اسمُ اللهِ الرَّزَّاقُ جلَّ جَلَالُهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَعَانِيهِ العَظِيمَةِ وَآثَارِ الإِيمَانِ بِهِ فِي طُمَأنِينَةِ القُلُوبِ وَطَلَبِ الحَلَالِ
الحَمدُ للهِ الرَّزَّاقِ ذِي القُوَّةِ المَتِينِ، الجَوَادِ الكَرِيمِ، الوَهَّابِ العَظِيمِ، الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ رَحمَةً وَعِلمًا، وَعَمَّ الخَلَائِقَ جَمِيعًا فَضلًا وَرِزقًا وَحِلمًا، تَكَفَّلَ بِأَرزَاقِ العِبَادِ قَبلَ أَن يَخلُقَهُم، وَقَسَمَ أَقوَاتَهُم وَأَعمَارَهُم وَهُم أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِم، فَلَا تَندُّ عَن عِلمِهِ ذَرَّةٌ فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحرِ، وَلَا تَمُوتُ نَفسٌ مَخلُوقَةٌ حَتَّى تَستَوفِيَ مَا كُتِبَ لَهَا مِنَ الرِّزقِ وَالعُمرِ، كَمَا أَعلَنَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هَذِهِ الحَقِيقَةَ الرَّاسِخَةَ فِي مُحكَمِ كِتَابِهِ حِينَ قَالَ: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزقُهَا وَيَعلَمُ مُستَقَرَّهَا وَمُستَودَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن أَيقَنَ أَنَّ خَزَائِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ بِيَدِ اللهِ وَحدَهُ، وَأَنَّ مَا عِندَ النَّاسِ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ لَا يَبِيدُ وَلَا يَغِيضُ، فَلَم يَعلِّق قَلبَهُ بِمَخلُوقٍ ضَعِيفٍ، وَلَم يَبِع دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا طَفِيفٍ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَعظَمُ المتَوَكِّلِينَ عَلَى رَبِّهِ الرَّزَّاقِ، وَأَزهَدُ الخَلقِ فِي حُطَامِ الدُّنيَا الفَانِيَةِ، وَأَحْرَصُهُم عَلَى تَعليمِ أُمَّتِهِ عِفَّةَ النَّفسِ وَالإِجمَالَ فِي الطَّلَبِ وَالثِّقَةَ بِمَا فِي يَدِ اللهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ وَإِيمَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ المِفتَاحُ الأَعظَمُ لِأَبوَابِ الأَرزَاقِ المُغلَقَةِ، وَالمَخرَجُ الأَوثَقُ مِنَ المَضَايِقِ المُطبِقَةِ، وَقَد جَمَعَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ بَينَ التَّقوَى وَبَينَ تَفرِيجِ الكُرُبَاتِ وَإِدرَارِ الأَرزَاقِ مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُ العَبدُ فِي آيَةٍ عَظِيمَةٍ مِن سُورَةِ الطَّلَاقِ حِينَ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجًا وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ أَشْرَفَ العُلُومِ عَلَى الإِطلَاقِ، وَأَعظَمَ مَا تَحيَا بِهِ القُلُوبُ وَتَطمَئِنُّ بِهِ النُّفُوسُ، هُوَ العِلمُ بِاللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَفِقهُ أَسمَائِهِ الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى؛ فَعَلَى قَدرِ مَعرِفَةِ العَبدِ بِرَبِّهِ يَكُونُ إِيمَانُهُ وَتَوَكُّلُهُ وَثَبَاتُهُ وَسَكِينَتُهُ! وَفِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي كَثُرَ فِيهِ القَلَقُ عَلَى المَعَاشِ، وَطَغَت فِيهِ المَادِّيَّةُ عَلَى العُقُولِ، وَأَصبَحَ الهَمُّ الأَكبَرُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ هُوَ الخَوفَ مِنَ الفَقرِ وَالغَلَاءِ وَالمُستَقبَلِ المَجهُولِ، حَتَّى ضَاقَتِ الصُّدُورُ وَطَارَ النَّومُ مِنَ العُيُونِ؛ مَا أَحوَجَنَا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى أَن نَفيءَ بِقُلُوبِنَا وَأَروَاحِنَا إِلَى ظِلَالِ اسمٍ عَظِيمٍ جَلِيلٍ مِن أَسمَاءِ اللهِ الحُسنَى، اسمٍ لَوِ استَقَرَّت حَقِيقَتُهُ فِي قَلبِ العَبدِ المؤمِنِ لَانقَشَعَت عَنهُ سَحَائِبُ الهَمِّ وَالخَوفِ، وَلَعَاشَ فِي الدُّنيَا بِقَلبِ مَلِكٍ مُطمَئِنٍّ وَإِن لَم يَملِك إِلَّا قُوتَ يَومِهِ؛ إِنَّهُ اسمُ اللهِ «الرَّزَّاقُ» جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَت أَسمَاؤُهُ!
