بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ تَسلِيمُ الخَاصَّةِ وَفُشُوُّ التِّجَارَةِ وَالقَلَمِ وَقَطعُ الأَرحَامِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ: خطبةُ جُمُعَةٍ فِي شَرحِ حَدِيثِ أَشرَاطِ السَّاعَةِ وَوَاقِعِنَا المُعَاصِرِ
الحَمدُ للهِ عَالِمِ الغَيبِ وَالشَّهَادَة، العَزِيزِ الحَكِيمِ الفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِه، الَّذِي أَطلَعَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يَكُونُ بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ مِنَ الآيَاتِ وَالنُّذُرِ إِقَامَةً لِلحُجَّةِ وَتَثبِيتًا لِأَهلِ الإِيمَانِ وَالعِبَادَة، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةَ مَن أَيقَنَ بِقُربِ الحِسَابِ وَاللِّقَاء، وَحَفِظَ دِينَهُ عِندَ تَغَيُّرِ الأَحوَالِ وَالأَهوَاء، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الصَّادِقُ المَصدُوقُ الَّذِي مَا نَطَقَ عَنِ الهَوَى، وَصَفَ لَنَا فِتَنَ آخِرِ الزَّمَانِ وَعَلَامَاتِهِ كَأَنَّهُ يَنظُرُ إِلَيهَا مِن وَرَاءِ حُجُبِ الغَيبِ فَيَرَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الأَخيَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ العَاصِمُ مِنَ الفِتَنِ إِذَا أَظلَمَت، وَالنُّورُ الكَاشِفُ لِلشُّبُهَاتِ إِذَا ادلَهَمَّت، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ مِن أَعظَمِ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّتِي تَزِيدُ المُؤمِنَ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَتُوقِظُ الغَافِلَ مِن رَقدَتِهِ وَسُبَاتِه؛ مَا أَخبَرَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن أَشرَاطِ السَّاعَةِ وَالتَّحَوُّلَاتِ الاجتِمَاعِيَّةِ وَالاقتِصَادِيَّةِ وَالأَخلَاقِيَّةِ الَّتِي تَظهَرُ فِي النَّاسِ قُبَيلَ قِيَامِ السَّاعَة!
وَإِنَّ بَينَ أَيدِينَا اليَومَ حَدِيثًا نَبَوِيًّا جَامِعًا مَهِيبًا، أَخرَجَهُ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي «المُسنَدِ» وَالإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي «الأَدَبِ المُفرَدِ» وَالحَاكِمُ فِي «المُستَدرَكِ» بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ: تَسلِيمُ الخَاصَّةِ، وَفُشُوُّ التِّجَارَةِ حَتَّى تُعِينَ المَرأَةُ زَوجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ، وَقَطعُ الأَرحَامِ، وَفُشُوُّ القَلَمِ، وَظُهُورُ الشَّهَادَةِ بِالزُّورِ، وَكِتمَانُ شَهَادَةِ الحَقِّ!».
اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ الله! أَعِيدُوا السَّمعَ وَالبَصَرَ فِي هَذِهِ الجُمَلِ النَّبَوِيَّةِ السِّتِّ؛ أَلَا تَشعُرُونَ وَأَنتُم تَسمَعُونَهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَصِفُ عَصرَنَا الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ اليَومَ وَصفًا دَقِيقًا حَرفًا بِحَرفٍ وَمَشهَدًا بِمَشهَد؟!
فَتَعَالَوا بِنَا نَقِفْ مَعَ هَذِهِ المَعَالِمِ السِّتَّةِ الَّتِي أَخبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن وُقُوعِهَا «بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ»؛ لِنَفهَمَ مَعَانِيهَا، وَنُحَاسِبَ أَنفُسَنَا، وَنَسلَمَ مِن غَوَائِلِهَا:
أَمَّا العَلَامَةُ الأُولَى: فَهِيَ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «تَسلِيمُ الخَاصَّةِ»!
مَا مَعنَى «تَسلِيمِ الخَاصَّةِ» يَا عِبَادَ الله؟
إِنَّ شِعَارَ المُسلِمِينَ الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ لِتَألِيفِ القُلُوبِ وَنَشرِ المَحَبَّةِ هُوَ إِفشَاءُ السَّلَامِ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ تَلقَاهُ فِي الطَّرِيقِ أَوِ السُّوقِ أَوِ المَسجِدِ؛ عَرَفتَهُ أَم لَم تَعرِفْه! كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسلَامِ خَيرٌ؟ قَالَ: «تُطعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتَ وَمَن لَم تَعرِفْ!».
