من مكتبة مِداد الخطيب

خُطورَةُ تَمييعِ الثَّوابِتِ بدَعوى "التَّسامُحِ والانفِتاح" ومُسايَرَةِ الأهواء

مشاركة
🕌 خُطورَةُ تَمييعِ الثَّوابِتِ بدَعوى "التَّسامُحِ والانفِتاح" ومُسايَرَةِ الأهواء ________________ #خطبة_جمعة #تمييع_الثوابت #التسامح_الزائف #الانفتاح_المسموم #الثبات_على_الحق #مسايرة_الأهواء #إيمانيات 🕌 الخطبة الأولى الحمدُ للهِ الهادي إلى صِراطِه المُستَقيم، الحَكيمِ الخَبيرِ الذي أنزَلَ الكِتابَ بالحقِّ والميزان، وجَعَلَ شَريعَتَهُ الغَرَّاءَ كَلِمَةً سَواءً ومَناراً وهاجاً لِلسَّالِكين، لا يأتِيهِ الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ ولا مِن خَلفِه، تَنزيلٌ مِن حَكيمٍ حَميد. نَحمَدُهُ سُبحانَهُ وتَعالى حَمدَ العارِفينَ بآلائِه، المُعتَصِمينَ بحَبلِه المَتين، المُستَمسِكينَ بعُروَتِهِ الوُثقى التي لا انفِصامَ لها، ونَشكُرُهُ على نِعمَةِ الهِدايَةِ ورُسوخِ الإيمان، ونَستَغفِرُهُ استِغفارَ المُفتَقِرينَ إلى عَفوِه ورَحْمَتِه، ونَتوبُ إليهِ مِن كُلِّ هَوىً يُضِلُّ عن سَبيلِه، أو زَلَلٍ يُخالِفُ حُكمَهُ وشَرعَه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له، الفَردُ الصَّمَد، الذي أوجَبَ الثَّباتَ على الصِّراط، ونَهى عنِ اتِّباعِ الهَوى ومُسايَرَةِ أهلِ الزَّيغِ والضَّلال، فقالَ وقَولُهُ الحَقّ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وأشهَدُ أنَّ نَبيَّنا وسَيِّدَنا وإمامَنا وقُدوَتَنا مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، إمامُ المُوَحِّدين، وقائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلين، بَعَثَهُ اللهُ بالأمرِ الصَّادِعِ والبُرهانِ القاطِع، فلم يُداهِنْ في دِينِهِ قَطّ، ولم يَحِدْ عن شَريعَةِ رَبِّهِ قِيدَ أُنمُلَة، حتَّى أتاهُ اليَقين، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهارِ الأبرار، وصَحابَتِهِ الأخيارِ المَيامين، الذينَ ثَبَتوا على الجَمرِ فلم تُبَدِّلْهُمُ الأيَّام، ولم تُزَعزِعْهُم رِياحُ الفِتَنِ والمَطامِع، والتَّابِعينَ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بَعدُ: فيا عِبادَ الله، أُوصيكُم ونَفسي الخاطِئَةَ المُقَصِّرَةَ بتَقوى اللهِ جَلَّ وعَلا، فاتَّقوا اللهَ حَقَّ التَّقوى، ورَاقِبوهُ في السِّرِّ والنَّجوى؛ فإنَّ التَّقوى هِيَ العاصِمُ مِن الزَّلَل، والحِصنُ الأَمْنَعُ عِندَ تَلَاطُمِ أمواجِ الفِتَنِ وتَزاحُمِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوات. واعلَموا رَحِمَكُمُ اللهُ أنَّ حَقيقَةَ الإيمانِ لَيسَتْ كَلِماتٍ تُقالُ باللِّسان، ولا مَظاهِرَ جوفاءَ تُخادِعُ الأعيُن، بل هِيَ عَقدٌ وَثيقٌ في القَلب، وانقِيادٌ مُطلَقٌ لأوامِرِ اللهِ ونَواهيه، وثَباتٌ صامِدٌ كالجِبالِ الرَّواسِي أمامَ أعاصيرِ التَّغييرِ ومَوجاتِ التَّبديلِ التي تَعصِفُ بالأُمَم. أيُّها المُسلِمون: إنَّ مَعرَكَةَ الشَّريعَةِ في هذا العَصرِ لم تَعُدْ مَعرَكَةً عَسْكَريَّةً مَكشوفَةً تُرفَعُ فيها السُّيوف، بل تَحَوَّلَتْ إلى حَربٍ ناعِمَةٍ خَبيثَة، مَيدانُها العُقولُ والقُلوب، وسِلاحُها الشِّعاراتُ البَرَّاقَةُ والمُصطَلَحاتُ المُعَسَّلَة. وإنَّ مِن أخطَرِ هذهِ الأسلِحَةِ المَسمومَةِ التي ابتُلِيَتْ بها الأُمَّةُ في أيَّامِنا هذه: ما يُسَمَّى بـ "السُّيولَةِ الفِكريَّة، وتَمييعِ الثَّوابِت، وإعادَةِ تَشكيلِ الدِّين". إنَّها حَملَةٌ شَرِسَةٌ تَتَسَلَّلُ إلى نُفوسِ الشَّبابِ والفتَياتِ تَحتَ عِناوينَ مُخادِعَةٍ تَبدو في ظاهِرِها رَحْمَةً وفَضيلَة، كـ "التَّسامُح"، و"الانفِتاح"، و"الاعتدال"، و"مُواكَبَةِ العَصر"، و"قَبولِ الآخَر"، و"نَبذِ التَّعَصُّب"! ولكنَّها في باطِنِها وحَقيقَتِها لا تَعني إلَّا أمراً واحِداً: الانتحارَ العَقَدِيَّ الكامِل، وتَفكيكَ هُوِيَّةِ الإسلام، وتَرويضَ النَّصِّ الشَّرعيِّ ليَخضَعَ لِلمَنظومَةِ اللِّيبراليَّةِ الغَربيَّةِ الماديَّة، حتَّى لا يَبقى مِن الإسلامِ إلَّا اسمُه، ولا مِن القُرآنِ إلَّا رَسمُه! تأمَّلوا مَعي رَحِمَكُمُ الله: كَيفَ صارَتْ هذهِ المَفاهيمُ تُوَظَّفُ اليَوم؟ إذا قامَ رَجُلٌ يَدْعو إلى فَريضَةِ الحِجابِ الشَّرعيِّ ويُحَذِّرُ مِن سُفورِ الجاهِليَّةِ وتَبَرُّجِها، رَمَوْهُ بالتَّشَدُّدِ والرَّجعيَّة، وزَعَموا أنَّ "الانفِتاحَ" يَقتَضي تَركَ الفَتاةِ لِتَرتَديَ ما تَشاء! وإذا قامَ عالِمٌ يُحَذِّرُ مِن فاحِشَةِ الشُّذوذِ الجِنسيِّ وتَغييرِ خَلقِ الله، اتَّهَموهُ بنَبذِ التَّسامُحِ وعَدَمِ قَبولِ "التَّنَوُّعِ الإنساني"! وإذا أفتى فَقيهٌ بحُرمَةِ الرِّبا والمُعامَلاتِ المَصرفيَّةِ الفاسِدَةِ التي تَمتَصُّ دِماءَ الفُقَراء، قالوا: هذا فِقهٌ قَديمٌ لا يُناسِبُ الاقتِصادَ العالَميَّ المَفْتوح! وإذا دافَعَ باحِثٌ عن سُنَّةِ النَّبيِّ ﷺ وصَحيحِ البُخاريِّ ورِوايَةِ الصَّحابَة، قالوا: دَعونا نُعيدُ قِراءَةَ التُّراثِ بعَقلانيَّةٍ مُنفتِحَةٍ بلا جُمود! وهكذا تُسقَطُ قِلاعُ الدِّينِ حِصناً حِصناً، وتُهدَمُ أركانُ المِلَّةِ عُروَةً عُروَة، كُلُّ ذلكَ باسْمِ "التَّسامُحِ المَغشوش" و"الانفِتاحِ المَسموم"! عِبادَ الله: لِنَكُنْ على بَيِّنَةٍ تامَّةٍ مِن أمرِ دِينِنا: إنَّ الإسلامَ العَظيمَ هُوَ أصلُ السَّماحَةِ والعَدلِ والرَّحمَة؛ فما عَرَفَتِ البَشَريَّةُ نِظاماً ولا دِيناً أكثَرَ رَحْمَةً وتَسامُحاً وعَدلاً مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ. لقَد كَتَبَ النبيُّ ﷺ وثيقَةَ المَدينَةِ فأقَرَّ حُقوقَ اليَهودِ فيها، وعاهَدَ نَصارى نَجرانَ وصانَ كَنائِسَهُم، وأمَرَ بالبِرِّ والقِسطِ معَ كُلِّ مَن لم يُحارِبِ المُسلِمين، فقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]. وقالَ ﷺ في صَحيحِ البُخاري: «مَن قَتَلَ مُعاهَداً لم يَرَحْ رائِحَةَ الجَنَّة». هذا هُوَ التَّسامُحُ الشَّرعيُّ الأَصيل: حُسنُ خُلُق، وعَدلٌ مُطلَق، ورَحْمَةٌ بالخَلق، وحِفظٌ للعُهود، وبَذلٌ للإحسان. ولكِنَّ هذا التَّسامُحَ الإسْلاميَّ لم يَكُنْ يَوماً مِنَ الدَّهرِ تَمييعاً للعَقيدَة، ولا شَكّاً في بُطلانِ الشِّرك، ولا اعتِذاراً عن قَواطِعِ الحَلالِ والحَرام! فالنَّبيُّ ﷺ الذي عَفَا عن قُرَيشٍ يَومَ الفَتحِ هوَ نَفسُهُ الذي حَطَّمَ الأصنامَ بيَدِهِ الشَّريفَةِ وحَولَ الكَعبَةِ وهوَ يَتلو: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾! والرَّسولُ ﷺ الذي زارَ الغُلامَ اليَهوديَّ المَريضَ هُوَ نَفسُهُ الذي قالَ بحَزمٍ وقاطِعيَّة: «والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، لا يَسمَعُ بي أحَدٌ مِن هذهِ الأُمَّةِ يَ Jewish ولا نَصرانيّ، ثُمَّ يَموتُ ولم يُؤمِنْ بالذي أُرسِلتُ به، إلَّا كانَ مِن أصحابِ النَّار» [رواه مسلم]. فأينَ التَّسامُحُ الأخلاقيُّ النَّبويُّ الرَّحيم، مِن هذا التَّمييعِ المَنكوسِ الذي يُريدُ أن يَجعَلَ الإيمانَ والكُفرَ وَجهَينِ لِعُملَةٍ واحِدَة، ويَخلِطَ الحَقَّ بالباطِل، ويَعتَبِرَ الجَزمَ بصِحَّةِ الإسلامِ دُونَ سِواهُ "تَعَصُّباً وتَطَرُّفاً"؟! إنَّ هذا خَلطٌ شَيطانيٌّ خَبيث، يَجِبُ على كُلِّ مُسلِمٍ ومُسلِمَةٍ أن يَحذَرَهُ ويَفضَحَهُ بالبُرهان. أيُّها الإخوَةُ الأكارِم: إنَّ القُرآنَ المَجيدَ كَشَفَ أبعادَ هذا الاستِدراجِ الفِكريِّ مُنذُ فَجرِ البِعثَة؛ لقَد حاوَلَ زُعَماءُ الشِّركِ في مَكَّةَ أن يَسْلُكوا معَ النبيِّ ﷺ نَفسَ المَسْلَكِ التَّمييعيِّ الذي يَسْلُكُهُ دُعاةُ الانفِتاحِ اليَوم. جاؤوا إليهِ بروحِ "التَّفاوُضِ والمُساوَمَةِ والتَّقارُب"، فقالوا: يا مُحَمَّد، هَلُمَّ نَعبُدْ ما تَعبُد، وتَعبُدْ ما نَعبُد، ونَشتَرِكْ نَحنُ وأنتَ في الأمر! فماذا نَزَلَ مِن فَوقِ سَبعِ سَماوات؟ هل نَزَلَتْ آياتٌ تَدعو إلى التَّقارُبِ وتَذويبِ الفَوارِقِ بمَنطِقِ "الحِيادِ والدِّبلوماسيَّة"؟! كَلَّا والله! بل نَزَلَتْ سُورَةٌ كامِلَةٌ قاطِعَةٌ حاسِمَةٌ كحَدِّ السَّيف، تُتلى إلى يَومِ القِيامَة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ • لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ • وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ • وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ • وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ • لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾! فاصِلَةٌ حاسِمَةٌ تَقطَعُ دابِرَ التَّمييع، وتُعلِنُ البَراءَةَ التَّامَّةَ مِن كُلِّ مَعبودٍ دُونَ الله. وتأمَّلوا مَعي قَولَ اللهِ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ القَلَم، وهوَ يَنزِعُ القِناعَ عن أماني أهلِ الباطِل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]. قالَ الإمامُ ابنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ رَحِمَهُ الله: "تَأويلُه: وَدَّ هؤلاءِ المُشرِكونَ يا مُحَمَّد، لو تَلينُ لهُم في دِينِكَ بتَركِ بَعضِ ما تُطالِبُهُم بهِ وتُنافِرُهُم عليه، فيَلينونَ لكَ في الشِّركِ ويُقارِبونَك". ونَزَلَ التَّحذيرُ الإلهيُّ الحازِمُ في سُورَةِ الإسراء: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا • وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا • إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 73-75]. يا للهِ العَظَمَة! إذا كانَ هذا الخِطابُ المَهيبُ الذي يَخلَعُ القُلوبَ مُوَجَّهاً إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، وهوَ خِيرَةُ خَلقِ اللهِ والمَعصومُ بوَحيِ السَّماء، يُحَذِّرُهُ رَبُّهُ مِن أن يَركنَ إليهِم "شَيئاً قَليلاً" مُجَرَّدَ رُكونٍ طَفيف! فكيفَ بحالِ هؤلاءِ المَفتونينَ اليَومَ الذينَ رَكَنوا إلى مَنظوماتِ الشَّرقِ والغَربِ كُلِّيَّةً، وباعوا قَواطِعَ الدِّين، واعتَذَروا عن حُدودِ الشَّريعَة، وصاروا يُفَصِّلونَ أحكامَ الإسلامِ على مَقاسِ الأهواء؟! ألا يَخافونَ مَوقِفاً يَومَ القِيامَةِ لا يَجِدونَ فيهِ مِن دونِ اللهِ وَليّاً ولا نَصيراً؟! واسمَعوا إلى التَّحذيرِ الإلهيِّ الحاكِمِ في سُورَةِ المائِدَة: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ • أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 49-50]. تأمَّلوا قَولَهُ سُبحانَه: ﴿عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾؛ لأنَّ الشَّيطانَ لا