من مكتبة مِداد الخطيب

اختبارُ الرُّشد... كيفَ نَزِنُ عُقولَ أبنائنا؟

مشاركة
🕌 اختبارُ الرُّشد... كيفَ نَزِنُ عُقولَ أبنائنا؟ #خطبة_جمعة #تربية_الأبناء #بناء_العقول #الرشد #الأسرة #تربية #أخلاق الحمدُ للهِ الذي وَهَبَنا العُقولَ لِنَتَفَكَّر، وجَعَلَ الرُّشدَ مِيزانَ الفَلاحِ في الدُّنيا ومَناطَ التَّكليف، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُؤتي الحِكمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤتَ الحِكمَةَ فقد أُوتِيَ خَيرًا كَثيرًا، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أعظَمُ المُربِّينَ، وأحكَمُ المُوَجِّهين، مَن خاطَبَ العُقولَ فأحياها، وصَقَلَ النُّفوسَ فزَكَّاها، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصَحبِه، وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ: تُطعِمُه أفضَلَ الطَّعام، وتُلبِسُه أجمَلَ الثِّياب، وتُدخِلُه أرقى المَدارس، فتَرى جَسَدَهُ يَكبُرُ أمامَ عَينَيكَ يَومًا بَعدَ يَوم... فَتَفرَح! وتَظُنُّ أنَّ مُهِمَّتَكَ قدِ انتَهَت. لكن، هَل سألتَ نَفسَكَ يومًا: هَل يَكبُرُ عَقلُه مَع جَسَدِه؟ هَل هذا الجَسَدُ الطَّويلُ العَريض، يَحمِلُ في داخِلِهِ عَقلًا يَزِنُ الجبال، أم أنَّهُ مَزَلَّةُ أقدامٍ عِندَ أوَّلِ اختِبار؟ هذا السُّؤالُ المُؤلِم، هو الفَرقُ بَينَ أن نُنجِبَ للأُمَّةِ أجسادًا تَستهلِك، وبَينَ أن نُنجِبَ رِجالًا ونِساءً يَبنونَ الحَياة! عبادَ الله، لَو نَظَرنا في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلّ، لَوَجَدنا مَفهومًا قُرآنيًّا عَظيمًا غابَ عَن كَثيرٍ مِن بُيوتِنا اليَوم. إنَّهُ مَفهومُ "الرُّشد". اللهُ سُبحانَهُ وتَعالى عِندَما تَحَدَّثَ عَنِ الأيتام، وهُم مَن فَقَدوا آباءَهُم ويَحتاجونَ إلى الرِّعايَة، أمَرَ الأوصياءَ عليهم بأمرٍ عَجيب. قالَ سُبحانَه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]. تَأمَّلوا هَذِهِ الآيَةَ العَظيمَة! لم يَقُلِ اللهُ: ادفَعوا إلَيهِم أموالَهُم إذا بَلَغوا سِنَّ البُلوغِ فَقط. بَل وَضَعَ شَرطَين: البُلوغَ الجَسَديّ (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ)، والبُلوغَ العَقلِيَّ (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا). وكَيفَ نَعرِفُ الرُّشد؟ جاءَتِ الكَلِمَةُ في بِدايَةِ الآيَة: ﴿وَابْتَلُوا﴾! أي: اختَبِروا ومَتحِنوا. إذا كانَ اللهُ يَأمُرُنا باختِبارِ اليَتيمِ في حِفظِ مالِه، فكَيفَ بأبنائِنا في حِفظِ دِينِهِم، وعَقيدَتِهِم، ومُستَقبَلِهِم، وأخلاقِهِم؟ اختِبارُ العَقلِ هُنا لَيسَ اختِبارًا في الرِّياضيَّاتِ ولا الكيمياء، بَل هو "اختِبارُ الحَياة". هَل يَعرِفُ كَيفَ يَتَصَرَّفُ عِندَ الغَضَب؟ هَل يَعرِفُ كَيفَ يَختارُ الصَّديق؟ هَل يُمَيِّزُ بَينَ المَنفَعَةِ والمَضَرَّة؟ أخِي الأب، وأُختِي الأُمّ... كَم مِن شَابٍّ اليَومَ في العِشرينَ مِن عُمُرِه، يَحمِلُ شَهادَةً جامِعيَّةً، ويُتقِنُ لُغاتٍ أجنَبيَّة، ويَتَعامَلُ مَعَ أَعقَدِ الأجهِزَةِ الذَّكِيَّة... لَكِنَّهُ يَبكي ويَنهارُ ويَكتَئِبُ إذا اختَلَفَ مَعَ زَميلِه! أو يَنساقُ كالأعمى خَلفَ تَحَدٍّ تافِهٍ في مَواقِعِ التَّواصُل! لِماذا؟ لأنَّنا بَنَينا المَهاراتِ ولَم نَبنِ "الرُّشد". يَقولُ الإمامُ الغَزاليُّ رَحِمَهُ اللهُ في "الإحياء": "الصَّبِيُّ أمانَةٌ عِندَ والِدَيه، وقَلبُهُ الطَّاهِرُ جَوهَرَةٌ نَفيسَةٌ سَاذِجَةٌ خالِيَةٌ مِن كُلِّ نَقشٍ وصُورَة، وهُوَ قابِلٌ لِكُلِّ ما نُقِشَ فيه". فإذا نَقَشنا فيهِ الدَّلالَ الزَّائِدَ والحِمايَةَ المُفرِطَة، نَزَعنا مِنهُ قُدرَتَهُ على اختِبارِ الحَياة. واسمَعوا إلَى المُعَلِّمِ الأوَّل، رسولِ اللهِ ﷺ، وكَيفَ كانَ يَختَبِرُ عُقولَ الصِّغارِ ويَستَثِيرُ تَفكيرَهُم! في صَحيحِ البُخاريِّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عَنهُما قال: كُنَّا عِندَ رسولِ اللهِ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ (جُمَّارُ النَّخلَة)، فَقال ﷺ يَختَبِرُ أصحابَه: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُها كَمَثَلِ المُسلِمِ، لا يَسقُطُ وَرَقُها». تَأمَّلوا! هُوَ لا يُعطيهِمُ المَعلومَةَ جاهِزَة، بَل يَطرَحُ سُؤالًا ليُحَرِّكَ العُقول. قالَ ابنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ البَوادِي (أي أخَذوا يُخَمِّنون)، وَوَقَعَ فِي نَفسِي أَنَّها النَّخلَة. وابنُ عُمَرَ يَومَئِذٍ غُلامٌ صَغيرٌ جِدًّا يَتَوارى بَينَ كِبارِ الصَّحابَةِ كأبي بَكرٍ وعُمَر. فَاستَحيا أن يَتَكَلَّم. فَلَمَّا عَجَزوا قالوا: حَدِّثنا ما هِيَ يا رَسولَ الله؟ قال: «هِيَ النَّخلَة». فَلَمَّا خَرَجَ ابنُ عُمَرَ مَعَ أبيهِ عُمَرَ بنِ الخَطَّاب، قالَ لَه: يا أَبَتِ، وَاللهِ لَقَد وَقَعَ فِي نَفسِي أَنَّها النَّخلَة. فَقالَ لَهُ عُمَرُ (الأبُ الَّذي يَصنَعُ العُقول): "لَأَن تَكونَ قُلتَها أَحَبُّ إِلَيَّ مِن كَذا وَكَذا!".
