🕌 خطر الاحتقار.. داء يأكل الحسنات
#خطبة_جمعة #حفظ_اللسان #الأخلاق #السخرية #الكبر #رقائق #تربية
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الإنسانَ فسَوَّاه، وعَدَلَهُ في صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ التَّقوى ميزانَ الكَرامةِ، ورَفَعَ المتواضعينَ وأذَلَّ المتكبِّرين، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، أكرَمُ الخَلقِ وخَيرُ مَن مَشى على الأرض، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد:
تَخيَّلوا معي رجلاً يأتي يومَ القيامة؛ قد صامَ النَّهار، وقامَ الليل، وتَصَدَّقَ بماله، وحَجَّ واعتَمَر، يَظُنُّ أنَّ أبوابَ الجنَّةِ مُفَتَّحَةٌ له. ثم يَقِفُ بين يَدَي الله، فَيُفاجَأ بأنَّ صَحيفَتَهُ بيضاءُ خاليةٌ من كُلِّ هذا! نَظَرَ إلى ميزانه فَوَجَدَهُ خفيفًا، وسألَ عن حَسَناته فقيل له: أخَذَها فلان، وأخَذَها عِلَّان. لماذا؟ لأنَّه في الدنيا نَظَرَ إلى أخيهِ نظرةَ استصغار، أو رَماهُ بكلمةِ سُخرية، أو تَندَّرَ عليه في مَجلس. كيف تَجعَلُ كَلِمةُ احتِقارٍ واحدةٍ عُمرًا من الطَّاعةِ هَباءً مَنثورًا؟ هذا ما سنَقِفُ عليه في خطبَتِنا اليوم.
أيها المسلمون، في زَمَنٍ طَغَت فيه المظاهر، واغتَرَّ الناسُ بالأموالِ والمَناصِب والشَّهادات والمَراكِب، ظَهَرَ في مُجتَمَعاتِنا داءٌ صامِت، يَسري في المَجالس كما يَسري السُّمُّ في الجَسَد. داءٌ لا يُرى بالعين، لكنَّهُ يَقطَعُ حِبالَ المَوَدَّة، ويُهلكُ الحَسَنات، ويُورِثُ الضَّغائن. إنَّه داءُ احتقارِ الآخرين، والسُّخريةِ منهم، وتَنَقُّصِ قَدرهم.
واسمَعوا لِهذا التَّحذيرِ الرَّبَّانيِّ المُزَلزِل، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11].
تأمَّلوا معي يا عبادَ اللهِ هذه الكلمة: ﴿عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾. هذا هو المِيزانُ الحقيقي. أنتَ تَسخَرُ من ثيابِه المُتَواضعة، أو من مِهنَتِه البسيطة، أو من مَسكَنِه الضَّيِّق، أو من خِلقَتِه وطريقةِ كلامِه.. ومَن أدراك؟ لَعَلَّهُ عندَ اللهِ أرفَعُ منك دَرَجة، وأطهرُ منك قلبًا، وأصدقُ منك سَريرة! لَعَلَّ لهُ خَبيئةً من عَملٍ صالحٍ لَو قُسِمَت على أهلِ الأرضِ لَوَسِعَتهم.
والمشكلةُ الحقيقيَّةُ يا إخوتي أنَّ احتقارَ الآخرين لا يَنبَعُ من فَراغ، بل له جذرٌ خبيثٌ في القلب، إنَّه "الكِبر". استَمِعوا إلى هذا الحديثِ العظيم، حيث يُعَرِّفُ رسولُ الله ﷺ الكِبرَ بتعريفٍ دقيقٍ قاطع، يقول: «الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ» (رواه مسلم). بَطَرُ الحقِّ أي رَدُّه، وغَمْطُ الناسِ أي احتقارُهم واستصغارُهم.
وقد حَذَّرنا الصَّادقُ المَصدوق ﷺ من هذا الذَّنبِ المَهول حين قال: «بحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ» (رواه مسلم). أي: يَكفيكَ من الشَّرِّ والإثمِ والوِزرِ أن تَحتَقِرَ أخاك، فكيفَ بمن جَمَعَ مع الاحتِقارِ ذُنوبًا أُخرى؟!
يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله واصفًا هذا الداء: "والكِبرُ والتعالي على الناس يَنبَعُ من رُؤيةِ النَّفس ورُؤيةِ العَمَل، فَيَظُنُّ المُتكَبِّرُ أنَّ لهُ فَضلًا على غيرِه، فيَحتَقِرُه، وما عَلِمَ المِسكينُ أنَّ العَملَ قد يَبطُلُ بالعُجب، وأنَّ المُذنِبَ المُنكَسِرَ قد يَكونُ أقرَبَ إلى اللهِ من الطَّائعِ المُغتَرّ".
ولْنتأمَّل معًا يا عبادَ الله هذا المَوقفَ العظيمَ الذي حَدَثَ في عَهدِ النُّبوَّة، بين جَبَلَين من جبالِ الصَّحابة. مَوقِفٌ تَحتَاجُ الأُمَّةُ أن تَقرأهُ كُلَّ يَوم.
كان أبو ذَرٍّ الغِفاريُّ رضي الله عنه في لَحظةِ غَضَبٍ وخِلافٍ مع بلالِ بنِ رَباح رضي الله عنه. وفي ذُروةِ الغَضَب، زَلَّ لسانُ أبي ذَرٍّ وقال لبلال: "يا ابنَ السَّوداء!".
كلمةٌ واحدة، قيلت في حالةِ غَضَب. لكنْ هل سَكَتَ عنها سيِّدُ البَشَر ﷺ؟ هل قال هذه مُجرَّد زَلَّة لسان؟ لا! بل غَضِبَ النَّبيُّ ﷺ غَضَبًا شَديدًا، واحمَرَّ وجهُه، وقال كلمتَهُ الصَّارمة: «يا أبا ذَرّ، أعَيَّرْتَهُ بأُمِّه؟! إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّة!».
يا الله! أبو ذَرّ، من أسبَقِ السَّابقين إلى الإسلام، يُقالُ له: فيكَ جاهليَّة! بسبَبِ نظرةِ استعلاءٍ واحدة، وانتقاصٍ من أخيه.
فماذا فَعَلَ أبو ذَرٍّ بَعدها؟ هل بَرَّر؟ هل قال أنا لم أقصِد؟ بل وَضَعَ خَدَّهُ على التُّراب، وأقسَمَ ألَّا يَرفَعَهُ حتى يَطَأَ بلالٌ بقَدَمِه على خَدِّه لِيَغفِرَ له. هكذا كانُوا يُطَهِّرونَ قُلوبَهم من أيِّ ذَرَّةِ كِبر.
فكيفَ بنا نَحنُ اليَوم؟
انظُروا إلى حالِنا في مَجالسِنا.. كم من غِيبَةٍ مُبَطَّنةٍ نُسَمِّيها "مِزاحًا"؟ كم من سُخريَةٍ نُطلِقُها على شكلِ فُلان، أو طَريقةِ كلامِه، أو بساطةِ عَقلِه، ونحنُ
نَضحَك؟
وانظُروا إلى حالِنا في وَسائلِ التَّواصُل الاجتماعي.. باتَتِ السُّخريَةُ من الآخرين صِناعةً وتِجارة. يَدخُلُ الشَّابُّ أو الفتاةُ بأسماءٍ وَهميَّة، فَيَسخَرُ من هذا، ويَشتِمُ ذاك، ويَنتَقِصُ من شَكلِ تلك، ويَكتُبُ تَعليقًا لاثعًا جَارحًا ليُضحِكَ المُتابعين. ويَنسى المِسكينُ قولَ الجبَّارِ جلَّ جلاله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. الهُمَزةُ هو الذي يَنتَقِصُ الناسَ بفِعلِه وحَركاتِه، واللُّمَزةُ هو الذي يَنتَقِصُهم بلسانِه وكَلماتِه. الوَيلُ لهم.. والوَيلُ وادٍ في جَهَنَّم، أو هو عَذابٌ وهَلاكٌ لِمَن اتَّخَذَ أعراضَ الناسِ ومَشاعِرَهم مَسْرَحًا لِسُخريتِه.
ألا تَعلَمُ يا مَن تَحتقِرُ الناسَ بِسببِ فَقرِهم أو دَناءَةِ مِهنَتِهم أنَّ موازينَ السَّماءِ غَيرُ موازينِ الأرض؟
يقولُ النَّبيُّ ﷺ في الحديثِ الذي يَرُجُّ القلوبَ رَجًّا: «رُبَّ أشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبْوَابِ لَوْ أقْسَمَ علَى اللهِ لأَبَرَّهُ» (رواه مسلم).