فَمَا مَعنَى اسمِ اللهِ الرَّزَّاقِ؟ وَكَم مَرَّةً وَرَدَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؟ وَمَا الفَرقُ بَينَ الرَّازِقِ وَالرَّزَّاقِ؟ وَكَيفَ يُقَسِّمُ اللهُ الرَّزَّاقُ أَرزَاقَ الأَبدَانِ وَأَرزَاقَ القُلُوبِ وَالأَروَاحِ؟ وَمَا الأَسبَابُ الشَّرعِيَّةُ الجَالِبَةُ لِلرِّزقِ وَالبَرَكَةِ، وَالمَوَانِعُ المَاحِقَةُ لَهَا؟
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: لَقَد وَرَدَ اسمُ اللهِ «الرَّزَّاقُ» بِصِيغَةِ المُبَالَغَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي القُرآنِ الكَرِيمِ فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ، فِي سِيَاقٍ مَهِيبٍ يُحَدِّدُ الغَايَةَ مِن خَلقِ الإِنسِ وَالجِنِّ، وَيَرفَعُ عَن قُلُوبِ العِبَادِ هَمَّ الرِّزقِ لِيَتَفَرَّغُوا لِعبَادَةِ رَبِّهِم، حَيثُ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنهُم مِّن رِّزقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾. كَمَا وَرَدَ وَصفُهُ سُبحَانَهُ بِأَنَّهُ «خَيرُ الرَّازِقِينَ» فِي خَمسَةِ مَوَاضِعَ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، وَثَبَتَ اسمُ «الرَّزَّاقِ» فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ فِيمَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: غَلَا السِّعرُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ سَعِّر لَنَا! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّزَّاقُ، وَإِنِّي لَأَرجُو أَن أَلقَى رَبِّي وَلَيسَ أَحَدٌ مِنكُم يَطلُبُنِي بِمَظلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ»!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ فِي دِقَّةِ لَفظَةِ «الرَّزَّاقِ»؛ فَهِيَ عَلَى وَزنِ «فَعَّالٍ» مِن أَبْنِيَةِ المُبَالَغَةِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَقَد قَالَ العُلَمَاءُ كَالإِمَامِ الخَطَّابِيِّ وَالسَّعدِيِّ وَالشَّنقِيطِيِّ رَحِمَهُمُ اللهُ: إِنَّ صِيغَةَ «الرَّزَّاقِ» تَدُلُّ عَلَى كَثرَةِ الرِّزقِ، وَكَثرَةِ المَرزُوقِينَ، وَتَتَابُعِ العَطَاءِ لَحظَةً بَعدَ لَحظَةٍ بِلَا انقِطَاعٍ وَلَا نَفَادٍ وَلَا كَلَلٍ! وَانظُرُوا كَيفَ قَرَنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ الذَّارِيَاتِ بَينَ اسْمِهِ «الرَّزَّاقِ» وَبَينَ وَصفِهِ بِأَنَّهُ «ذُو القُوَّةِ المَتِينُ»؛ فَمَا السِّرُّ فِي هَذَا الاقتِرَانِ البَدِيعِ؟ السِّرُّ أَنَّ المَخلُوقَ قَد يَعِدُكَ بِعَطَاءٍ أَو رِزقٍ، ثُمَّ يَعجِزُ عَن إِيصَالِهِ إِلَيكَ لِضَعفِهِ، أَو تَنفَدُ خَزَائِنُهُ فَيَنقَطِعُ عَطَاؤُهُ، أَو يَمُوتُ فَيَفنَى؛ أَمَّا اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فَهُوَ «الرَّزَّاقُ» الَّذِي لَا تَنفَدُ خَزَائِنُهُ، وَهُوَ «ذُو القُوَّةِ المَتِينُ» الَّذِي لَا يَعجِزُهُ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا أَرَادَ أَن يَسُوقَ الرِّزقَ إِلَى عَبدٍ مِن عِبَادِهِ سَاقَهُ إِلَيهِ بِقُوَّتِهِ وَمَتَانَةِ قُدرَتِهِ وَلَوِ اجتَمَعَ أَهلُ الأَرضِ كُلُّهُم عَلَى مَنعِهِ!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَو تَفَكَّرَ الإِنسَانُ فِي سَعَةِ رِزقِ اللهِ الرَّزَّاقِ فِي هَذَا الكَونِ الفَسِيحِ لَأَخَذَتْهُ الدَّهشَةُ وَالخُشُوعُ! مَنِ الَّذِي يَرزُقُ المِليَارَاتِ مِنَ البَشَرِ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ؟ مَنِ الَّذِي يَرزُقُ الحِيتَانَ وَالأَسمَاكَ فِي أَعمَاقِ المُحِيطَاتِ المُظلِمَةِ حَيثُ لَا يَصِلُ ضَوءُ الشَّمسِ؟ مَنِ الَّذِي يَرزُقُ الطُّيُورَ السَّابِحَةَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَالوُحُوشَ الكَاسِرَةَ فِي الفَلَوَاتِ، وَالنَّملَةَ السَّودَاءَ عَلَى الصَّخرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيلَةِ الظَّلمَاءِ، وَالدُّودَةَ العميَاءَ فِي جَوفِ الطِّينِ، وَالجَنِينَ الضَّعِيفَ فِي ظُلُمَاتِ الرَّحِمِ لَا يَملِكُ يَدًا يَتَنَاوَلُ بِهَا وَلَا فَمًا يَمضُغُ بِهِ؟ إِنَّهُ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ! كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ العَنكَبُوتِ مُطَمئِنًا قُلُوبَ عِبَادِهِ: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحمِلُ رِزقَهَا اللهُ يَرزُقُهَا وَإِيَّاكُم وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾!
تَأَمَّل فِي هَذِهِ العِبَارَةِ القُرآنِيَّةِ العَجِيبَةِ: ﴿دَابَّةٍ لَّا تَحمِلُ رِزقَهَا﴾! فالطَّيرُ وَالسمَكُ وَالغَزَالُ لَا تَملِكُ خَزَائِنَ وَلَا مَصَارِفَ وَلَا مُستَودَعَاتٍ تَدَّخِرُ فِيهَا طَعَامَ الغَدِ، تَبيتُ فِي وُكُورِهَا خَالِيَةَ البُطُونِ، ثُمَّ تَنطَلِقُ فِي الصَّبَاحِ مُتَوَكِّلَةً عَلَى فَاطِرِهَا وَرَازِقِهَا، فَيَسُوقُ اللهُ لَهَا رِزقَهَا طَرِيًّا هَنِيئًا؛ وَقَد ضَرَبَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذَا المَثَلَ البَلِيغَ فِيمَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَو أَنَّكُم كُنتُم تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقتُم كَمَا يُرزَقُ الطَّيرُ، تَغدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»!