يَأتي إلى المُسلِمِ فيَقولُ له: اترُكِ القُرآنَ كُلَّه! بل يَقولُ له: خُذْ مِنهُ ما يُناسِبُ ذَوقَ النَّاسِ وحَضارَةَ اليَوم، ودَعْ عَنكَ ما يُثيرُ انتِقادَهُم وتَشغيبَهُم! اترُكِ الأحكامَ الجِنائيَّة، ومَيِّعِ المَواريث، وعَطِّلْ إنكارَ المُنكَر، واعتَبِرِ الحِجابَ عَادَةً لا عِبادَة، واجْعَلِ السُّنَّةَ شَأناً تاريخيّاً عابِراً! فإذا فَعَلَ المُسلِمُ ذلك، وَقَعَ في الفِتنَةِ التي حَذَّرَ اللهُ مِنها، وصارَ حُكمُهُ حُكمَ الجاهِليَّةِ بنَصِّ الآيَةِ الكَريمَة. وقَد أعلَنَ القُرآنُ القاعِدَةَ الصَّارِمَةَ التي تَقضِي على كُلِّ وَهمٍ في إمكانيَّةِ رِضا أهلِ الباطِلِ عن المُسلِمِ مَهما قَدَّمَ مِن تَنازُلات، فقالَ جَلَّ شأنُهُ في سُورَةِ البَقَرَة: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]. إنَّها حَقيقَةٌ قاطِعَةٌ يَغفُلُ عَنها مَن أصابَهُم عَمَى الانبِهار؛ لن يَرضَوا عَنكَ بحِجابٍ "عَصريٍّ" مُخَفَّف، ولا بفِقهٍ "مُمَيَّعٍ" مُدَجَّن، ولا باعتِذاراتٍ مُتَكَرِّرَة؛ إنَّهُم يُريدونَ التَّبَعيَّةَ الكامِلَةَ لِمِلَّتِهِم وفَلسَفَتِهِم، فإذا تَبِعتَهُم خَسِرتَ دُنياكَ وآخِرَتَك، وحُرِمتَ وِلايَةَ اللهِ ونَصرَه! عِبادَ الله: لقَد وَصَفَ لَنا النَّبيُّ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ هذا الزَّمانَ وصْفَ مَن يَراهُ رَأيَ عَين، وحَذَّرَنا مِن مَزالِقِ التَّمييعِ بنُصوصٍ مَحفوظَةٍ في دواوينِ السُّنَّةِ الشَّريفَة: فرَوى الإمامُ أحمَدُ في مُسنَدِه، وابنُ حِبَّانَ في صَحيحِه، عن أبي أُمامَةَ الباهِليِّ رضيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضاً الحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ». تأمَّلوا هذا الإعجازَ النَّبويَّ العَجيب! كَيفَ تَنقَضُ عُرى الإسلام؟ تَبدأُ بالنَّقضِ السِّياسيِّ والتَّشريعيِّ بعَزلِ حُكمِ اللهِ عن دَوائِرِ القَضاءِ والحَياة، ثُمَّ تَتَسَلَّلُ إلى أسواقِ التِّجارَةِ فيَنتَقِضُ تَحريمُ الرِّبا، ثُمَّ تَصِلُ إلى عُرى الأُسرَةِ فَتُهدَمُ القِوامَةُ ويُمَيَّعُ الحِجابُ وتَفشو الفَواحِش، حتَّى يَصِلَ النَّقضُ إلى آخِرِ عُروَةٍ وهِيَ الصَّلاة، حتَّى يُصبِحَ تَركُ الصَّلاةِ وتَضييعُها في كَثيرٍ مِنَ الأوساطِ أمراً عاديّاً لا يَستَوجِبُ نَكيراً! وهل هذا إلَّا ثَمَرَةُ مَوجاتِ التَّمييعِ التي تُهَوِّنُ مِن شأنِ الفَرائضِ باسْمِ سَماحَةِ الإسلام؟! ورَوى الإمامُ التِّرمِذيُّ في سُنَنِه، عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ». سُبحانَ الله! كالقابِضِ على الجَمر! لم يَقُل كالقابِضِ على عَصا أو حَجَر، بل "جَمْر"! لأنَّ الجَمرَ حارٌّ لافِح، يَلذَعُ اليَدَ ويَحرِقُ الأنامِل، ويَدعو صاحِبَهُ بطَبيعَتِهِ إلى أن يُلقِيَهُ ويَتَخَلَّصَ مِنه؛ فكذلِكَ المُتَمَسِّكُ بدِينِهِ الصَّافي في هذا الزَّمان، يَجِدُ مِن سُخريَةِ السَّاخِرين، وتَشغيبِ الإعلام، ولَمزِ المُنافِقين، وضُغوطِ الشَّهَوات، ما يَجعَلُ ثَباتَهُ على العِفَّةِ والحَقِّ كالقَبضِ على جَمرَةِ الغَضا! ولكِنَّ الفَرقَ بينَ جَمرِ الدُّنيا وجَمرِ الآخِرَة، أنَّ القابِضَ على جَمرِ الحَقِّ اليَومَ يَقيهِ اللهُ بهِ جَمرَ جَهَنَّمَ غَداً، ويَلقى رَبَّهُ راضِياً مَرضيّاً! ورَوى الإمامُ مُسلِمٌ في صَحيحِه، عن أبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، وقيلَ في رِواياتٍ أُخرى صَحَّحَها العُلَماء: مَن هُمُ الغُرَباءُ يا رسولَ الله؟ قال: «الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ»، وفي لَفظ: «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي». وطُوبى هِيَ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ يَسيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّها مائَةَ عامٍ لا يَقطَعُها، جَعَلَها اللهُ جَزاءً لِأولئِكَ الرِّجالِ والنِّساءِ الذينَ لم يَبيعوا دِينَهُم بعَرَضٍ مِن الدُّنيا، ولم يَستَحيوا مِن شَريعَتِهِم حينَ استَحى المَنهَزِمون! ورَوى التِّرمِذيُّ عن حُذَيفَةَ بنِ اليَمانِ رضيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا تَكُونُوا إِمَّعَةً؛ تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاؤُوا فَلا تَظْلِمُوا». والإمَّعَةُ هُوَ الرَّجُلُ التَّابِعُ الذي لا رَأيَ لهُ ولا مَوقِف، يَسيرُ معَ كُلِّ ريح، ويَنعِقُ معَ كُلِّ ناعِق، يَتَغَيَّرُ دِينُهُ وخُلُقُهُ بحَسَبِ المَوضَةِ الفِكريَّةِ السَّائِدَة! أيُّها المُؤمِنون: إنَّ التَّأصيلَ المَنهَجيَّ الصَّارِمَ لأهلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ يَحسِمُ هذهِ الفِتنَةَ بقاعِدَةٍ ذَهَبيَّةٍ بَيِّنَة: إنَّ الدِّينَ مَقومانِ ومَيدانانِ لا يَجوزُ الخَلطُ بَينَهُما قَطّ: المَيدانُ الأوَّل: مَيدانُ الأصولِ والقَواطِعِ والمُحكَمات. وهِيَ ثَوابِتُ الدِّينِ الكُبرى؛ كتَوحيدِ اللهِ الخالِص، وأركانِ الإيمان، وفَرائضِ الإسلامِ القَطعيَّة، وحُجِّيَّةِ السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ المَحفوظَة، وحُرمَةِ المُحَرَّماتِ المُجمَعِ عليها (كالرِّبا، والزِّنا، واللِّواط، وشُربِ الخَمر، وقَتلِ النَّفسِ الحَرام، وفَريضَةِ الحِجابِ والعِفَّة، ومَواريثِ القُرآنِ المُحكَمَة). هذهِ الثَّوابِتُ لَيسَتْ مَحَلّاً للاجتِهاد، ولا تَخضَعُ لِتَطَوُّرِ الزَّمان، ولا تَتَغَيَّرُ بتَغَيُّرِ البُلدان؛ هِيَ دينُ اللهِ الحَقُّ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى أن تَقومَ السَّاعَة، مَن زَعَمَ تَغييرَها فقد كَفَر، ومَن مَيَّعَها فقد فَتَحَ على نَفسِهِ بابَ الهَلاكِ والخُسران. المَيدانُ الثَّاني: مَيدانُ الفُروعِ والمُتَغَيِّراتِ والاجتِهاديَّات. وهِيَ المَسائلُ الفِقهيَّةُ الفَرعيَّةُ التي تَتَعَدَّدُ فيها وُجوهُ النَّظَرِ بينَ الفُقَهاءِ لعَدَمِ وُجودِ نَصٍّ قاطِع، وفَتاوى المَصالحِ والمُعاملاتِ التي تَتَغَيَّرُ بتَغَيُّرِ الأعرافِ والبيئات، ومَسائلُ التَّقنيَةِ والإدارَةِ وشُؤونِ الدُّنيا التي قالَ فيها ﷺ: «أَنتُم أَعلَمُ بأمرِ دُنياكُم». فهنا تَكمُنُ المُرونَةُ الإسْلاميَّةُ الرَّحيبَة، وهنا يَتَّسِعُ الصَّدرُ لِلخِلافِ الفِقهيِّ السَّائِغ، ويَعمَلُ فِقهُ المَوازَناتِ والمَصالحِ والمَفاسِد. لكِنَّ خَديعَةَ دُعاةِ التَّمييعِ المَعاصِرينَ هِيَ أنَّهُم يُريدونَ نَقلَ "المُرونَةِ والتَّغَيُّر" مِن مَيدانِ الفُروعِ والمُتَغَيِّراتِ إلى مَيدانِ الأصولِ والمُحكَمات! فيَقولونَ لك: "الحِجابُ كانَ لِزَمَنٍ مَضى!"، و"الرِّبا اليَومَ فائِدَةٌ بَنكيَّةٌ ضَروريَّة!"، و"الشُّذوذُ مَيْلٌ جينيٌّ يَجِبُ تَقبُّلُه وتَسامُحُ المُجتَمَعِ مَعَه!"