ذَمُّ الكِبرِ وَخُطُورَتُهُ عَلَى الإِيمَانِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حَقِيقَةِ الكِبرِ وَمَظَاهِرِهِ وَعَوَاقِبِ المتَكَبِّرِينَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ
الحَمدُ للهِ العَلِيِّ الكَبِير، العَزِيزِ القَدِير، المتَفَرِّدِ بِالعَظَمَةِ وَالكِبرِيَاءِ وَالجَبَرُوت، القَاهِرِ لِجَمِيعِ الخَلَائِقِ بِالعَجزِ وَالفَنَاءِ وَالمَوت، الَّذِي حَرَّمَ الكِبرَ وَالخُيَلَاءَ عَلَى العَبِيد، وَتَوَعَّدَ المتَكَبِّرِينَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ بِالخِزيِ وَالعَذَابِ الشَّدِيد، وَجَعَلَ الدَّارَ الآخِرَةَ لِلمُتَوَاضِعِينَ المُخبِتِينَ لِعَظَمَتِهِ يَومَ الوَعِيد. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ المُعتَرِفِينَ بِفَقرِهِم وَاضطِرَارِهِم إِلَيه، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، خَضَعَت لِعَظَمَتِهِ الرِّقَاب، وَذَلَّت لِجَبَرُوتِهِ الصِّعَاب، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، أَرفَعُ الخَلقِ عِندَ اللهِ مَقامًا، وَأَعظَمُهُم لِرَبِّهِ تَوَاضُعًا وَانكِسَارًا وَإِعظَامًا، الَّذِي وَضَعَ تِيجَانَ الكِبرِ وَدَعَاوَى الجَاهِلِيَّةِ تَحتَ قَدَمَيه، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الهُدَاةِ المتَوَاضِعِين، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: أُوصِيكُم وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَطهِيْرِ القُلُوبِ مِن دَاءِ الكِبرِ وَالعُجبِ وَالغُرُور، وَالتَّذَلُّلِ لِعَظَمَةِ العَلِيمِ بِذَاتِ الصُّدُور؛ فَإِنَّ العَاقِبَةَ الحَمِيدَةَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ مَضمُونَةٌ لِمَن خَلَا قَلبُهُ مِن إِرَادَةِ العُلُوِّ وَالفَسَاد، كَمَا قَالَ رَبُّ العِبَاد: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
أَيُّهَا المُسلِمُون: إِنَّ أَخطَرَ الأَمرَاضِ الَّتِي تَفتِكُ بِإِيمَانِ العَبدِ وَتُحبِطُ صَالِحَ عَمَلِهِ لَيسَت هِيَ أَمرَاضَ الأَبدَان، بَل هِيَ أَمرَاضُ القُلُوبِ الكَامِنَةُ فِي الصُّدُور! وَعَلَى رَأسِ هَذِهِ الأَمرَاضِ القَلبِيَّةِ المهلِكَةِ دَاءٌ خَبِيثٌ كَانَ هُوَ أَوَّلَ ذَنبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ فِي المَلَإِ الأَعلَى؛ إِنَّهُ دَاءُ «الكِبرِ وَالِاستِكبَارِ»!
فَمَا الَّذِي أَخرَجَ إِبلِيسَ مِن رَحمَةِ اللهِ بَعدَ أَن كَانَ مَعَ المَلَائِكَة، وَجَعَلَهُ رَجِيمًا مَلعُونًا إِلَى يَومِ الدِّين؟ إِنَّهُ الكِبرُ وَرُؤيَةُ النَّفسِ حِينَ قَالَ بِلِسَانِ الغُرُور: «أَنَا خَيرٌ مِنه»، فَسَجَّلَ اللهُ عَلَيهِ جَرِيمَتَهُ الكُبرَى بِقَولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]!
وَمَا الَّذِي أَهلَكَ فِرعَونَ وَقَومَهُ وَأَغرَقَهُم فِي اليَمّ؟ وَمَا الَّذِي خَسَفَ بِقَارُونَ وَبِدَارِهِ الأَرض؟ وَمَا الَّذِي صَدَّ أَبَا جَهلٍ وَصَنَادِيدَ قُرَيشٍ عَنِ اتِّبَاعِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَعَ عِلمِهِم بِصِدقِه؟ إِنَّهُ الكِبرُ المَقِيتُ الَّذِي يَعمِي البَصَائِرَ وَيَطْبَعُ عَلَى القُلُوب!