أَمَّا فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَتَبرُدُ الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ، وَتَطغَى المَصَالِحُ الشَّخصِيَّةُ، فَيَمُرُّ الرَّجُلُ بِالعَشَرَاتِ مِن إِخوَانِهِ المُسلِمِينَ فِي الشَّارِعِ أَوِ العِمَارَةِ أَوِ المَصعَدِ أَوِ المَجلِسِ فَلَا يُلقِي السَّلَامَ إِلَّا عَلَى خَاصَّتِهِ؛ أَي عَلَى مَن يَعرِفُهُ بِاسْمِهِ أَو تَربِطُهُ بِهِ مَصلَحَةٌ دُنيَوِيَّة! وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى لِلحَدِيثِ عِندَ الإِمَامِ أَحمَدَ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِقَولِه: «لَا يُسَلِّمُ الرَّجُلُ إِلَّا عَلَى مَن يَعرِفُ!». وَهَذَا وَاللهِ مَا نَرَاهُ اليَومَ عَيَانًا فِي مُجتَمَعَاتِنَا!
وَأَمَّا العَلَامَةُ الثَّانِيَةُ: فَقَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَفُشُوُّ التِّجَارَةِ حَتَّى تُعِينَ المَرأَةُ زَوجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ»!
وَمَعنَى «فُشُوِّ التِّجَارَةِ»: انتِشَارُهَا انتِشَارًا طَاغِيًا يَملَأُ الأَرجَاءَ وَالشَّاشَاتِ وَالبُيُوتَ وَالأَوقَات؛ حَتَّى يَصِيرَ الهَمُّ الأَكبَرُ لِلنَّاسِ هُوَ البَيعَ وَالشِّرَاءَ وَالمَالَ وَالاستِهلَاكَ وَالتَّكَاثُرَ فِي الدُّنيَا! وَمِن شِدَّةِ انغِمَاسِ النَّاسِ فِي المَادَّةِ وَاتِّسَاعِ نَفَقَاتِ المَعِيشَةِ وَالكمَالِيَّاتِ، لَا يَعُودُ كَسبُ الرَّجُلِ وَحدَهُ يُشبِعُ نَهَمَ الأُسرَةِ، فَتَخرُجُ المَرأَةُ أَو تَنشَغِلُ مَعَ زَوجِهَا فِي التِّجَارَةِ وَالكَسبِ المَالِيِّ لِتُعِينَهُ عَلَى أَعبَاءِ الدُّنيَا وَمَطَالِبِهَا!
انظُرُوا كَيفَ تَحَقَّقَ هَذَا الخَبَرُ النَّبَوِيُّ فِي زَمَانِنَا؛ فَأَصبَحَتِ الأسوَاقُ فِي الشَّوَارِعِ وَفِي الهَوَاتِفِ المَحمُولَةِ تَعمَلُ لَيلًا وَنَهَارًا، وَصَارَ الرَّجُلُ وَالمَرأَةُ يَركُضَانِ مَعًا فِي طَاحُونَةِ الكَسبِ وَالتِّجَارَةِ، وَخَشِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ مِن أَن تُلهِيَهُم هَذِهِ الدُّنيَا المَفْتُوحَةُ عَنِ الآخِرَةِ وَعَن تَربِيَةِ الأَبنَاءِ وَحُقُوقِ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١-٢].
وَأَمَّا العَلَامَةُ الثَّالِثَةُ: فَقَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَقَطعُ الأَرحَامِ»!
وَمَا أَشَدَّ ارتِبَاطَ هَذِهِ العَلَامَةِ بِمَا قَبلَهَا يَا عِبَادَ الله! فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا طَغَت عَلَيهِمُ المَادَّةُ وَالمَصَالِحُ الدُّنيَوِيَّةُ، قَسَت قُلُوبُهُم عَلَى ذَوِي أَرحَامِهِم؛ فَتَرَى الأَخَ يَهجُرُ أَخَاهُ الشَّقِيقَ وَيُقَاضِيهِ فِي المَحَاكِمِ مِن أَجلِ شِبرِ أَرضٍ أَو حِصَّةٍ فِي مِيرَاث، وَتَرَى الأُختَ وَالعَمَّةَ وَالخَالَةَ تَمضِي الشُّهُورُ وَالسَّنَوَاتُ لَا يَطرُقُ بَابَهَا قَرِيبٌ وَلَا يَسأَلُ عَنهَا رَحِم!
