من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

الجمعة بعد العيد: المحافظة على العمل بعد الموسم

مشاركة
🕌 الجمعة بعد العيد: المحافظة على العمل بعد الموسم #خطبة_جمعة #الاستقامة #بعد_رمضان #المداومة_على_العمل #الثبات #تزكية_النفس #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الزَّمانَ مَطِيَّةً لِعبادِهِ المُتَّقين، يَرحَلون عليهِ من طاعةٍ إلى طاعة، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ رِضاهُ غايةَ المُشَمِّرين، وثَوابَهُ مَطْمَعَ الآمِلين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أثبَتُ النَّاسِ يقيناً، وأدوَمُهم لِرَبِّهِ عِبادَةً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، انتهى الموسمُ العظيم، وطُويت صحائفُ شهرٍ كاملٍ من الصيام والقيام، ومضت أيامُ العيد ببهجتها، وعُدنا أدراجنا إلى حياتنا المعتادة وزحام دنيانا. ولكن، ثمة سؤالٌ خطيرٌ يطرق أبواب قلوبنا في هذه الجمعة الأولى بعد انقضاء الموسم: هل رُفعت أعمالنا وقُبلت، أم رُدَّت على وجوهنا؟ وهل تركَ اللهُ لنا علامةً في دنيانا نعرف بها قبولَ أعمالنا قبل أن نلقاه؟ نعم، هناك علامةٌ واحدةٌ قاطعة، وفارقٌ دقيق يفصل بين التوفيق والخذلان، سنقف عليه بعد قليل. أيها المؤمنون، مَن تأمل حالَ مساجدنا اليوم، وحالها قبل أيامٍ معدودات، أدرك مفارقةً تدمي القلب. أين تلك الصفوفُ المتراصة؟ أين تلك الوجوهُ الخاشعة؟ أين تلك الدموعُ التي ذُرفت في ليالي القيام؟ هل تبخّر ذلك كله بمجرد رؤية هلال شوّال؟ يقول الله جل وعلا في محكم التنزيل، مخاطباً نبيه ﷺ ومخاطباً أمته من بعده: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]. واليقين هنا هو الموت. تأملوا هذه الآية العظيمة! الله عز وجل لم يقل: اعبد ربك حتى ينتهي رمضان. ولم يقل: اعبد ربك حتى تنتهي من الحج. بل قال: ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. فالمؤمن لا تنتهي طاعته بانتهاء شهر، ولا يتوقف عن العبادة بانقضاء موسم. وقد لخص الإمام الحسن البصري رحمه الله هذا المعنى الجليل بكلمة تكتب بماء الذهب، حين قال: "إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم تلا: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾". أيها الأحبة، متى آخر مرة تفكرنا في خطر الانتكاس بعد الطاعة؟ كيف يعقل أن يبني الإنسان قصراً من الحسنات في ثلاثين يوماً، ثم يأتي في أول يوم من العيد ليحمل معول الهدم، فيهدم كل ما بناه؟ لقد ضرب الله لنا في القرآن مَثلاً عجيباً تقشعر منه الأبدان، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: 92]. صوّر الله عز وجل حال من يترك الطاعة بعد أن ذاق حلاوتها، بحال امرأة حمقاء، جلست تغزل الصوف وتنسجه بجهد وتعب حتى اشتد وقوي، ثم بعد أن أتمته وجمّلته، قامت إليه فقطعته خيطاً خيطاً ومزقته وأفسدته! أليست هذه حال من اجتهد في رمضان فصام وقام وتصدق، فلما انقضى الشهر عاد إلى غفلته وذنوبه وقطيعته لربه؟ سُئل بشر الحافي رحمه الله عن قوم يتعبدون ويجتهدون في رمضان، فإذا انسلخ الشهر تركوا العبادة، فقال كلمته الصادمة: "بئس القوم لا يعرفون لله حقاً إلا في شهر رمضان! إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها". إخواني في الله، لعلكم تسألون الآن: وكيف نعرف أن أعمالنا في الموسم قد قُبلت؟ الجواب في قلب كل واحد منكم. يقول الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه اللطائف: "معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله إذا قبل عمل عبدٍ وفّقه لعمل صالح بعده". الحسنة تنادي أختها، والطاعة تثمر طاعة. فمن وجد في نفسه بعد رمضان خفةً للصلاة، وحباً للقرآن، وكراهيةً للمعصية؛ فليبشر، فإن هذه علامات القبول. ومن وجد ثقلاً في الطاعة، ومسارعةً إلى الذنب، وهجراً للمصحف؛ فليراجع نفسه، وليبكِ على خطيئته. دعوني أنقلكم إلى مشهدٍ عظيمٍ وقع في تاريخ أمتنا، يجسد لنا حقيقة هذا الثبات. تخيلوا معي أعظم "موسم" عرفته الأرض، وهو عهد النبوة، حين كان النبي ﷺ بين أصحابه. فلما مات رسول الله ﷺ، أظلمت المدينة، وارتجت الأرض، وطاشت عقول بعض الصحابة من هول الصدمة، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سحب سيفه وأنكر موته! في تلك اللحظة المفصلية، تقدم أمير المؤمنين أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وثبت ثبات الجبال، وقال كلمته التي حفظت الدين: "أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". ونحن اليوم يا عباد الله، بعد انقضاء شهر الصيام، نقول لأنفسنا ولمن حولنا: "من كان يعبد رمضان، فإن رمضان قد انقضى ومات. ومن كان يعبد رب رمضان، فإن رب رمضان حي لا ينام، موجود في شوال وفي كل شهور العام". يا أهل التوحيد، إن المطلب الأعلى بعد مواسم الطاعات ليس مجرد الكثرة، بل هو "الاستقامة". تأملوا هذا النداء الرباني المباشر: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: 112]. الاستقامة هي الطريق الذي لا اعوجاج فيه. وقد لخّص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا السر بجملة قصيرة حاسمة فقال: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة". كرامتك الحقيقية ليست في أن تطير في الهواء أو تمشي على الماء، بل كرامتك أن تثبت على طاعة الله حتى تلقاه. واسمعوا لهذا الحديث العظيم الذي رواه الإمام مسلم، حين جاء سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه إلى النبي ﷺ يسأله سؤالاً جامعاً قال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. فماذا أجابه المعلم الأول ﷺ؟ هل أمره بآلاف الركعات؟ هل أمره بصيام الدهر؟ قال ﷺ: «قل آمنت بالله، ثم استقم». خمس كلمات تلخص دين الإسلام كله. آمن، ثم امضِ على هذا الإيمان فلا تحِد عنه. لكن كيف نستقم والنفوس تضعف وتفتر؟ يُعلمنا نبينا ﷺ الاستراتيجية الأعظم في العبادة، في الحديث المتفق عليه: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». إن الله لا يطالبك أن تقوم الليل كله كما كنت تفعل في العشر الأواخر من رمضان. ولا يطالبك أن تختم القرآن كل أسبوع. بل يطالبك ألا تقطع الحبل الذي بينك وبينه. ركعتان في جوف الليل تواظب عليهما، أحب إلى الله من مئة ركعة تصليها في ليلة ثم تترك القيام سنة كاملة. خذوا العبرة من بلال بن رباح رضي الله عنه. بماذا سمع النبي ﷺ دفّ نعليه في الجنة؟ لم يكن بلال أكثر الصحابة صياماً، ولا أكثرهم مالاً ليتصدق. لكن النبي ﷺ سأله فأجاب: «ما تطهرت طهوراً في ساعة من ليل ولا نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي». عمل يسير، لكنه "دائم"، ففتح له أبواب الجنان. وهنا نقف أمام أنفسنا لنتساءل: كيف نرضى أن نواظب على عادات دنيوية تافهة، ولا نواظب على زاد ينجينا من النار؟ كل واحد منا يمسك بهاتفه المحمول مئات المرات في اليوم بانتظام شديد، لا ينسى ولا يفتر. فلماذا حين نأتي لكتاب الله، أو لركعتي الضحى، أو لورد الذكر، تصيبنا الأعذار وتهاجمنا المشاغل؟ أليس هذا من الخذلان العظيم؟ احذروا يا عباد الله أن يشملكم هذا الوصف النبوي المخيف. ففي الحديث المتفق عليه، التفت النبي ﷺ إلى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وقال له محذراً: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل». تأملوا هذا التحذير! لم يعاتبه لأنه لم يصلِّ، بل عاتبه لأنه "بدأ ثم ترك". لأن الانقطاع بعد الوصل جفاء، والتراجع بعد التقدم خسران. يقول الله تعالى مبشراً أهل الثبات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]. نسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا من أهل الاستقامة، وأن يثبت قلوبنا على دينه حتى نلقاه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمّا بعد: عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن خطورة الانتكاس بعد الطاعات، وعن المفارقة المحزنة في مساجدنا بعد العيد، وعن وصية أبي بكر الصديق حين ربط القلوب بالحي الذي لا يموت. ووقفنا عند القاعدة النبوية الذهبية: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي يحدد إن كانت هذه الكلمات ستمر مرور الكرام، أم ستغير واقعنا: كيف نحافظ عملياً على هذا الأثر في حياتنا اليومية؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزل من منبري: الأولى (قَلبيَّة): جددوا نية الثبات والاستقامة في قلوبكم، واسألوا الله الثبات. قال النبي ﷺ: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم». اليوم، وفي كل يوم، ادعوا في سجودكم: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. الثانية (لِسانيَّة): حافظوا على لسانكم من الغيبة والنميمة وفحش القول. كما صمتم في رمضان عن الحلال، فصوموا طوال العام عن الحرام. اجعلوا في يومكم ورداً من الاستغفار يجبر ما انكسر ويصلح ما فسد، فإن الكلمة الطيبة صدقة، واللسان الذاكر نجاة. الثالثة (عَمَليَّة): لا تقطعوا حبل الصيام وحبل القيام. صوموا ستاً من شوال، فقد قال ﷺ: «من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر» (رواه مسلم). وحافظوا على ركعة الوتر كل ليلة، لا تناموا إلا وقد صليتموها، فهي الحبل الموصول مع الله في ظلمة الليل. الرابعة (اجتماعيَّة): لا تقطعوا أرحامكم بعد العيد. إن كنتم قد وصلتموهم في العيد، فاستمروا، فإن صلة الرحم معلقة بالعرش. تفقّدوا جيرانكم، وأحسنوا إلى الضعفاء منكم، فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً. الخامسة (موضوعيَّة): إياكم وهجر القرآن! لقد كنتم تتلونه آناء الليل وأطراف النهار، فكيف يُغلق المصحف ويوضع على الرفوف لتتراكم عليه الأتربة؟ خذوا عهداً على أنفسكم اليوم ألا يمر يوم إلا وتقرؤون فيه صفحة واحدة على الأقل. صفحة واحدة خير من قطيعة تامة. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على الاستقامة، وتحفظكم من الزلل، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، عملاً بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجعلنا ممن إذا ذُكّر تذكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أنعمت عليه شكر. اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك. اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، ولا تجعلنا ممن حبطت أعمالهم فخسروا الدنيا والآخرة. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك. اللهم لا تجعلنا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، وارزقنا الاستقامة حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وانصر المستضعفين والمظلومين، واجعل لهم من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.