🕌 آياتُ الله في الكَون... نَذيرٌ لِقَلبٍ غافِل
#خطبة_جمعة #الكوارث_الطبيعية #الفيضانات #الزلازل #الاعتبار #الاستعداد_للآخرة #إيمانيات
عبادَ الله، نرى الأرضَ من حَولِنا اليومَ تَغلي بالحَرائق، وتَغرَق بالفيضانات، وتَتَصَدَّع بالزلازل وانجرافات التُّربة. يُسَمِّيها أهلُ العِلم المادِّي "غَضَبَ الطبيعة" أو "الاحتباس الحراري"، ويَنشَغِلون بتَفسيرها الماديِّ المُجَرَّد... لكن هناك حقيقةٌ واحدةٌ خَلفَ كلِّ هذا، مَن أدرَكَها نَجا، ومَن غَفَلَ عنها هَلَك. فما هي؟
الحمدُ للهِ الذي يُمسِكُ السَّماواتِ والأرضَ أن تَزولا، الحمدُ للهِ الذي يُرسِلُ الآياتِ تَخويفًا وتَذكيرًا لعبادِه لَعَلَّهم يَرجِعون، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، القاهرُ فَوقَ عبادِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، المَبعوثُ رَحمةً للعالمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيرًا. أمَّا بعدُ:
أيها المسلمون، إنَّنا نَعيش في عَصرٍ اغتَرَّ فيه الإنسانُ بِعِلمِه وتَقنيتِه، فظَنَّ أنَّه قد سَيطَرَ على الأرض وأحكَمَ قَبضَتَه على الكَون. ثم يُرسِلُ اللهُ جلَّ جلالُه جُنديًّا من جُنوده؛ سَيلًا جارفًا، أو نارًا مُستَعِرةً، أو أرضًا تَتَزَلزَل وتَنهار، ليُذَكِّرَ هذا الإنسانَ بضَعفِه وعَجزِه أمامَ قُدرَةِ الجَبَّار.
يقولُ ربُّنا تَباركَ وتَعالى حاكِمًا على هذه الظواهر: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
تأمَّلوا هذه الآيةَ العظيمة... لم يَقُل ربُّنا: وما نُرسِلُ بالآياتِ إلا انتقامًا أو هَلاكًا، بل قال: ﴿تَخْوِيفًا﴾. التَّخويفُ — يا كِرام — رِسالةُ رَحمة! كأنَّ الأبَ يَرفَعُ صَوتَه على ابنِه ليَرُدَّه عن حافَّةِ الهاوية. اللهُ يُخَوِّفُنا بهذه الكوارث لِنَعودَ إليه قَبلَ أن نَلقاه، ولِنَستَيقِظَ من رَقدةِ الغَفلة.
إخواني في الله، يَسمَعُ الناسُ اليومَ عن "الاحتباس الحراري" والتَغَيُّر المناخي، ويَظُنُّونَها مجرَّد أسباب طبيعيَّة. نعم، لها أسبابٌ مادِّيَّةٌ هي من كَسبِ أيدينا وإفسادنا في البيئة، مِصداقًا لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
لكنَّ التَّفسير المادِّيَّ وَحدَه يُعمي القَلب! المؤمنُ يَرى السَّيلَ الجارِفَ أو التُّربةَ المُنهارةَ فيقول: سُبحانَ مَن أسالَ الماءَ وشَقَّ الأرض. ويَرى النَّارَ المُستَعِرةَ تَأكُل الغاباتِ فيقول: سُبحانَ مَن أوقَدَها.
اسمعوا إلى فقه السَّلَف في قراءة هذه الرسائل؛ عن صفيَّة بنت أبي عُبَيد قالت: زُلزِلَت الأرضُ على عَهد عُمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه، فَقام فَخَطَبَ الناسَ وقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا كَانَتْ هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ إِلَّا عَنْ شَيْءٍ أَحْدَثْتُمُوهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ عَادَتْ لَا أُسَاكِنُكُمْ فِيهَا أَبَدًا!".
تأمَّلوا فقهَ عُمر! لم يَبحَث عن تَصَدُّعٍ في طَبقاتِ الأرض لِيُبَرِّرَ الزلزال، بل بَحَثَ عن تَصَدُّعٍ في أخلاقِ الناسِ وعَقيدَتِهم.