وَأَعجَبُ مِن ذَلِكَ يَا عِبَادَ اللهِ: أَنَّ خَزَائِنَ الرَّزَّاقِ جَلَّ جَلَالُهُ لَا تَنقُصُ بِالعَطَاءِ وَالإِنفَاقِ أَبَدًا؛ فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيمَا يَروِيهِ عَن رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «يَدُ اللهِ مَلأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيتُم مَا أَنفَقَ مُنذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، فَإِنَّهُ لَم يَغِض مَا فِي يَدِهِ»! وَمِن عَظِيمِ حِلمِهِ وَكَرَمِهِ سُبحَانَهُ أَنَّ رِزقَهُ العَامَّ فِي الدُّنيَا لَا يَنقَطِعُ حَتَّى عَمَّن عَصَاهُ أَو كَفَرَ بِهِ؛ فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَصبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ؛ يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِم وَيَرزُقُهُم»! فَإِذَا كَانَ اللهُ الرَّزَّاقُ يَرزُقُ مَن يَكفُرُ بِهِ وَيَفتَرِي عَلَيهِ فِي الدُّنيَا حِلمًا مِنهُ وَاستِدرَاجًا وَإِمهَالًا، أَفَيُضَيِّعُ عَبدًا مُؤمِنًا يُوَحِّدُهُ وَيَسجُدُ لَهُ وَيَدعُوهُ فِي ظُلُمَاتِ اللَّيَالِي؟ حَاشَاهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ أَكرَمُ الأَكرَمِينَ وَأَرحَمُ الرَّاحِمِينَ!
أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَامُ: هُنَا نَقِفُ مَعَ تَقسِيمٍ عِلمِيٍّ وَإِيمَانِيٍّ بَدِيعٍ قَرَّرَهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ وَالعَلَّامَةُ السَّعدِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي فِقهِ اسمِ اللهِ «الرَّزَّاقِ»؛ فَقَد يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ حِينَ يَسمَعُ كَلِمَةَ «الرِّزقِ» أَنَّهَا مَحصُورَةٌ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالمَسكَنِ فَقَط، وَالحَقِيقَةُ أَنَّ رِزقَ اللهِ الرَّزَّاقِ لِعِبَادِهِ نَوعَانِ اثنَانِ:
النَّوعُ الأَوَّلُ: رِزقٌ عَامٌّ لِلأَبدَانِ؛ وَهُوَ سَوقُ القُوتِ وَالمَعَاشِ وَالهَوَاءِ وَالمَاءِ لِجَمِيعِ المَخلُوقَاتِ مِنَ البَرِّ وَالفَاجِرِ وَالمُؤمِنِ وَالكَافِرِ، وَهَذَا الرِّزقُ لَا يَدُلُّ بِمُجَرَّدِ كَثرَتِهِ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ لِلعَبدِ، وَلَا يَدُلُّ بِتَقدِيرِهِ وَقِلَّتِهِ عَلَى إِهَانَةِ اللهِ لَهُ؛ فَقَد أَعطَى اللهُ المُلكَ وَالأَموَالَ فِي الدُّنيَا لِفِرعَونَ وَقَارُونَ وَهُمَا مِن أَبغَضِ خَلقِهِ إِلَيهِ، وَقُبِضَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَدِرعُهُ مَرهُونَةٌ فِي شَعِيرٍ لِأَهلِهِ!