انظُروا إلَى هَذا البِناء! النَّبيُّ ﷺ يَختَبِرُ التَّفكيرَ بِسُؤالٍ تَحليليّ. وعُمَرُ رَضيَ اللهُ عَنهُ يُعَلِّمُ ابنَهُ أنَّ امتِلاكَ العَقلِ لا يَكفي، بَل لا بُدَّ مِنَ الشَّجاعَةِ فِي إبداءِ الرَّأيِ الحَقِّ ولَو أمامَ الكِبار. أَيُّهَا الإخوَة، كَيفَ نَختَبِرُ عُقولَ أبنائِنا فِي وَاقِعِنا اليَوم؟ الاختِبارُ لَيسَ وَرَقَةً وقَلَمًا، بَل مَواقِفُ تُصنَعُ أو تُستَثمَر. أوَّلًا: اختَبِرهُ في القَرار. لا تَكُن أنتَ الَّذي يَتَّخِذُ كُلَّ قَرارٍ بالنِّيابَةِ عَنه. مِن أبسَطِ الأشياء: "ماذا نَفعَلُ فِي هَذا المَبلَغِ الصَّغير؟" "ما رَأيُكَ فِي شِراءِ هَذا؟". يَقولُ اللهُ تَعالى فِي وَصفِ إبراهيمَ مَعَ ابنِهِ إسماعيلَ عليهما السَّلام، فِي أصعَبِ لَحظَةٍ اختِبارٍ بَشَرِيَّة: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ [الصافات: 102]. إبراهيمُ نَبِيٌّ، والأمرُ أمرُ الله، وكانَ قادِرًا أن يُنَفِّذَ دونَ سُؤال. لَكِنَّهُ يَطرَحُ الأمرَ على ابنِهِ الشَّابِّ ليُشَرِّكَهُ في القَرار وليَختَبِرَ عُبودِيَّتَه: ﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾! وماذا كانَ الرَّدُّ العاقِلُ الرَّشيد؟ ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. إذا لَم تَسألِ ابنَكَ وتَضَعهُ أمامَ الخَيارات، فَمَتَى يَتَعَلَّمُ صُنعَ القَرار؟ ثانِيًا: اختَبِرهُ عِندَ التَّأثُّرِ والغَضَب. شابٌّ في مَرحَلَةِ المُراهَقَةِ، تَثورُ عَواطِفُه، وتَشتَدُّ شَهَواتُه. كَيفَ نُقَوِّمُ عَقلَه؟ واسمَعوا لِهَذِهِ القِصَّةِ العَظيمَةِ الَّتي تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب. جاءَ شَابٌّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسجِد، أمامَ النَّاس، وقالَ جُملَةً كالمُصيبَة: "يَا رَسولَ اللهِ، ائذَن لي فِي الزِّنا!". فَصاحَ النَّاسُ وزَجَرُوه، وهَمُّوا بِهِ لِيَضرِبُوه! الشَّابُّ هُنا مُستَسلِمٌ لِشَهوَتِه، وعَقلُهُ غائِب. فَماذا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الَّذي يَعرِفُ كَيفَ يَختَبِرُ العُقولَ ويُوقِظُها؟ قالَ ﷺ: «ادنُ». فَدَنا مِنهُ قَريبًا. قالَ لَهُ ﷺ مُحاوِرًا عَقلَه ومَنطِقَه: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟». قال: لا وَاللهِ جَعَلَني اللهُ فِداك. قال ﷺ: «وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهاتِهِم». قال: «أَفَتُحِبُّهُ لِابتَنِكَ؟». قال: لا وَاللهِ يا رَسولَ الله. قال ﷺ: «وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَناتِهِم». قال: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُختِكَ؟»