من مكتبة مِداد الخطيب

قَلبُكَ هُوَ الْمِيزَان... فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟

مشاركة
🕌 قَلبُكَ هُوَ الْمِيزَان... فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ #خطبة_جمعة #صلاح_القلب #تزكية_النفس #أمراض_القلوب #رقائق #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ القلوبَ أوعيةً للإيمان، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تُخفي الصدور، يَبتلي العبادَ لِيُطَهِّرَ قُلوبَهم ويَرفَعَ دَرَجاتهم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أطهرُ الناسِ قلبًا، وأصدقُهم يقينًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ... تَخيلوا معي لو أنَّ شاشةً خفيَّةً عُلِّقَت الآن فوقَ رأسِ كلِّ واحدٍ منَّا، تَعرِضُ للناسِ جميعًا ما يدورُ في قلبهِ من أفكارٍ ونوايا وحَسَدٍ وشهوات. هل كُنا سنجلسُ معًا بهذه الطمأنينة؟ أم كُنَّا سنفِرُّ من بعضنا خجلًا وفزعًا؟ إنَّنا نعتني بظواهرنا التي يراها الناس، وننسى العضوَ الوحيدَ الذي ينظرُ إليهِ ربُّ الناس. في دقائقنا القادمة، سنقفُ على أخطرِ معركةٍ يخوضها الإنسانُ في حياته... معركةٌ في مكانٍ خفيٍّ، إن خسرتَها، خسرتَ كلَّ شيء، وإن ربحتَها، هانت عليكَ كلُّ خسارة. فما هي تفاصيل هذه المعركة؟ هذا ما سنقف عليه بعد قليل. أيُّها الإخوةُ الأحبَّة، عجَبًا لزمانٍ باتَ فيهِ الإنسانُ يَحفظُ أرقامَ أرصِدَتِهِ في المصارف، ويَحسبُ خطواتِهِ في الرياضة، ويُراقبُ سُعراتِهِ الحراريةَ حفاظًا على جسدٍ مآلُهُ في النهاية إلى التُّراب... ثمَّ هو يتركُ قلبَهُ — مَلِكَ الأعضاءِ ومحلَّ نظرِ الجبَّار — يَهيمُ في أوديةِ الغفلةِ، تَنْهَشُهُ سِباعُ الشهواتِ، وتَخْتَطِفُهُ ذِئابُ الشُّبُهاتِ، فلا يَتَفَقَّدُهُ ولا يسأل عن مرضه إلا إذا قَرُبَ الرَّحيل! عبادَ الله، إنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ حينما نَزَلَت، لم تَنزل لتُصَلِّحَ القوالِبَ وتَتركَ القلوب، بل جَعَلت مدارَ الفلاحِ والنجاةِ كلَّه على هذه المُضغَةِ الصغيرةِ المخبوءةِ في الصدر. واسمعوا لهذه الآيةِ العظيمة التي تَخْتَصِرُ حقيقةَ الوجود، يقول ربنا تبارك وتعالى واصفًا مشهدَ القيامة: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. تأمَّلوا! لم يقل: بصلاةٍ كثيرة، أو بعلمٍ غزير، بل قال: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. لأنَّ الصلاةَ والصدقةَ والعلمَ إن لم تَصدُر عن قلبٍ سليمٍ، كانت سرابًا لا وزنَ له. ويُؤكِّدُ نبيُّنا ﷺ هذه الحقيقةَ المُرعبةَ ببيانٍ قاطع، فاسمعوا لهذا الحديث العظيم، قال رسول الله ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (متفق عليه). القلبُ هو المَلِك، والجوارحُ هي الجُنود. فإن طابَ المَلِكُ طابَتِ الجُنود، وإن خَبُثَ المَلِكُ خَبُثَتِ الجُنود. هكذا قرَّر الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه حين قال: "القلب مَلِكٌ والأعضاءُ جُنُودُهُ، فإذا طابَ المَلِكُ طابت جُنُودُهُ، وإذا خَبُثَ المَلِكُ خَبُثَت جُنُودُهُ". لكنَّ المُصيبةَ الكبرى، أيُّها المسلمون، أنَّنا نَجهَلُ أو نَتجاهلُ أنَّ هذا القلبَ يَمرَضُ كما يَمرَضُ الجسد. بل إنَّ مَرَضَهُ أشدُّ فتكًا وأعظمُ خطرًا! يقول الله عز وجل عن المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10]. وقد شَرَحَ الإمامُ ابن القيم رحمه الله هذا المعنى شرحًا عجيبًا فقال: "إن القلب يمرض كما يمرض البدن، وعلاجه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة، وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم، وزينته التقوى، ويجوع كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل". ألا يُشبه هذا حالَ كثيرٍ منَّا اليوم؟ أجسادٌ في غايةِ الصحَّةِ والأناقة، وقلوبٌ في غايةِ المرضِ والإنهاك! إذا أصابَ أحدَنا ألمٌ في ضِرسِه، أو صُداعٌ في رأسِه، هَبَّ مُسرعًا إلى الأطباء، وبَذَلَ الأموالَ لِيَشتريَ الدواء. لكنَّ عينَهُ تنظرُ إلى الحرام، وأذنَهُ تسمعُ الغِيبة، ولسانَهُ ينهشُ الأعراض، وصلاتَهُ تفوتُهُ... ثم لا يَشعُرُ في قلبِهِ بأيِّ ألم! أتدرونَ لماذا لا يَشعُر؟ لأنَّ الجرحَ لا يُؤلِمُ الميت! ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ. القلبُ الميتُ لا يَتوجَّعُ لفواتِ الطاعة، ولا يَتألَّمُ لِوُقوعِ المعصية. تأمَّلوا كيف يتسللُ هذا الموتُ البطيءُ إلى القلوب. يقول رسول الله ﷺ: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه» (رواه مسلم).
نكتةٌ سوداءُ بعد نكتة... نظرةٌ محرَّمة، ثم غِيبة، ثم تأخيرُ صلاة، ثم أكلُ مالٍ حرام... حتى يُغلَّفَ القلبُ بغِلافٍ أسودَ كئيب، فلا يَنفُذُ إليهِ نورُ موعظة، ولا تَهزُّهُ آية. وهذا هو "الرَّان" الذي ذكره الله جل جلاله: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]. ... تأمَّلوا هذا المعنى جيداً. ... إنَّنا اليومَ نَعيشُ زمانًا تكاثرت فيهِ النُّكَتُ السوداءُ على القلوب. انظروا إلى واقعنا المعاصر: الهواتفُ الذكيةُ بين أيدينا ليلَ نهار، تُغذِّي قلوبنا بمشاهدِ التَّرَفِ الكاذب، وحياةِ المشاهيرِ الخادعة، فتُورِثُ في القلبِ حَسْرَةً على الدنيا، وحَسَدًا للآخرين، وسَخَطًا على أقدارِ الله. تُعرضُ علينا مشاهدُ الدِّماءِ والمجازرِ لإخواننا، فنُمرِّرُ الشاشةَ بأصبعنا وكأنَّ شيئًا لم يكن! أين العاطفة؟ أين الرحمة؟ أين النَّبض؟ لقد قَسَت القلوب. يقول ربنا تبارك وتعالى محذرًا من هذا المآل المخيف: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74]. يا الله! حجرٌ صلب؟ بل أشدُّ من الحجر. لأنَّ الحجارةَ تتشقَّقُ من خشيةِ الله، وتتفجَّرُ منها الأنهار، ولكنَّ قلبَ بعضِ البشرِ لا يَلينُ ولا يَخضع. يقول الحسن البصري رحمه الله: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك... داوِ قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم". إخوتي الكرام، هل يعني هذا أنَّ القلبَ إذا قَسا لا يَلين؟ وأنَّ المرضَ إذا استشرى لا عِلاجَ له؟ حاشا وكلا! إنَّ طبيبَ القلوبِ هو خالقُها، وإنَّ دواءَها قد أُنزِلَ في كتابِه. واسمعوا إلى هذه القصة العجيبة التي وقعت لأحدِ سلفِنا الصالح، لِتَعرِفوا كيف يُحيي اللهُ القلوبَ الميتةَ في لحظةِ صِدق. كان الفُضيل بن عياض رحمه الله، قبل أن يصبحَ من كبارِ العُبَّاد والزُّهاد، قاطعَ طريقٍ مُخيفًا! كان يُرَوِّعُ القوافل، ويَنهَبُ الأموال، وكان قلبُهُ قاسيًا كالجلمود. وفي ليلةٍ من الليالي، اشتاقَ إلى جاريةٍ كان يُحبُّها، فتسلَّقَ الجدارَ ليَصلَ إليها في جُنحِ الظلام. تخيَّلوا المشهد: رجلٌ في غَمرةِ شهوتِه، وفي قِمَّةِ غفلتِه، يتسلَّقُ الجدارَ ليَرتكبَ الحرام! لكنَّ العنايةَ الإلهيةَ كانت تَنتظرُ قلبَهُ. فبينما هو يتسلَّق، سَمِعَ رجلاً في بيتٍ مُجاورٍ يقومُ الليلَ ويَقرأُ آيةً واحدة. آيةً اخترقَت جِدارَ الصمت، واخترقَت جِدارَ الغفلة، واخترقَت سوادَ قلبِ الفُضيل! سمع القارئ يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16]. كلماتٌ نزلت كالصاعقة. فوقفَ الفضيلُ مسمَّرًا في مكانِه... وارتجفَ جسدُه... ودمعت عيناه... وقال بصوتٍ يملؤهُ الندم والانكسار: "بلى يا رب... قد آن! بلى يا رب... قد آن!". ونزلَ من على الجدار، ورجعَ إلى الخَرائِبِ تائبًا باكيًا، وتحوَّلَ ذلك اللصُّ قاطعُ الطريق، إلى "عابدِ الحرمين"، وإلى إمامٍ من أئمةِ المسلمين الذي تُذرفُ الدموعُ لسماعِ موعظتِه. سبحان الله! آيةٌ واحدةٌ أحيَت قلبًا ميتًا! والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كم مرةً قرأنا نحن هذه الآية؟ كم مرةً سمعناها تتلى في المحاريب؟ لماذا لم تُحدِث في قلوبنا ما أحدثته في قلب الفضيل؟ لأنَّ القلوبَ مُغلَّفة، ولأنَّنا نَسمعُ بالأذنِ ولا نَسمعُ بالقلب. يقول الله جل وعلا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]. عبادَ الله، إنَّ إصلاحَ هذا القلبِ وتزكيتَهُ ليس نافلةً أو أمرًا اختياريًّا لمن أرادَ التفرُّغ، بل هو لُبُّ الدِّينِ وأساسُ النجاة. ولعلكم تسألون الآن: كيف نصنع؟ ما هو الدواء؟ كيف نُعيدُ الحياةَ إلى هذه المُضغةِ التي جَفَّت في صُدورنا؟ الدواءُ الأولُ والأعظم: هو هذا القرآنُ الذي بين أيدينا. لا تقرأ القرآنَ كأنَّك تَقرأُ صَحيفةً تبحثُ فيها عن الأخبار، بل اقرأهُ كأنَّهُ رسالةٌ مُوجَّهةٌ إليكَ أنتَ شخصيًّا من خالقِ السماواتِ والأرض. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57]. تأمَّلوا: ﴿شِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾. القرآنُ يُذيبُ قسوةَ القلب، ويَمسحُ عنه أدرانَ الحسد، ويَغسلُهُ من شُكوكِ الشُّبهاتِ ونِيرانِ الشهوات. الدواءُ الثاني: دوامُ ذِكرِ اللهِ جلَّ وعلا. الذكرُ للقلبِ كالماءِ للسمك، فكيفَ يكونُ حالُ السمكِ إذا فارقَ الماء؟ يقول الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