قد تَمُرُّ على عاملِ النَّظافةِ في الشَّارع، أو حارسِ البابِ البسيط، فَتَنظُرُ إليه نَظرةً دونيَّة، أو تَتَرَفَّعُ عن رَدِّ السَّلام عليه. واللهِ لَعَلَّ هذا الأَشعَثَ الأغبَرَ لو رَفَعَ يَدَيهِ إلى السَّماء دَاعيًا لَفُتِحَت لهُ أبوابُها، ولَأجابَهُ اللهُ من فَوقِ سَبعِ سَماوات، بينما أنتَ بدِيباجِك ومَركَبِك ومَنصِبِك، قد يُنادِي المُنادي: لا لَبَّيكَ ولا سَعدَيك!
وما أصدقَ وما أبلَغَ ما أنشَدَهُ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمه الله وهو يُؤدِّبُ النُّفوسَ ويُهَذِّبُ الألسِنَة، حيث قال:
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَحْيَا سَلِيمًا مِنَ الأَذَى ... وَدِينُكَ مَوْفُورٌ وَعِرْضُكَ صَيِّنُ
لِسَانَكَ لا تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ ... فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ
وَعَيْنَاكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَسَاوِئًا ... فَدَعْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ
وَعَاشِرْ بِمَعْرُوفٍ وَسَامِحْ مَنِ اعْتَدَى ... وَدَافِعْ وَلَكِنْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أيها الأحبَّة، إنَّ السُّخريةَ والاستهزاءَ بالأشكالِ والخِلقَةِ هو اعتراضٌ على الخالقِ قبلَ أن يكونَ طَعنًا في المخلوق. مَن عَيَّرَ صَنعَةً فقد عَيَّرَ صانعَها.
تأمَّلوا مَوقفَ الصحابة رضي الله عنهم يومَ صَعِدَ عبدُ الله بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه شَجرةَ الأراكِ لِيَجتَني منها سِواكًا. فَهَبَّتِ الرِّيحُ فكَشَفَت عن ساقَيه، وكانَت ساقاهُ نَحيفَتَينِ دَقيقَتَين. فَضَحِكَ بَعضُ الصَّحابةِ من دِقَّةِ ساقَيه.
هل تَرَكَها النَّبيُّ ﷺ تَمُرّ؟ هل قال إنَّها مُجرَّد دُعابَة؟ لا! بل وَقَفَ غاضبًا ومُعَلِّمًا وقال: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟» قالوا: يا نبيَّ الله، مِن دِقَّةِ ساقَيْه! فقال الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ: «والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لَهُما أثْقَلُ في المِيزَانِ مِن أُحُدٍ!».
يا سُبحانَ الله! ساقانِ نَحيفَتانِ ضَعيفَتان، هُما عندَ اللهِ أثقَلُ من جَبلِ أُحُد بما فيهِما من طاعةٍ وقِيامٍ وإيمان. هكذا تُوزَنُ الرِّجالُ، لا بالهَيئَة، ولا بالصُّورَة، ولا بالمال. يقرر ربنا تبارك وتعالى هذا الميزان الأبدي فيقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
كان الحسنُ البَصريُّ رحمه الله يَقول مُعرِّفاً التواضع الذي يغسل داء الكبر: "هل تَدرونَ ما التَّواضُع؟ التَّواضُعُ أن تَخرُجَ من مَنزِلِك، فلا تَلقَى مُسلِمًا إلَّا رَأيتَ لَهُ الفَضلَ عَليك".