، و"السُّنَّةُ النَّبَويَّةُ مَرويَّاتٌ بَشَريَّةٌ ظَنِّيَّةٌ لا تُلزِمُنا!". وهذا لَيسَ فِقهاً ولا تَجديداً، بل هُوَ مَسخٌ لِلشَّريعَة، وهَدمٌ لِأركانِها، وافتِراءٌ على اللهِ سُبحانَه. إنَّ الأُمَّةَ الإسْلاميَّةَ عَبْرَ تاريخِها الطَّويلِ ابتُلِيَتْ بمِحنٍ كُبرى، ولكِنَّها كانَتْ تَعتَصِمُ بثَوابِتِها فتَنجو. يَومَ هَجَمَ التَّتارُ على بَغدادَ وأحرَقوا المَكتَباتِ وسَفَكوا الدِّماء، لم تَسقُطِ الأُمَّة؛ لأنَّ عَقيدَتَها كانَتْ حَيَّةً في الصُّدور، فسُرعانَ ما انتَفَضَتْ في عَينِ جالوت. ويَومَ احتَلَّ الصَّليبيُّونَ الشَّامَ والقُدسَ واستَباحوا المَسجِدَ الأقصى قَرناً كامِلاً، لم تَستَسلِمِ الأُمَّةُ ولم تُمَيِّعْ دِينَها، بل ثَبَتَتْ حتَّى قادَها صَلاحُ الدِّينِ إلى حِطِّين! إنَّما يَكونُ الهَلاكُ المُطبِقُ يَومَ تَموتُ العَقيدَةُ في القُلوب، وتُمَيَّعُ الفَرائضُ في النُّفوس، فيَغدو المُسلِمُ كالقَشَّةِ التَّافِهَةِ في مَهَبِّ الرِّياحِ الشَّرقيَّةِ والغَربيَّة! استَمِعوا إلى الإمامِ أبي عَمروٍ الأوزاعيِّ رَحِمَهُ اللهُ وهوَ يَرصُدُ هذا النَّهجَ الخالِد: «عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ، وَإِيَّاكَ وَآرَاءَ الرِّجَالِ وَإِنْ زَخْرَفُوهُ لَكَ بِالقَوْلِ، فَإِنَّ الأَمْرَ يَنْجَلِي وَأَنْتَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». وقالَ الإمامُ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ حينَ سِيمَ العَذابَ والجَلدَ ليَقولَ كَلِمَةً واحِدَةً تُوافِقُ هَوى السُّلطانِ في بِدعَةِ خَلقِ القُرآن: «كَيفَ أَقُولُ مَا لَمْ يُقَلْ؟! أَعْطُونِي شَيْئاً مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ حَتَّى أَقُولَ بِهِ!». ثَبَتَ الإمامُ أحمَدُ فرَدَّ اللهُ بهِ كَيدَ الفِتنَة، وبَقِيَ صَوتُ الحَقِّ عاليّاً خَفَّاقاً إلى يَومِ الدِّين. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وتَمَسَّكوا بدِينِكُم، وعَضُّوا على ثَوابِتِكُم بالنَّواجِذ، واعلَموا أنَّ العِزَّةَ في الاستِقامَة، وأنَّ النَّجاةَ في الاتِّباعِ لا في الابتِداعِ والتَّمييع: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ • وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 43-44]. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَقَّ حَمدِه، وأوفى شُكرِهِ ورِفدِه، نَحمَدُهُ سُبحانَهُ ونَستَعينُهُ ونَستَهديه، ونَشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له، إلَهُ الأوَّلينَ والآخِرين، ونَشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا ونَبيَّنا مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، الصَّادِقُ البَرُّ الأمين، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ واسْتَنَّ بسُنَّتِهِ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بَعدُ: فيا أيُّها المُسلِمون، عِبادَ الله: لقَد تَناوَلْنا في خُطبَتِنا الأولى قَضيَّةً مِن أخَطَرِ قَضايا العَصر؛ قَضيَّةَ "تَمييعِ الثَّوابِتِ ومُسايَرَةِ الأهواء"؛ وبَيَّنَّا بالحُجَّةِ القُرآنيَّةِ والنَّبَويَّةِ أنَّ التَّسامُحَ الإسْلاميَّ الرَّحيمَ لَيسَ تَنازُلاً عن قَواطِعِ العَقيدَة، وأنَّ الاستِسلامَ لِمَوجاتِ العَولَمَةِ الماديَّةِ بدَعوى الانفِتاحِ هُوَ انتحارٌ هُوَيَّاتيٌّ يُفَرِّغُ الدِّينَ مِن مَضمونِه. وأكَّدنا أنَّ نَقضَ عُرى الإسلامِ يَبدأُ بالتَّهاوُنِ في الأحكامِ الصَّغيرَةِ ليَنتَهيَ بهَدمِ أعظَمِ الأركان، وأنَّ الصَّابِرَ على دِينِهِ في هذا الزَّمانِ لَهُ أجرُ القابِضِ على الجَمرِ شَرَفاً ورِفعَةً عِندَ الله. وعَلَينا أن