أَمَّا النَّوعُ الثَّانِي فَهُوَ الأَعظَمُ وَالأَشْرَفُ وَالأَبقَى: إِنَّهُ «رِزقُ القُلُوبِ وَالأَروَاحِ وَالرِّزقُ الحَلَالُ المُبَارَكُ»! وَهُوَ الرِّزقُ الخَاصُّ الَّذِي يَختَصُّ اللهُ بِهِ أَولِيَاءَهُ وَأَصفِيَاءَهُ؛ فَيَرزُقُ قُلُوبَهُمُ العِلمَ النَّافِعَ، وَالإِيمَانَ الصَّادِقَ، وَاليَقِينَ الرَّاسِخَ، وَحَلَاوَةَ المُنَاجَاةِ، وَانشِرَاحَ الصَّدرِ، وَالقَنَاعَةَ وَالرِّضَا، وَيَرزُقُ أَبدَانَهُمُ الرِّزقَ الحَلَالَ الطَّيِّبَ الَّذِي لَا شُبهَةَ فِيهِ وَلَا تَبِعَةَ، فَيَستَعِينُونَ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ حَتَّى يُفضِيَ بِهِم إِلَى الرِّزقِ الأَبَدِيِّ الدَّائِمِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، الَّذِي قَالَ اللهُ عَنهُ فِي سُورَةِ ص: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾!
وَلقَد نَظَمَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ هَذَا المَعنَى الجَلِيلَ فِي قَصِيدَتِهِ النُّونِيَّةِ فَقَالَ:
رِزقُ القُلُوبِ العِلمُ وَالإِيمَانُ وَالـ ... رِزقُ المُعَدُّ لِهَذِهِ الأَبدَانِ
هَذَا هُوَ الرِّزقُ الحَلَالُ وَرَبُّنَا ... رَزَّاقُهُ وَالفَضلُ لِلمَنَّانِ
فَاسأَل نَفسَكَ يَا عَبدَ اللهِ: عِندَمَا تَرفَعُ يَدَيكَ وَتَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارزُقنِي»، هَل يَنصَرِفُ قَلبُكَ إِلَى رِزقِ الدَّرَاهِمِ وَالطَّعَامِ وَحدَهُ، أَم تَسأَلُ الرَّزَّاقَ قَبلَ ذَلِكَ أَن يَرزُقَ قَلبَكَ الإِيمَانَ وَالتَّقوَى وَالعَافِيَةَ وَالفِقهَ فِي الدِّينِ وَالقَنَاعَةَ وَالبَرَكَةَ؟ فَكَم مِن غَنِيٍّ مَلَأَ خَزَائِنَهُ بِالمَالِ وَلَكِنَّهُ مَحرُومٌ مِن رِزقِ القَنَاعَةِ وَطُمَأنِينَةِ البَالِ، فَعَاشَ فَقِيرَ الرُّوحِ شَقِيَّ القَلبِ! وَكَم مِن مُؤمِنٍ كَفَاهُ اللهُ بِالكَفَافِ الحَلَالِ، وَرَزَقَ قَلبَهُ الرِّضَا وَالسَّكِينَةَ، فَحَازَ الدُّنيَا بِحَذَافِيرِهَا!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِذَا أَرَدتُم أَن تَرَوْا كَيفَ يَفعَلُ الإِيمَانُ بِاسمِ اللهِ «الرَّزَّاقِ» الأَفَاعِيلَ فِي قُلُوبِ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَتَأَمَّلُوا فِي قَصَصِ القُرآنِ وَتَارِيخِ السَّلَفِ الأَبرَارِ:
انظُرُوا إِلَى الصِّدِّيقَةِ مَريَمَ بِنتِ عِمرَانَ عَلَيهَا السَّلَامُ، وَهِيَ فَتَاةٌ ضَعِيفَةٌ مُنقَطِعَةٌ لِعبَادَةِ رَبِّهَا فِي مِحرَابِهَا، يَدخُلُ عَلَيهَا نَبِيُّ اللهِ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ فَيَجِدُ عِندَهَا فَاكِهَةَ الصَّيفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيفِ، فَيَسأَلُهَا مُتَعَجِّبًا كَمَا حَكَى اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿قَالَ يَا مَريَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَت هُوَ مِن عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾!
