🕌 خَطَرُ السُّيولَةِ الجَندَريَّةِ ومُحاوَلاتُ طَمسِ الفِطرَةِ وتَغييرِ خَلقِ الله
#خطبة_جمعة #السيولة_الجندرية #الجندر #الفطرة #تغيير_خلق_الله #المثلية_والشذوذ #حماية_الأسرة #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأنثى، وحَكَمَ بالعَدلِ فكانَ شَرعُهُ هُوَ الأهدى، وفَطَرَ البَشَرِيَّةَ على سُنَنٍ مُحكَمَةٍ لا تَبديلَ لِخَلقِهِ ولا انثِناء، وبَيَّنَ طَريقَ الرُّشدِ مِن سُبُلِ الضَّلالِ والغِواء، ونَسألُهُ سُبحانَهُ أن يَعصِمَنا مِن شُرورِ أنفُسِنا ومِن كَيدِ إبليسَ الذي أَقسَمَ بعِزَّةِ اللهِ على غِوايَةِ بَني آدَمَ ورُكوبِ كُلِّ سَفَهٍ وهَوى، فقالَ اللَّعين: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فقَدَّرَهُ تَقدِيراً، وأحاطَ بكُلِّ شَيءٍ خُبراً، وجَعَلَ الذُّكورَةَ والأُنوثَةَ نِظاماً كَونيّاً مَركوزاً في أصلِ الخِلقَة، ومِيثاقاً فِطريّاً ثابِتاً لا يَقْبَلُ التَّحريفَ ولا التَّبديلَ ولا العَبَثَ المادِّيَّ الزَّائل. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقين، وسيِّدُ المُرسَلين، وبَشيرُ المُؤمِنين، بَعَثَهُ اللهُ لِيُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخلاق، ويَهديَ الحَيَارى إلى صِراطِ العِفَّةِ والنَّقاء، ويَحفَظَ كَرامَةَ الإنسانيَّةِ مِن حَمْأَةِ الرَّذيلَةِ والانتِكاسِ البَهيميّ، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهرين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، أئمَّةِ الهُدى ومَصَابيحِ الدُّجى، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ وتَمَسَّكَ بسُنَّتِهِم إلى يومِ اللِّقاء.
أمَّا بعد:
فيا عِبادَ الله، اتقُوا اللهَ تَعالى حَقَّ تُقاتِه، وراقِبوهُ في السِّرِّ والعَلَن، وتَمَسَّكوا بعُروَةِ الدِّينِ الوُثقى؛ فإنَّ الدُّنيا دارُ ابتِلاءٍ وامتحان، وقد فَتَحَ الشَّيطانُ على بَني آدَمَ في زَمانِنا هذا أَبواباً مِنَ الفِتَنِ لم تَشهَدْ لَها البَشَرِيَّةُ نَظيراً على مَرِّ دُهورِها وعُصورِها! إنَّنا نَعيشُ في عَصرٍ تَقودُ فيهِ الفَلسَفاتُ المادِّيَّةُ المُنحَرِفَةُ حَرباً شَعواءَ لا تَستَهدِفُ حُدودَ الدُّوَل، ولا تَقِفُ عِندَ حُدودِ الصِّراعاتِ السِّياسِيَّةِ أوِ الاقتِصادِيَّة، بل تَنقَضُّ انقِضاضاً وَحشِيّاً على «أَصلِ الخِلقَةِ البَشَرِيَّة»، وتَسعى بكلِّ أَدواتِها الإعلامِيَّةِ والرَّقمِيَّةِ والمَاليَّةِ لطَمسِ الفِطرَةِ التي فَطَرَ اللهُ النَّاسَ عليها، وإلغاءِ الحُدودِ الفاصِلَةِ بينَ الرَّجُلِ والمَرأة! إنَّها جَريمَةُ ما يُسَمَّى زُوراً وبُهتاناً ومُخادَعَةً بـ «السُّيولَةِ الجَندَريَّة» (Gender Fluidity)، و«التَّحوُّلِ الجِنسيِّ» (Transgenderism)، وتَطبيعِ الشُّذوذِ والمِثليَّة! حيثُ وصَلَ الانحِدارُ في الفِكرِ الغَربيِّ المادِّيِّ إلى حَدٍّ يُنكِرُ فيهِ البَديهِيَّاتِ العَقليَّة، ويَزعُمُ أنَّ جِنسَ الإنسانِ لَيسَ قَدَراً رَبَّانيّاً ولا خِلقَةً بَيولوجيَّةً مَحكومَةً بالجيناتِ والخَلايا، بل هُوَ مَحضُ خِيارٍ اجتِماعيٍّ ونَفسيٍّ سائل، يَختارُهُ المَرءُ كَما يَختارُ لِباسَه، ويُبَدِّلُهُ متى شاء، ويَقطَعُ أجزاءَ جَسَدِهِ بمَباضِعِ الجَرَّاحينَ ليُعلِنَ تَمَرُّدَهُ الأكبَرَ على خالِقِ الأكوان!
