من مكتبة مِداد الخطيب

أَفراحُنا... بَينَ شُكرِ النِّعمَةِ ومَحْقِ البَرَكَة

مشاركة
🕌 أَفراحُنا... بَينَ شُكرِ النِّعمَةِ ومَحْقِ البَرَكَة#خطبة_جمعة #مخالفات_الأفراح #الزواج #شكر_النعم #التبذير #الأسرة #أخلاقالحمدُ للهِ الذي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الزَّواجَ آيَةً مِن آياتِه، وسَكَنًا تَطمَئِنُّ إليهِ النُّفوسُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أكرَمُ مَن بَنَى بَيتًا، وأعظَمُ مَن أسَّسَ أُسرَةً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:نَقضي أشهُرًا طِوالًا نُخَطِّطُ لِلَيلَةٍ واحِدَة. نَجمَعُ الأموالَ، ونَختارُ القاعاتِ، ونَدعو القَريبَ والبعيد، ونَحرِصُ أَلَّا يَنقُصَ التَّرتيبُ قِيدَ أُنْمُلَة... لكنَّنا في غَمرَةِ هذا الزِّحام، نَنسى أن نَبعَثَ الدَّعوَةَ للأهَمّ! نَنسى أن نَدعُوَ «البَرَكَة» لِتَحضُرَ بَينَ العَروسَين. فكَيفَ تَتَحَوَّلُ لَيلَةٌ أَرادَها اللهُ مِيثاقًا غَليظًا وبِناءً لأساسِ الدِّين، إلى مِعوَلِ هَدمٍ ومُبارَزَةٍ لِرَبِّ العالَمين؟ الجَوابُ — يا عِبادَ اللهِ — يَكمُنُ خَلفَ أبوابِ قاعاتِ الأفراح.أيُّها المُسلِمون، يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ في مُحكَمِ التَّنزيل، مُمتَنًّا على عِبادِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]. تَأمَّلوا هذه الآيَةَ العَظيمَة! الزَّواجُ آيَةٌ كالشَّمسِ والقَمَر. نِعمَةٌ يُساقُ بها الرَّجُلُ إلى سَكَنِه، والمَرأَةُ إلى مَأواها. والقاعِدَةُ الشَّرعيَّةُ الخالِدَةُ تَقول: إنَّ النِّعَمَ تُستَدامُ بِالشُّكر، وتُستَجلَبُ زِيادَتُها بِالطَّاعَة، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].وهُنا نَقِفُ أمامَ المُفارَقَةِ المُؤلِمَة، والسُّؤالِ المَرير: كَيفَ نَشكُرُ اللهَ على نِعمَةِ الزَّواج؟ هَل نَشكُرُهُ بِعِصيانِهِ في أوَّلِ لَيلَةٍ تَجمَعُ الزَّوجَين؟ هَل نَبتَغي تَوفيقَهُ في الأيَّامِ القادِمَة، ونَحنُ نُحارِبُ شَرعَهُ في السَّاعاتِ الأُولى؟! كَيفَ يَرجو شابٌّ وفَتاةٌ أن يَجعَلَ اللهُ بَينَهُما مَوَدَّةً ورَحمَةً، وهُما يَفتَتِحانِ حَياتَهُما بِما يَجلِبُ الغَضَبَ والمَحْق؟دَعونا نَفتَحُ المَلَفَّ المَسكوتَ عَنه، ولنَقِف مَعَ أبَرِز المُخالَفاتِ الَّتي استَهانَ بِها النَّاسُ في أفراحِهم، حَتَّى باتَت كأنَّها أركانٌ لا يَصِحُّ الفَرَحُ إلَّا بِها!أوَّلُ هذه المُخالَفاتِ وأَشَدُّها مَحقًا لِلبَرَكَة: التَّبذيرُ والإسرافُ والمُباهاة. صِرنا نَرى في أفراحِنا مَشاهِدَ تُبكِي القَلب. مَوائِدُ تُنصَبُ لِمِئاتِ الأشخاص، يُؤكَلُ رُبعُها، ويُرمى باقيها في وُجوهِ النِّعَم! أموالٌ طائِلَةٌ تُنفَقُ في تَزيينِ الجُدرانِ وإضاءَةِ القاعاتِ لِساعاتٍ مَعدودَة، بَينَما يَبدَأُ الشَّابُّ حَياتَهُ الزَّوجيَّةَ مُكَبَّلًا بِالدُّيونِ والقُروض. لِماذا؟ لِيُقالَ: فَرَحُ فُلانٍ أسطوريّ! لِيَرضى النَّاس! يَقولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى صَراحَةً: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 27]. قالَ الإمامُ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "وَمِن أعظَمِ المُهلِكاتِ أن يَفعَلَ الإنسانُ العَمَلَ لِيُرى ويُحمَد، فَإنَّ المُرائيَ لا يُبارَكُ لَهُ في صَنيعِه، ولا يُرضي خَلْقًا، ولا يَربَحُ أَجرًا". فَيا سُبحانَ الله! يَستَدينُ الأَبُ، ويُرهِقُ العَريسُ ظَهرَهُ، فَقَط لِيُطعِموا أُناسًا سَيَخرُجونَ مِنَ القاعَةِ لِيَنتَقِدوا طَعمَ الطَّعامِ ولَونَ الزِّينَة!في مُقابِلِ هذا، استَمِعوا إلى هذا المَوقِفِ النَّبَويِّ العَظيم. رَجُلٌ مِن أغنى أغنِياءِ الصَّحابَة، ومِن أسيادِ قُرَيش، هو عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ رَضيَ اللهُ عَنه. يَتَزَوَّجُ في المَدينَة، ولا يَعلَمُ النَّبيُّ ﷺ بِزَواجِهِ إلَّا بَعدَ أيَّام، حِينَ يَرى عَلَيهِ أثَرَ صُفرَةٍ مِن طِيب! يَقولُ لَهُ النَّبيُّ ﷺ: «مَهْيَم يا عَبدَ الرَّحمن؟» (أي ما خَبرُك؟)، قال: تَزَوَّجتُ يا رَسولَ الله. قال: «على كَم؟» قال: على وَزنِ نَواةٍ مِن ذَهَب! لم يَغضَبِ النَّبيُّ ﷺ لِعَدَمِ دَعوَتِه، ولَم يَعتِب عَلَيهِ بَساطَةَ فَرَحِه، بَل قالَ لَهُ الكَلِمَةَ الَّتي نَبخَلُ بِها اليَوم: «بارَكَ اللهُ لَك، أَولِم ولَو بِشاة». هَكذا كانَت أفراحُهُم؛ بَسيطَةً، هادِئَةً، غايَتُها الإشهارُ، وثَمَرَتُها البَرَكَة. ولِذلكَ قالَ النَّبيُّ ﷺ الصَّادِقُ المَصدوق: «أَعظَمُ النِّساءِ بَرَكَةً أيسَرُهُنَّ مَؤونَةً» (رواهُ أحمَد). فكُلَّما ارتَفَعَتِ التَّكاليفُ للرِّياء، قَلَّتِ البَرَكَةُ في السَّماء.أمَّا المُخالَفَةُ الثَّانيَةُ الَّتي
غَزَت أفراحَنا: فَهِيَ المَعازِفُ، والأغاني الهابِطَة، والِاختِلاطُ المُحَرَّم. أيُّها الإخوَة، لَقَد كانَ إعلانُ النِّكاحِ بالدُّفِّ مُباحًا في الشَّرعِ لِلنِّساء، إظهارًا لِلفَرَح. أَمَّا ما نَراهُ اليَومَ، فَهُوَ كَوارِثُ تَهتِزُّ لَها الجُدران! مُكَبِّراتُ صَوتٍ تَصُكُّ الآذانَ بِمُوسيقَى صاخِبَة، وكَلِماتٍ تَدعو لِلرَّذيلَةِ وتَهييجِ الغَرائِز. رِجالٌ ونِساءٌ في قاعاتٍ مُتَجاوِرَة، وأحيانًا مُختَلِطَة، يَتَمايَلونَ على ألحانِ الشَّياطين! والنَّبيُّ ﷺ يُحَذِّرُنا تَحذيرًا لا لَبسَ فِيه، يَقول: «لَيَكونَنَّ مِن أُمَّتي أَقوامٌ يَستَحِلُّونَ الحِرَ والحَريرَ والخَمرَ والمَعازِفَ» (رواهُ البُخاري). قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ حَقيقَةً ناصِعَةً حينَ قال: "حُبُّ القُرآنِ وحُبُّ أَلحانِ الغِناءِ في قَلبِ عَبدٍ لَيسَ يَجتَمِعانِ". فكَيفَ نَرجو أن تَتَنَزَّلَ المَلائِكَةُ بِالسَّكينَةِ على عَروسَين، وقَدِ امْتَلَأَتِ القاعَةُ بِما يُنَفِّرُ المَلائِكَةَ ويَجلِبُ الشَّياطين؟ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [لقمان: 6].ثُمَّ نَأتي إلى المُخالَفَةِ الثَّالِثَةِ الطَّامَّة: التَّبَرُّجُ المَقيتُ، وكَشفُ العَوراتِ بَينَ النِّساء. يا عِبادَ الله، أينَ ذَهَبَ الحَياء؟ دَعوا عَنكُمُ اختِلاطَ الرِّجالِ بالنِّساءِ فذاكَ بابُ فِتنَةٍ مَعلوم. لَكِن لِنَتَحَدَّث عَمَّا يَجري في قاعاتِ النِّساءِ المُغلَقَة! لِباسٌ فاضِحٌ، وكَشفٌ لِلمَفاتِنِ، وعَوراتٌ تُعرَضُ أمامَ الأَعيُنِ، بِحُجَّةِ أنَّ القاعَةَ لِلنِّساءِ فَقَط! ومَن قالَ إنَّ جَسَدَ المَرأَةِ مُباحٌ لِلمَرأَةِ أن تَنظُرَ إلَيهِ كَيفَ شاءَت؟ هَل تُنكِرونَ كَلامَ رَسولِ اللهِ ﷺ الَّذي وَصَفَ هذا الزَّمانَ قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا فَقال: «صِنفانِ مِن أهلِ النَّارِ لَم أَرَهُمَا... ونِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ، مُميلاتٌ مائِلاتٌ... لا يَدخُلنَ الجَنَّةَ ولا يَجِدنَ رِيحَها» (رواهُ مُسلِم). يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "واللهِ إنَّ أَقوامًا أمَّنَتْهُمُ الدُّنيا حَتَّى نَسُوا الآخِرَة، وإنَّ قَومًا ضَحِكوا حَتَّى بَكَتْ مِنهُمُ السَّماء". وما تِلكَ اللَّيالي الَّتي تُنتَهَكُ فيها حُرُماتُ اللهِ إلَّا مَجلِسٌ تَبكي لَهُ القُلوبُ الحَيَّة! ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33]. وللأسَف، عادَت جاهِليَّةُ التَّبَرُّجِ أَبشَعَ مِمَّا كانَت، وتَحتَ مُسَمَّى "الأناقَةِ وحُرِّيَّةِ الفَرَح".والمُخالَفَةُ الرَّابِعَة، والَّتي تَجعَلُ الوَلْدانَ شِيبًا: تَضييعُ الصَّلَوات. تَبدأُ المَراسِمُ، ويَرتَفِعُ الصَّخَب، وتَمُرُّ السَّاعات، ولا يَنتَهي العُرْسُ إلَّا قُبَيلَ صَلاةِ الفَجر، أو بَعدَ طُلوعِ الشَّمس! يَعودُ المَدعُوُّون، ويَعودُ العَروسانِ مُنهَكَيْنِ، فَيَنامونَ عَن صَلاةِ الفَجر! هل فكَّرتُم يَومًا في بَشاعَةِ المَشهَد؟ شابٌّ وفَتاةٌ يَبدَآنِ أوَّلَ صَبيحَةٍ لَهُما تَحتَ سَقفٍ واحِد، وهُما تارِكانِ لِفَريضَةِ الله؟ في اليَومِ الَّذي يَنبَغي أن يَسجُدا فِيهِ للهِ شُكرًا أن جَمَعَهُما بِالحَلال، يَنامانِ عَن نِدائِهِ جَلَّ جَلالُه؟ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. كَيفَ يُبارِكُ اللهُ في بَيتٍ أُسِّسَ مِعمارُهُ الأَوَّلُ على تَضييعِ الصَّلاة؟دَعوني أَنقُلُكُم لِمَشهَدٍ يَتَكَرَّرُ في مُجتَمَعاتِنا... أَبٌ يَقِفُ على بابِ قاعَةِ الأَفراح، يَستَقبِلُ الضُّيوف، ويَبتَسِمُ في وُجوهِهِم، وقَلبُهُ يَتَقَطَّعُ مِن هَمِّ الدَّينِ الَّذي كَسَرَ ظَهرَهُ لِيُقيمَ هذه اللَّيلَة. وفي الدَّاخِل: أغانٍ مُحَرَّمَة، وإسرافٌ في الطَّعام، وتَبَرُّجٌ وسُفور. تَنتَهي اللَّيلَة، ويَذهَبُ كُلُّ ضَيفٍ لِبَيتِه. وبَعدَ سَنَةٍ واحِدَة — ولَرُبَّما أَشْهُر — نَجِدُ هذا الأَبَ نَفسَهُ واقِفًا عَلى أبوابِ المَحاكِمِ لِيُطَلِّقَ ابْنَتَه! نَعم! المَحاكِمُ تَعِجُّ بِقِصَصِ الطَّلاقِ المُبَكِّر. ولَو بَحَثنا عَنِ السَّبَب، لَوَجَدنا أنَّ جُزءًا كَبيرًا مِنهُ يَعودُ إلى شُؤْمِ المَعصيَةِ الَّتي بُنِيَ عَلَيها الزَّواج. ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 109]. السُّفيانُ الثَّوريُّ كانَ يَقول: "إنِّي لَأَعصي الله، فَأَرى ذلِكَ في خُلُقِ دابَّتي وامرأتي". فما بالُنا بِمَن يَبدَأُ حَياتَهُ الزَّوجيَّةَ بِكَبائِرِ المُخالَفات؟أيُّها المَغرورونَ بِلَحظَةِ الفَرَح... تَخَيَّلوا مَعي مَشهَدًا
يَرجُفُ لَهُ القَلب: ماذا لَو دَخَلَ مَلَكُ المَوتِ إلى تِلكَ القاعَة، والمُوسيقَى تَصدَح، والعَوراتُ مَكشوفَة، والأموالُ تُبَعثَر؟ بِأيِّ وَجهٍ سَيُلقى رَبُّ العالَمين؟ هَل سَنَقولُ لَهُ: كُنَّا نَفرَح؟ الفَرَحُ لا يُبَرِّرُ الحَرام! ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.إخوَتي الأَحِبَّة... نَحنُ لا نَقولُ لِلنَّاسِ: لا تَفرَحوا. بَل دِينُنا دينُ بَهجَةٍ وسُرور. لَكِنَّنا نَقول: افرَحوا بِما أَباحَ الله. أطعِموا الطَّعامَ بِلا إسراف، واضرِبوا بِالدُّفِّ لِلنِّساءِ بِلا فُجور، وتَزَيَّنَّ يا أَيَّتُها النِّساءُ بِما لا يُغضِبُ الخالِق. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]. والكُفرُ بِالنِّعمَةِ هُنا لَيسَ كُفرًا بِالخالِق، بَل هو استِخدامُ النِّعمَةِ في عِصيانِ مُولِيها!أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]🕌 الخطبة الثانيةالحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعدُ:عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ أَفراحِنا، كَيفَ تَحَوَّلَت مِن شُكرٍ لِلنِّعمَةِ إلى مُبارَزَةٍ بِالمَعصِيَة، ورَأَينا كَيفَ تُمحَقُ البَرَكَةُ بِالتَّبذيرِ والمَعازِفِ وتَضييعِ الصَّلَوات، وكَيفَ باتَتْ دِيونُها هَمًّا يَكسِرُ ظُهورَ الآباء، ومَعاصِيها نَسْفًا لِبُيوتِ الأبناء. والآن، كَيفَ نُعيدُ لِأَفراحِنا نُورَها وبَرَكَتَها، ونُطَهِّرُها مِمَّا عَلِقَ بِها؟أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أَن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِكُلِّ مَن دُعِيَ إلى فَرَحٍ أو أَرادَ أن يُقيمَ زَواجًا:الأُولى (قَلبيَّة): نَقِّ نِيَّتَكَ قَبلَ إِقامَةِ الفَرَح. اجعَل زَواجَكَ أو زَواجَ ابنَتِكَ شُكرًا لله، ولا تَجعَلهُ ساحَةً لإرضاءِ خَلْقِ اللهِ على حِسابِ رِضا الخالِق. النَّاسُ لَن يَرضَوا مَهما بَذَلت! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾ ومَن راقَبَ النَّاسَ ماتَ هَمًّا، ومَن راقَبَ اللهَ نالَ البَرَكَة.الثَّانيَة (لِسانيَّة): أَمْسِك لِسانَكَ كَضَيف! أَكبَرُ ما يَدْفَعُ النَّاسَ لِلتَّبذيرِ هو لَومُ الضُّيوفِ لَهُم: "طَعامُهُم قَليل، قاعَتُهُم ضَيِّقَة". كُفَّ لِسانَكَ عَن نَقدِ أفراحِ الآخَرين، وادعُ لَهُم بِالبَرَكَة، فَأنتَ بِهَذا التَّعْليقِ السَّيِّءِ تَدْفَعُ الغَيرَ لِلاستِدانَةِ خَوفًا مِن لِسانِك! ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12].الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): حافِظ عَلى صَلاةِ الفَجرِ في صَبيحَةِ الفَرَح! إن كُنتَ أنتَ العَريس، فَوَاللهِ لا خَيرَ في حَياةٍ زَوجيَّةٍ تَبدَأُ بِخِيانَةِ مَيثاقِ الصَّلاة. اِضبِط مُنَبِّهَك، وصَلِّ فَرَضَك، وذَكِّر زَوجَتَك، لِتَبدَأ حَياتُكُما في ذِمَّةِ الله.الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): لا تَنسَ الفُقَراءَ مِن وَليمَتِك. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَليمَةِ؛ يُدعى لَها الأَغنِياءُ ويُترَكُ الفُقَراء» (متفق عليه). ادعُ مَحتاجًا، وتَصَدَّق بِما فاضَ مِنَ الطَّعامِ لِلجِياع، فَذلِكَ حِصنٌ لِبَيتِكَ مِنَ الزَّوال.الخامِسَة (مَوضوعيَّة): كُنْ رَجُلًا راعِيًا مُسؤولًا. يا أَبَ العَروس، ويا أَبَ العَريس، ويا أَيُّهَا الزَّوج: أنتُم حُرَّاسُ البُيوت. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِه». ضَع قَدَمَكَ بِحَزمٍ ولِين، وارفُض كُلَّ مُخالَفَةٍ شَرعيَّةٍ في الفَرَح. قُل لا لِلمُوسيقَى المُحَرَّمَة، ولا لِلتَّبذير، ولا لِكَشفِ العَورات. كُن حارِسًا لِسَفينَةِ أُسرَتِكَ قَبلَ أن تَغرَق.فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ تَقوى اللهِ هيَ الَّتي تَحمِلُكُم عَلى الشُّكرِ عِندَ النِّعَم، والوُقوفِ عِندَ الحُدود، فلا تَستَبدِلوا بِنِعمَةِ اللهِ كُفرًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267].ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِكْ على نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطِيَ شَكَرَ، وإذا ابتُلِيَ صَبَرَ. اللَّهُمَّ طَهِّر بُيوتَنا وأفراحَنا مِنَ الرِّياءِ
والتَّبذيرِ والمَعاصي، واجعَلها مَجالِسَ سَكينَةٍ تَتَنَزَّلُ عَلَيها رَحَماتُك. اللَّهُمَّ بارِك لِكُلِّ زَوجَينِ مِنَ المُسلِمين، واجمَع بَينَهُما في خَير، وارزُقهُمُ الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةَ الَّتي تُقِرُّ بِها الأعيُن. اللَّهُمَّ اكفِ شَبابَنا وبَناتِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وبِطاعَتِكَ عَن مَعصِيَتِك، وبِفَضلِكَ عَمَّن سِواك. اللَّهُمَّ استُر عَوراتِنا، واحفَظ أعراضَنا، ورُدَّنا إلى دِينِكَ رَدًّا جَميلًا. اللَّهُمَّ ارفَع عَنَّا الغَلاءَ والوَلاء، واجعَل بَلَدَنا هذا آمِنًا مُطمَئِنًّا وسائرَ بِلادِ المُسلِمين، وانسُر إِخوَتَنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكانٍ يا رَبَّ العالَمين.عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة.✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.