يا عبادَ الله، إنَّ هذه الفيضانات الَّتي تَجرِفُ البُيوتَ في دقائق، والحرائق الَّتي تُحيلُ الغاباتِ والمُدُنَ إلى رَمادٍ في ساعات... أليست تَذكيرًا مُصَغَّرًا بيوم القيامة؟
إذا كانت هذه زَلزَلةُ الدُّنيا ونيرانُها، فَكيف بِزَلزَلة الآخرة؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1].
وإذا كانت حَرائقُ غاباتِ الدُّنيا تُرعِبُنا ولا تَستَطيعُ الدُّوَلُ إخمادَها، فَكيف بِنار جَهنَّم؟ قال النَّبيُّ ﷺ: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ» (متفق عليه).
فَيا مَن يَرى هذه الآياتِ وتَمُرُّ عليه كَأخبارٍ عابرةٍ في شاشاتِ الهواتف... أفق قَبلَ أن تَكونَ أنتَ الخَبَر. أفق قَبلَ أن يَقِفَ بكَ العُمُرُ بَين يَدَي رَبِّك.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن هذه الكوارثِ والآياتِ الَّتي تَضرِبُ الأرض، وكَيفَ أنَّها رِسالاتُ تَخويفٍ وتَنبيهٍ من الله لَعَلَّنا نَرجِع إليه، وتَذكِرَةٌ مُصَغَّرَةٌ بأهوالِ يومِ القيامة. والآن، كيفَ نُتَرجِمُ هذا التَّأمُّل إلى واقِعٍ نَعيشُه؟
أُوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا الخَوفَ من اللهِ في قُلوبِكم، فَواللهِ
لا مَلجَأَ من اللهِ إلَّا إليه، ولا عاصِمَ من قَضائه ومَكَرهِ إلَّا رَحمتُه.
الثانية (لِسانيَّة): أكثِروا من الاستغفارِ في بُيوتِكم وطُرُقاتِكم؛ فالاستغفارُ أمانُ الأرضِ المُتَبَقِّي بَعدَ رَحيلِ النَّبيِّ ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): عَجِّلوا بالتَّوبةِ مِن ذَنبٍ تَعلَمونَه مِن أنفُسِكم اليومَ قَبلَ الغَد، فالموتُ يَأتي بَغتَةً كما تَأتي الكوارثُ بَغتَةً بلا إنذار.
الرابعة (اجتماعيَّة): تَفَقَّدوا الضُّعَفاءَ والمَساكينَ وتَصَدَّقوا، فإنَّ الصَّدَقةَ تَدفَعُ البَلاء، وتُطفِئُ غَضَبَ الرَّب.
الخامسة (موضوعيَّة): لا تُمَرِّروا مَقاطِعَ الكوارثِ والفيضاناتِ المَنشورة كأنَّها للتَّسلية أو المَلَل، بل اجعَلوها مَحطَّةَ تَفَكُّر، واعتَرِفوا بضَعفِكم أمامَ قُوَّةِ الخالِق جلَّ جلاله.
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي المَنجاةُ في الدُّنيا والآخرة.
ثمَّ صلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صلِّ وسَلِّم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه.
اللَّهمَّ إنَّا نَعوذُ بكَ من زَوالِ نِعمَتِك، وتَحَوُّلِ عافيَتِك، وفُجاءَةِ نِقمَتِك، وجَميعِ سَخَطِك.
اللَّهمَّ اجعَل هذه الآياتِ الَّتي نَراها مَوعِظةً لِقُلوبِنا، ولا تَجعَلنا مِنَ الغافِلينَ الَّذين يَرَون العِبَرَ ولا يَعتبِرون.
اللَّهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وادفَع عَنَّا البَلاءَ والوَباءَ والزَّلازلَ والمِحَن، وسُوءَ الفِتَن، ما ظَهَرَ منها وما بَطَن.
اللَّهمَّ الطُف بإخوانِنا المُتَضَرِّرينَ والمُستَضعَفينَ في كلِّ مَكان، واجبُر كَسرَهم وارحَم مَوتاهم برَحمتكَ يا أرحَمَ الراحمين.
عبادَ الله، إنَّ الله يَأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.