أيُّها الإخوَةُ المُؤمِنون، تَدَبَّروا كَيفَ حَسَمَ القُرآنُ العَظيمُ هذهِ القَضِيَّةَ بقَواطِعِ الآياتِ المُحكَمات؛ يقولُ الحَقُّ سُبحانَهُ في سُورَةِ النَّجم: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ • مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ﴾ [النجم: 45-46]. تَأمَّلوا في هذا الحَصرِ الإلهيِّ القاطِع: ﴿الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾! لم يَقُل سُبحانَهُ ثَلاثَةً ولا أربَعَةً ولا خَمساً، بل هُما زَوجانِ اثنان؛ ذَكَرٌ وأُنثى! خِلقَةٌ مُحكَمَةٌ مَربوطَةٌ بلَحظَةِ الإخصابِ الأولى، حُفِرَت في كُلِّ نَواةٍ مِن تَريليوناتِ خَلايا الجَسَد؛ فالذَّكَرُ ذَكَرٌ في كُلِّ قَطرَةِ دَمٍ وكُلِّ نَسيجٍ بكروموسوماتِهِ (XY)، والأنثى أُنثى في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن كِيانِها بكروموسوماتِها (XX)! ولا تَملِكُ مَباضِعُ الأطِبَّاءِ في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها أن تُحَوِّلَ خَلِيَّةً ذَكَرِيَّةً واحِدَةً إلى خَلِيَّةٍ أُنثَوِيَّة، ولا أن تَزرَعَ رَحِماً يَحمِلُ جَنيناً في جَسَدِ رَجُل، ولا أن تَجعَلَ المَرأةَ رَجُلاً يُورِثُ نُطفَة! ويَقولُ جلَّ في عُلاه في سُورَةِ الحُجُرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. هذا هُوَ الميزانُ الإلهيُّ الحَكيم؛ ذَكَرٌ وأُنثى تَقومُ عليهِما عِمارَةُ الأرض، وتَتَناسلُ مِنهُما الشُّعوب، وتُبنى بهِما الأُسَر، وتَنتَظِمُ بهِما الحَياة. فإذا سَقَطَ هذا التَّمايُزُ الفِطريّ، فماذا يَبقى مِنَ البَشَرِيَّة؟ إنَّهُ لا يَبقى إلَّا الهَلاكُ والعَدَم، وتَدميرُ النَّوعِ الإنسانيِّ وتَطهيرُهُ العِرقيُّ باسمِ التَّحَرُّرِ المَزعوم!
ولقد كَشَفَ اللهُ جلَّ جَلالُهُ في سُورَةِ النِّساءِ عن أصلِ هذا المَشروعِ الشَّيطانيِّ ومَنبَعِه؛ إنَّهُ لَيسَ نَظريَّةً عِلميَّةً ولا ارتقاءً حَضاريّاً، بل هُوَ تَنفيذٌ دَقيقٌ لأقسَمِ وعودِ إبليسَ لربِّ العِزَّة، يومَ قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 119]! تَأمَّلوا مَعشَرَ المُسلِمينَ هذا التَّحذيرَ الرَّهيب: الشَّيطانُ حِينَ أَيِسَ مِن صَرفِ كُلِّ البَشَرِ عن عِبادَةِ اللهِ بالأصنامِ الحَجَرِيَّة، تَحَوَّلَ إلى عِبادَةِ الأهواء، وأمَرَهُم بأبشَعِ جَريمَة: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾! وها نَحنُ نَرى اليومَ بأُمِّ أعيُنِنا التَّفسيرَ العَمليَّ لهذهِ الآيَة؛ رِجالٌ يَقطَعونَ أعضاءَ رُجولَتِهِم ويَزرَعونَ أثداءً سِيلِكونيَّة، ونِساءٌ يَستَأصِلنَ أرحامَهُنَّ وثُدِيَّهُنَّ ويَتعاطَينَ هِرموناتِ الذُّكورَةِ لإنباتِ اللِّحى! يَتحَوَّلُ الإنسانُ إلى مُشَوَّهٍ جَسَديّاً، مَمْسُوخٍ نَفسيّاً، لا هُوَ رَجُلٌ يَسيرُ بينَ الرِّجال، ولا هُوَ امرَأةٌ تُعرَفُ بينَ النِّساء، بل مَسخٌ شيطانيٌّ يُجسِّدُ حَقيقَةَ الخُسرانِ المُبين!
وقد وقَفَ نَبيُّنا الكَريمُ ﷺ في أحاديثِهِ الصَّحيحَةِ سَدّاً مَنيعاً يَقْطَعُ دابِرَ هذا الانحِرافِ في أُولى مَراحِلِه؛ ففي صَحيحِ البُخاريِّ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ». واللَّعنُ في كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِهِ لا يَكونُ إلَّا على كَبائِرِ المُوبِقات؛ فإذا كانَ الشَّرعُ قد لَعَنَ الرَّجُلَ بمُجَرَّدِ أن يَتَمَيَّعَ في مِشيَتِهِ أو صَوتِهِ أو يَلبَسَ ما يَختَصُّ بالنِّساء، ولَعَنَ المَرأةَ إذا تَرَجَّلَت وتَشَبَّهَت بالرِّجالِ في هَيئَتِهِم، فكيفَ بمَن يَخلَعُ هُوِيَّتَهُ الكامِلَة، ويَقطَعُ جَسَدَه، ويُغَيِّرُ خِلقَةَ اللهِ بالكلِّيَّة؟! ورَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه، قال: «لَعَنَ اللهُ الواشِماتِ والمُستَوشِمات، والنَّامِصاتِ والمُتَنَمِّصات، والمُتَفَلِّجاتِ للحُسنِ، المُغَيِّراتِ خَلقَ الله»! تَأمَّلوا مَعشَرَ العُقَلاء: لَعَنَ الشَّرعُ مَن نَمَصَت حاجِبَها أو وَشَمَت جِلدَها أو فَلَّجَت أسنانَها لعِلَّةِ «تَغييرِ خَلقِ الله»، فكيفَ بجَريمَةِ استِئصالِ مَنابِعِ الحَياة، وتَعطيلِ أجهزةِ الجَسَد، وزَرعِ الهِرموناتِ القاتِلَةِ للفِطرَة؟!
عِبادَ الله، كَيفَ نَشَأت هذهِ الفِتنَة؟ ومِن أينَ جاءَت؟ إنَّها لم تَأتِ مِن مَخابِرِ العِلمِ ولا مِن دِراساتِ الطِّبِّ المَوثوقَة، بل وُلِدَت في حَواضِنِ الفَلسَفَةِ اللِّيبرالِيَّةِ العَدَميَّةِ في الغَرب، حينَ أَرادوا تَفكيكَ كُلِّ ثابِتٍ في الوُجود! فَكَّكوا الدِّين، ثمَّ فَكَّكوا الأُسرَة، ثمَّ أرادوا تَفكيكَ الإنسانِ نَفسِه! ابتَدَعوا كِذبَةً ماكِرَةً قَسَّموا فيها الوُجودَ الإنسانيَّ إلى: «جِنسٍ بَيولوجي» (Sex) يُولَدُ بهِ الإنسان، و«نَوعٍ اجتِماعيٍّ مُتَخَيَّل» (Gender) يَختارُهُ هُوَ بنَفسِه! وقالوا: أنتَ ولدتَ ذَكَراً، لكنَّكَ تَملِكُ الحَقَّ أن تَشعُرَ بأنَّكَ أُنثى، أو تَشعُرَ بأنَّكَ كِلاهُما، أو تَشعُرَ بأنَّكَ كائنٌ خارِجَ التَّصنيف! وهذا لَيسَ حُرِّيَّةً كَما يَزعُمون، بل هُوَ «جُنونٌ وتَخَلُّفٌ عَقليٌّ مَصبوغٌ بِلَبوسِ الحَداثَة»! لو جاءَكَ شَخصٌ صَحيحُ البَدَنِ يَزنُ مائَةَ كيلوغرام، وقالَ لك: «أنا أرى في نَفسي أنِّي طائر، وعَلَيَّ أن أَقْفِزَ مِن فَوقِ ناطِحَةِ سَحاب!»، هل يَقولُ عاقِلٌ: «احتَرِموا هُوِيَّتَهُ الطَّائِرَة»؟! أم يَأخُذونَ بيَدِهِ إلى مَصَحَّةِ الأمراضِ العَقلِيَّةِ لعِلاجِ هَلْوَسَتِه؟! فكيفَ إذا جاءَ رَجُلٌ كامِلُ الرُّجولَةِ وقال: «أنا أشعُرُ أنِّي امرَأة»، فيُصَفِّقونَ له، ويُعطونَهُ حُبوبَ الهِرمونات، ويَقطَعونَ جَسَدَه، ويُعاقِبونَ بالقانونِ كُلَّ مَن يُنكِرُ عليهِ سَفَهَه؟!
