من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

عِمارةُ بُيوتِ الله... بَيْنَ طِينِ الجُدْرانِ وَيَقِينِ القُلُوب

مشاركة
🕌 عِمارةُ بُيوتِ الله... بَيْنَ طِينِ الجُدْرانِ وَيَقِينِ القُلُوب #خطبة_جمعة #عمارة_المساجد #بيوت_الله #الصلاة #المسجد #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ في الأرضِ مَعالِمَ تَهدي الحائرين، وبُيوتًا أذِنَ أن تُرفَعَ ليُذكَرَ فيها اسمُه إلى يومِ الدِّين. الحمدُ لله الذي اصطَفى مِن بقاعِ الأرضِ مساجِدَها، وجَعَلها مَهبِطَ رَحَماتِه، ومَأوى ملائكتِه، ومَلاذَ عِبادِه المُتَّقين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وعَدَ مَن عَمَرَ بيوتَهُ بالأمنِ يومَ الفَزَعِ الأكبر، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه، أوَّلُ ما خَطَت قَدَماهُ في دار الهِجرةِ أن رَفَعَ قَواعِدَ المسجد، ليكونَ مُنطَلَقَ النورِ إلى العالَمين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِه إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: يا عبادَ الله، تَخيَّلوا معي رَجُلًا يُدعى في كُلِّ يومٍ خَمسَ مرَّاتٍ للقاءِ مَلِكٍ مِن مُلوكِ الدُّنيا، يُغدِقُ عليه في كُلِّ لِقاءٍ الهدايا والعطايا، ويَقضي له الحاجات... ثمَّ يَتَكاسَلُ هذا الرَّجُلُ عَن الحضور! ألا نَرميهِ جميعًا بالجُنون؟ نحنُ يُنادينا مَلِكُ المُلوك، ومالِكُ السَّماواتِ والأرض، إلى بُيوتِه في اليومِ خَمسَ مرَّات؛ فما بالُ الأقدامِ تَثقُل؟ وما بالُ القلوبِ تَشرُد؟ وما هي العِمارةُ الحقيقيَّةُ التي يَطلُبُها اللهُ مِنَّا لبُيوتِه، والتي نَسيناها في زِحامِ الحياة؟ جَوابٌ يَهُزُّ الغافلين ويُوقِظُ القلوبَ النائمةَ في دَقائقِ هذه الخُطبة. أيها الإخوةُ المؤمنون، مَشهدٌ نَراهُ اليومَ في كَثيرٍ مِن حَواضِرنا وقُرانا؛ نَرى مساجدَ تُفتَتَحُ حديثًا، قد عانَقَت مآذِنُها السَّحاب، واتَّسَعَت باحاتُها، وتَزَيَّنَت جُدرانُها بأبدَعِ الزَّخارِف، وفُرِشَت بألينِ المَفارِش. مَشهدٌ يُفرِحُ القَلبَ ولا شَك. ولكن، عِندما يُنادي المُنادي لِصلاةِ الفَجر، تَنظُرُ في هذا الصَّرحِ العظيمِ فلا تَجِدُ إلَّا صَفًّا أو صَفَّينِ مِن الشُّيوخِ كِبارِ السِّن! أينَ الشَّباب؟ أينَ الرِّجال؟ أينَ الجيران؟ هنا نَقِفُ أمامَ حَقيقةٍ قُرآنيَّةٍ كُبرى. يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة التوبة: 18]. تَأمَّلوا هذه الآيةَ العظيمة. لقد رَبَطَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ عِمارةَ المساجدِ بأعظَمِ أركانِ الإيمانِ والإسلام. وقال الإمامُ القُرطبيُّ رَحِمَهُ اللهُ في تفسيرِها: "عِمارةُ المساجِدِ على قِسمَين: عِمارةٌ بالبُنيانِ والجِصِّ والآجُرّ، وعِمارةٌ بالصَّلاةِ فيها، والذِّكرِ، وتلاوةِ القرآن". نعم يا عِبادَ الله، البُنيانُ الحِسِّيُّ عَظيم. واسمَعوا إلى هذا الفَضلِ النَّبويِّ الجَليل، فقد قالَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ» (متفق عليه). أيُّ تَجارةٍ أربَحُ مِن هذه؟ تَبني للهِ بيتًا في دار الفَناء، فيَبني لكَ خالِقُ الكَونِ بيتًا في دار البَقاء. ولكِنَّ العِمارةَ لا تَقتَصِرُ على الأثرياءِ الذين يَملِكونَ الملايينَ لِبناءِ المساجد. بَل هي مَيدانٌ مَفتوحٌ لِأبسَطِ النَّاس. واسمَعوا إلى هذه القِصَّةِ العَجيبةِ التي حَفِظَها لَنا التَّاريخُ النَّبويّ. كانت هُناكَ امرأةٌ سَوداءُ (أو شابٌّ كما في بَعضِ الرِّوايات) تَقُمُّ المسجد؛ أي تُنَظِّفُهُ وتَجمَعُ منه القُمامةَ والعيدان. لم تَكُن ذاتَ مالٍ لِتَبني، ولا ذاتَ حَسَبٍ لِتُذكَر، كانت وظيفتُها في نَظَرِ النَّاسِ بَسيطة. ماتَت هذه المرأةُ في اللَّيل، فَدَفَنَها الصَّحابةُ ولم يُوقِظوا النَّبيَّ ﷺ إشفاقًا عليه. وفي الصَّباح، افتَقَدَها رَسولُ اللهِ ﷺ! سَيِّدُ وُلدِ آدَم، وقائِدُ الأمَّة، والمَشغولُ بِهُموم الدَّولةِ والجُيوش، يَفتَقِدُ امرأةً تُنَظِّفُ المسجد! فسَألَ عنها، فقالوا: ماتَت يا رَسولَ الله. فَتَغَيَّرَ وَجهُهُ وقال: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟». ثمَّ قالَ كلمتَهُ المَهيبة: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا». فَذَهَبَ إلى قَبرِها فَصَلَّى عليها، ودَعا لها. اللهُ أكبر! ما الذي رَفَعَ قَدرَ هذه المرأةِ حتَّى يُصَلِّيَ النَّبيُّ ﷺ على قَبرِها شخصيًّا؟ إنَّها عِمارةُ المسجد. إنَّ التقاطَكَ لِعُودِ سِواكٍ مُلقىً، أو كَأسِ ماءٍ مَتروكٍ، أو إماطَتَكَ لأذىً في بَيتِ الله... هو عِندَ اللهِ مِن أعظَمِ العِمارة. ولكِنَّ العِمارةَ الأكبَرَ، والأشَقَّ على النُّفوسِ في زَمانِنا، هي عِمارةُ اليَقينِ والقُلوب. يقولُ الحَقُّ تَباركَ وتعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [سورة النور: 36-37]. لاحِظوا أيُّها الأَحِبَّة.. لم يَقُلِ اللهُ جَلَّ وعَلا: "ذُكورٌ لا تُلهيهِم"، بل قال: ﴿رِجَالٌ﴾. فالذُّكورةُ صِفَةٌ جَسديَّة، أمَّا الرُّجولةُ فهي صِفةٌ قَلبيَّةٌ إيمانيَّة. الرَّجُلُ الحقيقيُّ هو الذي إذا سَمِعَ "حَيَّ على الصَّلاة، حَيَّ على الفَلاح"، سَقَطَت مِن يَدِهِ كُلُّ صَفَقاتِ الدُّنيا، وتَقازَمَت في عَينِهِ كُلُّ أرباحِ التِّجارة، لِيَقومَ إلى رَبِّه. قالَ النَّبيُّ ﷺ وهو يَعُدُّ السَّبعةَ الذين يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: «...وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ» (متفق عليه). تَأمَّلوا كَلِمَةَ "مُعَلَّق"! القَلبُ مُعَلَّقٌ هُناك، في المِحراب، تَحتَ قُبَّةِ المَسجد. الجَسَدُ يَخرُجُ إلى السُّوق، يَمشي في العَمَل، يَجلِسُ مَعَ الأهل، ولكِنَّ القَلبَ قد رُبِطَ بِحَبلٍ خَفيٍّ في بيتِ الله. كُلَّما نودِيَ للصَّلاة، طارَ القَلبُ كالعُصفورِ عائِدًا إلى عُشِّه الذي يألَفُه. هل قُلوبُنا مُعَلَّقَةٌ بالمساجد؟ أم أنَّها مُعَلَّقَةٌ بشاشاتِ الهواتف، وأرصِدةِ البُنوك، وأخبارِ الدُّنيا؟ أنتَ الذي تَجلِسُ أمامي الآن... اسأَل نَفسَك بِصِدق: هل تَأتِي إلى المَسجِدِ لِتَرتاحَ فيه؟ أم تَأتِي لِتَرتاحَ مِنه وتُسقِطَ الفَريضةَ عَن كاهِلِك وتَنصَرِف؟ ... في هذه اللَّحظةِ الصَّامتة، لِيُراجِع كُلٌّ مِنَّا نَفسَه. يا عِبادَ الله، كَما أنَّ لِلمساجدِ عِمارةً، فإنَّ لها خَرابًا. ومِن أخطَرِ أنواعهِ الخَرابُ المَعنَوي. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾ [سورة البقرة: 114]. الخَرابُ ليسَ فَقط بهَدمِ الجُدرانِ وإسقاطِ السُّقوف بالصَّواريخ والمُتَفَجِّرات — كما يَفعَلُ أعداءُ اللهِ في حواضِرِ المُسلمين المَنكوبة. بَل هُناكَ خَرابٌ نَرتَكِبُهُ نحنُ بِأيدينا! حينَ تَدخُلُ المَسجِدَ فَتَجِدُ الشَّابَّ أو الكَهلَ جالِسًا يَنتَظِرُ الصَّلاة، ولكِنَّهُ غارِقٌ في هاتِفِه المَحمُول، يُقَلِّبُ الصُّوَرَ والمَقاطِع، ورُبَّما تَقَعُ عَينُهُ على حَرامٍ وهو جالسٌ في بيتِ الله! هذا خَراب. حينَ تَرتَفِعُ نَغَماتُ المُوسيقَى مِن الهواتِفِ أثْناءَ رُكوعِ المُصَلِّينَ وسُجودِهم، فَتَقطَعُ عَليهم خُشوعَهم ومُناجاتَهم لِرَبِّهم! هذا خَراب. حينَ تَتَحَوَّلُ بَعضُ مَجالِسِ المَسجِدِ إلى أحاديثَ في البَيعِ والشِّراء، أو في الغِيبَةِ والنَّميمَةِ والخَوضِ في أعراضِ النَّاس! هذا خَراب. وقد أخبرنا النبي ﷺ عن أقوام تأتي عليهم أزمان يجلسون في المساجد، حديثهم فيها عن أمر دنياهم، فقال: «فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ»! نعوذ بالله أن لا يكون لله فينا حاجة ونحن في بيته. المساجدُ شُيِّدت لِتكونَ بَراري لِلأرواح، لا امتدادًا لأسواقِ الأبدان. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن: 18]. ولكُم أن تَتَأمَّلوا — يا إخوَتي — كَيفَ كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُعَظِّمونَ هذا الجانِب. كان الرَّبيعُ بنُ خُثَيم رَحِمَهُ الله، وقد أصابَهُ الفالِج (أي الشَّللُ النِّصفي)، فكان يُهادى بَينَ رَجُلَين ليَأتِيَ المَسجِدَ لصَلاةِ الجَماعة! فَيَقولُ لَه النَّاس: يا أبا يَزيد، لقد رَخَّصَ اللهُ لك، أنتَ مَعذور. فماذا كانَ جَوابُه؟ قال كَلِمَةً تُكتَبُ بماءِ الذَّهَب: "إنِّي أسمَعُ حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاح، فَمَن استطاعَ أن يُجيبَها ولَو حَبوًا فَلْيَفعَل". يُجَرُّ عَلى الأرضِ جَرًّا ولا يَترُكُ الجَماعة! ونَحنُ نَملِكُ الصِّحَّة، والسَّيَّارات المُرِيحة، والطُّرقَ المُعَبَّدة، والمُكَيِّفات، ثُمَّ تَجِدُ أحَدَنا يَسمَعُ النِّداءَ فلا يُجيب. ويَروي لنا التَّاريخُ النَّبويُّ أنَّ بَني سَلِمَة، وهُم قَبيلةٌ مِن قَبائِلِ الأنصار، كانت دِيارُهُم بَعيدةً عَن المسجدِ النَّبوي. فأرادوا أن يَنتَقِلوا لِيَقتَرِبوا مِنَ المَسجِد. فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبيَّ ﷺ، فَقال لَهُم: «يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ» (رواه مسلم). أي: الزَموا دِيارَكُم البَعيدة، فإنَّ خُطُواتِكُم الطَّويلةَ مَكتوبةٌ لَكُم عِندَ الله. ومِصداقُهُ في قَولِه تَعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة يس: 12]. كُلُّ خُطوَةٍ في ظَلامِ اللَّيلِ أو حَرِّ النَّهارِ مَحفوظَة. وقد قال المُصطَفى ﷺ: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه أبو داود وصححه الألباني). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "المساجد بيوت الله، ومجالس الأنبياء، ومواضع تنزل الرحمات." فمن أراد الرحمة، فليقصد موضع تنزلها. أين نحن من هذه العظمة؟ المسجدُ ليسَ مُجَرَّدَ جُدرانٍ نَقضي فيها خَمسَ دَقائقَ ثُمَّ نَهرُب. المَسجِدُ كانَ في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ جامِعَةً يُتلى فيها الوَحي (كأهل الصُّفَّة)، وبَرلمانًا تُناقَشُ فيه القَضايا، ومُستَشفىً تُداوى فيهِ الجِراح (كخَيمةِ رُفَيدَة)، ومَقرًّا لإدارةِ شُؤونِ الدَّولة. لقد قَزَّمْنا دَورَ المَسجِد حَتَّى صارَ عِندَ بَعضِ النَّاسِ صالةَ انتظارٍ قَبلَ الدَّفنِ فقط! مَرَّ أبو هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه يَومًا بِسوقِ المَدينة، فَرَأى النَّاسَ غارِقينَ في بَيعِهِم وشِرائِهم. فَوَقَفَ وَنادى بأعلى صَوتِه: "يا أهلَ السُّوق، ما أعجَزَكُم!" قالوا: وما ذاكَ يا أبا هُرَيرة؟ قال: "مِيراثُ رَسولِ اللهِ ﷺ يُقسَمُ، وأنتُم هاهُنا لا تَذهَبونَ فَتَأخُذونَ نَصيبَكُم مِنه؟" قالوا: وأينَ هو؟ قال: "في المَسجد". فَخَرَجوا سِراعًا إلى المَسجِد، وبَقيَ أبو هُريرةَ يَنتَظِرُهم. فَرَجَعوا إلَيهِ خائبين يَقولون: يا أبا هُريرة، قد أتَينا المَسجِدَ فَدَخَلنا فَلَم نَرَ شَيئًا يُقسَم! فَقال لَهُم: وما رَأيتُم في المَسجد؟ قالوا: "رَأينا قَومًا يُصَلُّون، وقَومًا يَقرَأونَ القُرآن، وقَومًا يَتَذاكَرونَ الحَلالَ والحَرام". فَقال لهُم أبو هُريرة: "وَيحَكُم! فَذاكَ مِيراثُ مُحَمَّدٍ ﷺ!" (رواه الطبراني). هذا هو مِيراثُ الأنبياء. فَمَن ضَيَّعَ المَسجِد، فقَد ضَيَّعَ نَصيبَهُ مِن مِيراثِ نَبيِّه. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، تعظيماً لشأنه، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تبعه بإحسان. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن عِمارةِ بُيوتِ الله، ووقفنا مع الحقيقة الكبرى: أنَّ العِمارةَ الحقيقيَّة ليست في زَخرَفَةِ المَحاريب وتَشييدِ القِباب، بل في صِدقِ المُناداة، ويَقينِ المُناجاة، وتَعليقِ القُلوبِ بالمساجد. وتدبَّرنا معاً أجرَ تلك المرأة التي قَمَّت المسجد، وخَشيةَ السلف من تَضييع نداء الجماعة، وحَذَّرنا من الخراب المعنويِّ لبيوت الله بحديث الدنيا وشواغل الهواتف. والآن، بقي السؤال الأهم: كيف نترجم هذا إلى واقعٍ في حياتنا اليومية؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزل من منبري: الأولى (قَلبيَّة): استَحضِر نِيَّةَ الضِّيافةِ كُلَّما خَرَجتَ من بَيتِك. أنتَ لستَ ذاهِبًا