أتَدرُونَ يَا عِبَادَ اللهِ لِمَاذَا كَانَ الكِبرُ مِن أَعظَمِ الكَبَائِرِ وَأَشدِّهَا مَقتًا عِندَ اللهِ تَعَالَى؟
لِأَنَّ الكِبرِيَاءَ وَالعَظَمَةَ صِفَتَانِ مُختَصَّتَانِ بِاللهِ الخَالِقِ الغَنِيِّ القَيُّومِ وَحدَه؛ فَإِذَا تَكَبَّرَ العَبدُ الضَّعِيفُ الفَقِيرُ المَخلُوقُ مِن تُرَابٍ وَمَاءٍ مَهِين، فَقَد نَازَعَ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ فِي أَخَصِّ صِفَاتِ رُبُوبِيَّتِه!
استَمِعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ القُدسِيِّ الرَّهِيبِ الَّذِي أَخرَجَهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: العِزُّ إِزَارُهُ، وَالكِبرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَن يُنَازِعُنِي عَذَّبتُهُ»! وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح: «قَصَمتُهُ وَلَا أُبَالِي»!
وَأَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَلِمَةً تَرتَعِدُ مِنهَا القُلُوبُ الحَيَّة: «لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ»!
اللهُ أَكبَر! «مِثقَالُ ذَرَّةٍ»! لَم يَقُل جَبَلًا مِن كِبرٍ وَلَا قِنطَارًا مِن كِبر، بَل حَتَّى الذَّرَّةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الكِبرِ تَحُولُ بَينَ العَبدِ وَبَينَ دُخُولِ الجَنَّةِ مَعَ الأَوَّلِينَ حَتَّى يُطَهَّرَ مِنهَا أَو يَعفُوَ اللهُ عَنه!
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن حَارِثَةَ بنِ وَهبٍ الخُزَاعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «أَلَا أُخبِرُكُم بِأَهلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَو أَقسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ. أَلَا أُخبِرُكُم بِأَهلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُستَكبِرٍ»!
عِبَادَ الله: حِينَ سَمِعَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم قَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ»، خَافُوا أَن يَكُونَ التَّجَمُّلُ فِي المَلبَسِ وَالنَّعلِ مِنَ الكِبر؛ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَن يَكُونَ ثَوبُهُ حَسَنًا وَنَعلُهُ حَسَنَةً؟
فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المِيزَانَ النَّبَوِيَّ الفَاصِلَ فِي تَعرِيفِ حَقِيقَةِ الكِبرِ بِأَربَعِ كَلِمَاتٍ جَامِعَةٍ لَا يُمكِنُ لِلبَلَاغَةِ البَشَرِيَّةِ أَن تَأتِيَ بِمِثلِهَا، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ؛ الكِبرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمطُ النَّاسِ»!
فَلبسُ الثَّوبِ النَّظِيفِ الحَسَنِ مِن حَلَالٍ بِلَا خُيَلَاءَ وَلَا ازدِرَاءٍ لِلخَلقِ هُوَ مِنَ الجَمَالِ الَّذِي يُحِبُّهُ الله؛ وَأَمَّا الكِبرُ المَحرَّمُ الممقُوتُ فَيَقُومُ عَلَى رُكنَينِ اثنَين: «بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمطُ النَّاسِ»! فَتَعَالَوا نَفحَصْ أَنفُسَنَا وَوَاقِعَنَا عَلَى ضَوءِ هَذَينِ الرُّكنَين:
الرُّكنُ الأَوَّلُ مِن أَركَانِ الكِبر: «بَطَرُ الحَقِّ»!
وَمَا بَطَرُ الحَقّ؟ هُوَ دَفعُ الحَقِّ وَرَدُّهُ وَالإِبَاءُ عَنِ الانقِيَادِ لَهُ تَرَفُّعًا وَعِنَادًا!
