🕌 عرفة... يومُ العتق الأكبر ودموع المنيبين
#خطبة_جمعة #يوم_عرفة #الحج #عشر_ذي_الحجة #فضل_الدعاء #عيد_الأضحى #مواسم_الطاعات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ عشرَ ذي الحِجَّةِ أفضَلَ أيَّامِ الدُّنيا، وضاعَفَ فيها الأجورَ، وفَتَحَ فيها أبوابَ السَّماءِ للمُنيبين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَرَعَ الحَجَّ مَطهَرَةً للنُّفوسِ، وجَعَلَ يومَ عَرَفَةَ مَوسِمًا للعِتقِ وتَكفيرِ السَّيِّئات. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقينَ وقُدوَةُ السَّائرين، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا.
أمَّا بعدُ:
أيها المؤمنون، دَعُوني أَنقُلُكم بخَيالِكم بَعيدًا عن مَقاعِدِكم هذه... إلى صَعيدٍ مُقفِرٍ، ووادٍ أفيَح، لا قُصورَ فيهِ ولا بُنيان، ولا شَجَرَ فيهِ يُظِلُّ، ولا مَناصِبَ تُمَيِّزُ أحدًا عن أحد. مَلايينُ البَشَرِ يَقِفونَ بِلِباسٍ واحدٍ، تَلُفُّهُم أشعَّةُ الشَّمس، وتَرتَفِعُ أصواتُهم بِلُغاتٍ لا نَعرِفُها، لكنَّها جميعًا تَئِنُّ بدُعاءٍ واحدٍ، لِرَبٍّ واحد.
ذلك هو صَعيدُ «عَرَفات»، وذلك هو يومُ «عَرَفة». اليومُ الذي يَتَنَزَّلُ فيهِ الجَبَّارُ جَلَّ جَلالُهُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، يَدنو مِن عِبادِهِ، ويُباهي بِهِم مَلائِكَتَهُ.
عبادَ الله، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا سُمِّيَ هذا المكانُ «عَرَفات»؟ ولماذا سُمِّيَ هذا اليومُ العظيمُ بيومِ «عَرَفة»؟
لقد وَقَفَ عُلَماءُ الأمَّةِ، ومُفَسِّرو كِتابِ الله، يَتَتَبَّعونَ أسرارَ هذه التَّسمية. وإنَّ أصحَّ الأقوالِ وأقواها في ذلِك يَدورُ حَولَ مَعانٍ تَأخُذُ بالألباب:
قيل: إنَّ الخليلَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ لَمَّا بَنى البَيت، جاءَهُ جِبريلُ عليه السَّلامُ يُعَلِّمُهُ المَناسِكَ، فكانَ يُريهِ المَشاعِرَ ويَقولُ له: «أَعَرَفتَ؟»، فيَقولُ إبراهيمُ: «عَرَفتُ، عَرَفتُ». فَسُمِّيَ المَكانُ عَرَفات، وسُمِّيَ اليومُ عَرَفة. وهذا ما مالَ إليهِ ابنُ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما في رِواياتٍ عنه.
وقيل: بَل لَمَّا أُهبِطَ آدَمُ وحَوَّاءُ مِنَ الجنَّةِ إلى الأرض، وتَفَرَّقا فيها، ظَلَّا يَبحَثانِ عن بَعضِهِما، حَتَّى التَقَيا وتَعارَفا في ذلك الصَّعيد، فَسُمِّيَ جَبَلَ الرَّحمَةِ، وسُمِّيَ المَكانُ عَرَفات، حَيثُ حَصَلَ التَّعارُفُ بَعدَ الفِراق.