لَقَد قَرَنَ اللهُ قَطعَ الأَرحَامِ بِالإِفسَادِ فِي الأَرضِ وَاللَّعنِ وَطَمسِ البَصَائِرِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْحَامِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢-٢٣]. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ!»؛ يَعنِي قَاطِعَ رَحِم.
وَأَمَّا العَلَامَةُ الرَّابِعَةُ: فَقَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَفُشُوُّ القَلَمِ»!
قِفُوا مَبهُورِينَ أَمَامَ هَذِهِ المُعجِزَةِ النَّبَوِيَّةِ البَاهِرَة! لَقَد بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ لَا تَقرَأُ وَلَا تَكتُبُ إِلَّا أَفْرَادٌ يُعَدُّونَ عَلَى الأَصَابِع، فَأَخبَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَيَأتِي زَمَانٌ يَفشُو فِيهِ القَلَمُ؛ أَي تَنتَشِرُ فِيهِ الكِتَابَةُ وَالمَطبُوعَاتُ وَالصُّحُفُ وَالرَّسَائِلُ حَتَّى يَكتُبَ الصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ وَالعَالِمُ وَالجَاهِل!
وَهَا نَحنُ اليَومَ فِي عَصرِ المَطَابِعِ وَالحَوَاسِيبِ وَالهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ نَرَى مِليَارَاتِ البَشَرِ يَكتُبُونَ كُلَّ يَومٍ بِأَقلَامِهِم وَأَصَابِعِهِم عَلَى الشَّاشَات! وَلَكِنْ يَا لَلأَسَفِ: فُشُوٌّ فِي القَلَمِ وَالكِتَابَةِ، مَعَ قَبضٍ فِي العِلمِ الشَّرعِيِّ الرَّاسِخِ وَفُشُوٍّ فِي الجَهلِ بِأَحكَامِ الدِّين، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ: «إِنَّ بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَيُرفَعُ العِلمُ وَيَظهَرُ الجَهلُ»، فَكَم مِن كَاتِبٍ اليَومَ يَملَأُ الفَضَاءَ كِتَابَةً وَهُوَ أَجهَلُ النَّاسِ بِرَبِّهِ وَشَرعِه!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَأَمَّلُوا الخَصلَتَينِ الأَخِيرَتَينِ اللَّتَينِ خَتَمَ بِهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذَا الحَدِيثَ العَظِيم؛ حَيثُ قَالَ: «وَظُهُورُ الشَّهَادَةِ بِالزُّورِ، وَكِتمَانُ شَهَادَةِ الحَقِّ»!
إِنَّ قِوَامَ العَدلِ بَينَ النَّاسِ، وَحِفظَ الدِّمَاءِ وَالأَموَالِ وَالأَعرَاضِ، يَقُومُ عَلَى أَمَانَةِ «الشَّهَادَةِ»؛ فَإِذَا فَسَدَتِ الذِّمَمُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ابتُلِيَ النَّاسُ بِجَرِيمَتَينِ مُتَقَابِلَتَينِ تَهدِمَانِ العَدلَ مِن أَسَاسِه:
الجَرِيمَةُ الأُولَى: «ظُهُورُ الشَّهَادَةِ بِالزُّورِ»! أَن يَشهَدَ الرَّجُلُ كَذِبًا وَبُهتَانًا فِي مَحكَمَةٍ، أَو تَحقِيقٍ، أَو خُصُومَةٍ، أَو تَزكِيَةٍ كَاذِبَةٍ؛ مُجَامَلَةً لِقَرِيبٍ، أَو تَعَصُّبًا لِصَدِيقٍ، أَو طَمَعًا فِي رِشوَةٍ وَمَالٍ حَرَام؛ فَيَقتَطِعَ بِشَهَادَتِهِ الفَاجِرَةِ حَقَّ امرِئٍ مُسلِمٍ بَرِيء!
