من مكتبة مِداد الخطيب

الرِّشوَة... سُحتٌ يُهلِكُ العِبادَ ويَهدِمُ البِلاد

مشاركة
🕌 الرِّشوَة... سُحتٌ يُهلِكُ العِبادَ ويَهدِمُ البِلاد #خطبة_جمعة #الرشوة #أكل_أموال_الناس_بالباطل #الفساد #الرزق_الحلال #أخلاق #فقه الحمدُ للهِ العَدلِ الحَكَم، اللَّطيفِ الخَبير، الذي قَسَمَ الأرزاقَ بحكمَتِه، وأمَرَ عبادَهُ بطَلَبِ الحَلالِ وتَحَرِّي طِيبِ المَكاسب، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، حَرَّمَ الظُّلمَ وأكلَ أموالِ النَّاسِ بالباطِل، وجَعَلَ الرِّزقَ الحلالَ مِفتاحًا لقَبولِ الدُّعاء. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أطْيَبُ النَّاسِ مَطْعَمًا، وأعظَمُهُم أمانةً، بَشيرُ التَّائبينَ ونَذيرُ المُتَجَرِّئينَ على حُدودِ الله، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي ذنباً واحداً... إذا دَخَلَ بَيتاً نَزَعَ بَرَكتَه، وإذا دَخَلَ مُجتمعاً أسقَطَ عَِدالَتَه، بَل وإذا دَخَلَ بَطنَ إنسانٍ مَنَعَ دُعاءَه من الصُّعودِ إلى السَّماء ولو كانَ ساجداً يَبكي في جَوفِ اللَّيل! ذنبٌ استَهانَ به بَعضُ النَّاسِ اليومَ حتَّى بَدَّلوا اسمَه، وزَيَّنوا صورَتَه، وظَنُّوا أنَّه شَطارةٌ ومَهارة... فما هو هذا السُّحتُ المُهلِك؟ وكيفَ نُطَهِّرُ أنفُسَنا ومُجتَمَعاتِنا مِنه؟ جَوابٌ تَشتَدُّ إليهِ حاجَتُنا اليومَ أكثرَ من أيِّ وَقتٍ مَضى. معاشِرَ المُصلِّين، إنَّنا نَعيشُ في زَمَنٍ التَبَسَت فيهِ المَفاهيم، وضَعُفَت فيهِ الرَّقابةُ الذَّاتيَّةُ في قُلوبِ كَثيرٍ من الخَلق، حتَّى صارَ أكلُ الحَرامِ عِندَ بَعضِهِم أسهَلَ من شُربِ الماءِ البارِد. وإنَّ من أعظَمِ أبوابِ الحَرامِ التي استَشرَت في المُجتَمَعات، ونَخَرَت في جَسَدِ الأُمَّةِ، بابَ "الرِّشوَة". تلكَ الآفَةُ المَذمومة، والجَريمَةُ المَشؤومة، التي تَقومُ على دَفعِ المالِ أو المَنفَعةِ لإبطالِ حَقٍّ، أو إحقاقِ باطِل، أو تَقديمِ مَن لا يَستَحِق، أو تَأخيرِ مَن يَستَحِق، أو الحُصولِ على مَنفَعةٍ لا تَحِلُّ لِصاحِبِها. واسمَعوا لِهذه الآيةِ العَظيمةِ يا عِبادَ الله، وتَأمَّلوا كيفَ صَوَّرَ اللهُ جلَّ جَلالُهُ هذا الفِعلَ القَبيح. يقولُ سُبحانَهُ وتَعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 188]. تَأمَّلوا... لَم يَقُل "وتُعطوها إلى الحُكَّام"، بَل قالَ: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾! والإدلاءُ في اللُّغةِ هو إنزالُ الدَّلوِ في البِئرِ لاستِخراجِ الماء خِفيَةً في ظَلامِ الجُبّ. وكأنَّ القُرآنَ يَرسُمُ لَنا صُورةَ الرَّاشي الذي يَتَسَلَّلُ في الخَفاء، ويَدفَعُ مالَهُ سِرّاً من تَحتِ الطَّاوِلَة، كما يُنزِلُ دَلوَهُ في البِئرِ المُظلِمَة، لِيَستَخرِجَ حَقّاً لَيسَ لَه! سُبحانَ الله! كيفَ يَصِفُ القُرآنُ خَبايا النُّفوسِ وأفعالَ الماكِرين! يا أُمَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ، هَل سَألتُم أنفُسَكُم يَوماً: لِماذا كانَ وِزرُ الرِّشوَةِ عَظيماً إلى هذا الحَدّ؟ لأنَّها لَيسَت مُجرَّدَ مَعصيَةٍ بَينَ العَبدِ ورَبِّه، بَل هيَ ظُلمٌ مُتَعَدٍّ يَحرِمُ أصحابَ الحُقوقِ حُقوقَهُم. إنَّ الرِّشوَةَ إعلانٌ صارِخٌ لانعِدامِ المَخافَةِ منَ الله، وتَكذيبٌ عَمَليٌّ بأنَّ اللهَ هو الرَّزَّاق. ولِذلِكَ جاءَ الوَعيدُ النَّبَويُّ قاطِعاً حاسِماً، لا يَحتَمِلُ التَّأويل. يَقولُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ». قِفوا عِندَ كَلِمَةِ "لَعَنَ". اللَّعنُ لَيسَ غَضَباً عادِياً، اللَّعنُ هوَ الطَّردُ والإبعادُ من رَحمَةِ الله! مَن مِنا يَستَغني عَن رَحمَةِ اللهِ طَرفَةَ عَين؟ مَن مِنا يَتَحَمَّلُ أن يَموتَ وهو مَطرودٌ من رَحمَةِ أرحَمِ الرَّاحِمين؟ ومعَ ذلِكَ، يَأتي إنسانٌ ضَعيف، يَبيعُ رَحمَةَ اللهِ وسِترَهُ بِدُريْهِماتٍ مَعدودات، أو بِمَنصِبٍ زائِل، أو بِمُعاملَةٍ تُنجَزُ لَه! ولَعَلَّكُم تَسألون: وهَل يَقَعُ المُسلِمُ في مِثلِ هذا العَمَلِ القَبيحِ وهو يَعلَمُ أنَّهُ مَلعون؟ والجَوابُ الذي يُدمي القَلب: نَعَم. ولَكِنَّ الشَّيطانَ لا يَأتيهِ فَيَقولُ لَهُ: "خُذ الرِّشوَة". بَل يَتَلاعَبُ بالمُسَمَّيات، ويُغَيِّرُ الألفاظ. يَقولُ لَه: "هذهِ هَديَّة، هذهِ إكراميَّة، هذهِ حَلاوَة، هذهِ أتعاب، هذا مَجهودُك"! يا سُبحانَ الله! ومُذ مَتى كانَتِ الأسماءُ المُزَخرفَةُ تُحَلِّلُ الحَرام؟ هَل إذا سَمَّينا الخَمرَ مَشروباً رُوحيّاً صارَت حَلالاً؟ هَل إذا سَمَّينا الرِّبا فائِدَةً صارَ طَيِّباً؟ كَذلِكَ الرِّشوَةُ، سَمِّها ما شِئت، هيَ سُحتٌ ونارٌ تأكُلُها في بَطنِك. واسمَعوا لِهذا المَوقِفِ النَّبَويِّ العَظيم، حينَ غَضِبَ النَّبيُّ ﷺ غَضَباً شَديداً لمَّا رَأى هذا التَّلاعُبَ بالمُسَمَّيات. يُخبِرُنا الصَّحابيُّ الجَليلُ أبو حُمَيدٍ السَّاعِديُّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ استَعمَلَ رَجُلاً