ويقول الصادق المصدوق ﷺ في الحديث الصحيح: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت» (رواه البخاري). يا من يشكو القلق، ويا من يشكو الاكتئاب، ويا من يشتري السعادة الزائفة بالمعاصي... والله لن تجد السكينة إلا في سجدةٍ طويلة، ودمعةٍ خفية، وتسبيحةٍ صادقة تغسل بها همومك. الدواءُ الثالث: سلامةُ الصدرِ، وإخلاءُ القلبِ من الغِلِّ والحسدِ للمسلمين. واسمعوا لهذه القصة العجيبة التي جرت في مسجدِ رسولِ الله ﷺ. بينما الصحابةُ جلوسٌ مع النبي ﷺ، إذ قال لهم: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة». فطلعَ رجلٌ من الأنصار، تَنطِفُ لِحيتُهُ من وُضوئِه، قد عَلَّقَ نَعْلَيهِ في يدهِ اليُسرى. وفي اليوم الثاني، قال النبي ﷺ نفسَ المقالة، فطلعَ نفسُ الرجل. وفي اليوم الثالث، تكرَّرَ المشهد! شهد له رسول الله ﷺ بالجنة ثلاث مرات وهو يمشي على قدميه! فماذا فعل الصحابي الشاب عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؟ اشتعلت في قلبه غِيرةُ المنافسةِ في الخير. تبِعَ الرجل، وتحايلَ لينامَ عنده ثلاثةَ أيام، ليُراقبَ صلاتَهُ وقيامَهُ، ليرى ما هو العملُ الخفيُّ الذي بَلَغَ به هذا المبلَغ. لكنَّ المفاجأةَ كانت صادمة! راقَبَهُ عبدُ الله ثلاثةَ ليالٍ، فلم يَرَهُ يقومُ الليلَ كثيرًا، ولا يَصومُ النهار! كان ينامُ كعامةِ الناس، ويُصلِّي المكتوبات! فلما انقضت الأيامُ الثلاثة، لم يصبر عبد الله، فصارحَ الرجل وقال له: لقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ عنك كذا وكذا، ولم أرَكَ تعملُ كبيرَ عملٍ! فما الذي بَلَغَ بك ما قال رسول الله ﷺ؟ فقال الرجل بصدقٍ وتواضع: ما هو إلا ما رأيت. فلما وَلَّى عبدُ الله عائدًا، ناداهُ الرجل، وقال له الكلمةَ التي هي بيتُ القصيد: "ما هو إلا ما رأيت، غيرَ أنِّي لا أجِدُ في نفسي غِلًّا لأحدٍ من المسلمين، ولا أحسُدُ أحدًا على خيرٍ أعطاهُ اللهُ إياهُ". فقال عبد الله بن عمرو: "هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق!". (رواه أحمد). يا الله! لم تبلُغ به كثرةُ الصلاةِ والصيام، بل بَلَغَت به سلامةُ القلب! قلبٌ نقيٌّ، صافٍ كالمرايا، لا يَحملُ حقدًا على جيرانِه، ولا حَسَدًا لزُمَلائِه، ولا كِبرًا على مَن هو دونَه. هل تَستَطيعُ أن تَنامَ الليلةَ وقَلبُكَ نقيٌّ هكذا؟ إنها والله الجنة المعجلة! كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة". وهي جنة الإيمان وطمأنينة القلب. إخوتي في الله... تَخَيَّل... تخيل تلك اللحظة التي يُكشَفُ فيها الغِطاء. وتُبعثَرُ القُبور. ويقفُ الناسُ للعرضِ الأكبر. يقول الله تعالى واصفًا ذلك المشهد المهيب: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ۝ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: 9-10]. ماذا سيُخْرَجُ من صَدرِكَ يومَئذٍ؟ هل سيُحصَّلُ منه حُبُّ الدُّنيا، والرياء، والنفاق، والحقد، والشهواتُ المحرمة؟ أم سيُحصَّلُ منه التوحيد، والصبر، والرضا، ومحبةُ الله ورسوله، وسلامةُ الصدر للمؤمنين؟ يومئذٍ لا تُقبل الأعذار، ولا تنفع الأموال، بل يُنادى على العبدِ لينال وسامَ الكرامة الأبدي: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 33]. اللهم طهر قلوبنا، واغسل حوبتنا، وردنا إليك رداً جميلاً. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ... عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبتنا الأولى مع حقيقةِ القلبِ، كيفَ أنَّه الميزانُ يومَ القيامة، وكيفَ يَموتُ ويَقسو في زِحامِ الحياةِ وتَراكُمِ الذُّنوب، وكيف تقتله الغفلة والانشغال التافه، ورأينا كيفَ كانَ السَّلَفُ يَتَعهَّدون قُلوبَهم أشدَّ من تَعَهُّدِ أبدانهم. والآن، إخوتي، بَقيَ السؤالُ العَمَليُّ الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستمر مرور الريح أم ستثمر في قلوبكم: كيفَ نُعالِجُ هذهِ القلوبَ العليلةَ في حياتِنا اليوميَّة؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم: الأولى (قَلبيَّة): فَتِّش في قلبِكَ كلَّ ليلةٍ قبلَ أن تَنام. كُن حرَّاسًا على بوَّابةِ صدرك، ولا تَسمح لشائبةِ حَسَدٍ أو كِبْرٍ أن تَبيتَ معك. قال النبي ﷺ: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا...». لا تقل: فلانٌ ظلمني فلا أسامح، بل اعفُ وتجاوز الليلة، لعلَّ الله أن يعفوَ عنك، وليرتاحَ قلبُك من حِمْلِ الضغائنِ الثقيل.
الثانية (لِسانيَّة): اجعَل لِسانَكَ رَطبًا بالاستغفارِ دائمًا. الاستغفارُ يَمحو النُّكَتَ السوداءَ التي تَراكَمَت على القلب. في طريقِكَ إلى عملك، وفي زِحامِ المرور، رَدِّد: "أستغفر الله وأتوب إليه". خطوةٌ لا تُكَلِّفُكَ جُهدًا، لكنَّها تَجلو صَدَأَ القلبِ وتُنيرُ البصيرة. الثالثة (عَمَليَّة): اجعَل لكَ خَبيئةً من عَمَلٍ صالحٍ لا يَعلَمُها إلا الله. ركعتانِ في جوفِ الليل، صدقةٌ مخفيةٌ في يدِ فقير، دمعةٌ في خلوة. هذه الأعمالُ السريةُ هي أقوى الفيتاميناتِ التي تُغذِّي القلب، وتَحميهِ من فيروسِ الرياءِ الذي يُحبطُ الأعمال. الرابعة (اجتماعيَّة): صِل رَحِمًا قاطَعتَها، وأصلِح ذاتَ البينِ بينكَ وبين إخوانك. تقاطعُ الأرحامِ يُقسِّي القلوبَ ويَمنعُ رَفعَ الأعمال. اتصل اليوم — لا غدًا — بمن قاطعك، وقُل له: سلامٌ عليك، وابدأ أنت بالخير، فإنَّ المتواضعَ للهِ يَرفَعُهُ الله، ويَشرحُ صَدرَه. الخامسة (موضوعيَّة): افتح مُصحَفَكَ اليوم، واقرأ ولو صَفحةً واحدةً بتَدَبُّر. لا تَقرأ لتَختِمَ السورة، بل اقرأ لتُعالجَ قلبك. قِف عندَ الآيات، كَرِّر الآيةَ التي تلامسُ جرحَك، وضع يدك على صدرك واسأل الله أن يُحييَ قلبك بكلامه. فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي السياج المتين الذي يَحمي القلوبَ من الانتكاس، ويَحرسُها من الفتن. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، فقد قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم اجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، وممن يُفَتِّشُون قلوبهم كل ليلة فيُطَهِّرُونَها من الغل والحسد والكبر. اللهم يا مُقلِّب القلوب، ثَبِّت قلوبنا على دينك. اللهم يا مُصَرِّف القلوب، صَرِّف قلوبنا على طاعتك. اللهم اغسل قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. اللهم ارزقنا قلوبًا سليمة، ونفوسًا مطمئنة، وألسنةً ذاكرة، وأعينًا دامعة من خشيتك. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامَّة، واجعلهم في كل أرضٍ آمنين مطمئنين، وارفع الظلم عن المظلومين في كل بقعة يا رب العالمين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.