تَرَى الرَّجُلَ يَقَعُ فِي خَطَأٍ أَو ظُلمٍ لِزَوجَتِهِ أَو أَجِيرِهِ أَو جَارِهِ أَو شَرِيكِه، فَإِذَا نُصِحَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقِيلَ لَهُ: «اتَّقِ اللهَ يَا فُلَان، فَإِنَّ الحَقَّ مَعَ خَصمِكَ»، انتَفَخَت أَودَاجُه، وَثَارَت نَعرَتُه، وَأَبَى أَن يَعتَرِفَ بِالخَطَإِ أَو يَرجِعَ إِلَى الصَّوَاب؛ لِأَنَّهُ يَرَى الرُّجُوعَ إِلَى الحَقِّ وَالِاعتِذَارَ نَقصًا فِي مَكَانَتِهِ أَمَامَ النَّاس!
وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَوَعَّدَهُ اللهُ تَعَالَى بِجَهَنَّمَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ حَيثُ قَال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]!
قَالَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ لمَّا سُئِلَ عَنِ التَّوَاضُعِ الَّذِي يُضَادُّ هَذَا الكِبر: «التَّوَاضُعُ أَن تَخضَعَ لِلحَقِّ وَتَنقَادَ لَهُ، وَلَو سَمِعتَهُ مِن صَبِيٍّ قَبِلتَهُ مِنهُ، وَلَو سَمِعتَهُ مِن أَجهَلِ النَّاسِ قَبِلتَهُ مِنهُ»!
وَأَمَّا الرُّكنُ الثَّانِي مِن أَركَانِ الكِبر: فَهُوَ «غَمطُ النَّاسِ»!
وَمَعنَى غَمطِ النَّاس: احتِقَارُهُم وَازدِرَاؤُهُم وَالنَّظَرُ إِلَيهِم بِعَينِ النَّقصِ وَالدُّونِيَّة!
كَم نَرَى فِي المُجتَمَعَاتِ مِن صُوَرِ غَمطِ النَّاس:
فَهَذَا يَتَكَبَّرُ بِمَالِهِ وَثَروَتِهِ فَيَنظُرُ إِلَى الفُقَرَاءِ وَالعُمَّالِ البُسَطَاءِ نَظرَةَ استِعلَاءٍ وَاشمِئزَاز، لَا يُسَلِّمُ عَلَيهِم، وَلَا يَجلِسُ بِجِوَارِهِم، وَلَا يَرَى لَهُم قَدرًا!
وَذَاكَ يَتَكَبَّرُ بِنَسَبِهِ وَقَبِيلَتِهِ وَحَسَبِه، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِم: «وَمَن بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَم يُسرِع بِهِ نَسَبُهُ»!
وَثَالِثٌ يَتَكَبَّرُ بِمَنصِبِهِ أَو شَهَادَتِهِ أَو وَجَاهَتِهِ فَيُصَعِّرُ خَدَّهُ لِلمُرَاجِعِينَ وَالضُّعَفَاء، وَيَمشِي عَلَى الأَرضِ مِشيَةَ المُختَالِ الفَخُور! وَقَد نَهَى اللهُ عَن ذَلِكَ أَشدَّ النَّهيِ فَقَال: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُجَرَّدَ احتِقَارِ المُسلِمِ كَافِيًا لِهَلَاكِ الإِنسَانِ وَخَسَارَتِه، فَقَالَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنه: «بِحَسبِ امرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَن يَحقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ»!
عِبَادَ الله: إِنَّ لِلكِبرِ عُقُوبَاتٍ قَاصِمَةً فِي الدُّنيَا وَالآخِرَة:
فَفِي الدُّنيَا: يَحرِمُ اللهُ المتَكَبِّرَ مِن نُورِ الفَهمِ وَالِانتِفَاعِ بِآيَاتِ القُرآن، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]؛ قَالَ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ رَحِمَهُ الله: «أَي أَنزِعُ عَنهُم فَهمَ القُرآنِ وَأَصرِفُ قُلُوبَهُم عَن تَدَبُّرِهِ عُقُوبَةً لَهُم عَلَى كِبرِهِم»! وَيُلقِي اللهُ بُغضَ المتَكَبِّرِ فِي قُلُوبِ الخَلق!
