَفنا أنَّ صِيامَهُ يُكَفِّرُ سَنتَين، وأنَّ عَشيَّتَهُ هي كَنزُ الدُّعاء. والآن، أيُّها الأَحِبَّة، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ قَبلَ أن يَمضِيَ يَومُ عَرَفَة؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، تَجعَلونَها خُطَّةَ عَمَلٍ لِهذا اليَومِ العَظيم: الأُولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَكَ وتُب إلى اللَّهِ تَوبَةً نَصوحًا. طَهِّر قَلبَكَ مِنَ الشِّركِ، ومِنَ الرِّياء، ومِنَ الحَسَد. لا يَدخُلُ عَلَيكَ يَومُ عَرَفَةَ وفي قَلبِكَ كِبرٌ أو ضَغينَة. الثَّانيَة (لِسانيَّة): خَصِّص عَشيَّةَ عَرَفَة (مِن بَعدِ صَلاةِ العَصرِ إلى المَغرِب) لِلدُّعاءِ والذِّكر. أكثِر مِن قَول: "لا إلهَ إلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه". لا تَصمُت في هذهِ السَّاعات، فَهِيَ ساعاتٌ تُصاغُ فيها الأقدار. الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): صُم هذا اليَومَ إيمانًا واحتِسابًا، وأَعِدَّ صَدَقَةً تُخرِجُها فيه، فَإنَّ الصَّدَقَةَ تُطفِئُ غَضَبَ الرَّبّ، والجَمعُ بَينَ الصِّيامِ والصَّدَقَةِ والدُّعاءِ بابٌ عَظيمٌ لِلقَبول. الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): سامِح واعفُ عَمَّن ظَلَمَك، وصِل رَحِمًا قَطَعتَها. كيفَ تَرجو أن يَعفُوَ اللَّهُ عَنكَ جِبالَ الذُّنوب، وأنتَ لا تَستَطيعُ أن تَعفُوَ عَن زَلَّةِ أخيك؟ ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. الخامِسَة (مَوضوعيَّة خاصَّة بِيَومِ عَرَفَة): اعتَزِل الدُّنيا وأغلِق هاتِفَك. نَعَم، أغلِق هاتِفَكَ في سَاعاتِ عَشيَّةِ عَرَفَة المَعدودَة. لا تُخالِط النَّاس، بَل اخلُ بِرَبِّك، وابكِ عَلى خَطيئَتِك، وارْفَع يَدَيكَ حَتَّى تَغيبَ الشَّمس، لَعَلَّ اللَّهَ يَنظُرُ إلَيكَ نَظرَةَ رِضًا لا تَشقى بَعدَها أبَدًا. فاتَّقوا اللَّهَ عِبادَ اللَّه، ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين. اللَّهُمَّ يا مَن يَدنو في يَومِ عَرَفَةَ فَيُباهي بِعِبادِهِ المَلائِكَة، نَسألُكَ بِأسمائِكَ الحُسنى وصِفاتِكَ العُلى، ألاَّ تَطويَ صَحيفَةَ يَومِ عَرَفَةَ إلَّا وقَد أعتَقتَ رِقابَنا ورِقابَ آبائِنا وأُمَّهاتِنا مِنَ النَّار. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن نَظَرتَ إلَيهِم في هذا المَوسِمِ العَظيمِ فَرَحِمتَهُم، وسَمِعتَ دُعاءَهُم فَأجَبتَهُم.
اللَّهُمَّ إنَّا لَم نَقِف بِعَرَفاتٍ بِأجسادِنا، ولَكِنَّا وَقَفنا بِقُلوبِنا وانكِسارِنا بَينَ يَدَيك، فاقبَلنا في عِبادِكَ الصَّالِحين. اللَّهُمَّ اغفِر لَنا ذُنوبَنا، دِقَّها وجِلَّها، أوَّلَها وآخِرَها، عِلانِيَتَها وسِرَّها. اللَّهُمَّ اجبُر كَسرَ المُستَضعَفينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لَهُم ناصِرًا ومُعينًا، ومُؤَيِّدًا وظَهيرًا. اللَّهُمَّ اكتُب لِحُجَّاجِ بَيتِكَ حَجًّا مَبرورًا، وسَعيًا مَشكورًا، وذَنبًا مَغفورًا، ورُدَّهُم إلى أهليهِم سالِمينَ غانِمين. عِبادَ اللَّه، إنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللَّهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللَّهِ أكبَر، واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلَاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.