🕌 دخولُ المدارس... بِناءُ عُقولٍ وصِناعَةُ أُمَّة
#خطبة_جمعة #الدخول_المدرسي #طلب_العلم #تربية_الأبناء #المعلم #الأسرة #أخلاق
الحمدُ للهِ الذي عَلَّمَ بالقَلَم، عَلَّمَ الإنسانَ ما لم يَعلَم، ورَفَعَ أهلَ العِلمِ والإيمانِ دَرَجاتٍ لا يَبلُغُها غيرُهم في الدُّنيا والآخرة. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ طَلَبَ العِلمِ طريقًا مُعَبَّدًا إلى الجنَّة، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، المُعَلِّمُ الأوَّل، والمُربِّي الأعظم، الذي بُعِثَ ليُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخلاق، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ:
ملايينُ الحقائبِ تُحمَلُ كلَّ صباحٍ على ظُهورِ أبنائنا، وملايينُ الخُطواتِ تَسيرُ في الطُّرقاتِ نَحوَ أبوابِ المدارس. الآباءُ يَستَنزِفون أموالَهم، والأمَّهاتُ يَستَنزِفنَ أعمارَهُنَّ في التَّجهيزِ والمُتابَعة. ولكن، وَسَطَ هذا الزِّحام، غابَ مَعنىً عَظيمٌ لو أدرَكناه، لَتَحَوَّلَت هذه الرِّحلةُ اليوميَّةُ المُتعِبَةُ إلى أعظَمِ بابٍ من أبوابِ الجَنَّة. ما هو هذا المعنى الغائب؟ وكيف نَجعَلُ من الذَّهابِ إلى المدرسةِ عِبادَةً تُثَقِّلُ الميزان؟ هذا ما سنَقِفُ عليه اليوم.
أيُّها المؤمنون، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا: لِماذا كانَت أوَّلُ كَلِمةٍ نَزَلَت من السَّماءِ إلى الأرضِ في رسالةِ الإسلامِ هي كَلِمة ﴿اقْرَأْ﴾؟
لم يَنزِلِ الأمرُ بالصَّلاةِ أوَّلًا، ولا بالصِّيام، ولا بالزَّكاة، بل نَزَلَ الأمرُ بالعِلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. لِماذا؟ لأنَّ الجَهلَ أعمى، والأعمى لا يَهتَدي إلى قِبلَة، ولا يَعرفُ كَيفَ يَعبُدُ رَبَّه. العِلمُ هو النُّورُ الذي تَنكَشِفُ به الطَّريق.
قال الإمامُ البُخاريُّ رحمه الله في صَحيحِه: "بابٌ: العِلمُ قَبلَ القَولِ والعَمَل"، واستَدَلَّ بقَولِهِ تَعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: 19]، فبَدَأ بالعِلمِ قَبلَ الاستغفارِ والعَمَل.
عبادَ الله، في هذه الأيَّام، تَفتَحُ المدارسُ والجامعاتُ أبوابَها، وتَعودُ الحياةُ إلى فُصولِ الدِّراسة. وإنَّنا في هذا المَوسِمِ العَظيم، نَحتاجُ إلى وَقفاتٍ صادقةٍ مع أطرافِ هذه العَمَليَّة: مع النِّيَّة، ومع الأسرة، ومع المُعَلِّم، ومع الطَّالب.
أمَّا الوَقفةُ الأُولى: فهي مع تصحيح النِّيَّة.
يا عبادَ الله، اسألوا أبناءَكم: لماذا تَذهَبون إلى المدرسة؟ بل اسألوا أنفُسَكم: لِماذا نُرسِلُهم؟
إن كانَ الجوابُ في قُلوبنا: "لِيَحصُلوا على شهادة، ثُمَّ وَظيفة، ثُمَّ رِزق"... فهذا هَدَفٌ مُباح، ولكنَّه جَعَلَ الرِّحلةَ دُنيَويَّةً بَحتة، لا أجرَ فيها في السَّماء!
اسمعوا إلى ما يَقولُه أصدَقُ الخَلقِ ﷺ: «مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» [رواه مسلم].