مِنَ الأَزدِ يُقالُ لَهُ "ابنُ اللُّتبيَّة" على جَمعِ الصَّدقات والزَّكاة. فَلَمَّا قَدِمَ الرَّجُلُ بالمال، فَرَزَهُ قِسمَين. أشارَ إلى القِسمِ الأوَّلِ وقال: "هذا لَكُم (أي زَكاةٌ للدَّولَة)"، ثُمَّ أشارَ إلى القِسمِ الثَّاني وقال: "وهذا أُهدِيَ إلَيَّ"! هَديَّة! هَكَذا ظَنَّ الرَّجُل. لَكِن كيفَ كانَ رَدُّ فِعلِ النَّبيِّ ﷺ؟ هَل تَبَسَّمَ لَهُ وقالَ: جَزاكَ اللهُ خَيراً؟ لا! بَل غَضِبَ غَضَباً شَديداً، وصَعِدَ المِنبَرَ، وحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عَلَيه، ثُمَّ أطلَقَ كَلِماتٍ حاسِماتٍ تَهُزُّ قُلوبَ كُلِّ مُوظَّفٍ ومَسؤولٍ إلى يَومِ القِيامَة. قالَ ﷺ: «مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي؟! فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ، حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟!». اللهُ أكبَر! أيُّ مِعيارٍ دَقيقٍ هذا! أيُّ مِيزانٍ عَظيمٍ يَضَعُهُ النَّبيُّ ﷺ لِيَكشِفَ كُلَّ الأقنِعَة؟ إذا كُنتَ تَظُنُّ أنَّ هذهِ المبالِغَ التي تُدفَعُ إلَيكَ، أو الهَدايا التي تُرسَلُ إلى مَكتَبِكَ، هي مَحَبَّةٌ في شَخصِك، فَاجلِس في بَيتِ أبيكَ وأُمِّك بَعدَ أن تَتَقاعَد أو تُفصَل، وانظُر.. هَل سَيَطرُقُ بابَكَ أحَدٌ لِيُعطيَكَ هَديَّة؟ لا والله! إنَّما أعطَوكَ لِكُرسِيِّك، ومَنصِبِك، وقَلَمِك، وَخَتمِك الذي بِيَدِك. فَهيَ رِشوَةٌ مُغَلَّفةٌ بِغِلافِ الهَديَّة، وسُحتٌ مُزَيَّنٌ بِزينةِ الكَرَم! وقَد فَقِهَ السَّلَفُ الصَّالِحُ هذا المَعنى جَيِّداً. ذَكَرَ الإمامُ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ في رِسالتِه، وكَذا رُوِيَ عَن عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أنَّهُ اشتَهى يَوماً تُفَّاحاً فَلَم يَجِد ثَمَنَه. فَأهداهُ أحَدُ عُمَّالِهِ طَبَقاً من تُفَّاح، فَرَدَّهُ عُمَر. فَقيلَ لَهُ: يا أميرَ المُؤمِنين، هَلَّا قَبِلتَه؟ وقَد كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقبَلُ الهَديَّة! فَأجابَ العالِمُ الرَّبَّانيُّ بِجَوابٍ يُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب، قال: "إنَّها كانَت لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ هَديَّة، وهيَ لَنا اليَومَ رِشوَة!". لِماذا؟ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ يُهدى لَهُ لِنُبوَّتِهِ وحُبِّ النَّاسِ فيه، أمَّا المُوظَّفُ والعامِلُ والأمير، فَيُهدى لَهُ لِمَنصِبِهِ ومَصلَحَةِ المُهدي عِندَه! إخوَتي في الله، دَعونا نَنتَقِلِ الآنَ إلى الجانِبِ الأكثَرِ إيلاماً. إلى الدَّمارِ الصَّامِتِ الذي تُحدِثُهُ الرِّشوَةُ في حَياتِنا. هَل سَألتُم أنفُسَكُم يَوماً لِماذا تَتَخَلَّفُ بَعضُ الأُمَم، وتَنهارُ المُؤسَّسات، وتَكثُرُ المَظالِم؟ إنَّهُ بِسَبَبِ الرِّشوَةِ، مَتى ما شاعَت، انقَلَبَتِ المَوازين. تَخيَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ الواقِعيَّ المُؤلِم... شابٌّ مُجتَهِد، يَسهَرُ اللَّيالي، ويَحفَظُ الكُتُب، ويُتني عُمُرَهُ في الدِّراسَةِ لِعِشرينَ عاماً. يَتَخَرَّجُ بامتِياز، ويَحمِلُ شَهادَتَهُ وُكُلُّهُ أملٌ أن يَخدِمَ مُجتَمَعَهُ ويَبرَّ والِدَيهِ اللَّذَينِ تَعبا من أجلِه. يَتَقَدَّمُ لِوَظيفَةٍ هُوَ أحَقُّ النَّاسِ بِها. وفي الجِهَةِ المُقابِلَة، هُناكَ مَن هو أضعَفُ مِنهُ عِلماً وكَفاءَةً، وأقَلُّ مِنهُ خُلُقاً، لَكِنَّهُ يَملِكُ "المال" أو "الواسطة المبنية على المنافع المتبادلة". تُدفَعُ الرِّشوَةُ في الخَفاء.. وبِجَرَّةِ قَلَمٍ ظالِمَة، يُستَبْعَدُ الشَّابُّ الكُفء، ويُعَيَّنُ الشَّخصُ الفاسِد! باللَّهِ عَلَيكُم... هَل تَشعُرونَ بِحُرقَةِ قَلبِ هذا الشَّاب؟ هَل تَرونَ دَمعَتَهُ عِندَما يَعودُ إلى أُمِّهِ مَكسوراً مَظلوماً؟ أيُّها المَسؤولُ المرتَشي... أيُّها المُوظَّفُ الذي أخَذتَ الرِّشوَة... عِندَما تَنامُ لَيلَكَ آمِناً مُتَلَذِّذاً بالمالِ الحَرام، فإنَّ هذا المَظلومَ يَقومُ في جَوفِ اللَّيل، يَرفَعُ يَدَيهِ إلى السَّماء، وتَقولُ دَمعَتُهُ: "يا رَبِّ، ظَلَموني فانتَصِر". ويَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ لِدَعوَتِه: ﴿وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ﴾! فَأينَ المَفَرُّ يَومَئِذٍ مِن قاضي السَّماء؟ وأينَ المَفرُّ حِينَ يَأخُذُ المَظلومُ مِن حَسَناتِكَ يَومَ الحِسابِ حتَّى تَفنى؟ ولَيسَتِ المُصيبَةُ مُتَوَقِّفَةً هُنا فحسب، بَل إنَّ الرِّشوَةَ تُمَزِّقُ أمانَ المُجتَمَعِ كُلِّه. حِينَ تُعطى الشَّهادَةُ لِطَبيبٍ مُرتَشٍ لا يَفقَهُ طِبّاً... فَتَوقَّع أن تَفقِدَ روحاً عزيزةً تحتَ مِشرَطِه. وحِينَ يوقِّعُ مُهَندِسٌ أو مُفتِّشٌ بِالرِّشوةِ على مَبنىً مَغشوشِ الأساسات... فَتَوقَّع أن يَنهارَ البِناءُ على رُؤوسِ ساكِنيهِ الأبرياء. وحِينَ يَتَساهَلُ رَجُلُ المُرورِ أو الجَمارِك بِرِشوَةٍ لِيُدخِلَ مُنْتَجاً فاسِداً أو يُمرِّرَ مُخالَفَة... فاعْلَم أنَّ الدِّماءَ ستَسيلُ على الطُّرُق، والأمراضَ سَتَنتَشِرُ في البُطون. إنَّ الرِّشوَةَ – يا عِبادَ الله – لَيسَت نَقلاً لِلمالِ مِن جَيبٍ إلى جَيب.
