من مكتبة مِداد الخطيب

أثر الإيمان بالأسماء والصفات في التزكية والسلوك

مشاركة
🕌 أثر الإيمان بالأسماء والصفات في التزكية والسلوك #خطبة_جمعة #الأسماء_والصفات #العقيدة #التزكية #الأخلاق #أثر_الإيمان #الرحمة #الإحسان الحمدُ للهِ العليِّ الأعلى، الذي له الأسماءُ الحُسنى والصِّفاتُ العُلى، الحمدُ للهِ الذي تَعَرَّفَ إلى عبادِهِ بجميلِ صِفاتِه، وعظيمِ أفعالِه، وكمالِ جلالِه، فأحَبَّتهُ القلوبُ المؤمنةُ شَوقاً، وخَضَعَت له النُّفوسُ المُوقِنةُ طَوعاً. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، المتَّصِفُ بكلِّ كمال، والمُنَزَّهُ عن كلِّ نَقصٍ ومِثال. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أعلَمُ الخَلقِ بربِّه، وأتقاهُم له، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليماً كثيراً إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: هل سألتم أنفسكم يوماً: لماذا نَقرأُ أسماءَ اللهِ الحُسنى في أواخِرِ الآياتِ القُرآنيةِ مِئاتِ المرَّات؟ هل هي مُجَرَّدُ فَواصِلَ تَتَزيَّنُ بها السُّوَر؟ أم أنَّها أبوابٌ عَظيمةٌ لو دَخَلناها لَتَغَيَّرَت أخلاقُنا وطِباعُنا وحياتُنا في ليلةٍ وضُحاها؟ كثيرٌ منَّا يَحفَظُ الأسماءَ، وكثيرٌ منَّا يَدعو بها، لكنَّ القليلَ النَّادِرَ مَن يَتَخَلَّقُ بآثارِها ويَعيشُ في ظِلالِها. واليوم، سنَقِفُ مع أعظَمِ ما يُزكِّي النُّفوسَ، ونَرى كيف تَتَحَوَّلُ صِفاتُ الجَلالِ والجَمالِ إلى ميزانٍ نَمشي بهِ على الأرض، ولن تَعودوا إلى بيوتِكم كما جِئتُم. أيها الإخوةُ المؤمنون، إنَّ من أعظَمِ الخَلَلِ في حَياتِنا أنَّنا جَعَلنا دراسةَ "الأسماءِ والصِّفات" مُجَرَّدَ مَسائلَ عِلميَّةٍ وجَدَلٍ نَظريٍّ، ونَسينا أنَّ غايَتَها الكُبرى هي أن تُلامِسَ القَلبَ فتُحَرِّكَه، وتُلامِسَ السُّلوكَ فتُزَكِّيَه. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]. والدُّعاءُ هُنا — كما يَقُولُ العُلماء — نَوعان: دُعاءُ مَسألةٍ ومَطْلَب، كأن تَقُولَ: يا رَزَّاقُ ارزُقني، ويا غَفورُ اغفِر لي. ودُعاءُ عِبادَةٍ وسُلوك، وهو أن تَتَعَبَّدَ للهِ بِمُقتَضى هذه الأسماءِ والصِّفاتِ في حَياتِك اليَوميَّة. اسمعوا لهذا التَّأصيلِ العَظيمِ الذي قَرَّرَهُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله، حينَ قالَ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "ولَمَّا كان سُبحانَهُ يُحِبُّ أسماءَهُ وصِفاتِه، كان أحَبُّ الخَلقِ إليه مَنِ اتَّصَفَ بِمُوجَبِها، فإنه جَميلٌ يُحِبُّ الجَمال، عَفوٌّ يُحِبُّ العَفوَ وأهلَه، عَليمٌ يُحِبُّ العُلماء، رَحيمٌ يُحِبُّ الرُّحَماء، مُحسِنٌ يُحِبُّ المُحسِنين". سبحان الله! هل أدرَكتُم المِفتاح؟ الطَّريقُ المباشِرُ إلى مَحَبَّةِ الله، هو أن تَضَعَ آثارَ صِفاتِهِ سُلوكاً في حَياتِك! تَأمَّلوا معي — عبادَ الله — في صِفَةِ "الرَّحمَة". ربُّنا هو الرَّحمنُ الرَّحيم. كيف نُتَرجِمُ هذا الإيمانَ إلى سُلوك؟ الجَوابُ في قولِ النَّبيِّ ﷺ الصَّريح: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). انتبِهوا لِهذا المُعادَلةِ الرَّبَّانيَّة! أنتَ تُريدُ رَحمةَ اللهِ التي قال عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]؟ إذن، افتَح صُنبورَ الرَّحمَةِ من قَلبِك على عِبادِ اللهِ أوَّلاً. جاءَ الأقرَعُ بنُ حابِسٍ إلى النَّبيِّ ﷺ، فرآهُ يُقَبِّلُ الحَسَنَ بنَ عَليٍّ رضي الله عنهما، فَتَعَجَّبَ الأقرَعُ وقال: "إنَّ لي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ ما قَبَّلْتُ مِنهُم أحَداً قَطّ!"، فنَظَرَ إليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ نظرةَ المُربي الذي يربط السلوك بالعقيدة، وقال جملة حاسمة قاطعة: «مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ» (متفق عليه). كيفَ تَطمَعُ في رَحمَةِ أرحَمِ الرَّاحمين، وأنتَ قاسي القَلبِ، غَليظُ الكَبِدِ، لا تَرحَمُ صَغيراً في بَيتِك، ولا تَرحَمُ عامِلاً ضَعيفاً تحت يَدِك، ولا تَرحَمُ زَوجَةً تَتعَبُ في خِدمَتِك؟ الرَّحمةُ التي تُظهِرُها لِلخَلق، هي نَفسُها الرَّحمةُ التي سَتُعامَلُ بها عِندَ الخالق. ولْنَتَأمَّل معاً في اسمَينِ كَريمَين: "العَفُوُّ الغَفُور". اللهُ يَعفو، ويُحِبُّ أن يَعفو. فهل تُريدُ عَفْوَه؟ الأمرُ بيَدِك أنت. دعونا نَرجِعُ في الزَّمانِ قليلاً، إلى لَيلَةٍ بَكى فيها أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه. كانَ أبو بكرٍ يُنفِقُ على رَجُلٍ يُقالُ له "مِسطَح"، وكان مِسطَحٌ هذا قَريباً لهُ وفَقيراً. وفي حادِثَةِ الإفكِ الأليمةِ التي طُعِنَت فيها عِرْضُ أُمِّنا عائِشَةَ رضي الله عنها، كانَ مِسطَحٌ ممَّن زَلَّ لِسانُه وشارك المُرْجِفين في الكلام! تَخَيَّلوا المَوقِف: رَجُلٌ تُنفِقُ عليهِ مِن حُرِّ مالِك، ثُمَّ يَطعَنُ في شَرَفِ ابنَتِك الطَّاهِرَةِ زَوجَةِ رَسولِ الله! فَغَضِبَ أبو بكر، وأقسَمَ باللهِ ألا يُنفِقَ على مِسطَحٍ بَعدَها أبداً.
فماذا نَزَلَ مِنَ السَّماء؟ هل نَزَلَ ما يُؤيِّدُ غَضَبَ أبي بكرٍ وهو المُحِقُّ في غَضَبِه؟ لا. بَل نَزَلَت آيَةٌ تُخاطِبُ القَلبَ، وتُذَكِّرُ بِصِفاتِ الرَّبِّ سُبحانَه، نَزَلَ قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. بِاللهِ عليكُم، تَأمَّلوا هذه الكَلِمَة: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فَما كانَ مِن أبي بكرٍ — ذَلِكَ القَلبُ الحَيُّ الذي يَتَحَرَّكُ بِأسماءِ الله — إلا أن بَكى وقال: "بَلى واللهِ، إنِّي لأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي!"، وأعادَ النَّفَقَةَ إلى مِسطَح، وقال: "واللهِ لا أنزِعُها عنهُ أبداً". هنا نَسألُ أنفُسَنا عباد الله: متى آخِرُ مَرَّةٍ عَفَوتَ فيها عَمَّن ظَلَمَك؟ مَتى آخِرُ مَرَّةٍ تَجاوَزتَ فيها عَن زَلَّةِ أخيكَ أو زَوجَتِك أو شَريكِك؟ إن كُنتَ تَحتَفِظُ في قَلبِك بالحِقدِ، وتَرفُضُ أن تَغفِرَ لِمَن أخطأَ في حَقِّك واعتَذَر، فكَيفَ تَقِفُ بَينَ يَدَيِ اللهِ في سُجودِكَ وتَقول: "يا رَبِّ اغفِر لي"؟! كَيفَ تَطلُبُ مِنهُ المُسامَحَةَ وأنتَ لا تُسامِح؟ الجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَل، فَمَن عَفا عُفِيَ عَنه، ومَن غَفَرَ غُفِرَ له. ثمَّ انتبِهوا يا عبادَ اللهِ لِصِفاتِ الإحاطَةِ والعِلمِ والبَصَر. رَبُّنا هو "السَّميعُ، البَصيرُ، العَليمُ، الخَبيرُ". قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 110]، وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. هَل تَعْلَمُونَ ما هو الثَّمَرَةُ السُّلوكيَّةُ الكُبرى لِهذه الأسماء؟ إنَّها أعظَمُ مَقامٍ يَصِلُ إليهِ المُؤمِن: "مَقامُ المُراقَبَةِ وإحسانِ السِّرّ". أن تَعلَمَ أنَّ عينَ اللهِ ناظِرَةٌ إليك، فلا تَجعَلَهُ أهوَنَ النَّاظِرين إليك. اسمعوا لهذه القصَّةِ العَجيبَةِ التي كان بَطَلُها راعِيَ غَنَمٍ صَغيراً، لم يَدرُسِ العَقيدَةَ في المُجَلَّدات، بَل تَشَرَّبَها قَلبُهُ حَتَّى صارَت سُلوكاً في عُروقِه. كان عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضي الله عنهما في سَفَر، فَالْتَقى بِراعِي غَنَم، فَقال له ابنُ عُمَر — مُمتحناً ومُختَبِراً —: "بِعني شاةً مِن هذه الغَنَم". فقالَ الرَّاعي المُملوك: "إنِّي مَملوكٌ، وليسَت لي". فقال ابنُ عُمَر: "قُل لِسَيِّدِكَ إنَّ الذِّئْبَ أكَلَها!". وهُنا... وَقَفَ الرَّاعي الفَقيرُ، ونَظَرَ إلى ابنِ عُمَرَ نَظرَةً زَلزَلَت قَلبَ العالِمِ الصَّحابيِّ، وقال لَهُ كَلِمَتَينِ فَقَط: "فَأينَ الله؟!". سُبحانَ الله! "فأينَ الله؟!". كَلِمَةٌ صاعِقَةٌ تَدُلُّ على أنَّ هذا العَبدَ يَعيشُ في كَنَفِ اسمِ "البَصيرِ العَليم". لا يَهُمُّهُ أنَّ سَيِّدَهُ غائِب، لأنَّ سَيِّدَ سَيِّدِهِ حاضِرٌ لا يَغيب. فَكانَ ابنُ عُمَرَ يَبكي طَوالَ الطَّريقِ ويُرَدِّد: "قال الرَّاعي: فأينَ الله... قال الرَّاعي: فأينَ الله". ثُمَّ بَحَثَ عن سَيِّدِه، واشتَرى مِنهُ الرَّاعيَ فأعتَقَه، واشتَرى الغَنَمَ فوَهَبَها لَه. يا أبناءَ أُمَّةِ مُحمَّد... كَم نَحتاجُ اليومَ إلى جُملةِ "فأينَ الله"؟ أينَ اللهُ عِندَما تَخلو بِشاشَةِ هاتِفِكَ في ظُلمَةِ غُرفَتِك، ولا يراكَ أحَد؟ أينَ اللهُ عِندَما تُعطى رَشوَةً مُغَلَّفةً بِاسمِ هَديَّة، ولا يَعلَمُ بها مُديرُك؟ أينَ اللهُ عِندَما تَخونينَ أمانَةَ زَوجِكِ في غِيابِه؟ أينَ اللهُ عِندَما تَظْلِمُ عامِلاً ضَعيفاً وتَأكُلُ عَرَقَهُ وجُهدَه؟ من عَرَفَ أنَّ اللهَ بَصير، حاسَبَ نَفسَهُ قَبلَ أن يُحاسَب، واستَحيا أن يَراهُ مَولاهُ حَيثُ نَهاه. قال الحسن البصري رحمه الله: "ابن آدم، إنك تعصي الله وهو يراك، فإن كنت تظن أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك فلِمَ جعلته أهون الناظرين إليك؟". وماذا عن اسم الله: "الرَّزَّاقُ الكَريم"؟ يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58]، ويقول: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]. إذا استَقَرَّ في قَلبِكَ أنَّ اللهَ هو الرَّزَّاقُ وحدَه، فهل سَتَمُدُّ يَدَكَ لِحَرام؟ هل سَتَرتَشي؟ هل سَتَغُشُّ في تِجارَتِك خَوفاً مِنَ الفَقْر؟ ومِن جِهَةٍ أُخرى، إذا عَرَفتَ أنَّهُ هو "الكَريمُ، الجَوادُ، المُعطي"، فإنَّ هذا يَدفَعُكَ لِأن تَكونَ كَريماً مِعطاءً مِن مالِه الذي أعطاك.