لو أنَّ الأبَ وَقَفَ مع ابنِه في أوَّلِ صباح، وقال له: "يا بُني، اذهَب وتَعَلَّم لِتَنفَعَ نَفسَك، وتَنفَعَ أُمَّتَك، ولِتَكونَ مُسلمًا قَويًّا يَخدُمُ دِينَهُ وعِبادَ الله"... لَتَحَوَّلَت سُطورُ الكُتُبِ إلى حَسَنات، ولَتَحَوَّلَ تَعَبُ الأمِّ في تَجهيزِ ثِيابِهم إلى رِفعةٍ في الدَّرَجات!
يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله: "إنَّ العَبدَ لَيَبلُغُ بالنِّيَّةِ مالا يَبلُغُهُ بالعَمَل". حَوِّلوا عاداتِكم إلى عِبادات، وغَيِّروا مَقاصِدَ أبنائكم من التَّنافُسِ على الدُّنيا فَحَسب، إلى التَّنافُسِ على عِمارَةِ الأرضِ بِما يُرضي الله.
وأمَّا الوَقفةُ الثَّانية: فَمَعَ الآباءِ والأمَّهات... صُنَّاعِ الأجيال.
أخِي الأب، أُختي الأُم... كَثيرٌ مِنَّا يَظُنُّ أنَّ دَورَهُ يَنتَهي عِندَ بابِ المَكتَبَة؛ يَشتَري الحَقيبَة، والأقلام، والدَّفاتِر، ويَدفَعُ الرُّسوم، ثمَّ يَنفُضُ يَدَيهِ مُعتَقِدًا أنَّ المَدرَسَةَ ستَتَوَلَّى الباقي. وهذا واللهِ وَهمٌ عَظيم!
المَدرَسَةُ تُعَلِّمُ الحِسابَ والقِراءَة، لكِنَّ مَن يُعَلِّمُ الخَوفَ من الله؟ مَن يُعَلِّمُ المُراقَبة؟ مَن يَغرِسُ الصِّدقَ وحِفظَ اللِّسان؟ إنَّهُ أنت!
يقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. لم يَقُل "عَلِّموهم الحِساب"، بل قال: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، والوِقايَةُ من النَّارِ تَكونُ بغَرسِ العَقيدةِ وتَزكيَةِ النُّفوس.
كيف نَرضى أن نُوقِظَ أبناءَنا للمَدرَسَةِ وهُم نِيام، نَنزِعُ عنهُم الغِطاءَ في البَردِ رَحمةً بِمُستَقبَلِهم الدُّنيَوي، ثُمَّ نَترُكُهُم نِيامًا في صَلاةِ الفَجر، تَأكُلُهُم النَّارُ في الآخِرة؟! أيُّ رَحمةٍ هذه التي تَخافُ على الابنِ من غَضَبِ المُعَلِّم، ولا تَخافُ عليه مِن غَضَبِ الجَبَّار؟
واللهِ إنَّ العَينَ لَتَدمَع، وإنَّ القَلبَ لَيَحزَن، حِين نَرى الأبَ يَغضَبُ ويُزبدُ ويُرعدُ إذا رَسَبَ ابنُهُ في مادَّةٍ دِراسيَّة، ولكِنَّهُ يَبتَسِمُ ابتِسامةً باردةً إذا عَلِمَ أنَّ ابنَهُ لا يَركَعُ للهِ رَكعة! لقدِ انقَلَبَتِ المَوازين.
قال ابنُ القَيِّم رحمه الله في كَلامٍ نَفيسٍ يَكتُبُ بماءِ العَين: "ومَن أهمَلَ تَعلِيمَ وَلَدِهِ ما يَنفَعُهُ وتَرَكَهُ سُدًى، فقد أساءَ إليهِ غايَةَ الإساءة. وأكثَرُ الأولادِ إنَّما جاءَ فَسادُهُم مِن قِبَلِ الآباءِ، وإهمالِهِم لهم، وتَركِ تَعليمِهِم فَرائضَ الدِّينِ وسُنَنَه".