نَعلَمَ أنَّ التَّشخيصَ وَحدَهُ لا يَكفي؛ بل لا بُدَّ مِن بَرنامَجِ عَمَلٍ إيمانيٍّ عَمَليٍّ يَحمي القُلوبَ والبُيوت، ويَبني في نُفوسِ الشَّبابِ حِصناً حَصيناً يَردَعُ الشُّبُهات. ولِذا، فإنَّنا نُقَدِّمُ في مَقامِنا هذا خَمسَ وَصايا جامِعَةٍ مَنهَجيَّة، نَسألُ اللهَ أن يَنفَعَنا بها جَميعاً: الوَصيَّةُ الأولى (قَلبيَّةٌ عَقَديَّة): تَجريدُ اليَقينِ والثَّباتِ على الحَقِّ في زَمَنِ الفِتَن. أن يَعقِدَ المُسلِمُ قَلبَهُ على أنَّ دِينَ اللهِ هُوَ الحَقُّ المُطلَق، وأنَّ ما خَالَفَهُ هُوَ الضَّلالُ المُبين؛ فيَسلَمَ قَلبُهُ مِن مَرَضِ "الشَّكِّ والحَيرَةِ والانهِزامِ النَّفسيِّ" أمامَ البَهرَجَةِ الماديَّةِ الغَربيَّة. رَبِّ قَلبَكَ على قَولِ الحَقِّ تَعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، واجْعَلْ قَلبَكَ يَفيضُ بالفَخرِ بنِعمَةِ التَّوحيد، واستَحضِرْ دَوماً أنَّ اللهَ الذي أنزَلَ هذا الدِّينَ قَد حَفِظَهُ وتَكَفَّلَ بنَصرِه. الوَصيَّةُ الثَّانيَة (لِسانيَّةٌ فِكريَّة): تَصحيحُ المَصطلحاتِ ورَفضُ التَّدليسِ واللَّبْس. كُنْ شُجاعاً بلِسانِك؛ فارفُضْ أن تُسَمِّيَ التَّنازُلَ عن الشَّريعَةِ "تَسامُحاً"، وارفُضْ أن تُسَمِّيَ التَّفريطَ في الحِجابِ "حُرِّيَّة"، وارفُضْ أن تُسَمِّيَ الشُّذوذَ "حَقّاً"، وارفُضْ أن تُسَمِّيَ الاستِقامَةَ على أصولِ الإسلامِ "تَشَدُّداً وتَزَمُّتاً". سَمِّ الأشياءَ بأسمائِها الشَّرعيَّةِ بأدَبٍ وعِفَّةٍ وحِكمَة، ولا تَسمَحْ لِمَن يَجلِسونَ في الشَّاشاتِ أن يَغسِلوا عُقولَ النَّاسِ بمُصطَلَحاتٍ مَسمومَةٍ تُقَلِّبُ الحَقائِقَ وتَجعَلُ المَعروفَ مُنكراً والمُنكَرَ مَعروفاً. الوَصيَّةُ الثَّالِثَة (عَمَليَّةٌ سُلوكيَّة): إظهارُ الشَّعائرِ والاعتِزازُ بالفَرائضِ عَلَناً بلا اعتِذار. لِتَكُنْ استِقامَتُكَ العَمَليَّةُ هِيَ أعظَمَ رَدٍّ على دُعاةِ التَّمييع؛ لتَلبَسِ الفَتاةُ المُسلِمَةُ حِجابَها الشَّرعيَّ السَّاتِرَ التَّامَّ بكُلِّ شُموخٍ وعِزَّة، غَيرَ آبِهَةٍ بسُخريَةِ المُنحَلِّين. ولْيُحافِظِ الشَّابُّ على صَلاتِهِ في مَساجِدِ الله، ولْيَترُكِ المُسلِمونَ المُعامَلاتِ الرِّبويَّةَ والمَكاسِبَ المُحَرَّمَةَ طاعَةً لله، ولْنُثبِتْ لِلعالَمِ أنَّ المُسلِمَ لا يَعتَذِرُ عن أحكامِ رَبِّهِ ولا يَخجَلُ مِن هَديِ نَبيِّه! الوَصيَّةُ الرَّابِعَة (اجتِماعيَّةٌ أُسَريَّة): تَحصينُ البُيوتِ وتَربيَةُ الأجيالِ على مَناعَةِ الهُوِيَّة. يا أيُّها الآباءُ والمُرَبُّون: إنَّ أولادَكُم يَسبَحونَ في بَحرٍ لُجِّيٍّ مِنَ التَّضليلِ الرَّقميِّ عَبْرَ الأجهِزَةِ الذَّكيَّة؛ فالزَموهُم بالرِّفق، وافتَحوا مَعَهُم قَنَواتِ الحِوارِ الإيمانيِّ الصَّادِق، وبَيِّنوا لهُم حِكمَةَ التَّشريعِ الإسْلاميِّ ومَحاسِنَه، وعَلِّموهُم أنَّ العِزَّةَ لَيسَتْ في تَقليدِ المَشاهيرِ السَّاقِطين، بل في التَّأسِّي بمُحَمَّدٍ ﷺ وصَحابَتِهِ الكِرام. حَصِّنوا بُيوتَكُم مِن أن تَكونَ صَدىً لِأخلاقِ التَّفَسُّخِ والانحلال. الوَصيَّةُ الخامِسَة (مَوضوعيَّةٌ كُبرى): الاستِمساكُ بمَرجِعيَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ونَبذُ التَّلَوُّنِ في دِينِ الله. اعلَموا أنَّ حَبلَ النَّجاةِ الوَحيدَ عِندَ كَثرَةِ الاختِلافِ هُوَ ما كانَ عليهِ النبيُّ ﷺ وأصحابُه؛ فالزَموا غَرْزَ العُلَماءِ الرَّاسِخين، واقرَؤوا كُتُبَ العَقيدَةِ الصَّافيَة، واعلَموا أنَّ الذي يُريدُ أن يُرضِيَ جَميعَ النَّاسِ على حِسابِ رِضا رَبِّ النَّاس، سَيَنقَلِبُ عليهِ النَّاسُ ويَسخَطُ عليهِ الله! فكُنْ مَعَ اللهِ تَرى اللهَ مَعَك، واثبُتْ على صِراطِك، فإنَّ المَوعِدَ غَداً عِندَ الحَوضِ الشَّريف. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واذكُروا مَوقِفَكُم يَومَ تُبلى السَّرائِر، وتَنكَشِفُ الحَقائِق، يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون، إلَّا مَن أتى اللهَ بقَلبٍ سَليم: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30]. هذا، وصَلُّوا وسَلِّموا رَحِمَكُمُ اللهُ على نَبيِّ الرَّحمَةِ ورَسولِ الهُدى، فقَد أمَرَكُمُ اللهُ بذلِكَ في مُحكَمِ كِتابِهِ الكَريمِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّد، كَما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنَّكَ حَميدٌ مَجيد، وبارِكْ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّد، كَما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، في العالَمينَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد. وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِهِ الرَّاشِدينَ الهادينَ المَهدِيِّين: أبي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وعَليّ، وعن سائِرِ الصَّحابَةِ والتَّابِعين، ومَن سارَ على دَربِهِم وثَبَتَ على هَديِهِم إلى يَومِ الدِّين، وعَنَّا مَعَهُم بمَنِّكَ وفَضلِكَ ورَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسلامَ والمُسلِمين، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، ودمِّرْ أعداءَكَ أعداءَ الدِّين. اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوب، ثَبِّتْ قُلوبَنا على دِينِك، ويا مُصَرِّفَ القُلوب، صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعَتِك. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بكَ مِن الفِتَنِ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن، ونَعوذُ بكَ مِن تَحريفِ الغالين، وتَمييعِ المُمَيِّعين، وضَلالاتِ المُبطِلين. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَينا الإيمانَ وزَيِّنْهُ في قُلوبِنا، وكَرِّهْ إلَينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان، واجعَلنا مِنَ الرَّاشِدين. اللَّهُمَّ احفَظْ شَبابَنا وبَناتِنا مِنَ الزَّيغِ والضَّياعِ والانهِزامِ النَّفسيِّ أمامَ حَضاراتِ الباطِل، واغْرِسْ في نُفوسِهِمُ الفَخرَ بدِينِهِم وشَريعَتِك. اللَّهُمَّ انصُرْ إخوانَنا المُستَضعَفينَ والمُجاهِدينَ في سَبيلِكَ في غَزَّةَ وفِلَسطين، اللَّهُمَّ كُنْ لهُم عَوْناً ونَصيراً، ومُؤَيِّداً وظَهيراً، اللَّهُمَّ فُكَّ حِصارَهُم، واشفِ جَرحاهُم، وتَقَبَّلْ شُهَداءَهُم، وأَنزِلِ السَّكينَةَ على قُلوبِهِم، وثَبِّتْ أقدامَهُم، وزَلزِلِ الأرضَ مِن تَحتِ أقدامِ عَدُوِّهِم، ورُدَّ إلَينا المَسجِدَ الأقصى عِزّاً مُطَهَّراً مِن رِجسِ الصَّهايِنَةِ المُعتَدين. اللَّهُمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأَصلِحْ وُلاةَ أُمورِنا، واجعَلْ وِلايَتَنا فيمَن خَافَكَ واتَّقاكَ واتَّبَعَ رِضاكَ يا رَبَّ العالَمين. رَبَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النَّار. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعْلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.