ولقد بَلَغَ الطُّغيانُ الغَربيُّ في هذهِ الجَريمَةِ حَدّاً استَهدَفوا فيهِ «الأطفالَ وفِلذاتِ الأكباد»؛ فصاروا في أورُوبا وأمريكا وكندا يُدَرِّسونَ الشُّذوذَ للأطفالِ في سِنِّ الرَّوضَةِ والابتِدائيّ، ويَفرِضونَ كُتُباً تُعَلِّمُ الصَّغيرَ كَيفَ يُشَكِّكُ في جِنسِه، ويُقِرُّونَ قَوانينَ تُجيزُ للطِّفلِ في سِنِّ الحادِيَةَ عَشرَةَ أن يَطلُبَ «عَقاقيرَ إيقافِ البُلوغ» (Puberty Blockers) دونَ رِضا والِدَيه! بل يُسحَبُ الطِّفلُ مِن أُسرَتِهِ وتُسْلَبُ وِلايَةُ الأبِ إن عارَضَ تَحَوُّلَ ابنِه! فأيُّ إرهابٍ فِكريٍّ هذا؟ وأيُّ انحِطاطٍ أخلَقيٍّ هَبَطَت إليهِ تلكَ الحَضارَةُ العَمياء؟ لقد جَعَلوا الطِّفلَ القاصِرَ الذي لا يُسمَحُ لهُ بشِراءِ سَيَّارةٍ أو توقيعِ وَثيقَةٍ لقُصورِ إدراكِه، يُسمَحُ لهُ أن يُعَقِّمَ نَفسَهُ للأبَد، ويَحرِمَ نَفسَهُ مِنَ الإنجاب، ويَقطَعَ لَحمَهُ دونَ رَجعَة!
ولكنَّ اللهَ بالبِرصاد؛ فالفِطرَةُ التي فَطَرَ اللهُ النَّاسَ عليها لا يُمكِنُ هَزمُها؛ وها هُوَ الغَربُ نَفسُهُ يَحصُدُ اليومَ الحَنظَلَ والشَّوكَ مِمَّا زَرَعَت أيديه! تَفَجَّرَت في السَّنَواتِ الأخيرةِ ظاهِرَةٌ طِبِّيَّةٌ ونَفسيَّةٌ مُفزِعَةٌ تُسَمَّى: «النَّدَمُ وإلغاءُ التَّحَوُّل» (Detransition)! آلافُ الشَّبابِ والفَتياتِ الذينَ خُدِعوا بدِعايَةِ المَنصَّاتِ وأوهامِ الحُرِّيَّةِ في مُراهَقَتِهِم، استَفاقوا بعدَ سَنواتٍ في العِشرينياتِ والثَّلاثينياتِ على كارِثَةٍ لا مَخرَجَ مِنها: أجسادٌ مُشَوَّهَةٌ بمَباضِعِ الجَرَّاحين، عَجْزٌ جِنسيٌّ تامّ، عُقمٌ أبديٌّ مَقطوعُ النَّسل، آلامٌ حادَّةٌ في العِظامِ والمَفاصل، وضَياعٌ نَفسيٌّ يَجعَلُ أحدَهُم يَصرُخ: «لقد سَرَقوا مِنِّي جَسَدي وشَبابي!»! وتُؤَكِّدُ البُحوثُ والإحصاءاتُ السَّريرِيَّةُ المَنشورَةُ في المَجَلَّاتِ الطِّبِّيَّةِ الغَربِيَّةِ في بِريطانيا والسُّويدِ والولاياتِ المُتَّحِدَة: أنَّ نِسَبَ الاكتئابِ والانتحارِ بينَ مَن خَضَعوا لعَمَليَّاتِ التَّحَوُّلِ الجِنسيِّ تَزيدُ بعِشرينَ ضِعفاً (2000%) عن أقرانِهِم الأسوِياءِ مِنَ البَشَر! فلم يُثمِر هذا التَّحوُّلُ سَعادَةً ولا رِضا، بل أثمَرَ عَذاباً دُنيَويّاً، وغَثياناً وُجوديّاً، وانهِياراً للكِيانِ الإنسانيّ.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ هذا البَلاءَ لَيسَ بَعيداً عنَّا؛ إنَّهُ يُحاصِرُ بُيوتَنا عبرَ الألعابِ الإلكترونيَّة، ومُسَلسَلاتِ الرُّسومِ المُتَحَرِّكَة، وتَطبيقاتِ التَّواصُلِ الاجتِماعيِّ التي تَحمِلُ شِعاراتِ الرَّذيلَةِ وألوانَ الطَّيف، وتَغرِسُ في عُقولِ النَّاشِئَةِ قَبولَ هذهِ المُنكَراتِ قَطْرَةً قَطْرَة. فاللهَ اللهَ في أمانَةِ البُيوت، واللهَ اللهَ في حِمايَةِ أجيالِ المُسلمين. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمين، الرَّحمنِ الرَّحيم، مالِكِ يَومِ الدِّين، أَمَرَ بحِفظِ النَّسلِ والدِّينِ والعِرض، وحَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن، وتَوَعَّدَ المُفسِدينَ في الأرضِ بأعظَمِ العِقاب، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، النَّاصِحُ الأَمين، والمَبعوثُ رَحمَةً للعالَمين، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأبرار، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
أيُّها المُسلِمون، تَناوَلنا في خُطبَتِنا الأولى أخطَرَ مُؤامَرَةٍ تُحاكُ ضِدَّ الإنسانِيَّةِ في تاريخِها المَعاصِر: «خَطَرَ السُّيولَةِ الجَندَريَّةِ ومَسخِ الفِطرَةِ وتَغييرِ خَلقِ الله»، ورَأينا كَيفَ أنَّ القُرآنَ والسُّنَّةَ أَرسَيا حَقيقَةَ الذُّكورَةِ والأُنوثَةِ قَدَراً رَبَّانيّاً مُحكَماً لا يَقبَلُ التَّبديل، وتَعَرَّفنا على الخُسرانِ النَّفسيِّ والطِّبِّيِّ الفادِحِ الذي يَحصُدُهُ مَن انقادوا لخِداعِ إبليسَ وشَياطينِ الإنس، والوَيلُ لأُمَّةٍ تَسْكُتُ عن أَعراضِها وفِطرَةِ أبنائِها! وحَتَّى نَكونَ على بَصِيرَةٍ مِن أَمْرِنا، ونَبنيَ حِصناً حَصيناً يَحمِي عُقولَ أولادِنا وبَناتِنا، فإنَّ الواجِبَ يَقْتَضي أن نَلتَزِمَ بخَمسِ وَصايا إيمانيَّةٍ وتَربَوِيَّةٍ جامِعَة:
الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّةٌ عَقديَّة): تَجذيرُ اليَقينِ في القُلوبِ بعَظَمَةِ التَّشريعِ الإلهيِّ ورَحمَتِهِ في خَلقِ الذَّكَرِ والأنثى، والبَراءَةُ القَلبيَّةُ التَّامَّةُ مِن كُلِّ مَوجاتِ الشُّذوذِ والإلحادِ الجَندَريّ، واستِشعارُ قَولِ الحَقِّ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30]، وأنَّ الرِّضا بما خَلَقَكَ اللهُ عليهِ رَجُلاً أو امرَأةً هُوَ عِبادَةٌ وتَسليمٌ لحِكمَةِ الخالِق.
الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّةٌ ومَنهَجيَّة): تَسمِيَةُ الأمورِ بأسمائِها الشَّرعيَّةِ بلا خَجَلٍ ولا مُداهَنَة؛ فلا نَستَخدِمُ أَبداً تِلكَ المُصطَلَحاتِ المَسمومَةِ التي يَفرِضُها الإعلامُ المَشبوه؛ فلا نَقول: «مِثليَّة» بل هُوَ شُذوذٌ وفاحِشَةٌ كفاحِشَةِ قَومِ لُوط، ولا نَقول: «جَندَر ونَوعٌ اجتِماعيّ» بل هُوَ ذَكَرٌ وأُنثى، ولا نَقول: «تَصحيحُ جِنس» لمَن خُلِقَ سَوِيّاً بل هُوَ مَسخٌ وتَبديلٌ لخَلقِ الله؛ فإنَّ اللُّغَةَ هيَ حِصنُ الوَعيِ الأوَّل.