... ومَضى النَّبِيُّ ﷺ يُعَدِّدُ لَهُ عَمَّتَهُ وخالَتَه، والشَّابُّ يَقولُ في كُلِّ مَرَّة: لا وَالله. تَأمَّلوا! النَّبِيُّ ﷺ هُنا يُجري اختِبارًا عَقليًّا قِياسِيًّا (قياسُ الشَّيءِ على النَّفس). لَم يَسُق لَهُ في البِدايَةِ آياتِ العَذابِ، لَم يَجلِده، بل أعادَ تَشغيلَ جِهازِ "الرُّشدِ" في عقلِ هَذا الشَّاب. فَلَمَّا اقتَنَعَ الشَّابُّ عَقليًّا، جاءَ الدَّعمُ الرُّوحيّ. وَضَعَ النَّبيُّ ﷺ يَدَهُ عَلى صَدرِهِ وقال: «اللَّهُمَّ اغفِر ذَنبَهُ، وطَهِّر قَلبَهُ، وحَصِّن فَرجَهُ». قالَ الشَّابُّ: فَلَم يَكُن شَيءٌ أَبغَضَ إلَيَّ مِنه (أي مِنَ الزِّنا). كَثِيرٌ مِنَ الآباءِ اليَومَ يُلغِي عَقلَ ابنِهِ بالصُّراخ، والتَّعنيف، والأوامِرِ العَسكَريَّة، ثُمَّ يَتَعَجَّبُ لِماذا ابنُهُ شَخصيَّةٌ ضَعيفَةٌ خارِجَ البَيت، يَنقادُ لأيِّ صَديقِ سُوء! ابنُكَ خارِجَ البَيتِ لا يَحتاجُ عُظلاتِك ليَحمِيَ بِها نَفسَه، بَل يَحتاجُ العَقلَ الَّذي زَرَعتَهُ فِيه ليَزِنَ بِهِ الأُمور. يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ الله: "النَّفسُ لا تَترُكُ شَيئًا إلَّا بِشَيء". فَإذا لَم تَبنِ في عَقلِ ابنِكَ المُبَرِّراتِ العَقلِيَّةَ والقَناعَةَ الإيمانِيَّةَ لِماذا يَترُكُ المَعصِيَة، فَإنَّهُ سَيَفعَلُها بِمُجَرَّدِ أن يَغيبَ الرَّقيب. عِبادَ الله، ومِن طُرُقِ اختِبارِ عُقولِ الأبناءِ وبِنائِها: إدماجُهُم فِي مَجالِسِ الرِّجالِ والكِبار، لِيَستَمِعوا ويَتَأَمَّلوا. كانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ، يُدخِلُ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ، وهُوَ شابٌّ حَدَثٌ صَغير، مَعَ شُيوخِ بَدرٍ في مَجلِسِ الشُّورى. فَوَجَدَ بَعضُ المَشايِخِ فِي أنفُسِهِم مِن ذَلِك! (كَيفَ يَجلِسُ هَذا الصَّغِيرُ مَعَنا ولَنا أبناءٌ فِي مِثلِ سِنِّه؟). فَأرادَ عُمَرُ أن يُخبِرَهُم أنَّ المِيزانَ لَيسَ بِطُولِ القامَة، بَل بِرَجاحَةِ العَقل. فَجَمَعَهُم يَومًا وأدخَلَ ابنَ عَبَّاسٍ مَعَهُم، ثُمَّ قال: ما تَقولونَ فِي قَولِ اللهِ عَزَّ وجَلّ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فَأجابَ بَعضُهُم بِمُنتَهى السَّطحيَّة: أُمِرنا نَحمَدُ اللهَ ونَستَغفِرُهُ إذا نُصِرنا وفُتِحَ عَلَينا. وسَكَتَ بَعضُهُم. فَالتَفَتَ عُمَرُ إلَى الشَّابِّ الصَّغِيرِ (ابنِ عَبَّاس)، وقال: أَكَذاكَ تَقولُ يا ابنَ عَبَّاس؟ قالَ العَقلُ الرَّزين: لا.