وَأَمَّا فِي الآخِرَةِ فَالجزَاءُ مِن جِنسِ العَمَل: لَمَّا أَرَادَ المتَكَبِّرُ أَن يَتَعَظَّمَ وَيَتَعَالَى فَوقَ رِقَابِ النَّاسِ فِي الدُّنيَا، صَغَّرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ وَجَعَلَهُ تَحتَ أَقدَامِ الخَلَائِق؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «يُحشَرُ المتَكَبِّرُونَ يَومَ القِيَامَةِ أَمثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغشَاهُمُ الذُّلُّ مِن كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ، تَعلُوهُم نَارُ الأَنيَارِ، يُسقَونَ مِن عُصَارَةِ أَهلِ النَّارِ طِينَةِ الخَبَالِ»!
فَعَلَامَ يَتَكَبَّرُ ابنُ آدَمَ يَا عِبَادَ الله؟!
قَالَ الأَحنَفُ بنُ قَيسٍ وَالحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُمَا الله: «عَجِبتُ لِابنِ آدَمَ كَيفَ يَتَكَبَّرُ وَقَد خَرَجَ مِن مَخرَجِ البَولِ مَرَّتَين! أَوَّلُهُ نُطفَةٌ مَذِرَة، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَة، وَهُوَ فِيمَا بَينَ ذَلِكَ يَحمِلُ فِي بَطنِهِ العَذِرَة!» إِن جَاعَ سَاعَةً ضَعُفَ وَاصفَرّ، وَإِن شَرِقَ بِشَربَةِ مَاءٍ غَصَّ وَاختَنَق، وَإِن لَدَغَتهُ بَعُوضَةٌ صَغِيرَةٌ أَسهَرَت لَيلَهُ وَأَقلَقَت مَضجَعَه، ثُمَّ يَمشِي عَلَى الأَرضِ مَرَحًا كَأَنَّهُ سَيَخرِقُ الأَرضَ أَو يَبلُغُ الجِبَالَ طُولًا! وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِل:
يَا مُظهِرَ الكِبرِ إِعجَابًا بِصُورَتِهِ ... انظُر خَلَاكَ فَإِنَّ النَّتنَ تَثرِيبُ
لَو فَكَّرَ النَّاسُ فِيمَا فِي بُطُونِهِمُ ... مَا استَشعَرَ الكِبرَ شُبَّانٌ وَلَا شِيبُ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيه، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، الرَّافِعِ لِأَهلِ التَّوَاضُعِ وَالإِخبَات، الوَاضِعِ لِأَهلِ الكِبرِ وَالشَّطَطِ وَالتُّرَّهَات، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِاطرُ الأَرضِ وَالسَّمَاوَات، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُه، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الهُدَاة، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ المَمَات.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: إِنَّ الدَّوَاءَ الشَّافِيَ الَّذِي يَقتَلِعُ جُذُورَ الكِبرِ مِنَ القَلبِ هُوَ التَّحَلِّي بِخُلُقِ الأَنبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِين؛ خُلُقِ «التَّوَاضُعِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَفضِ الجَنَاحِ لِلمُؤمِنِينَ»!
انظُرُوا إِلَى قُدوَتِنَا وَحَبِيبِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ وَأَكرَمِ الخَلقِ عَلَى الله: كَيفَ كَانَ تَوَاضُعُه؟
خُيِّرَ بَينَ أَن يَكُونَ مَلِكًا رَسُولًا أَو عَبدًا رَسُولًا، فَاختَارَ أَن يَكُونَ «عَبدًا رَسُولًا»! وَكَانَ يَجلِسُ عَلَى الأَرض، وَيَأكُلُ عَلَى الأَرض، وَيَخصِفُ نَعلَهُ بِيَدِه، وَيَرقَعُ ثَوبَه، وَيَحلُبُ شَاتَه، وَيكونُ فِي مِهنَةِ أَهلِه، وَيَمُرُّ بِالصِّبيَانِ الصِّغَارِ فَيَبدَؤُهُم بِالسَّلَامِ وَيَمسَحُ رُؤُوسَهُم، وَتَأخُذُ الأَمَةُ الضَّعِيفَةُ مِن إِمَاءِ المَدِينَةِ بِيَدِهِ فَتَنطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَت لِيَقضِيَ لَهَا حَاجَتَهَا فَلَا يَنزِعُ يَدَهُ حَتَّى تَفرُغَ مِن حَاجَتِهَا، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيهِ الغَرِيبُ وَهُوَ جَالِسٌ بَينَ أَصحَابِهِ لَم يَعرِف أَيُّهُم هُوَ حَتَّى يَسأَل؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَم يَكُن يَتمَيَّزُ عَلَى أَصحَابِهِ بِمَقعَدٍ مُرتَفِعٍ وَلَا أُبَّهَة!