وَانظُرُوا إِلَى أُمِّنَا هَاجَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا حِينَ تَرَكَهَا الخَلِيلُ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَ رَضِيعِهَا إِسمَاعِيلَ فِي وَادٍ غَيرِ ذِي زَرعٍ عِندَ بَيتِ اللهِ المُحَرَّمِ، لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا شَجَرَ وَلَا أَنِيسَ، فَقَالَت لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَم! فَقَالَت كَلِمَةَ اليَقِينِ بِالرَّزَّاقِ الحَفِيظِ: «إِذَن لَا يُضَيِّعُنَا»! فَفَجَّرَ اللهُ الرَّزَّاقُ تَحتَ قَدَمَي ذَلِكَ الرَّضِيعِ مَاءَ زَمزَمَ المُبَارَكَ الَّذِي لَا يَزَالُ يَروِي المَلَايِينَ عبرَ آَلَافِ السِّنِينَ!
وَانظُرُوا إِلَى مَوقِفِ إِمَامِ الحَرَمَينِ وَزَاهِدِ عَصرِهِ الفُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ مَعَ الخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ؛ دَخَلَ عَلَيهِ الرَّشِيدُ فِي لَيلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي فَوَعَظَهُ الفُضَيلُ حَتَّى بَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ أَرَادَ الرَّشِيدُ أَن يُعطِيَ الفُضَيلَ أَلفَ دِينَارٍ لِيُنفِقَهَا عَلَى عِيَالِهِ، فَقَالَ لَهُ الفُضَيلُ رَحِمَهُ اللهُ بِعِزَّةِ المُؤمِنِ الوَاثِقِ بِرَبِّهِ الرَّزَّاقِ: «يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، إِنَّ رَبِّي لَم يَأمُرنِي بِهَذَا، أَمَرَنِي أَن أُصَدِّقَ وَعدَهُ وَأُطِيعَ أَمرَهُ، فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنهُم مِّن رِّزقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾»! وَرَدَّ الأَلفَ دِينَارٍ استِغنَاءً بِالرَّزَّاقِ عَمَّن سِوَاهُ، حَتَّى خَرَجَ هَارُونُ وَهُوَ يَقُولُ: «إِذَا دَلَلتَنِي عَلَى رَجُلٍ فَدُلَّنِي عَلَى مِثلِ هَذَا؛ هَذَا سَيِّدُ المُسلِمِينَ»!
وَسُئِلَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: مَا سِرُّ زُهدِكَ فِي الدُّنيَا وَطُمَأنِينَةِ قَلبِكَ؟ فَقَالَ أَربَعَ كَلِمَاتٍ مِنَ النُّورِ، كَانَ أَوَّلُهَا: «عَلِمتُ أَنَّ رِزقِي لَا يَأخُذُهُ غَيرِي فَاطمَأَنَّ قَلبِي»!
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: مَا الثَّمَرَةُ العَمَلِيَّةُ الكُبرَى الَّتِي يَجنِيهَا المُسلِمُ اليَومَ فِي سُوقِهِ وَوَظِيفَتِهِ وَبَيتِهِ إِذَا آمَنَ بِاسمِ اللهِ «الرَّزَّاقِ»؟
الثَّمَرَةُ الأُولَى: أَن يَجمَعَ بَينَ السَّعيِ الجَادِّ وَالأَخذِ بِالأَسبَابِ المَشرُوعَةِ، وَبَينَ تَعلِيقِ القَلبِ بِالرَّزَّاقِ وَحدَهُ لَا بِالأَسبَابِ؛ فَالتَّوَكُّلُ عَلَى الرَّزَّاقِ لَا يَعنِي القُعُودَ عَنِ العَمَلِ وَالكَسبِ؛ بَل قَد أَمَرَنَا اللهُ بِالمَشيِ فِي مَنَاكِبِ الأَرضِ فَقَالَ فِي سُورَةِ المُلكِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ ذَلُولًا فَامشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزقِهِ وَإِلَيهِ النُّشُورُ﴾! فَتَعمَلُ بِجَوَارِحِكَ، وَتَتَوَكَّلُ بِقَلبِكَ عَلَى رَبِّكَ.