لكنَّ أقوى الأقوالِ وأَجمَلَها — والذي اختارَهُ الإمامُ القُرطُبيُّ وابنُ القَيِّمِ وغَيرُهُم مِن أئمَّةِ التَّحقيق — أنَّ التَّسميةَ مُشتَقَّةٌ مِنَ «الاعتِراف». فالنَّاسُ يَقِفونَ في ذلك المَشهدِ العَظيم، يَتَضَرَّعونَ إلى الله، ويَعتَرِفونَ بِذُنوبِهِم، ويُقِرُّونَ بتَقصيرِهِم، ويَعتَرِفونَ للهِ بنِعَمِهِ وآلائِه. هو مَوطِنُ الاعتِرافِ الأكبَر، حَيثُ لا مَجالَ للكِبرِ ولا للإنكار.
يقولُ الإمامُ ابنُ الجَوزيِّ رَحِمَهُ الله: "سُمِّيَ عَرَفةَ؛ لأنَّ العِبادَ يَعتَرِفونَ فيهِ بِذُنوبِهِم، ولِأنَّ اللهَ يَتَعَرَّفُ إليهِم برَحمَتِهِ ومَغفِرَتِه".
...
تَأمَّلوا هذا جَيِّدًا.
فالمَكانُ «عَرَفات»، واليومُ «عَرَفة». وأعظَمُ مَقصِدٍ فيهِ هو أن تَعرِفَ نَفسَكَ بالذُّلِّ والتَّقصير، وتَعرِفَ رَبَّكَ بالكَمالِ والمَغفِرة.
يا أمَّةَ مُحَمَّد ﷺ، لَعلَّكم تَسأَلون: ما هي الحِكمَةُ البالِغَةُ مِن جَعلِ الوُقوفِ بهذا الصَّعيدِ الأجرَد هو رُكنَ الحَجِّ الأعظَم؟ حتى قالَ النَّبيُّ ﷺ قَولًا قاطِعًا حاسِمًا: «الحَجُّ عَرَفَة». فَمَن أدرَكَ عَرَفَةَ فَقَد أدرَكَ الحَجّ، ومَن فاتَهُ عَرَفَةُ فَقد فاتَهُ الحَجّ.
لِماذا لَم يُجعَلِ الرُّكنُ الأعظَمُ هو الطَّوافَ حَولَ الكَعبَةِ المَعظَّمة؟ أو السَّعيَ بَينَ الصَّفا والمَروَة؟ لماذا جُعِلَ في مَكانٍ خارِجَ الحَرَم أصلاً؟
يُجيبُنا عُلَماءُ الأصولِ والمَقاصِدِ بِحِكَمٍ تَدمَعُ لَها العُيون:
أوَّلًا: لِيَتَحَقَّقَ مَعنى «الافتِقارِ المُطلَق». في الطَّواف، أنتَ في رِحابِ البَيت، وفي المَسعَى، أنتَ في المَسجِد. لكنَّ اللهَ أخرَجَ الحُجَّاجَ إلى عَرَفات — وهي أرضٌ حِلٌّ خارِجَ الحَرَم — لِيَقِفوا في العَراءِ التَّام، لا يَستَنِدونَ إلى قَداسَةِ مَكان، بَل يَستَمدُّونَ الرَّحمَةَ مِن رَبِّ المَكانِ وَحدَه. لِيَشعُروا بِغايَةِ الضَّعفِ والحاجَة.
ثانيًا: أنَّ صَعيدَ عَرَفات هو أشبَهُ مَشهَدٍ في الدُّنيا بيومِ المَحشَر. يَقِفُ العِبادُ مَكشوفينَ الرُّؤوس، مُتَجَرِّدينَ مِن ثِيابِ الزِّينَة، مُلتَفِّينَ في خِرقَتَين بَيضاوَين، لا فَرقَ بينَ مَلِكٍ ومَملوك، ولا غَنِيٍّ وفَقير. الجَميعُ سَواسِيَة، يَدعونَ إلهًا واحِدًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والمقصود الأعظم من الحج هو الوقوف بعرفة، والدعاء والذكر هناك، فإنه الموقف الذي يتجلى الله فيه لعباده، ويدنو منهم، ويباهي بهم الملائكة".