وَهَل تَدرُونَ مَا شَنَاعَةُ شَهَادَةِ الزُّورِ عِندَ الله؟ لَقَد قَرَنَهَا اللهُ بِعِبَادَةِ الأَوثَانِ فَقَالَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُم بِأَكبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا، قَالُوا: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ!»، قَالَ: «الإِشرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ»، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: «أَلَا وَقَولُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ!»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلنَا: «لَيتَهُ سَكَتَ!»؛ شَفَقَةً عَلَيهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن شِدَّةِ انفعَالِهِ وَغَضَبِه!
وَالجَرِيمَةُ الثَّانِيَةُ: «كِتمَانُ شَهَادَةِ الحَقِّ»!
أَن يَعلَمَ الإِنسَانُ حَقًّا لِمَظلُومٍ، أَو يَشهَدَ وَاقِعَةً تُبرِّئُ بَرِيئًا أَو تَرُدُّ مَالًا إِلَى أَهلِهِ، فَيَكتُمَ الشَّهَادَةَ وَيَمتَنِعَ عَن أَدَائِهَا؛ إِمَّا خَوفًا مِن ذِي جَاهٍ، أَو مُدَاهَنَةً لِظَالِمٍ، أَو إِيثَارًا لِلسَّلَامَةِ الزَّائِفَةِ! وَقَد تَوَعَّدَ اللهُ كَاتِمَ الشَّهَادَةِ بِآيَتَينِ تَهُزَّانِ الجِبَالَ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ البَقَرَة: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠]. خَصَّ اللهُ القَلبَ بِالإِثمِ لِأَنَّ الكِتمَانَ فِعلُ القَلبِ، وَإِذَا أَثِمَ القَلبُ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه!
فَمَا وَاجِبُنَا يَا عِبَادَ اللهِ وَنَحنُ نَرَى هَذِهِ الأَشرَاطَ السِّتَّةَ مَاثِلَةً أَمَامَ أَعيُنِنَا؟
إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَم يُخبِرنَا بِهَا لِنَستَسلِمَ لَهَا، بَل أَخبَرَنَا بِهَا لِنَحذَرَهَا وَنُجَاهِدَ أَنفُسَنَا عَلَى مُخَالَفَتِهَا!
فَأَفشُوا السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتُم وَمَن لَم تَعرِفُوا، وَاجعَلُوا التِّجَارَةَ وَالدُّنيَا فِي أَيدِيكُم وَلَا تَجعَلُوهَا تَسرِقُ قُلُوبَكُم وَأُسَرَكُم وَصَلَوَاتِكُم، وَصِلُوا أَرحَامَكُم وَلَو قَطَعُوكُم، وَسَخِّرُوا أَقلَامَكُم وَكِتَابَاتِكُم فِي نَشرِ العِلمِ وَالخَيرِ، وَإِيَّاكُم وَشَهَادَةَ الزُّورِ أَو كِتمَانَ شَهَادَةِ الحَقِّ، بَل كُونُوا كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم: ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ صَوَّرَ هَذِهِ النُّبُوءَاتِ وَطَرِيقَ النَّجَاةِ فِيهَا:
أَشرَاطُ سَاعَتِنَا بَدَت لِعِيَانِ ... صَدَقَ النَّبِيُّ مُبَلِّغُ القُرآنِ
فَاحفَظْ فُؤَادَكَ إِنْ طَغَت دُنيَا الوَرَى ... وَصِلِ القَرَابَةَ طَاعَةَ الرَّحمَنِ
وَاشهَدْ بِحَقٍّ لَا تَمِلْ لِشَهَادَةٍ ... بِالزُّورِ تَهوِي بِالفَتَى الحَيرَانِ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَن. اللَّهُمَّ ثَبِّت قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبلَغَ عِلمِنَا. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى إِفشَاءِ السَّلَامِ، وَصِلَةِ الأَرحَامِ، وَطِيبِ الكَسبِ، وَقَولِ الحَقِّ، وَالشَّهَادَةِ بِالقِسطِ، وَجَنِّبنَا قَولَ الزُّورِ وَشَهَادَةَ الزُّورِ وَكِتمَانَ الحَقِّ يَا رَبَّ العَالَمِين. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ تَسلِيمُ الخَاصَّةِ وَفُشُوُّ التِّجَارَةِ وَالقَلَمِ وَقَطعُ الأَرحَامِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ: خطبةُ جُمُعَةٍ فِي شَرحِ حَدِيثِ أَشرَاطِ السَّاعَةِ وَوَاقِعِنَا المُعَاصِرِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.