وَالثَّمَرَةُ الثَّانِيَةُ العُظمَى: العِفَّةُ عَنِ الحَرَامِ، وَالإِجمَالُ فِي الطَّلَبِ، وَعَدَمُ استِعجَالِ الرِّزقِ بِالمَعصِيَةِ أَوِ الرِّبَا أَوِ الرِّشوَةِ أَوِ الغِشِّ أَو أَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ! اسْمَعُوا إِلَى هَذَا القَانُونِ النَّبَوِيِّ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَابنُ حِبَّانَ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ وَأَجمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفسًا لَن تَمُوتَ حَتَّى تَستَوفِيَ رِزقَهَا وَإِن أَبطَأَ عَنهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ»!
فَكَم مِن تَاجِرٍ أَو مُوَظَّفٍ فِي عَصرِنَا هَذَا عُرِضَت عَلَيهِ صَفقَةٌ مُحَرَّمَةٌ أَو رِشوَةٌ كَبِيرَةٌ فِي وَقتِ ضِيقٍ مَالِيٍّ وَديُونٍ، فَتَذَكَّرَ أَنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ، وَأَنَّ مَا عِندَ اللهِ لَا يُنَالُ بِمَعصِيَتِهِ، فَرَفَضَ الحَرَامَ خَوفًا مِنَ اللهِ وَثِقَةً بِوَعدِهِ، فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّامٌ أَو شُهُورٌ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ مِن أَبوَابِ الرِّزقِ الحَلَالِ المُبَارَكِ أَضعَافَ مَا تَرَكَهُ مِنَ الحَرَامِ، وَحَفِظَ لَهُ دِينَهُ وَعَافِيَتَهُ وَأَولَادَهُ، تَصدِيقًا لِقَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «إِنَّكَ لَن تَدَعَ شَيئًا اتِّقَاءَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَّا أَعطَاكَ اللهُ خَيرًا مِنهُ»!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ الَّذِي بِيَدِهِ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الرَّزَّاقُ الكَرِيمُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهَديِهِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ الرَّزَّاقَ كَمَا جَعَلَ لِلرِّزقِ أَسبَابًا حِسِّيَّةً مِنَ العَمَلِ وَالتِّجَارَةِ وَالصَّنَاعَةِ وَالزِّرَاعَةِ، فَقَد جَعَلَ لِجَلبِ الرِّزقِ وَتَوسِعَتِهِ وَطَرحِ البَرَكَةِ فِيهِ مَفَاتِيحَ شَرعِيَّةً إِيمَانِيَّةً يَغفُلُ عَنهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَهُم يَشتَكُونَ ضِيقَ الأَرزَاقِ وَمَحقَ البَرَكَةِ!
إِنَّ أَوَّلَ مَفَاتِيحِ الرِّزقِ بَعدَ التَّقوَى وَالتَّوَكُّلِ: كَثرَةُ الاستِغفَارِ وَالتَّوبَةِ الصَّادِقَةِ إِلَى اللهِ؛ فَالذُّنُوبُ تَحبِسُ القَطرَ وَتَمحَقُ البَرَكَةَ، وَالاستِغفَارُ يَفتَحُ مَغَالِيقَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿فَقُلتُ استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُم مِّدرَارًا وَيُمدِدكُم بِأَموَالٍ وَبَنِينَ وَيَجعَل لَّكُم جَنَّاتٍ وَيَجعَل لَّكُم أَنهَارًا﴾!
وَمِن أَعظَمِ مَفَاتِيحِ الرِّزقِ وَالبَرَكَةِ: إِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَأَمرُ الأَهلِ بِهَا، كَمَا قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ طه: ﴿وَأمُر أَهلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصطَبِر عَلَيهَا لَا نَسأَلُكَ رِزقًا نَّحنُ نَرزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقوَى﴾.
