من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

الدعوة بضغطة زر: منابر الأثير في العصر الرقمي

مشاركة
🕌 الدَّعوةُ بضَغطَةِ زِر... مَنابِرُ الأثيرِ في العَصرِ الرَّقمي #خطبة_جمعة #الدعوة_إلى_الله #صناعة_المحتوى #السوشال_ميديا #رسالة_المسلم #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الدَّعوةَ إليه أشرَفَ المَقامات، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، ذَلَّلَ لعِبادِهِ سُبُلَ البَلاغِ في كُلِّ زَمانٍ ليَرفَعَ لهم الدَّرجات، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، المَبعوثُ رَحمةً للعالَمين، الهادي إلى صراطٍ مستقيم، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَخيَّلوا رجلاً يَرقدُ في فِراشِه العَميق، وأنفاسُهُ تَتردَّدُ في نَومِه، وفي تلك اللحظةِ بالذَّات تُكتَبُ له حَسَناتُ آلافِ الرَّاكعين والسَّاجدين في قاراتٍ لم يَطأها قَطّ. وتَخيَّلوا في المقابلِ رَجلاً ماتَ ودُفِن، ولا تَزالُ سَيِّئاتُ العالَمين تُصَبُّ في قَبرِه صَبّاً، من حيث لا يَشعُر. كيف يَحدُث هذا الاختراقُ العَجيبُ لحُدودِ الزَّمانِ والمكان؟ وكيف تَتحول أجهزتنا الصغيرة إلى آلات حاصدة للأجور أو للأوزار؟ جوابٌ قاطعٌ ومُذهل سنَقفُ عليه بعد قليل، فاستَعيروني قُلوبَكم وأسماعَكم. أيها الإخوة الأحبَّة، لو عُدنا بالزَّمانِ ألفًا ومائتَي عام، إلى عَصرِ أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين، لَوَجَدنا العَجَب. لَوَجَدنا الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، يَشتَري بَعيرًا مِن مالِه، ويَشُدُّ عليه الرِّحال، ويُسافِرُ شهرًا كاملاً في صَحراءَ مُهلِكة، تَلفَحُهُ الشَّمسُ ويَكادُ يُهلِكُه العَطَش، من المدينة إلى الشام. لماذا؟ هَل لِتِجارة؟ هَل لِمنصب؟ لا والله! بل لِيَسمَعَ حَديثًا واحدًا فقط من أحاديثِ رسولِ الله ﷺ من عبدِ الله بن أُنَيس! شهرٌ كاملٌ، وتَعَبٌ، ومَشَقَّة، ومالٌ يُنفق... من أجل كَلِمةٍ واحدة! أمَّا نحن اليوم... في هذا العصر الرقمي، فقد طُوِيَت لنا الأرضُ طَيّاً، وذُلِّلَت لنا السُّبُل تَذليلاً. الكلمةُ التي كان السَّلَفُ يَبذُلون دماءَهم وأعمارَهم لِتَبلُغَ الآفاق، ويَرتحلون الشهور لِيُسمِعوها قريةً من القرى، باتَت اليومَ تَحتاجُ مِنكَ إلى حَرَكةٍ خَفيفةٍ بطَرَفِ إصبَعِك، وتَضغَط على زِرِّ النَّشر، لِتَصِلَ إلى مَلايينِ البَشَر في مَشارقِ الأرضِ ومَغاربِها في كَسرٍ من الثَّانية. فهل أدركنا حَجمَ هذه النعمة؟ وهل أدركنا ثِقَلَ هذه الأمانة؟ يقول الله جل جلاله في محكم التنزيل، رافعاً شأن الدعاة إليه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. تأملوا... هذا استفهام تقريري من رب العالمين. من أحسن؟ لا أحد. لا يوجد في الأرض كلها، مهما بلغ بيانه، ومهما سحر الناس بكلامه، من هو أحسن قولاً ممن دعا إلى الله. وقد وقف الحسن البصري رحمه الله يتأمل هذه الآية، فبكى وقال: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته... فهذا خليفة الله". ولعل قائلاً يقول في نفسه الآن: "هذا الكلام للعلماء الكبار، للخطباء المفوهين، والمشايخ، أما أنا فإنسان عادي، بضاعتي في العلم مزجاة، فما لي وللدعوة؟". وهنا أقول لك يا عبد الله: من الذي أخبرك أن الدعوة حكر على أصحاب العمائم؟ واسمعوا لهذا الحديث العظيم، بكلماته الأربع التي تزلزل كل عذر. قال رسول الله ﷺ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» (رواه البخاري). أربع كلمات فقط! "بلغوا" هذا تكليف. "عني" هذا تشريف. "ولو" هذا تخفيف. "آية" هذا مقدار التكليف. لم يقل بلغوا عني مجلداً، ولم يقل بلغوا عني مذهباً، بل آية! وإذا نظرنا في زماننا هذا، نجد أن مفهوم "المنبر" قد اتسع اتساعاً مذهلاً. لم يعد المنبر مقصوراً على هذه الدرجات الخشبية في المسجد الجامع. بل إن الشاشة التي بين يديك هي منبرك. ولعل منكم اليوم من يدير منصات رقمية، أو يملك مهارة التصميم الرقمي، أو يعمل على تحرير مقطع فيديو وإنتاجه، أو ينسق بثاً مباشراً عبر الفضاء الإلكتروني ليراه الناس في بيوتهم؛ كل هذه المهارات ليست مجرد أدوات تقنية باردة أو مجالات للعمل الدنيوي فحسب، بل هي والله منابر نورانية إن وضعت فيها نية صالحة! تخيل معي أنك بمونتاج بسيط لمقطع دعوي مؤثر، أو بتصميم لآية قرآنية مريحة للقلب، أو بتجهيز بث مباشر لدرس علمي، تكون سبباً في هداية شاب كان على شفا الهلاك، أو توبة فتاة كانت غارقة في التيه. ألا تذكرون قول المصطفى ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم خيبر؟ قال له: «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (متفق عليه). وحمر النعم كانت أنفس أموال العرب وأغلاها في ذلك الزمان، وهي بمقاييس زماننا اليوم أغلى السيارات الفارهة وأرصدة الملايين! كل هذا لإنقاذ رجل واحد! فكيف بمن تصل مقاطعه وتغريداته ورسائله إلى آلاف وملايين البشر؟ وإن كنتم تعتقدون أن الدعوة تحتاج إلى منصب كبير أو علم غزير فقط لكي يكون لها أثر، فدعونا ننتقل الآن إلى مشهد قرآني عجيب. دعونا ننتقل عبر الزمان إلى قصر نبي الله سليمان عليه السلام، الذي سخرت له الإنس والجن والطير والريح. في وسط هذا الملك العظيم، يغيب طائر صغير، يغيب الهدهد. وعندما يعود، يقف أمام الملك النبي بكل ثقة، ولا يقول له "أنا مجرد طائر صغير في جيش جرار". لا! بل يعطيه درساً في الإيجابية وتحمل المسؤولية، فيقول كما حكى القرآن: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: 22]. ما هو هذا النبأ؟ هل هو عن مناجم الذهب؟ هل هو عن صفقات التجارة؟ لا. لقد تألم هذا الطائر الصغير في فطرته عندما رأى شركاً بالله! ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ۝ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: 23-24]. الهدهد لم يقل: "هذا شأن الأنبياء، ما لي ولهم؟". بل حمل "البوست"، حمل الرسالة، طار بها مسافات شاسعة، ونقل النبأ، فكانت النتيجة أن أمة كاملة بملكتها سجدت لله الموحد، وقالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44]. فيا عبد الله... ويا أمة الله... إذا كان طائر صغير سبباً في هداية أمة كاملة لأنه لم يحتقر نفسه ولم يصمت عن الحق، فما عذرنا نحن؟ وفي أيدينا هواتف وحواسيب نصل بها إلى أطراف الأرض بلمسة واحدة؟ ... فانتبه. قبل أن يمر العمر دون أثر. إن الفضاء الرقمي اليوم، والسوشال ميديا، وتطبيقات التواصل، هي أراضٍ خصبة. وما تزرعه فيها اليوم بأصابعك، ستحصده غداً في صحيفتك. يقول الله تعالى في آية ترتجف لها القلوب الحية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: 12]. تأملوا كلمة ﴿وَآثَارَهُمْ﴾! إنها ليست فقط الأعمال التي قمت بها ببدنك، بل هي الأثر الممتد بعدك! كل "مشاركة" (Share) لمقطع فيه تذكير بالله هو من آثارك. وكل إرسال لحديث صحيح في مجموعة العائلة هو من آثارك. يقول النبي ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» (رواه مسلم). وفي المقابل — والعياذ بالله — هناك أناس حوّلوا هذه الأجهزة إلى منابر للشيطان! ينشرون التفاهة، ويروجون للإشاعات، ويشاركون المقاطع الفاضحة، وينقلون الشبهات، فيموت أحدهم، وتبقى حساباته على الإنترنت تعمل ليل نهار في نشر الحرام، تتدفق السيئات إلى قبره في ظلمات الأرض وهو يتلوى لا يستطيع إيقافها، لأنه أطلق رصاصة الفساد في الفضاء الرقمي وعجز عن استردادها! قال الله جل جلاله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25]. وقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله كلمة لو كتبت بماء الذهب لكان قليلاً، قال: "الأقلام ألسنة الأيدي". وفي زماننا هذا، لو كان ابن القيم بيننا لقال: "لوحات المفاتيح ألسنة الأيدي". كل ما تكتبه، كل تعليق تتركه، كل إعجاب تضعه على محتوى، هو نطق منك سيُحفظ في سجلك! ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. فاحذر ماذا تكتب، وتأكد ماذا تنشر. ولعلكم تسألون: ما هو السر الذي يجعل محتوى دعوياً بسيطاً ينتشر في الآفاق، ويغير حياة الناس، بينما محتويات ضخمة تصرف عليها الملايين تموت في مهدها؟ الجواب ليس في "خوارزميات السوشال ميديا" المادية المعقدة. الجواب في خوارزمية السماء! خوارزمية الإخلاص! في التاريخ الإسلامي قصة عجيبة. عندما ألف الإمام مالك بن أنس رحمه الله كتابه العظيم "الموطأ"، قيل له: يا إمام، لماذا تتعب نفسك، وقد ألف الناس موطآت كثيرة؟ (كان هناك العشرات من الكتب التي تحمل نفس الاسم في زمانه). فماذا قال الإمام مالك؟ لم يجادل، ولم يدافع عن كتابه، بل نظر إليهم وقال كلمته الخالدة: «ما كان لله بَقِي». مرت الأيام، وانطوت السنون، وتوالت القرون، فضاعت كل الموطآت التي ألفت للدنيا وللشهرة، وبقي موطأ الإمام مالك يتدارسه الناس في مشارق الأرض ومغاربها إلى يومنا هذا! فيا صناع المحتوى، ويا رواد التواصل الاجتماعي: "ما كان لله بقي". تغريدة واحدة، أو تصميم واحد، أو مقطع قصير تنشره لا تريد به إلا وجه الله، ولا تطلب به زيادة المتابعين ولا كثرة "الإعجابات"، قد يطرح الله فيه من القبول في الأرض ما يجعله سبباً في ميزان حسناتك أضعافاً مضاعفة. وهنا نصل إلى الأمر الأخطر في فضاء الإنترنت. بعضنا من شدة حماسه للدين، يأتيه حديث موضوع مكذوب، أو قصة مخترعة لم تثبت، فيسارع بإعادة توجيهها (Forward) إلى كل من في هاتفه دون تثبت. وهذا والله من أخطر المزالق! قال رسول الله ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم). فكيف بمن ينشر كل ما قرأ؟ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من تكلم بغير علم فقد أخطأ ولو أصاب". إن نشر الدين أمانة، فلا تكن مطية لنشر الجهل وأنت تظن أنك تحسن صنعاً! تثبت قبل أن ترسل، ابحث عن صحة الحديث، اسأل أهل العلم. الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. وربما يأتي الشيطان إلى بعض الشباب، ويقول له: "كيف تنشر مقطعاً للقرآن، أو درساً علمياً، وأنت فيك من العيوب والذنوب كذا وكذا؟ ألا تستحي من النفاق؟ أصلح نفسك أولاً ثم ادعُ الناس!". هذا الفخ الشيطاني أسكت الكثيرين وجعلهم ينطوون على أنفسهم. يقول الإمام سعيد بن جبير رحمه الله: "لو لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا خطيئة له، لم يأمر أحد بشيء!". فكلنا خطاء، وكلنا مقصر، ولو انتظرنا الكمال لما نطق أحد بكلمة حق بعد رسول الله ﷺ. فيا أخي الكريم، استمر في نشر الخير، لعل نشرك للخير يكون شفيعاً لك عند الله ليغفر لك زلاتك، ولعل الله أن يصلح قلبك ببركة محاولتك لإصلاح قلوب الناس! ألم يقل ربنا سبحانه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 102]؟ إننا نعيش في زمان يحتاج فيه الدين إلى كل جهد. لا تحتقر شيئاً. المهندس مهندس للدعوة، والمصمم مصمم للدعوة، والتقني تقني للدعوة، والأم في جروب عائلتها داعية. ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. فاجعلوا من هواتفكم مفاتيح للخير، مغاليق للشر، واعلموا أنكم على ثغر عظيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمّا بعد: عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن نعمة الله علينا في هذا العصر الرقمي، وكيف أن الفضاء الإلكتروني أصبح منبراً من لا منبر له، ووقفنا مع أجر الكلمة الطيبة وأثرها الممتد، وحذرنا من خطورة نشر الشائعات والأحاديث المكذوبة وكيف أن الآثار تبقى بعد الممات. والآن، نحن أمام السؤال الأهم: كيف نترجم هذا إلى واقع في حياتنا اليومية وعلى شاشات أجهزتنا؟ أوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري: الأولى (قَلبيَّة): قبل أن تضغط على أي زر للإرسال أو النشر في هاتفك، توقف ثانية واحدة فقط وصحح نيتك واجعلها خالصة لله. فليست العبرة بكثرة المشاهدات، بل بصدق المردود عند رب السماوات. الثانية (لِسانيَّة): اجعل من حساباتك في وسائل التواصل لساناً يذب عن الدين وينشر الفضيلة. اكتب اليوم كلمة طيبة، أو انشر آية محكمة، أو حديثاً صحيحاً. كن مباركاً أينما كنت، حتى في العالم الافتراضي. الثالثة (عَمَليَّة): سخر تخصصك وموهبتك لنصرة الحق. إن كنت مبدعاً في التصميم الرقمي، أو محترفاً في تحرير الفيديو، أو خبيراً في البث المباشر؛ فقدم من زكاة علمك عملاً يخدم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن الموهبة أمانة ستُسأل عنها. الرابعة (اجتماعيَّة): لا تنسوا الأقربين من دعوتكم الإلكترونية. في مجموعة العائلة على (الواتساب) أو غيره، أرسل رسالة صلة وتودد، ومقطعاً يرقق القلوب ويصلح ذات البين، وكن مفتاحاً للسلام بين أقاربك. الخامسة (موضوعيَّة): أقسم عليكم بالله، لا تنشروا فتوى ولا حديثاً نبوياً ولا قصة غريبة حتى تتأكدوا من صحتها. التثبت اليوم أصبح سهلاً كما أن النشر أصبح سهلاً. أوقف سلسلة الأكاذيب عندك، ولا تجعل صحيفتك مستودعاً للإشاعات. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على مراقبته في خلواتكم، وعندما تمسكون هواتفكم وتخلو بكم شاشاتكم، فالله ناظر إليكم، ومطلع عليكم. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر. اللهم سخر جوارحنا وأقلامنا وشاشاتنا لنصرة دينك، وإعلاء كلمتك. اللهم اجعل ما نكتبه وما ننشره شاهداً لنا لا شاهداً علينا يوم نلقاك. اللهم من استخدم نعمة التقنية في طاعتك والدعوة إليك فبارك له في عمره وعمله، وارفع درجته في المهديين. اللهم لا تجعل هواتفنا حجة علينا يوم تبلى السرائر. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، واربط على قلوب المستضعفين والمظلومين في كل مكان، وأنزل عليهم من رحماتك وسكينتك ما يربط على قلوبهم ويشفي صدورهم. اللهم أصلح شبابنا وفتياتنا، واجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا كما ربونا صغاراً، وارحم من مات منهم وأطل في عمر من بقي على طاعتك. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.