قال النَّبيُّ ﷺ لِبِلالٍ رضي الله عنه: «أنْفِقْ يا بِلالُ ولا تَخْشَ مِنْ ذِي العَرْشِ إِقْلالاً» (رواه الطبراني وصححه الألباني). وفي الحديث القدسي العظيم: «يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ، يُنْفَقْ عَلَيْكَ» (متفق عليه). فالمؤمنُ الكَريمُ يَثِقُ بِكَرمِ رَبِّه، فيُنْفِقُ ولا يَبخَل، لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ خَزائِنَ السَّماءِ مَلأى، لا يَغيضُها نَفَقَة، سَحَّاءُ اللَّيلَ والنَّهار. وإذا التَفَتنا إلى صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَة... "القَهَّارُ، الجَبَّارُ، المُتَكَبِّرُ، العَزيز". تَأمَّلوا هَذه الأسماءَ المَهيبَة. يقول جل جلاله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209]. الإيمانُ بِهذه الصِّفاتِ يَكسِرُ في قَلبِ الإنسانِ كُلَّ ذَرَّةِ كِبرٍ وعُجْبٍ وغُرور. مَن عَرَفَ عَظَمَةَ اللهِ، عَرَفَ حَقيقَةَ نَفسِهِ الضَّعيفَة. كيفَ يَتَكَبَّرُ إنسانٌ، أو يَتَجَبَّرُ على مَن هُوَ أضعَفُ مِنه، وهو يَعلَمُ أنَّ فَوقَهُ "القَويَّ العَزيز"؟ وفي الحديث القدسي الذي ترتجف له القلوب، يقول الله تبارك وتعالى: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (رواه أبو داود وصححه الألباني). الكِبرُ للهِ وَحدَه، والجَبَروتُ للهِ وَحدَه، أمَّا نحنُ فَعبيدٌ ضُعَفاء، خُلِقنا مِن تُراب، وإلى التُّرابِ نَعود. ولذلك قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. عبادَ الله... إنَّ الفَرقَ بَينَ قَلبٍ عَرَفَ أسماءَ اللهِ وصِفاتِه فَتَعَبَّدَ بها، وقَلبٍ يَحفَظُها كَحُروفٍ جافَّة، هو كالفَرقِ بَينَ الحَيِّ والمَيِّت. مَن عَرَفَ اللهَ بِأسمائِهِ زانَت أخلاقُه، ورَقَّ قَلبُه، وسَهُلَ تَعامُلُه، وصارَ رَحمَةً تَمشي على قَدَمَين. ومن جَهِلَ رَبَّهُ، قَسا قَلبُه، وعَمِيَت بَصيرَتُه، وظَلَمَ وعَتا وتَجَبَّر. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بِجَلالِ وَجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنا مُحمَّدٍ، الصَّادِقِ الوَعدِ الأمين، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن الأثَرِ السُّلوكيِّ العَظيمِ لِلإيمانِ بِأسماءِ اللهِ وصِفاتِه، ووَقَفنا مَعَ صِفاتِ الرَّحمَةِ وكَيفَ تُولِّدُ الرَّحمةَ في القُلوب، ومَع صِفَةِ العَفوِ والمَغفِرَةِ وكَيفَ تَمحو الحِقدَ والضَّغينَة، وتَأمَّلنا في مَقامِ المُراقَبَةِ الذي يَثبُتُ بِمَعرِفَةِ "السَّميعِ البَصير"، وانكِسارِ المُؤمِنِ أمَامَ "العَزيزِ الجَبَّار". والآن، ونحنُ نَستَعِدُّ لِمُغادَرَةِ هذا المَجلِس، بَقِيَ السُّؤالُ الأكثَرُ إلحاحاً: كيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا اليَومِيَّة؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): اجعَل نِيَّتَكَ في كُلِّ خُلُقٍ حَسَنٍ تَتَخَلَّقُ به، أنَّكَ تُريدُ بِهِ التَّعَرُّضَ لِنَفَحاتِ صِفاتِ الله. إذا كَظَمتَ غَيظَك، فقُل في قلبك: يا رَبِّ أكرَمتُ هذا المِسكينَ طَمَعاً في حِلمِكَ وعَفوِك. وإذا سَتَرتَ عَيبَ إنسان، فقُل: اللهُمَّ أنا أستُرُهُ طَمَعاً في أن تَستُرَني، فأنتَ السِّتِّيرُ وتُحِبُّ السَّتْر. الثانية (لِسانيَّة): ادعُ اللهَ في كلِّ مَوقِفٍ بِالاسمِ الذي يُناسِبُه. إذا ضاقَ رِزقُكَ قُل: يا رَزَّاق، وإذا أذنَبتَ قُل: يا تَوَّابُ يا غَفور، وإذا ظُلِمتَ وتَكالَبَت عليكَ الهُمومُ قُل: يا عَزيزُ يا جَبَّارُ كُن لي ناصراً. فَإنَّ الدُّعاءَ بالاسمِ المُناسِبِ مِن أسرارِ إجابَةِ الدُّعاء، مصداقاً لقوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾. الثالثة (عَمَليَّة): اختَر صِفَةً واحِدَةً فَقَط مِن صِفاتِ اللهِ التي تُحِبُّ أن يُعامِلَكَ بِها، وطَبِّقها اليومَ عَمليَّاً قَبلَ أن تَنام. تُريدُ الرَّحمَة؟ ارحَم مَحتاجاً اليوم. تُريدُ الكَرَم؟ تَصَدَّق اليومَ ولَو بالقَليل. الرابعة (اجتماعيَّة): اجعَل بَيتَكَ مِحراباً لِتَطبيقِ أسماءِ اللهِ وصِفاتِه. ارحَم زَوجَتَك، واعفُ عَن زَلَّاتِ أبنائِك، وتَجاوَز عن أخطائِهِم البَسيطَة، فَإنَّ أقرَبَ النَّاسِ إلى رَحمَتِكَ وعَفوِكَ هُم أهلُ بَيتِك. الخامسة (موضوعيَّة): أوصيكُم أن تَجعَلوا لَكُم في كُلِّ أسبوعٍ اسماً واحِداً مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى، تَبحَثونَ عَن مَعناهُ، وتَتَدَبَّرونَ آياتِهِ في القُرآن، وتُحاوِلونَ تَطبيقَ أثَرِهِ في سُلوكِكُم طَوالَ الأُسبوع. هذا هُوَ الفِقهُ الأكبَر.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي الثَّمرَةُ الحَقيقيَّةُ لِمَعرِفةِ أسمائِه، ومَنِ اتَّقى اللهَ وَقاه، ومَن عَرَفَهُ أحَبَّه. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عليه، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ يا رَحمنُ يا رَحيم، ارحَم ضَعفَنا، واجبر كسرنا، وتَوَلَّ أمرَنا. اللَّهُمَّ يا غَفورُ يا عَفوُّ، اغفِر لنا ذُنوبَنا، وكَفِّر عنَّا سيِّئاتِنا، واعفُ عن زَلَّاتِنا، وارزُقنا قُلوباً سَليمَةً تَعفو عَن عِبادِك. اللَّهُمَّ يا سَتِّيرُ استُر عوراتِنا، وآمِن رَوعاتِنا، ولا تَفضَحنا في الدُّنيا ولا بَينَ يَديَك يَومَ العَرضِ الأكبَر. اللَّهُمَّ يا سَميعُ يا بَصير، ارزُقنا خَشيَتَكَ في الغَيبِ والشَّهادَة، واجعَلنا نَخشاكَ كَأنَّنا نَراك، ولا تَجعَلنا مِمَّن يُراقِبُ النَّاسَ ويَنسى مُراقَبَتَك. اللَّهُمَّ يا رَزَّاقُ يا كَريم، ابسُط لَنا مِن بَرَكاتِكَ ورَحمَتِكَ وفَضلِكَ ورِزقِك، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّر. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، واربُط على قُلوبِ المُستَضعَفين والمَظلومين، وكُن لَهُم مُؤيِّداً ونَصيراً يا قَويُّ يا عَزيز. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.