هذه هي الصِّناعةُ الإيمانيَّةُ للقلوب. أن تَنظُرَ للمُصلِّي بجوارك وتقول: لعلَّهُ أصدقُ مني نية. أن تنظر للعاصي وتقول: لعلَّ الله يرزقه توبة نصوحاً يموت عليها، وأُبتلى أنا بسوء الخاتمة! الخوف من الخواتيم يمنع العبد من احتقار أي إنسان.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ وتوبوا إليه، إنَّه هو الغفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمْدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، القائلُ في محكم تنزيله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن داء الاحتقار والسخرية، وكيفَ أنَّه يَنبَع من كِبرٍ خَفِيٍّ في القلب، ورأينا كيف غَضِبَ النَّبيُّ ﷺ من أبي ذَرٍّ لِكَلِمة، وكيف دافَعَ عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنهما، وأدركنا أنَّ ميزانَ اللهِ يَختَلِفُ جَذريًّا عن ميزانِ البَشر. والآن، أيها الأحبة، كيف
نُطَهِّرُ قُلوبَنا وألسِنَتَنا من هذا الداء العُضال؟ وكيف نَحصُدُ ثَمَرةَ ما سَمِعنا في واقعنا؟
أوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): راقِب قلبَكَ حين تَرى عاصيًا أو شخصًا أقلَّ منك شأناً. حَذِّر نَفسَك بقَولِ الله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾. قُل في نَفسِك: رُبَّما لهُ سَريرةٌ صالحةٌ لا أعلَمُها، ورُبَّما أغتَرُّ أنا بَعَمَلي فَأَسقُط. قال يحيى بن معاذ رحمه الله: "بئسَ الخَصلةُ في المُؤمنِ احتقارُ مَن دونَه".
الثانية (لِسانيَّة): احفَظ لسانَك. قبلَ أن تَكتُبَ تَعليقًا ساخرًا على صورةٍ في وسائل التواصل، وقَبلَ أن تُشارِكَ في مَجلسٍ يُتندَّر فيه على شَخص، اسأل نفسك: هل يُرضي هذا الله؟ تذكّر قول الحق: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. الكلمة التي لا ترفعُ بها أخاك، اصمت عنها.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): إن كُنتَ قد اقتَرَفتَ هذا الذَّنب وسَخِرتَ من إنسانٍ واحتقَرته — سواء في عملك أو في أسرتك — فاذهَب إليه اليومَ واعتَذِر منه، أو تَصَدَّق عنه وادعُ له بظَهر الغيب إن صَعُب الاعتذار. لا تَترُك المَظلمَةَ تَأكُل حَسَناتِكَ يومَ العَرض الأكبر.
الرابعة (اجتماعيَّة): دافِع عن عِرضِ أخيك. إذا سَخِرَ أحدٌ من مُسلِمٍ في مَجلسك، فلا تَجلِس صامتًا أو مُبتسمًا مجاملاً. قِف وقُل: "اذكروا أخاكم بخير". قال ﷺ: «مَن رَدَّ عَن عِرضِ أَخيهِ رَدَّ اللَّهُ عَن وَجهِهِ النَّارَ يَومَ القِيامَةِ» (رواه الترمذي).
الخامسة (موضوعيَّة): تَبَسَّم في وَجه الضُّعفاء. ابتَسِم لِعامل النَّظافة، للعامل البسيط، لِخادم المسجد. أشعِرهُم بكرامَتِهم في الإسلام. هذه الابتسامة ليست مجرَّد ذوق، بل هي كسرٌ لصنم الكبر في قلبك، وتطبيقٌ عمليٌّ لقوله ﷺ: "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة".
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكمُ اللهُ بالصَّلاةِ عليه، فَقَد قال جلَّ جلالُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
اللَّهمَّ طَهِّر قُلوبَنا من النِّفاق، وأعمالَنا من الرِّياء، وألسِنَتَنا من الكَذِب والسُّخرية والاستهزاء والغيبة والنميمة.
اللَّهمَّ انزِع الكِبرَ من صُدورِنا، وارزُقنا تَواضُعًا يُدنينا من رَحمَتِك، وحُبًّا لِلمُؤمنينَ يَرفَعُنا في دَرَجاتِ جَنَّتِك.
اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن يَعرِفونَ أقدارَ النَّاس، ولا يَغمِطونَهم حُقوقَهم. اللَّهمَّ زَكِّ نُفوسَنا أنتَ خيرُ مَن زَكَّاها، أنتَ وَلِيُّها ومَولاها.
اللَّهمَّ اغفِر لِلمُؤمنينَ والمُؤمنات، والمُسلمينَ والمُسلمات، الأحياءِ منهم والأموات. اللَّهمَّ أصلِح أحوالَ أُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ في كلِّ مَكان، واحفَظ دِماءَهم، واستُر أعراضَهم، وارحَم مُستَضعَفيهم يا ربَّ العالمين.
عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.