تَأمَّلوا معي هذا المَشهَدَ التَّاريخيَّ العَجيب:
أُمُّ الإمامِ مالِكٍ رحمه الله... ماذا كانت تَفعَلُ معه وهو صَغير؟ كانت تُلبِسُهُ أحسَنَ الثِّياب، وتُعَمِّمُه بعِمامة، ثُمَّ تَقولُ له كلمةً تَوزَنُ بالجِبال، تَقول: "يا مالِك، اذهَب إلى رَبيعة (أستاذِه)، فَتَعَلَّم مِن أدَبِهِ وقَوارِهِ قَبلَ أن تَتَعَلَّمَ مِن عِلمِه".
الله أكبر! تَعَلَّم مِن أدَبِه قَبلَ عِلمِه! لأنَّ العِلمَ بِلا أدَبٍ كالسَّيفِ بيدِ المَجنون، لا يَزيدُهُ إلَّا خَرابًا. وهذا ما يَقولُهُ عبدُ اللهِ بنُ المُبارَك رحمه الله: "نَحنُ إلى قَليلٍ مِنَ الأدَب، أحوَجُ مِنَّا إلى كَثيرٍ مِنَ العِلم".
الوَقفةُ الثَّالثة: مع تاجِ الرُّؤوس... مع المُعَلِّم.
أيُّها المُعَلِّمُ والمُعَلِّمة، يا مَن تَقِفونَ أمامَ السَّبُّورات، وتُمسِكون بالطباشير والأقلام، وتَنظُرون في عُيونِ أبنائنا... هل أدرَكتُم يَومًا حَجمَ المَقامِ الذي أقامَكُمُ اللهُ فيه؟
أنتم لَستُم مُوَظَّفينَ تَنتَظِرونَ راتِبًا في آخِرِ الشَّهر. الرَّاتِبُ سَدٌّ لِحاجَةِ الدُّنيا، أمَّا في السَّماء، فأنتُم في مَقامِ وَرَثَةِ الأنبياء!
يَقولُ اللهُ تَعالى في حَقِّكُم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
واسمَعوا لهذا الحَديثِ العَظيم، الذي واللهِ لو لم يَكُن للمُعَلِّمِ فَضلٌ سِواه لَكَفاه. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].
يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! حيتانُ البَحرِ في ظُلُماتِ المُحيطات، ونَملُ الأرضِ في جُحورِهِ المُغلَقَة، يَسأَلونَ اللهَ الرَّحمَةَ والمَغفِرَةَ لِمُعَلِّمِ الخَير! لماذا؟ لأنَّ المُعَلِّمَ إذا غَرَسَ في النُّفوسِ مَعنى الرَّحمَة، رَحِمَ الإنسانُ النَّملَةَ والحُوت، فكانَ شُكرُ الخَلائِقِ كُلِّها لِهذا المُعَلِّم.
يا أيُّها المُعَلِّم، رُبَّما تَدخُلُ الفَصلَ وأنتَ مُتعب، ورُبَّما تُعاني مِن ضِيقِ ذاتِ اليَد، ورُبَّما لا تَجِدُ تَقْديرًا مِن مُجتَمَعٍ قَدِ اختَلَّت فيهِ بَعضُ المَوازين... لكِن تَذَكَّر: أنتَ تَكتُبُ اسمَكَ في صَحائِفِ صَدَقاتٍ جارِيَة لا تَموت!
كَم مِن طِفلٍ تَعَلَّمَ نُطقَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على يَدَيك، فَلَكَ أجرُها كُلَّما صَلَّى إلى أن يَموت. كم مِن سُلوكٍ قَوَّمتَه، وكَم مِن شُبهَةٍ دَفَعتَها.
يقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رحمه الله: "لَولا العُلَماءُ لَصارَ النَّاسُ مِثلَ البَهائم".
فيا أخي المُعَلِّم، اتَّقِ اللهَ في أبنائنا. كُن لَهُم أَبًا قَبلَ أن تَكونَ مُلَقِّنًا. اربُط قُلوبَهُم بالخالِقِ وأنتَ تُعَلِّمُهُم أسرارَ المَخلوقات. إذا عَلَّمتَهُم الطِّبَّ فقُل: هذا صُنعُ اللهِ الذي أتقَنَ كُلَّ شَيء. وإذا عَلَّمتَهُم الفَلَكَ فَقُل: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾. اربِط العِلمَ بالدِّين، تَصنَع جِيلًا لا يُقهَر.