لِأداءِ حَرَكاتٍ رِياضيَّة، أنتَ ذاهِبٌ لِتَكونَ في ضِيافَةِ الله. المَلِكُ يَستَقبِلُك، فَتَهَيَّأ لَه بقَلبٍ مُنقَطِعٍ عَن صَخَبِ دُنياك، واعلَم أنَّ مَن أقبَلَ على اللهِ بقلبِه، أقبَلَ اللهُ عليه بِوَجهِهِ ورَحمَتِه. الثانية (لِسانيَّة): نَزِّهوا ألسِنَتَكم ومَسامِعَكم عَن لَغو الحَديثِ داخِلَ المَسجِد. المَسجِدُ لِلذِّكرِ والقرآنِ والدُّعاء. حافِظوا على دُعاءِ الخُروجِ والدُّخول، ولا تَجعَلوا بيوتَ اللهِ مَجالِسَ لِتَداوُلِ الأخبار وعَقدِ الصَّفقات والمُنازعات. الثالثة (عَمَليَّة): لا تَحتقِر عَمَلًا في بيتِ الله. إذا رَأيتَ مِنديلاً مُلقىً، أو كِتابًا مُمَزَّقًا، أو قَذَرًا في باحَةِ المَسجد — فَارفَعهُ بِيَدِك طَمَعًا في أجرِ تِلكَ المَرأةِ التي سَألَ عنها رَسولُ الله ﷺ. تَطَوَّع في تَرتيبِ مَصاحِفِه، أو تَطييبِ رائحَتِه، فهذا مِن إجلالِ اللهِ تَعالى. الرابعة (اجتماعيَّة): اصطَحِبوا أبناءَكم إلى المَسجد، وحَبِّبوهُم فيه. ⚠️ واحذَروا أشدَّ الحَذَرِ مِن طَردِ الأطفالِ أو تَعنيفِهِم أو الصُّراخِ فيهِم إذا أخطَأوا أو أصدروا صوتاً. الطفلُ الذي نَطرُدُه اليومَ مِن المَسجِد بِقَسوَتِنا، سَتَتَلَقَّفُهُ غدًا الشَّوارِعُ ورُفَقاءُ السُّوء، ولَن يَعودَ إلَيهِ أبدًا. عَلِّموهُم الأدَبَ بِالرِّفق، فَالمَسجِدُ مَحضَنُهُم الأوَّل. الخامسة (موضوعيَّة): لا تَجعلوا حَظَّكم من المسجد أداءَ الفريضةِ والفرار! اجعَل لكَ دَرسًا تَحضُرُه، أو حَلقَةَ قُرآنٍ تَجلِسُ فيها ولو مَرَّةً في الأُسبوع. ارتَبِط بالمسجدِ عِلمًا وتَزكِيَةً، لتَنالَ مِيراثَ النُّبُوَّة الذي ذَكَرَهُ أبو هُريرَة. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على إعظام شعائره، ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهمَّ اجعَلنا مِن عُمَّارِ مَساجِدِك، المُرابِطينَ على طاعَتِك، المُتَعَلِّقَةِ قُلوبُهُم بِبُيوتِك. اللَّهمَّ نَوِّر قُلوبَنا بنورِ الإيمان، ونَوِّر قُبورَنا بِخُطانا في الظُّلَمِ إلى المَساجِد. اللَّهمَّ اغفِر لِمَن بَنى هذا المَسجِدَ ولِمَن عَمَرَهُ بالصَّلاةِ ولِمَن قامَ على شُؤونِه ولِمَن حَضَرَ جُمُعَتَنا هذه يا أرحَمَ الرَّاحمين. اللَّهمَّ رُدَّنا ورُدَّ شَبابَنا وأبناءَنا إلى بُيوتِكَ رَدًّا جَميلًا، واصنَعهم على عَينِك. اللَّهمَّ أحسِن خَواتِيمَنا، واجعَل آخِرَ كَلامِنا مِنَ الدُّنيا شَهادَةَ التَّوحيدِ في بَيتٍ مِن بُيوتِك. اللَّهمَّ احفَظ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِنَ المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهمَّ كُن لَهُم مُؤيِّداً ونَصيراً ومُعيناً وظَهيراً. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعلَّكم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركُم، واشكُروه على نِعَمِه يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. 🌿 إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.