وَقَد أَعلَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ القَانُونَ الإِلَهِيَّ الَّذِي لَا يَتَخَلَّفُ أَبَدًا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَيثُ قَال: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»!
وَأَخرَجَ مُسلِمٌ أَيضًا فِي صَحِيحِهِ عَن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ المجَاشِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ اللهَ أَوحَى إِلَيَّ أَن تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»!
فَرَوِّضُوا نُفُوسَكُم يَا عِبَادَ اللهِ عَلَى التَّوَاضُعِ فِي كُلِّ يَوم:
إِذَا سَمِعتَ الحَقَّ وَالنَّصِيحَةَ فَاقبَلْهَا فَوْرًا وَلَو جَاءَتكَ مِن أَصغَرِ وَلَدِكَ أَو أَقلِّ النَّاسِ شَأنًا، وَقلْ لِنَفسِكَ: «أَنَا أَفقَرُ النَّاسِ إِلَى عَفوِ اللهِ وَتَوفِيقِهِ»!
وَإِذَا مَشَيتَ فِي الطَّرِيقِ أَو دَخَلتَ مَكَانَ عَمَلِكَ فابدَأِ الفَقِيرَ وَالعَامِلَ وَالصَّغِيرَ بِالسَّلَامِ وَالِابتِسَامَةِ وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَة، وَإِذَا مَنَّ اللهُ عَلَيكَ بِعِلمٍ أَو مَالٍ أَو مَنصِبٍ فَانظُر إِلَى مَن دُونَكَ بِنَظرَةِ الرَّحمَةِ وَالإِكرَام، وَتَذَكَّر أَنَّكَ لَا تَدرِي بِأَيِّكُمَا يُختَمُ بِخَيرٍ عِندَ الله! وَأَكثِرْ مِنَ السُّجُودِ للهِ وَتمْرِيغِ الجَبهَةِ عَلَى التُّرَابِ بَينَ يَدَيه؛ فَإِنَّ السُّجُودَ يَكسِرُ صَنَمَ الكِبرِ فِي القَلبِ وَيُقَرِّبُ العَبدَ مِن رَبِّهِ الأَعلَى!
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى إِمَامِ المتَوَاضِعِينَ وَسَيِّدِ المرسَلِين، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي كِتَابِهِ المَبِينِ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّين؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ الكِبرِ وَالعُجبِ وَالغُرُورِ وَالرِّيَاء، وَجمِّلْ بَوَاطِنَنَا وَظَوَاهِرَنَا بِالتَّوَاضُعِ وَالإِخلَاصِ وَالحَيَاء! اللَّهُمَّ اجعَلنَا فِي أَعيُنِنَا صِغَارًا، وَفِي أَعيُنِ النَّاسِ كِبَارًا، وَعِندَكَ مِنَ المَقَرَّبِينَ الأَبرَار! اللَّهُمَّ أَعِذنَا مِن بَطَرِ الحَقِّ وَغَمطِ النَّاس، وَاشْرَح صُدُورَنَا لِقَبُولِ الحَقِّ وَالِانقِيَادِ لَه، وَارفَع دَرَجَاتِنَا بِتَوَاضُعِنَا لِعَظَمَتِكَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَام! اللَّهُمَّ أَصلِح أَحوَالَ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَان، وَاحفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ يَا رَبَّ العَالَمِين.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
ذَمُّ الكِبرِ وَخُطُورَتُهُ عَلَى الإِيمَانِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حَقِيقَةِ الكِبرِ وَمَظَاهِرِهِ وَعَوَاقِبِ المتَكَبِّرِينَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.