من مكتبة مِداد الخطيب

الرِّضَا بِمَا قَسَمَ الله... جَنَّةُ الدُّنيَا وَرَاحَةُ القُلُوب

مشاركة
🕌 الرِّضَا بِمَا قَسَمَ الله... جَنَّةُ الدُّنيَا وَرَاحَةُ القُلُوب #خطبة_جمعة #الرضا #الإيمان_بالقدر #طمأنينة_القلب #القناعة #رقائق #عقيدة الحمدُ للهِ الرَّضِيِّ الحَميد، العَليمِ بِمَا يُصلِحُ عِبادَه وهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يُريد. الحَمدُ للهِ الَّذِي قَسَمَ الأرزَاقَ بِحكمَتِه، ووَزَّعَ الآجَالَ بعَدلِه، وجَعَلَ الرِّضَا بِقضَائِه باباً واسعاً إلى جَنَّتِه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَريكَ لَه، بِيَدِهِ المَنعُ والعَطَاء، والقَبضُ والبَسط، يبتلي ليُهذِّب، ويَمنع ليُعطي، وهو على كلِّ شيءٍ قَدير. وأشهَدُ أنَّ نَبيَّنَا وحَبيبَنَا وسَيِّدَنَا مُحمَّداً عبدُه ورَسولُه، أطهَرُ النَّاسِ قَلباً، وأرضَاهُم نَفساً، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعد: عَجباً أيُّها الإخوةُ لقلوبٍ تَركُضُ في مَيَادينِ الدُّنيَا لاهِثَةً، تَبحَثُ عن رَاحَةٍ في قَصرٍ مَشيد، أو في رَصيدٍ مَديد، أو في مَنصِبٍ مَجيد، وتَنسَى أنَّ اللهَ — بِحكمَتِه — خَبَّأ الرَّاحَةَ كُلَّها في خَصلَةٍ واحِدةٍ، وجَعَلَ مَحَلَّها مَوضعاً واحِداً! خَبَّأها في "الرِّضَا"، وجَعَلَ مَحَلَّها "القَلب". فَكَم مِن غَنيٍّ يَبيتُ على فِراشٍ من حَريرٍ وقَلبُه يَتَقَلَّبُ على جَمرِ السَّخَطِ والهلَع، وكَم مِن فَقيرٍ يَفترِشُ الأرضَ ويَلتحِفُ السَّماءَ، وقَلبُه يُرَفرِفُ في جَنَّةِ الرِّضَا، قد كُشِفَت عنهُ حُجُبُ الغَمّ، ونَامَ قَريرَ العَين! ألا تَسأَلُونَ أنفُسَكم أيُّها الأحبَّة: لمَاذَا نَتْعَبُ وتَشقى نُفوسُنا في زَمَانٍ كَثُرَت فيه وَسائِلُ الرَّاحَة؟ لمَاذَا تَضيقُ صُدُورُنا وقَد اتَّسَعَت دُورُنا؟ الجَوَابُ — يا كِرَام — في كَنزٍ مَفقودٍ اسْمُه: الرِّضَا بِمَا قَسَمَ الله. يَقولُ مَولانَا تَبَارك وتَعَالى، وَاصِفاً حَالَ المُفلِحين يَومَ العَرضِ الأكبَر: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8]. تَأمَّلوا هَذه الآيَةَ التي تَهُزُّ الوِجدَان! لم يَقُل رَبُّنا: صَلَّوا له وصَامُوا فَقَط، بَل قالَ: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وكَيفَ لا يَرضَونَ عنهُ في الآخِرَة، وهُمُ الَّذين رَضُوا بقَضَائِه في الدُّنيَا؟ رَضُوا بمَنعِه كما رَضُوا بعَطَائِه، وعَلِمُوا أنَّ كُلَّ مَا يَأتِي مِنَ الحَبيبِ حَبيب. واسمَعُوا لِهَذهِ الكَلِمَاتِ التي خَرَجَت مِن فَمِ الصَّادِقِ المَصدُوقِ ﷺ، لِتَكُونَ مِيزَاناً يَزِنُ به العَبدُ إيمَانَه. يَقولُ المُصطَفى ﷺ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (رواه مسلم). الطَّعمُ يُذَاق! الإيمَانُ ليسَ فِكرَةً جَافَّةً في العَقل، بَل هُوَ حَلاوَةٌ تُتَذَوَّقُ في القَلب. ومَن لم يَرضَ عنِ اللهِ في مَنعِه وعَطَائِه، لم يَذُق للإيمَانِ طَعماً ولَو كَثُرَت صَلاتُه وصِيامُه. انظُرُوا إلى حَالِنا اليَومَ عِبادَ الله. الوَاحِدُ مِنَّا يَفتَحُ هَاتِفَهُ الذَّكيّ، فَيَرَى صُورَةً لِصَديقٍ في رِحلَة، أو زَميلٍ تَرَقَّى في مَنصِب، أو جَارٍ اشتَرَى سَيَّارَةً فَارِهَة، فمَاذَا يَحدُث؟ يَشتَعِلُ قَلبُه ضِيقاً، ويَنسَى مِئَةَ نِعمَةٍ يَتَقَلَّبُ فِيهَا! السَّخَطُ يَأكُلُ حَسَناتِنا ويُدَمِّرُ نَفسِيَّاتِنَا. نَعتَرِضُ على أرزَاقِنَا خُفيَةً: لمَاذَا فُلانٌ ولَيسَ أنَا؟ لمَاذَا أُبتَلَى أنا بِالمَرَضِ دُونَ غَيري؟ ونَسِينَـا أنَّ قَسَّامَ الأرزَاقِ هو العَليمُ الخَبير، القائل: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 32]. فإذا كانَ اللهُ هُوَ الذي قَسَم، فَهَل نَعتَرِضُ على قِسمَةِ مَلِكِ المُلوك؟! وهُنا أستَحضِرُ مَعكُم قِصَّةً مِن أَعجَبِ قِصَصِ الرِّضَا في تَاريخِ سَلَفِنَا الصَّالِح. قِصَّةٌ لَيسَت مِن نَسجِ الخَيَال، بَل مِن واقِعٍ عَاشَهُ رِجَالٌ عَرَفُوا اللهَ حَقَّ المَعرِفَة. يُروَى عن التَّابِعيِّ الجَليل عُروة بن الزُّبير — رحمه الله — أنَّهُ أُصِيبَت رِجلُه بمَرَضٍ خَبيث، فَقَرَّر الأطِبَّاءُ بَترَهَا لِئَلا يَسرِي المَرَضُ إلى جَسَدِه. وفي نَفسِ اليَومِ الذي قُطِعَت فيهِ رِجلُه، جَاءَهُ خَبَرٌ فَاجِع: لَقَد رَفَسَت دابَّةٌ ابنَهُ وأحَبَّ أبنَائِه إلَيه فَمَاتَ في الحَال! تَخَيَّلُوا هَذا المَشهَدَ الدِّرَاميَّ المُفجِع: تُقطَعُ رِجلُه، ويُقتَلُ وَلَدُه، في يَومٍ وَاحِد! ماذَا قال عُروة؟ هل صَرَخ؟ هل شَقَّ الجُيُوب؟ هل اعتَرَضَ على قَضَاءِ الله؟ رَفَعَ طَرفَهُ إلى السَّماء، وقَال بِقَلبٍ يَفِيضُ رِضاً وتَلَذُّذاً بِالبَلاء: "اللهمَّ إن كُنتَ قَد ابتَلَيتَ فَقَد عَافَيت، وإن كُنتَ قَد أخَذتَ فَقَد أبقَيت؛ أخَذتَ عُضواً وأبقَيتَ أعضَاء، وأخَذتَ ابناً وأبقَيتَ أبنَاء.. فَلَكَ الحَمد".
اللهُ أكبَر! أيُّ مَدرَسَةٍ تَخَرَّجَ فيها هَؤلاء؟ إنَّهَا مَدرَسَةُ: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23]. إنَّهَا مَدرَسَةُ اليَقينِ بِقَولِه تَعَالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51]. يَقولُ الإمامُ ابن القيم — رحمه الله — وهُوَ طَبيبُ القُلُوب: "الرِّضَا بابُ الله الأعظَم، وجَنَّةُ الدُّنيَا، ومُستَرَاحُ العَارِفين، وحَيَاةُ المُحِبِّين، ونَعِيمُ العَابِدِين، وقُرَّةُ عُيُونِ المُشتَاقين". ويَقولُ الفَاروقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّاب رضي الله عنه: "ما أُبَالي عَلَى أيِّ حَالٍ أصْبَحتُ، عَلَى ما أُحِبُّ أو عَلَى ما أكرَه، لِأنَّنِي لا أدرِي الخَيرَ فِيمَا أُحِبُّ أم فِيمَا أكرَه". وكَانَ الحَسَنُ البَصريُّ — رحمه الله — يَقول: "مَن رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ وَسِعَهُ وبَارَكَ لَهُ فِيه، ومَن لم يَرضَ لم يَسَعْهُ ولم يُبَارَكْ لَهُ فِيه". عِبَادَ الله، إنَّ الرِّضَا لا يَعنِي ألا نَتَألَّم؛ فَالنَّبيُّ ﷺ دَمَعَت عَينَاهُ عَلَى وَلَدِهِ إبرَاهِيم، ولكِنَّهُ وَضَعَ المِيزَانَ القَاطِع: «وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا». الرِّضَا يَعنِي الاستِسلامَ البَاطِنيَّ لِحِكمَةِ الله. يقولُ تَعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. قِفُوا عِندَ قَولِه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. لو كُشِفَ لكَ الغَيب، ورَأيتَ كَيفَ يُدَبِّرُ اللهُ أمْرَك، وكَيفَ يَصرِفُ عَنكَ مَصائِبَ لا تَراهَا، وكَيفَ يَدَّخِرُ لكَ مِن الأجرِ بِصَبرِكَ مَا لا تَتَخَيَّلُه.. لَبَكَيتَ خَجَلاً مِن اعتِرَاضِك، ولَذُبتَ حُبّاً لِرَبِّكَ العَظِيم. واسمَعُوا لِهَذا المَشهَدِ النَّبَويِّ الآسِر. النَّبيُّ ﷺ يَقسِمُ غَنَائِمَ حُنَين، فَيُعطِي حَدِيثِي العَهدِ بِالإسلامِ عَطَاءً جَزيلاً لِيَتَألَّفَ قُلُوبَهُم، ولا يُعطِي الأَنصَارَ شَيئاً. فَيَجِدُ الأَنصَارُ في أنفُسِهِم (لِأنَّهُم بَشَر). فَيَجمَعُهُمُ النَّبيُّ ﷺ، ويُخَاطِبُهُم بِخِطَابٍ يَقطُرُ حُبّاً وعِتَاباً، حتَّى قالَ لَهُم الكَلِمَةَ الحَاسِمَة: «أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟» فَبَكَى القَومُ حتَّى أخضَلُوا لِحَاهُم، وقَالوا بِصَوتٍ وَاحِد: "رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا" (متفق عليه). هَذا هُوَ الرِّضَا الحَقيقِي! أن تَرضَى بِنَصيبِكَ مِنَ الله، حتَّى لَو ذَهَبَ النَّاسُ بِكُلِّ الدُّنيَا ومَا فِيهَا، يَكفيكَ أنَّ اللهَ رَبُّك، ومُحمَّداً ﷺ نَبيُّك. أليسَ قَد وَعَدَ المُصطَفى لِمَن رَضِيَ فَقَال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5]؟ إخوَاني وأحِبَّتي، إلى مَتَى نَشتَكِي الخَالِقَ إلى المَخلُوق؟ إلى مَتَى نَقِيسُ مَحَبَّةَ اللهِ لَنَا بِكَثرَةِ المَالِ وصِحَّةِ البَدَن؟ إنَّ الدُّنيَا لو كَانَت تُسَاوِي عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَة، ما سَقَى مِنهَا كَافِراً شَربَةَ مَاء. إنَّمَا يُعطِيهَا اللهُ لِمَن يُحِبُّ ومَن لا يُحِبّ، ولا يُعطِي الرِّضَا واليَقِينَ إلَّا لِمَن أحَبّ. فيا مَن ضَاقَ بِهِ رِزقُه، ويَا مَن أتعَبَهُ مَرَضُه، ويا مَن تَأخَّرَ زَوَاجُها، ويا مَن حُرِمَ مِن الذُّرِّيَّة... اطمَئِنُّوا، وفَوِّضُوا أمرَكُم لِلحَيِّ القَيُّوم. فَواللهِ لَن تَجِدُوا أرحَمَ مِنَ اللهِ بِكُم. ارضَوا عَنِ اللهِ يَرضَ عَنكُم، واملَأوا قُلوبَكُم سَكينَةً تَسعَدُوا في دُنيَاكُم وأُخرَاكُم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ وكَفَى، وصَلاةً وسَلاماً عَلَى عَبدِهِ الذي اصطَفَى، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اقتَفَى. أمَّا بَعد: عِبَادَ الله، تَحَدَّثنَا في خُطبَتِنَا الأُولَى عَن كَنزِ "الرِّضَا"، ووَقَفنَا مَعَ حَقِيقَتِهِ التي تَجعَلُ القَلبَ جَنَّةً في وَسَطِ المِحَن، وتَدَبَّرنَا كَيفَ رَضِيَ الصَّالِحُونَ عَن رَبِّهِم في أَشَدِّ سَاعَاتِ ابتِلائِهِم، وعَرَفنَا أنَّ السَّخَطَ بابُ الهُمُومِ ودَمَارُ القُلُوب. والآن، إخوَتِي في الله، نَحنُ أمَامَ السُّؤَالِ العَمَليِّ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الرِّضَا إلى واقِعٍ في حَيَاتِنَا المُعَاصِرَة المَلِيئَةِ بِالضُّغُوط؟ أُوصِيكُم بِخَمسٍ قَبْلَ أن تُغَادِرُوا مُصَلَّاكُم:
الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ اليَومَ مِن حَسَدِ أيِّ إنسَانٍ عَلَى نِعمَةٍ أُعطِيَها. تَذَكَّر أنَّ الحَسَدَ اعتِرَاضٌ خَفِيٌّ عَلَى قِسمَةِ الله، وفي الحَديث: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ الْإِيمَانُ وَالْحَسَدُ» (رواه النسائي). دَرِّب قَلبَكَ اللَّيلَةَ إذا رَأيتَ نِعمَةً عِندَ غَيرِكَ أن تَقُولَ بِصِدق: "اللهمَّ بارِك لَهُ وزِدنِي مِن فَضلِك". الثانية (لِسانيَّة): اجعَل لِسَانَكَ رَطباً بِالحَمدِ بَدَلاً مِن الشَّكوَى. كَم نَشتَكِي غَلاءَ الأسعَارِ وضُغُوطَ العَمَل، ونَتَنَاسَى سِترَ اللهِ وعَافِيَتَه! عَاهِد نَفسَكَ مِنَ الآن، كُلَّما سَألَكَ أحَدٌ: "كَيفَ حَالُك؟" أن تُخرِجَ الـ "الحمد لله" مِن أعمَاقِ قَلبِكَ قَبلَ شَفَتَيك، مُستَشعِراً قَولَهُ تَعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. الثالثة (عَمَليَّة): انظُر دَائِماً إلى مَن هُوَ أسفَلَ مِنكَ في أُمُورِ الدُّنيَا، وإلى مَن هُوَ أعلَى مِنكَ في أُمُورِ الدِّين. افتَح عَينَيكَ اليَومَ عَلَى المُستَشفَيَاتِ لِتَعرِفَ نِعمَةَ الصِّحَّة، وعَلَى دِيَارِ الحُرُوبِ والمُشَرَّدين لِتَعرِفَ نِعمَةَ الأَمن. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» (متفق عليه). الرابعة (اجتِمَاعِيَّة): ارضَ عَن أهلِكَ وزَوجِكَ وأبنَائِكَ ولا تَطلُب مِنهُمُ الكَمَالَ المُطلَق. البُيُوتُ تُهدَمُ بِالتَّدقِيقِ والمُقَارَنَاتِ المُدَمِّرَةِ عَبْرَ الشَّاشَات. تَغَافَل عَنِ الزَّلَّات، وانظُر إلى الصِّفَاتِ الحَسَنَة، مِصدَاقاً لِلحَدِيثِ العَظِيم: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (رواه مسلم). الخامسة (مَوضُوعِيَّة): رَدِّد في صَبَاحِكَ ومَسَائِكَ الدُّعَاءَ النَّبَويَّ الذي يَغرِسُ الرِّضَا غَرساً: «رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا». مَن قَالَهَا ثَلاثاً حِينَ يُصبِحُ وحِينَ يُمْسِي، كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أن يُرضِيَهُ يَومَ القِيَامَة. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله، واعلَمُوا أنَّ التَّقوَى هِيَ الحِصنُ المَنِيعُ الذي يُبقِيكُم في دَائِرَةِ الرِّضَا عَنِ الله. ثُمَّ صَلَّوا وسَلِّمُوا عَلَى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، عَمَلاً بِقَولِهِ تَعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلَى نَبِيِّنَا مُحمَّد، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللهمَّ إنَّا نَسألُكَ نُفُوساً مُطمَئِنَّة، تُؤمِنُ بِلِقَائِك، وتَرضَى بِقَضَائِك، وتَقنَعُ بِعَطَائِك. اللهمَّ اجعَلنَا مِمَّن إذا أُعطِيَ شَكَر، وإذا اُبتُلِيَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر. اللهمَّ املَأ قُلُوبَنَا بِالرِّضَا بِقِسمَتِك، حتَّى لا نُحِبَّ تَعجِيلَ ما أخَّرت، ولا تَأخِيرَ ما عَجَّلت. اللهمَّ اشفِ مَرضَانَا، وارحَم مَوتَانَا، واجبُر كَسرَ قُلُوبِنَا، واقضِ دُيُونَنَا، وارفَعِ الغَمَّ والهَمَّ عَنِ المَهمُومِينَ والمَكرُوبينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكَان. اللهمَّ اجعَل أسعَدَ أيَّامِنَا يَومَ نَلقَاكَ وأنتَ رَاضٍ عَنَّا، غَيرُ غَضبَان. عِبَادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسَانِ وإيتَاءِ ذِي القُربَى، ويَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُون. فاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذكُركُم، واشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعُون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.