قال: فَما تَقول؟ قال: "هُوَ أَجَلُ رَسولِ اللهِ ﷺ، أعلَمَهُ لَه. قال: إِذا جاءَ نَصرُ اللهِ والفَتحُ (وَذَلِكَ عَلامَةُ أَجَلِكَ)، فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ واستَغفِرهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا". فَابتَسَمَ عُمَرُ وقال أمامَ الشُّيوخ: "ما أعلَمُ مِنها إِلَّا ما تَقول!". هَكَذا تُبنى العُقول! بِالتَّقاعُسِ عَن تَهْمِيشِ الشَّباب، وبِدَفْعِهِم لِلصَّدارَةِ، وبِاستِفزازِ قُدُراتِهِمُ التَّحليلِيَّة. يا كِرام، الأبُ النَّاجِحُ لَيسَ هُوَ الَّذي يَترُكُ لابنِهِ أرصِدَةً فِي البُنوك، لِأنَّ الابنَ السَّفِيهَ سَيُضَيِّعُها في شَهر. الأبُ النَّاجِحُ هو الَّذي يَترُكُ فِي رَأسِ ابنِهِ "مِيزانًا" يَستَطيعُ أن يَجلِبَ بِهِ خَيرَ الدُّنيا والآخِرَة. وقَد كانَ لُقمانُ الحَكيمُ يَعِظُ ابنَهُ ويَختَبِرُ فَهمَهُ لِلحَياة، فَقالَ لَهُ كَما خَلَّدَ القُرآن: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]. يُعَلِّمُهُ الصَّلابَة، ويُعَلِّمُهُ المَسؤوليَّةَ المُجتَمَعِيَّة (الأمر بالمعروف)، ويُهيِّئُهُ لِتَحَمُّلِ التَّبِعات (واصبِر عَلى ما أصابَك). نَسألُ اللهَ تَعالى أن يُصلِحَ لَنا نِيَّاتِنا وذُرِّيَّاتِنا، وأن يَجعَلَهُم قُرَّةَ عَينٍ لنا في الدُّنيا والآخِرَة. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ لله حَمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، المَبعوثُ رَحمَةً لِلعالَمين، وسِراجًا لِلمُهتَدين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجَمَعين. أمَّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن أهَمِّيَّةِ اختِبارِ عُقولِ أبنائِنا ومَدى رُشدِهِم، ووَقَفنا مَعَ آيَةِ ابتِلاءِ الأيتامِ، وكَيفَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وصَحابَتَهُ كانوا يُحاوِرونَ الشَّبابَ ويَستَفِزُّونَ قُدرَتَهُم على التَّفكيرِ وصُنعِ القَرار. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَلِيِّ الأَهَمّ: كَيفَ نُطَبِّقُ هَذا ونَحنُ نَعيشُ مَعَهُم تَحتَ سَقفٍ واحِد؟ أُوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لَعَلَّ اللهَ أن يَنفَعَ بِها البُيوت: الأولى (قَلبيَّة): عَلِّم ابنَكَ أن يَختَبِرَ قَراراتِهِ بِمِيزانِ المُراقبَةِ لله. لا تَقُل لَه دائمًا: "أنا أُعاقِبُك"، بَل قُل لَه: "اللهُ يَراك". الشَّابُّ الَّذي يَستَفتي قَلبَهُ ويَستَحضِرُ نَظَرَ اللهِ إلَيه — كَما فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيهِ السَّلامُ فِي خَلوَتِه — هُوَ شابٌّ قَد نَضَجَ عَقلُهُ الإيمانِيّ، ولَن تُؤَثِّرَ فيهِ فِتَنُ الشَّاشاتِ فِي خَلوَتِه. الثانية (لِسانيَّة): استَمِع إلَيهِم أكثَرَ مِمَّا تَتَكَلَّم، واطرَح عَلَيهِم أسئِلَةً مَفتوحَة. إذا عادَ مِن مَدرَسَتِهِ أو جامِعَتِه لا تَقُل لَه فَقَط: "هَل دَرَست؟"