أيها الإخوة الأحبة، هُنا يَبزُغُ السُّؤالُ الذي يَجولُ في صَدرِ كُلِّ واحِدٍ مِنكُم الآن: هذا فَضلُ الحُجَّاجِ الذينَ وَقَفوا هُناك... فَماذا عَنَّا نحن؟ ماذا عَنَ الذي أقعَدَهُ المَرَض؟ ماذا عَنِ الذي قَصَرَ بِهِ المال؟ ماذا عَنِ الذي لَم يَكتُب لَهُ اللهُ حَجًّا هذا العام؟ هل نُحرَمُ مِن هذا العَطاءِ الإلهيِّ العَظيم؟
حاشا لِرَبٍّ كَريمٍ أن يَحصُرَ رَحمَتَهُ في بُقعَةٍ مِنَ الأرضِ دُونَ سِواها!
اسمعوا لِهَذهِ البِشارَةِ الَّتي تَسوقُها لَكُم سُنَّةُ النَّبيِّ ﷺ. إنَّ يَومَ عَرَفَةَ لَيسَ حِكرًا على مَن وَقَفَ بِعَرَفات، بل فضلُهُ يَعُمُّ أهلَ الأرضِ جميعًا مِمَّن آمَنَ واتَّقى.
يقول الصادق المصدوق ﷺ، في الحديث الذي رواه مسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟».
تَأمَّلوا الحديثَ جَيِّدًا! لَم يَقُل: "أكثَرَ مِن أن يُعتِقَ اللهُ فيه حاجًّا"، بَل قال: «عَبْدًا». كَلِمَةٌ عامَّةٌ تَشمَلُ الحاجَّ في مَوقِفِه، والمُقِيمَ في بَيتِه، والصَّائِمَ في مِحرابِه، والباكيَ في خَلوَتِه.
ثُمَّ إنَّ اللهَ جَعَلَ لِغَيرِ الحاجِّ بابًا من الفَضلِ لا يَدخُلُهُ الحاجّ! نعم، فالحاجُّ لا يُشرَعُ لَهُ أن يَصومَ يَومَ عَرَفَة لِيَتَقَوَّى على الدُّعاء، بَينَما أنتَ أيُّها المُقيمُ، شَرَعَ اللهُ لَكَ صِيامَهُ، وجَعَلَ أجرَهُ مُعجِزَةً مِن مُعجِزاتِ الكَرَمِ الإلهيّ.
سُئِلَ رَسولُ الله ﷺ عن صَومِ يَومِ عَرَفَة، فَقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ». (رواه مسلم).
سُبحانَ الله! أَيُعقَلُ أن يَترُكَ أحَدُكُم هذا الفَضل؟! صِيامُ أربَعَ عَشرَةَ ساعَةً فَقَط، يَمحو اللهُ بِها ذُنوبَ سَبعِمائةٍ وثَلاثينَ يَومًا! سَنتانِ كامِلَتانِ مِنَ الخَطايا، والزَّلَّاتِ، والغَفَلاتِ، ونَظَراتِ الحَرامِ، ولَفَظاتِ السُّوءِ... كُلُّها تُغسَلُ بِيَومِ عَرَفَة. أيُّ تِجارَةٍ أربَحُ مِن هذه؟!
وهل تَقِفُ الفَضائِلُ عِندَ هذا الحَدّ؟
لَا، بَل إنَّ عَرَفَةَ هو اليومُ الذي نَزَلَت فيهِ أعظَمُ آيَةٍ خَتَمَت رِسالاتِ السَّماء. فقد روى البخاري ومسلم أن رجلاً من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً! قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فقال عمر رضي الله عنه: "قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة".
أيها المسلمون، إنَّ هذا اليومَ العَظيم، هو اليومُ الذي تَنكَسِرُ فيهِ شَوكَةُ الشَّيطانِ وتَتَحَطَّمُ آمالُه.