والوَقفةُ الرَّابعة: مَعَكَ أنتَ يا طالِبَ العِلم.
يا شَبابَنا، ويا فَتَياتِنا... في زَمَنٍ كَثُرَت فيهِ المُلهيات، وسِلاحُ الشَّاشاتِ يَسرِقُ أوقاتَكُم وعُقولَكُم، تَذَكَّروا أنَّكُم أمَلُ هذهِ الأُمَّة.
اللهُ لم يَخلُقكُم لِتَكونوا مُجَرَّدَ مُستَهلِكينَ في الأرض، تَأكُلون وتَشرَبون وتَلعَبون. بل خَلَقَكُم لِتَكونوا خُلَفاءَ في الأرض.
لا تَنظر إلى دِراسَتِكَ على أنَّها عِبءٌ مُمِلّ. بل هي السِّلاحُ الذي تَنصُرُ بهِ نَفسَك ودِينك. الأُمَّةُ الجاهِلَةُ تَدوسُها الأُمَم، والأُمَّةُ العالِمَةُ تَقودُ الأُمَم.
وأوَّلُ خُطواتِ النَّجاح: احتِرامُ مَن يُعَلِّمُك. قالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ رحمهُ الله: "كُنتُ أَصفَحُ الوَرَقَةَ بَينَ يَدَي مالِكٍ (أي أُقَلِّبُها) صَفحًا رَقيقًا هَيبَةً لَهُ لِئَلَّا يَسمَعَ وَقعَها". هذا هو التَّوقيرُ الذي صَنَعَ العُظَماء.
واحذَر يا بُنيَّ مِن رُفَقاءِ السُّوء. فإنَّ المَدرَسَةَ بيئَةٌ تَجمَعُ الصَّالِحَ والطَّالِح. وقد قالَ اللهُ مُحَذِّرًا: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. صاحِب مَن يَدُلُّكَ على المَسجِدِ قَبلَ المَقهى، ومَن يَرفَعُ هِمَّتَكَ قَبلَ أن يَجُرَّكَ إلى المُخالَفات. المَرءُ عَلى دِينِ خَليلِه.
عبادَ الله، إنَّ رِحلَةَ المَدرَسَةِ الحَقيقيَّة، هي رِحلَةُ صِناعَةِ الإنسانِ الصَّالِح. الإنسانِ الذي يَعرِفُ كيفَ يَعمُرُ الدُّنيا بِعِلمِه، وكيفَ يَعمُرُ الآخِرَةَ بِتَقواه. فإذا غابَت إحدى العِمارَتَين، سَقَطَ البِناء.
بارَكَ اللهُ لي ولَكُم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعني وإيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عن مَكانَةِ العِلمِ في دِينِنا، ووَقَفنا مع أمانَةِ الآباءِ في غَرسِ الأدَبِ قَبلَ العِلم، وتَدَبَّرنا في مَقامِ المُعَلِّمِ العَظيم، ووَجَّهنا رِسالَةً لِطالِبِ العِلم. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمّ: كيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ مَع أبنائنا في هذا العامِ الدِّراسيِّ الجَديد؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبري هذا:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا النِّيَّةَ كُلَّ صَباح. قَبلَ أن يَخرُجَ ابنُكَ من الباب، ضَع يَدَكَ على رأسِه وقُل له: "اذهَب يا بُنيَّ وتَعَلَّم، لِتَرفعَ الجَهلَ عَن نَفسِك وتَنفَعَ المُسلمين". كَلِمةٌ واحِدَة، تُحَوِّلُ سَاعاتِ يَومِهِ كُلِّها إلى حَسَنات.