، بَل سَلهُ: "ما هُوَ أجمَلُ شَيءٍ سَمِعتَهُ اليَوم؟" "ما رَأيُكَ فِي المَوقِفِ الفُلانيّ؟". السُّؤالُ هُوَ المِفتاحُ الَّذي يَفتَحُ أقفالَ العُقول، وهُوَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ أَصيلَة. الثالثة (عَمَليَّة): حَمِّلهُم مَسؤولِيَّةً فِعلِيَّةً اليَوم! لا تَجعَلِ ابنَكَ ضَيفَ شَرَفٍ فِي البَيت يَأكُلُ ويَنامُ فَقط. أَعطِهِ مَبلَغًا مِنَ المالِ ليَشتَرِيَ غَرَضًا لِلأُسرَةِ ودَعهُ يُفاوِض. أَعطِهِ مُهِمَّةً إصلاحِيَّةً فِي البَيتِ ولَو أخطَأ. الشَّابُّ الَّذي لا يَتَحَمَّلُ المَسؤولِيَّةَ صَغيرًا، سَيَنهَزِمُ أمامَ أوَّلِ أزمَةٍ بَعدَ أن يَتَزَوَّجَ ويُصبِحَ أَبًا. الرابعة (اجتماعيَّة): أدمِجهُم فِي مَجالِسِ الكِبار. خُذ ابنَكَ مَعَكَ إلَى صَلاةِ الجُمُعَة، إلَى مَجالِسِ العِلم، إلَى زيارَةِ الأرحام، إلَى عِيادَةِ المَريض. حُضورُ المَجالِسِ "مَدارِس"، تَبنِي فِي شَخصِيَّتِهِ الأَدَب، وتُعَلِّمُهُ كَيفَ يُنصِتُ وكَيفَ يَتَحَدَّث. وقد قال ﷺ: «مُروا أولادَكُم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سَبع...». فالتَّدريبُ المُبَكِّرُ نَجاة. الخامسة (موضوعيَّة): اسمَح لَهُ أن يَفشَلَ تَحتَ رِعايَتِك! الآباءُ الَّذينَ يَمحُونَ كُلَّ عَقَبَةٍ مِن طَريقِ أبنائِهِم يُدَمِّرونَ مُقاوَمَتَهُمُ النَّفسِيَّة. دَعهُ يُخطِئ فِي اختِيارٍ صَغير، دَعهُ يَذوقُ مَرارَةَ التَّقصيرِ فِي واجِب، لِيَتَعَلَّمَ كَيفَ يَنهَض. الألَمُ المِقدَارُ فِي الصِّغَرِ يُوَلِّدُ المَناعَةَ لِلكِبَر. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ هَؤُلاءِ الأبناءَ هُم حَصادُ عُمُرِكُم، وصَحائِفُكُم المَفتوحَةُ بَعدَ مَوتِكُم.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، عَمَلًا بِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجَمَعين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ الَّذينَ يُربُّونَ أبناءَهُم على عُبودِيَّتِك، ويَغرسونَ فِي قُلوبِهِم مَحَبَّتَك. اللَّهُمَّ أصلِح لَنا نِيَّاتِنا وذُرِّيَّاتِنا، واجعَلهُم هُداةً مُهتَدين، غَيرَ ضَالِّينَ ولا مُضِلِّين. اللَّهُمَّ حَصِّن عُقولَ شَبابِ المُسلِمينَ مِنَ الشُّبُهات، وطَهِّر قُلوبَهُم مِنَ الشَّهَوات، واجعَلهُم بُناةً لِدِينِهِم وأوطانِهِم. اللَّهُمَّ أَعِن كُلَّ أَبٍ وأُمٍّ على أداءِ هَذِهِ الأَمانَة، وارزُقهُمُ الحِكمَةَ والصَّبر، واجعَل أبناءَهُم قُرَّةَ عَينٍ لَهُم فِي الدُّنيا والآخِرَة. اللَّهُمَّ مَن كانَ مِن أبنائِنا عاصِيًا فَرُدَّهُ إلَيكَ رَدًّا جَميلًا، ومَن كانَ مِنهُم طائِعًا فَثَبِّتهُ واهدِهِ إلَى صِراطِكَ المُستَقيم. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربىٰ، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.