يقول النبي ﷺ: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ، وَلَا أَدْحَرُ، وَلَا أَحْقَرُ، وَلَا أَغْيَظُ، مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ». (رواه مالك في الموطأ).
لِماذا يَبكي الشَّيطانُ يومَ عَرَفة؟ لأنَّهُ ظَلَّ سَنَةً كامِلَةً يُغويكَ، ويُزَيِّنُ لَكَ الحَرام، ويَجُرُّكَ إلى المَعصِيَة، حتَّى إذا ظَنَّ أنَّهُ قَد أوقَعَكَ في الهَلاك... جِئتَ أنتَ عَصرَ يَومِ عَرَفة، فَرَفَعتَ يَدَيكَ صادِقًا مُنيبًا، تَبكي خَطيئَتَكَ، فَغَفَرَ اللهُ لَكَ ما صَنَعتَهُ في سَنَةٍ كامِلَةٍ في لَحظَةِ صِدقٍ واحِدَة! فيَنهَدِمُ كُلُّ ما بَناهُ إبليس.
واسمعوا لهذه القصة التي تهز القلوب، وتروي لنا كيف كان السلف يعيشون هذه اللحظات.
وَقَفَ الإمامُ الفُضَيلُ بنُ عِياض رضي الله عنه بعَرَفات، فَنَظَرَ إلى بُكاءِ النَّاسِ وتَضَرُّعِهِم واشتِدادِ أصواتِهِم بالدُّعاء حينَ دَنَتِ الشَّمسُ مِنَ الغُروب، فالتَفَتَ إلى مَن حَولَه وقال: "أرأيتُم لَو أنَّ هؤلاءِ كُلَّهُم صاروا إلى رَجُلٍ واحِدٍ، فَسَألوهُ دانِقًا (أي: أصغَرَ عُملَةٍ ماليَّة)، أكانَ يَرُدُّهُم؟" قالوا: لا والله. قال: "واللهِ لَلمَغفِرَةُ عِندَ اللهِ أهوَنُ مِن إجابَةِ هذا الرَّجُلِ لَهُم بِدانِق!".
نَعم يا عبادَ الله! إنَّ رَحمَةَ اللهِ أوسَعُ مِن ذُنوبِك، ومَغفِرَتَهُ أعظَمُ مِن تَقصيرِك. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
إذا كان هذا هو فضل يوم عرفة، فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن بوضوح: كيف يستغل غير الحاج هذا اليوم العظيم؟ كيف نحوّل يوم عرفة في بيوتنا ومدننا إلى "عرفة مصغّر" ننال فيه الأجر والعتق؟
يا من لم يقف بعرفة، إن لم تستطع الوقوف بجسدك، فقِف بقلبك!
قال الإمام ابن رجب رحمه الله: "من فاته في هذا العام الوقوف بعرفة، فليقف لله بحقه الذي عَرَفه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة، فليُبِت عزمه على طاعة الله وقد قرّبه وأزلفه، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى، فلينحر هواه هنا وقد بلغ المُنى".
الخطوات العملية لاستغلال هذا اليوم لغير الحاج:
أولاً: أَبِتْ النية من الليل على صيام هذا اليوم، وحثَّ أهل بيتك وأبناءك على صيامه.
ثانياً: حَفاوةُ الدُّعاء. فإن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (رواه الترمذي).
ثالثاً: حِفظُ الجَوارح. روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال عن يوم عرفة: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ، غُفِرَ لَهُ». فكيف تُعتق من النار وأنت تطلق بصرك في شاشات الحرام يوم عرفة؟!
رابعاً: الخلوة في عصر عرفة. أفضل أوقات هذا اليوم هو من بعد صلاة العصر إلى أذان المغرب. هذا هو وقت النزول الإلهي. أغلق هاتفك، واعتزل الناس، واجمع قلبك، وابكِ على خطيئتك.