الثانية (لِسانيَّة): حَصِّنوا أبناءَكُم بِالدُّعاءِ والاستِيداع. في زَمَنِ الفِتَنِ والشُّبُهاتِ التي تَغزو المَدارِسَ والهَواتِف، أنتَ لا تَملِكُ حِمايَتَهُم في كُلِّ لَحظَة، لكنَّ اللهَ يَقدِر. قُل دائمًا: "أستَودِعُكَ اللهَ الذي لا تَضيعُ ودائِعُه". دُعاءُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ مُستَجابٌ لا تَرُدُّهُ السَّماء.
الثالثة (عَمَليَّة): راقِبوا صَلاةَ أبنائِكُم قَبلَ أن تُراقِبوا دَرجاتِهِم وواجِباتِهِم. لا جَيرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فيه. إنَّ الشَّابَّ الذي يَنضَبِطُ في حُضورِ الحِصَّة، ويَتَأخَّرُ عَن حُضورِ الصَّلاة، هو شَابٌّ نَجَحَ في امتِحانِ الدُّنيا، ورَسَبَ في امتِحانِ الآخِرة. ابدَؤوا يَومَهُم بِصَلاةِ الفَجر، فَمَن صَلَّى الفَجرَ فهو في ذِمَّةِ الله.
الرابعة (اجتماعيَّة): ازرَعوا في أبنائكُمُ احتِرامَ المُعَلِّمين. لا تَسمَحوا لِوَلَدٍ أن يَسخَرَ مِن مُعَلِّمِهِ في البَيت. الأبُ الذي يُقَلِّلُ مِن قيمَةِ المُعَلِّمِ أمامَ ابنِه، يَهْدِمُ الجِسرَ الوحيدَ الذي سَيَعبُرُ مِنهُ العِلمُ إلى عَقلِ ابنه. "مَن لَم يُوَقِّر كَبيرَنا ولَم يَعرِف لِعالِمِنا حَقَّهُ فلَيسَ مِنَّا".
الخامسة (موضوعيَّة): يا مَعاشِرَ المُعَلِّمين، اتَّقوا اللهَ في أبناءِ المُسلمين. عامِلوهُم كَما تُحِبُّونَ أن يُعامَلَ أبناؤُكُم. الكَلِمَةُ الطَّيِّبةُ مِنكُم قَد تُنقِذُ طالِبًا مِنَ الضَّياع، والقَسوةُ في غَيرِ مَحَلِّها قَد تَكسِرُ قَلبًا لا يَنجَبِر. كُونوا قُدوَةً حَسَنَةً، فإنَّ العُيونَ مَعقودةٌ بِكُم.
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ هؤلاءِ الأبناءَ غَرسُ أيديكُم، فَمَن أحسَنَ سِقايَتَهُم، طابَ حَصادُهُ في الدُّنيا، وقَرَّت عَينُهُ بِهِم يَومَ القِيامَة.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عبدِكَ ورسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ في هذا اليَومِ المُبارَك أن تَحفَظَ أبناءَنا وبَناتِنا مِن كُلِّ سُوءٍ ومَكروه.
اللَّهُمَّ حَصِّن عُقولَهُم مِن الشُّبُهات، ونَقِّ قُلوبَهُم مِن الشَّهَوات، وارزُقهُم العِلمَ النَّافِعَ والعَمَلَ الصَّالِح.
اللَّهُمَّ اجعَلهُم هُداةً مُهتَدين، غَيرَ ضَالِّينَ ولا مُضِلِّين، قُرَّةَ عَينٍ لَنا في الدُّنيا والآخِرة.
اللَّهُمَّ بارِك في جُهودِ المُعَلِّمينَ والمُعَلِّمات، واجزِهِم عَن أبنائِنا خَيرَ الجَزاء، وارزُقهُم الإخلاصَ في القَولِ والعَمَل، واجعَل ما يُقَدِّمونهُ في مَوازينِ حَسَناتِهِم يَومَ يَلقَونَك.
اللَّهُمَّ أعِنَّا على تَربيَةِ أولادِنا، وأصلِح شَأنَ أُسَرِنا، واجعَل بُيوتَنا عامِرَةً بِذِكرِكَ وطاعَتِك.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، وارحَم مُستَضعَفيهِم، واربُط على قُلوبِهِم، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجًا.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
دخولُ المدارس... بِناءُ عُقولٍ وصِناعَةُ أُمَّة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.