الثالثة (وَصيَّةٌ رِقابيَّةٌ عَمَليَّة): اليَقَظَةُ الصَّارِمَةُ في البُيوت؛ افتَحوا أعيُنَكُم على ما يُشاهِدُهُ الأبناءُ في المَنازِل، نَقُّوا شاشاتِ الهَواتِفِ وتَطبيقاتِ الألعابِ مِن كُلِّ كَرتونٍ أو بَرنامَجٍ يَدعَمُ الشُّذوذَ ويَرفَعُ راياتِه، واقطَعوا الاشتِراكاتِ في المَنصَّاتِ التي تَفرِضُ هذهِ الأجنداتِ على دِيارِ الإسلام، واجعَلوا البُيوتَ مَحميَّةً بنُورِ القُرآنِ والحديث.
الرابعة (وَصيَّةٌ تَربَوِيَّةٌ اجتِماعيَّة): تَعزيزُ الهُوِيَّةِ الفِطريَّةِ في النَّاشِئَة؛ رَبُّوا البَنِينَ على مَعاني الفُتُوَّةِ والشَّهامَةِ وخُشونَةِ الرِّجال، ومُلازَمَةِ المَساجِد، وتَحَمُّلِ المَسؤوليَّة، ورَبُّوا البَناتِ على الحَياءِ، والسِّترِ، والحِشمَة، وأَنوثَةِ الطُّهْر، ورَفْضِ التَّشَبُّهِ المُحَرَّم؛ فإنَّ وُضوحَ الأدوارِ في الصِّغَرِ هُوَ الذي يَبني الأُسَرَ القَوِيَّةَ في الكِبَر.
الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ كُبرى): إدراكُ أنَّ مَعرَكَةَ الفِطرَةِ هيَ مَعرَكَةُ وُجودٍ بَشَريّ؛ فالعالَمُ الذي يُسقِطُ الذُّكورَةَ والأُنوثَةَ يَحكُمُ على نَفسِهِ بالعُقمِ التَّامِّ والانقِراضِ وفَقْدِ النَّسل، والشَّريعَةُ الإسلاميَّةُ هيَ السَّفينَةُ الوَحيدَةُ الباقِيَةُ في طُوفانِ الانحِلالِ هذا لحِمايَةِ الإنسانيَّةِ مِن أَن تَتَحَوَّلَ إلى قَطيعٍ ضالٍّ تَعْبَثُ بهِ شَياطينُ الشَّهَوات.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وقُوموا بأمانَةِ الرِّعايَةِ كما أَمَرَكُم رَبُّكُم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على المَبعوثِ رَحمَةً للعالَمين، إمامِ الهُدى ومِصباحِ الدُّجى، فقد أَمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عليهِ تَشريفاً وتَعظيماً، فقالَ جلَّ شأنُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ احفَظْ علينا دِينَنا الذي هُوَ عِصمَةُ أَمرِنا، واحفَظْ علينا فِطرَتَنا التي فَطَرتَنا عليها. اللَّهُمَّ صُنْ شَبابَنا مِنَ التَّمَيُّعِ والضَّياع، وصُنْ بَناتِنا مِنَ التَّبَرُّجِ والانحِراف، واجعَل بُيوتَنا حُصوناً لِلتَّقوى والعِفَّةِ والطَّهارَة. اللَّهُمَّ مَن أَرادَ بأُمَّتِنا وشَبابِنا وأعراضِنا سُوءاً فاجعَل كَيدَهُ في نَحرِه، وأدرِكْهُ بعَدلِكَ يا قَوِيُّ يا مَتين. اللَّهُمَّ انصُر إخوانَنا المُجاهِدينَ والمُستَضعَفينَ في غَزَّةَ وفِلَسطين، وثَبِّت أقدامَهُم، وفُكَّ كَربَهُم، وارحَم شُهَداءَهُم، واشفِ جَرحاهُم، وحَرِّر المَسجِدَ الأقصى مِن دَنَسِ الغاصِبين.
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
________________
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
خَطَرُ السُّيولَةِ الجَندَريَّةِ ومُحاوَلاتُ طَمسِ الفِطرَةِ وتَغييرِ خَلقِ الله
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.