لو قيل لك الآن: أمامك ساعة واحدة يُستجاب فيها دعاؤك قطعاً... ماذا ستفعل في هذه الساعة؟ فكّر! هذه هي ساعة عصر عرفة.
اللهم بلّغنا يوم عرفة، واكتبنا فيه من العتقاء من النار يا أرحم الراحمين.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عباد الله، وقفنا في خطبتنا الأولى مع يوم عرفة، وعرفنا لماذا سُمي بهذا الاسم الجليل، ووقفنا على سر جَعْله ركن الحج الأعظم لما فيه من إظهار الافتقار والمساواة. ثم تدبرنا كيف أن فضل هذا اليوم ليس محصوراً في الحُجاج، بل يمتد لكل مسلم يصومه ويحفظ جوارحه ويدعو ربه في هذا اليوم العظيم. والآن، إخواني، بقي السؤال العملي الأهم: كيف نستقبل هذا اليوم وما بعده من أيام العيد؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم:
الأولى (قَلبيَّة): أفرغ قلبك لله عصر يوم عرفة. لا تترك هذا الوقت الثمين يضيع في المطبخ لتجهيز الإفطار، أو في الأسواق لشراء ملابس العيد، أو في تصفح مواقع التواصل. إنها سويعات قليلة، فاخلُ بنفسك وارفع يديك.
الثانية (لِسانيَّة): أكثر من قول: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". فهذا هو الشعار اللفظي ليوم عرفة، ردده مئات المرات وأنت تسير وأنت تعمل.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): صم هذا اليوم لتغسل ذنوب سنتين. ومهّد لصيامك بالإمساك عن اللغو ومخالطة من لا ينفعك، فإن من ملك سمعه وبصره غُفر له.
الرابعة (اجتماعيَّة): سامح واعفُ عن من ظلمك قبل أن تغيب شمس عرفة. فكيف تطلب من الله العتق من النار وأنت تحبس إخوانك في سجن حقدك ومقاطعتك؟! اعفُ ليعفو الله عنك ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
الخامسة (موضوعيَّة - سنن العيد): استعدوا لصلاة عيد الأضحى بإحياء سننها العظيمة. ومن أهمها:
* التكبير المطلق والمقيد: كبروا الله دُبر كل صلاة مكتوبة من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وكبروا في أسواقكم وبيوتكم.
* الاغتسال ولبس أحسن الثياب للذهاب للمصلى، ومخالفة الطريق؛ بأن تذهب من طريق وترجع من آخر كما كان يفعل النبي ﷺ.
* وفي عيد الأضحى خاصة: السُّنَّة أن لا تأكل شيئاً قبل الخروج للصلاة، بل تؤخر فطرك حتى ترجع فتأكل من أضحيتك إن كنت مُضحياً، تعظيماً لهذه الشعيرة.
فاتقوا الله عباد الله، واستلهموا من هذه الأيام نفحات الإيمان، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على تعظيم شعائره ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم يا من يُعتق رقاب عباده من النار في يوم عرفة، اعتق رقابنا، ورقاب آبائنا، وأمهاتنا، وأزواجنا، وذرياتنا من النار.
اللهم لا تغرب شمس يوم عرفة إلا وقد غفرت لنا ذنوبنا كلها، دِقها وجِلها، علانيتها وسرها، أولها وآخرها.
اللهم اجعلنا ممن إذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر.
اللهم بلغنا يوم عرفة، وأعنا فيه على الصيام، والقيام، وغض البصر، وحفظ اللسان، واجعلنا فيه من المقبولين الفائزين.
اللهم تقبل من حجاج بيتك حجهم، ويسر لهم مناسكهم، وردهم إلى أهلهم سالمين غانمين مأجورين.
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وارفع البلاء عن المستضعفين، واجعل أيامنا أيام أمن وإيمان وسلامة وإسلام.
اللهم اجعل عيدنا عيد فرح بطاعتك، وسرور بفضلك، واجمع قلوبنا على محبتك.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.