وَمِن أَعظَمِ مَفَاتِيحِ سَعَةِ الرِّزقِ: صِلَةُ الأَرحَامِ وَالإِحسَانُ إِلَى الأَقَارِبِ؛ فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن أَحَبَّ أَن يُبسَطَ لَهُ فِي رِزقِهِ، وَيُنسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَليَصِل رَحِمَهُ»!
وَمِن أَعظَمِ مَفَاتِيحِ استِجلَابِ الرِّزقِ وَمُضَاعَفَتِهِ: الصَّدَقَةُ وَالإِنفَاقُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَإِعَانَةُ الضُّعَفَاءِ وَالمَساكِينِ؛ فَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّ الإِنفَاقَ يُنقِصُ المَالَ، وَالرَّزَّاقُ جَلَّ جَلَالُهُ يَعِدُ المُنْفِقَ بِالخَلَفِ العَاجِلِ وَالبَرَكَةِ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿وَمَا أَنفَقتُم مِّن شَيءٍ فَهُوَ يُخلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هَل تُنصَرُونَ وَتُرزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُم»!
وَمِن أَعظَمِ مَا يَزيدُ الرِّزقَ وَيَحفَظُ النِّعَمَ مِنَ الزَّوَالِ: شُكرُ الرَّزَّاقِ سُبحَانَهُ بِالقَلبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ؛ فَبِالشُّكرِ تَدُومُ النِّعَمُ وَتَزدَادُ، كَمَا تَأَذَّنَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ إِبرَاهِيمَ حِينَ قَالَ: ﴿وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزِيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
فَأَقبِلُوا يَا عِبَادَ اللهِ عَلَى رَبِّكُمُ الرَّزَّاقِ بِقُلُوبٍ وَاثِقَةٍ مُطمَئِنَّةٍ، وَأَلِحُّوا عَلَيهِ بِالدُّعَاءِ بِاسْمِهِ الرَّزَّاقِ أَن يَرزُقَ قُلُوبَكُمُ الهُدَى وَالتُّقَى، وَأَن يَكفِيَكُم بِحَلَالِهِ عَن حَرَامِهِ، وَيُغنِيَكُم بِفَضلِهِ عَمَّن سِوَاهُ!
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى نَبِيِّكُم مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ حِينَ قَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ يَا رَزَّاقُ ذَا القُوَّةِ المَتِينُ، يَا خَيرَ الرَّازِقِينَ، وَيَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، ارزُق قُلُوبَنَا الإِيمَانَ الصَّادِقَ، وَاليَقِينَ الرَّاسِخَ، وَالعِلمَ النَّافِعَ، وَالعَمَلَ الصَّالِحَ المُتقَبَّلَ، وَارزُقنَا مِن وَاسِعِ فَضلِكَ رِزقًا حَلَالًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، تَصُونُ بِهِ وُجُوهَنَا عَنِ المَسأَلَةِ، وَتُعِينُنَا بِهِ عَلَى طَاعَتِكَ وَمَرضَاتِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اكفِنَا بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ، وَأَغنِنَا بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ، وَاقضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِينَ، وَفَرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ، وَنَفِّس كَربَ المَكرُوبِينَ، وَابْسُطِ الرِّزقَ وَالأَمنَ وَالعَافِيَةَ وَالبَرَكَةَ فِي دِيَارِنَا وَدِيَارِ المُسلِمِينَ أَجمَعِينَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
اسمُ اللهِ الرَّزَّاقُ جلَّ جَلَالُهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَعَانِيهِ العَظِيمَةِ وَآثَارِ الإِيمَانِ بِهِ فِي طُمَأنِينَةِ القُلُوبِ وَطَلَبِ الحَلَالِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.