الرِّشوَةُ بيعٌ للضَّمير، وخِيانَةٌ للأمانَة، ومُشارَكَةٌ في كُلِّ قَطرةِ دَمٍ تُراقُ أو بَيْتٍ يُهدَمُ بِسَبَبِ هَذا الفَساد. يقولُ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [سورة النساء: 58]. وأيُّ عَدلٍ وأيُّ أمانةٍ في رِشوَةٍ تُبطِلُ الحَقَّ وتُحِقُّ الباطِل؟ ولَعلَّكُم تَسمَعونَ – أيُّها الأفاضِل – مُبَرِّراتِ بَعضِ الضُّعَفاءِ في إيمانِهِم. يَقولُ أحَدُهُم: "يا أخي، المَعِيشَةُ غاليَة، وراتِبي ضَعيفٌ لا يَكفي مَصروفَ شَهر، ولَو لَم آخُذ هذه "الإكراميَّات" لَجاعَ أبنائي!". عَجَباً والله! ومُذ مَتى كانَ الفَقرُ عُذراً لأكلِ الحَرام؟ مُذ مَتى كانَ ضِيقُ العَيشِ مُبَرِّراً لِدُخولِ النَّار؟ نَحنُ نَعلَمُ قَسوةَ الحَياةِ وضِيقَ المُرتَّباتِ في بَعضِ الأحيان، ولَكِن، هَل غابَ عَن قُلوبِنا مَعنى اسْمِهِ تَعالى "الرَّزَّاق"؟ يَقولُ اللهُ سُبحانَهُ في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [سورة الطلاق: 2-3]. ويَقولُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ». اللهُ أكبَر! رِزقُكَ مَكتوب، ولَن تَموتَ حتَّى تَستَوفيَ آخِرَ دِرهَمٍ قَدَّرَهُ اللهُ لَك. ما تَأخُذُهُ بالحَرامِ اليَوم، كانَ سَيَأتيكَ غَداً بالحَلالِ لَو صَبَرت. فَلِماذا تَستَعجِلُ النَّار؟ لِماذا تَسرِقُ رِزقاً هو بالأصلِ مَكتوبٌ لَك، لَكِنَّكَ آثَرتَ أن تَأخُذَهُ بطَريقٍ يُغضِبُ اللَّه؟ وانظُروا إلى حالِ مَن سَبَقونا، كَيفَ كانوا يَفِرُّونَ مِنَ الحَرامِ فِرارَهُم مِنَ الأسَد، بَل أشَدّ! هذا الصِّدِّيقُ أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنه، الجَبَلُ الأشَمّ، يأكُلُ يَوماً لُقمَةً من طَعامٍ أتى بِهِ غُلامُه. فَلَمَّا استَقَرَّتِ اللُّقمَةُ في بَطنِه، سَألَ الغُلام: مِن أينَ لَكَ هذا؟ فأجابَ الغُلام: "كُنتُ تَكَهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهِليَّة (أي فَعَلتُ فِعلَ العَرَّافين)، وما أُحسِنُ الكِهانَةَ إلَّا أنِّي خَدَعتُه، فَأعطاني هذا المَبْلَغ، فاشتَرَيتُ بِهِ هذا الطَّعام!". فَماذا فَعَلَ أبو بَكر؟ هَل قالَ: لَقَد أكلتُ جاهِلاً واللَّهُ غَفورٌ رَحيم؟ لا والله! بَل أدخَلَ إصبَعَهُ في حَلقِه، وظَلَّ يُحاوِلُ التَّقيُّؤَ ويَتقيَّأ، حتَّى كادَت روحُهُ تَخرُج! فَلَمَّا قيلَ لَه في ذلِك، قالَ كَلِمَتَهُ الخالِدَة: "واللَّهِ لَو لَم تَخرُج إلَّا مَعَ نَفسي لأخرَجتُها! سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقول: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ»". يا عِبادَ الله، أينَ نَحنُ مِن هذا الوَرَع؟ واللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَجلِبُ لأبنائِهِ طَعاماً وثِياباً مِن مالِ الرِّشوَةِ والسُّحت، يَظُنُّ أنَّهُ يُكرِمُهُم، وهُوَ في الحَقيقَةِ يَحشُو بُطونَهُم ناراً! كَيفَ تَنتَظِرُ مِن ابنِكَ أن يَكونَ بارّاً صالِحاً مُوَفَّقاً، وقَد نَبَتَ لَحمُهُ وعَظمُهُ وعَصَبُهُ من مالٍ حَرام؟ قال سفيانُ الثوريُّ رَحِمَهُ اللَّه: "مَن أنفَقَ الحَرامَ في الطَّاعَة، كَمَن طَهَّرَ الثَّوبَ النَّجِسَ بالبَول!". لا يُقبَلُ مِنهُ شَيء. ومِن أعظَمِ ما يُعاقَبُ بِهِ المُرتَشي، وآكِلُ الحَرامِ عُموماً، "الحِرمانُ مِنِ استِجابَةِ الدُّعاء". وفي الحَديثِ الصَّحيح، ذَكَرَ النَّبيُّ ﷺ الرَّجُلَ: «يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!». تَأمَّلوا الصُّورة: رَجُلٌ مُسافِر (والسَّفَرُ مَظِنَّةُ الإجابَة)، وأشعَثُ أغبَرُ مُتَواضِعٌ مُنكَسِر، ويَرفَعُ يَدَيهِ (ورَفعُ اليَدَينِ مِن أسبابِ الإجابَة)، ويُناجي: "يا رَبِّ، يا رَبِّ" (والتَّوَسُّلُ بالرُّبوبيَّةِ أرجى للِقَبول). لَقَد جَمَعَ الرَّجُلُ كُلَّ أسبابِ قَبولِ الدُّعاء! ولَكِن... هناكَ حاجِزٌ صَخريٌّ سَميكٌ بَينَهُ وبَينَ السَّماء: "مَطعَمُهُ حَرام!". قال الإمامُ ابنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ الله: "أكلُ الحَلالِ وشُربُهُ ولُبسُهُ، أساسٌ لِقَبولِ الأعمالِ واستِجابَةِ الدُّعاء". كيف يعقل... أن يمرض ابنك، فترفع يديك باكياً: "يا رب اشفِ ولدي"، فيُرد دعاؤك وتُغلق السماء لأن في رصيدك مالاً أخذته بالباطل؟ كيف ترضى أن تدعو بالنجاة والبركة، والله يعرض عنك لأنك خنت الأمانة وقبضت الرشوة؟ يا مَن وَلَّاكَ اللهُ مَنصِباً، كَبيراً كانَ
أو صَغيراً... المَكتَبُ الذي تَجلِسُ خَلفَه، والخَتمُ الذي تَحمِلُه، والأوراقُ التي تُوَقِّعُها، هِيَ أمَانَةُ اللَّهِ عِندَك. يقول الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [سورة الصافات: 24]. واللَّهِ لَتُسأَلَنَّ عَن كُلِّ تَوقيعٍ خَتَمتَهُ بِمال، وعَن كُلِّ مُعامَلَةٍ عَطَّلتَها لِتَبتَزَّ صاحِبَها. فإيَّاكَ إيَّاكَ أن تُلوِّثَ صَحيفَتَكَ يَومَ القِيامَةِ بِهَذا العار. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَرَعَ العَدلَ وحَرَّمَ الفَساد، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدهُ ورسوله، النَّذيرُ البَشير، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصَحبهِ وسَلَّم. أمّا بعد: عبادَ الله، تَحدَّثنا في خطبتنا الأولى عن جَريمَةِ الرِّشوَة، وعَرَفنا كَيفَ أنَّها لَعنَةٌ وتَعدٍّ على الحُقوق، ووقفنا مع خَطَرِ التَّلاعُبِ بمُسمَّياتها مِن إكراميَّةٍ وهَديَّة، وكَيفَ أنَّ هذا المَالَ الحَرامَ يَسُدُّ أبوابَ السَّماءِ في وَجهِ الدُّعاء ويُدمِّرُ أمانَ المُجتَمَعات. والآن، إخوتي في الله، ونحنُ نَستَعِدُّ للرُّجوعِ إلى دُنيانا ومَكاتِبنا وأسواقِنا، بَقِيَ السُّؤالُ الأَهَم: كَيفَ نُطَهِّرُ أنفُسَنا ومُجتَمَعَنا مِن هذا الوَباء؟ كَيفَ نُواجهُ هذا التَّيَّارَ الماديَّ الجارِف؟ أُوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، فاجمَعوا لَها قُلوبَكُم: الأولى (قلبيَّة): جَدِّد يَقينَكَ بِرَبِّك، واستَحضِر دَائِماً أنَّهُ هوَ "الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِين". لا تَخَف مِنَ الفَقر، ولا تَخشَ تَضييقَ المُديرِ المرتَشي. قُل في قَلبِك: "أجوعُ ولَا آكُلُ حَراماً". تَوَكَّل على الله، فإنَّهُ مَن تَرَكَ شيئاً للَّهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيراً مِنه، رِزقاً حَلالاً، وطُمأنينةً في القَلب. الثانية (لِسانيَّة): قُل "لا" في وَجهِ الفَساد. إن رَأيتَ مُرتَشياً، أو طَلَبَ مِنكَ أحَدُهُم مالاً لِيُقضَى حَقُّكَ الذي هو لَكَ نِظاماً وشرعاً، فلا تَخضَع. لا تَكُن أنتَ الشَّريكَ في الفَساد، فإنَّ "الرَّاشِي" مَلعونٌ مِثلَ "المُرتَشي". استَغفِرِ اللَّهَ دائِماً مِمَّا مَضى، ولتَكُن كَلِمَتُكَ قاطِعَةً في رَفضِ الباطِل. الثالثة (عَمَليَّة): طَهِّر رَصيدَكَ ومالَك. إن كُنتَ قَد ابتُليتَ في الماضي بِأخذِ شيءٍ من هذهِ "الإكراميَّاتِ" المُحَرَّمَةِ أو الرِّشاوي، فَتُب إلى اللهِ اليومَ قَبلَ الغَد. تَصَدَّق بِقَدْرِها إبراءً لِلذِّمَّة، واعلَم أنَّ رَدَّ المَظالِمِ أو التَّخَلُّصَ مِنَ السُّحتِ هوَ بَريدُ القَبول، ولا خَيرَ في عِبادَةٍ مَعَ إصرارٍ على أكْلِ حَرام. الرابعة (اجتماعيَّة): رَبِّ أبناءَكَ على استِقذارِ الحَرام. زَيِّن في أعيُنِهِمُ القَناعَةَ والشَّرَف، وعَلِّمهُم قِصَّةَ أبي بَكرٍ معَ اللُّقمَةِ الحَرام. أطعِمهُمُ الحَلالَ ولَو كانَ قَليلاً، فَالقَليلُ الحَلالُ فيهِ مِنَ البَرَكَةِ ما يَصنَعُ أجيالاً وعُظَماء، والكَثيرُ الحَرامُ فيهِ مِنَ النَّزعِ ما يُفسِدُ النَّسلَ ويورِثُ العار. الخامسة (موضوعيَّة): يا مَن تَجلِسُ على مَكتَبِ الخِدمَةِ العامَّة، أو الخِدمَةِ الخاصَّة... هذا المَكتَبُ الذي أنتَ عَلَيه لَيسَ مُلكاً لَك، إنَّهُ قَنطَرَةٌ أمَّا تَعْبُرُ بِكَ إلى الجَنَّةِ بِقَضاءِ حَوائِجِ النَّاسِ وتَسهيلِ أُمورِهِم، وأمَّا أن يَهوِيَ بِكَ إلى النَّارِ بابْتِزازِهِم وأخذِ أموالِهِم. فليَكُن خَتمُكَ حُجَّةً لَكَ يَومَ العَرضِ الأكبَر. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبادَ اللَّه، واعلَموا أنَّ اللَّهَ رَقيبٌ على خَبايا الصُّدُور، لا تَخفى عَلَيهِ خافيَةٌ في الأَرضِ ولا في السَّماء. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيه، فَقَد قالَ سُبحانَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ اكفِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وأغنِنا بِفَضلِكَ عَمَّن سِواك. اللَّهُمَّ طَهِّر أموالَنا مِنَ الرِّبا والرِّشوَةِ والسُّحت، وطَهِّر قُلوبَنا مِنَ الجَشَعِ والطَّمَع، واجعَلنا مِن عِبادِكَ القانِعينَ
الشَّاكِرين. اللَّهُمَّ بَصِّرنا بِعُيوبِنا، وتُب عَلَينا لِنَتوب، ولا تَجعَلِ الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا ولا مَبلَغَ عِلمِنا. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، وَوَلِّ عَلَيهِم خِيارَهُم، واكفِهِم شِرارَهُم، وارفَعِ الظُّلمَ عَنِ المَظلومينَ والمُستَضعَفينَ يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا ابتُلُوا صَبَروا، وإذا أُعطُوا شَكَروا، وإذا أذنَبُوا استَغفَروا. عبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللَّهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللَّهِ أكبَر، واللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.