من مكتبة مِداد الخطيب

عَظَمَةُ اللهِ وجَلَالُهُ... وَجَنَّةُ الذَّاكِرين

مشاركة
🕌 عَظَمَةُ اللهِ وجَلَالُهُ... وَجَنَّةُ الذَّاكِرين #موعظة #خطبة_جمعة #ذكر_الله #عظمة_الله #الرقائق #حال_السلف #الإيمان #تربية_النفس تَخَيَّلوا رَجُلَينِ يَجلِسانِ في مَكانٍ واحدٍ، يَمُرُّ عليهما نَفسُ الوَقت. الأوَّلُ يَخرُجُ بصَحيفةٍ بيضاءَ خاوية، والثاني يَقومُ وقَد غَرَسَ في الجنَّةِ غاباتٍ، ومَحا من صَحيفَتِه جبالًا من الخَطايا، وذَكَرَهُ مَلِكُ المُلوكِ في المَلَأِ الأعلى. الفَرقُ بَينَهُما لَيسَ في مالٍ ولا جُهدٍ، بل في حَرَكةٍ خَفيَّةٍ لا تَحتاجُ إلى طاقة. ما هي هذه الحَرَكة؟ ولماذا نَغفُلُ عنها رَغمَ حاجَتِنا إليها؟ إجابةٌ تَستَحِقُّ الإنصات، لأنَّها قَد تُغيِّرُ مَوازينَ أيَّامِكم القادِمَة. الحمدُ للهِ العَظيمِ في قَدرِه، الجَليلِ في ذاتِه، الذي لا يُحيطُ الخَلقُ بعَظَمَتِه، ولا يَبلُغُ الواصِفون مِدحَتَه، الرَّحمنِ الرَّحيمِ الذي جَعَلَ ذِكرَهُ حياةً للقُلوب، وطُمأنينةً للنُّفوس، ومَلاذًا للخائفين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له، ذو الجَلالِ والإكرام، القائلُ في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، إمامُ الذَّاكِرين، وسَيِّدُ المُخْبِتين، صَلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِه وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعد: أيُّها المؤمنون، هل سَألتُم أنفُسَكم يَومًا: كَيفَ يَتَذَكَّرُنا اللهُ وَنحنُ في الأرضِ ذرَّةٌ لا نُرى؟ في هذا الكَونِ العَظيمِ، بمَجَرَّاتِهِ وكَواكِبِه وأفلاكِه، نحنُ أصغَرُ من أن نُذكَر. ومع ذَلِكَ، يَقولُ مَلِكُ المُلوك، وجَبَّارُ السَّماواتِ والأرضِ في حديثٍ قُدسيٍّ تَهتَزُّ له القُلوب، رواه البخاري ومسلم: «فإن ذَكَرَني في نَفسِه ذَكَرتُه في نَفسي، وإن ذَكَرَني في مَلَأٍ ذَكَرتُه في مَلَأٍ خَيرٍ مِنهُم». يا لَعَظَمَةِ هذا الرَّبِّ الكَريم! أنتَ تَذكُرُهُ بلسانٍ ضَعيفٍ في غُرفَتِك، فيَذكُرُكَ باسمِكَ في السَّماء السَّابعة! عبادَ الله، إنَّ القَضيةَ ليست قَضيةَ كَلِماتٍ نُرَدِّدُها بالسنتنا فَحَسْب، بل هي قَضيةُ "عَظَمَة" تَستَقِرُّ في القُلوب. متى آخر مرة بكيت من خشية الله؟ ليس بكاء عابراً... بكاء حقيقياً نابعاً من استشعار عَظَمَتِه؟ إنَّ العَبدَ لا يُكثِرُ من ذِكرِ اللهِ حتى يَعرِفَ قَدرَ الله. ولذلك نَجِدُ القُرآنَ يَربِطُ دائمًا بَينَ ذِكرِ اللهِ والتَّفَكُّرِ في جَلالِه. يَقولُ اللهُ تَعالى يُوَبِّخُ الغافِلين: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]. تَأمَّلوا هذه الآيةَ المَهيبة... السَّماواتُ السَّبعُ التي تَحارُ فيها العُقول لِعِظَمِها واتِّساعِها، مَطويَّاتٌ بيَمينِ الرَّحمن! كَيفَ يَجرُؤُ قَلبٌ يَعرِفُ هذه العَظَمَةَ أن يَغفُلَ عن ذِكرِ خالِقِه؟ وكَيفَ يَجرُؤُ عَبدٌ ضَعيفٌ أن يَعصيَ مَن بِيَدِهِ ناصِيَتُه؟ لقد جاءَ حَبرٌ منَ اليَهودِ إلى النَّبيِّ ﷺ، كما في الحَديثِ المُتَّفَقِ عَلَيه، فقال: "يا مُحَمَّد، إنَّا نَجِدُ أنَّ اللهَ يَجعَلُ السَّماواتِ على إصبَع، والأرَضينَ على إصبَع، والشَّجَرَ على إصبَع، والماءَ والثَّرَى على إصبَع، وسائرَ الخَلائِقِ على إصبَع، فَيَقولُ: أنا المَلِك". فَضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ حتى بَدَت نَواجِذُهُ تَصديقًا لِقَولِ الحَبر، ثمَّ قَرَأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. إنَّ استِحضارَ هذه العَظَمَةِ هو المُحَرِّكُ الأوَّلُ لِلذِّكر. الإنسانُ إذا عَظَّمَ شَيئًا أكثَرَ مِن ذِكرِه، ولِذَلِكَ يَقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُعَرِّفًا حالَ المُؤمِنينَ الصَّادِقين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]. لَم يَقُل "تَحَرَّكَت ألسِنَتُهم" فَحَسْب، بَل قال: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. الوَجَلُ هو خَفقانُ القَلبِ مِنَ المَهابَة، كَما يَخفِقُ قَلبُ المَرءِ إذا وَقَفَ أمامَ مَلِكٍ عَظيم، فَكَيفَ بمَلِكِ المُلوكِ سُبحانَه؟ ولَعَلَّكُم تَسألون: ولِماذا نَحنُ مُقَصِّرونَ في ذِكرِ الله؟ ما الذي يُخرسُ ألسِنَتَنا ويُقَسِّي قُلوبَنا؟ الجوابُ الواضِحُ الصَّريح: لأنَّ مَكانَ الجَلالِ الإلهيِّ في قُلوبِنا قد زاحَمَتهُ الدُّنيا هُمومًا ومَشاغِلَ وتَفاهات! يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله في كِتابِهِ العَظيم "الوابِل الصَّيِّب": «إنَّ في القَلبِ قَسوةً لا يُذيبُها إلَّا ذِكرُ اللهِ تَعالى، فَيَنبَغي لِلعَبدِ أن يُداويَ قَسوةَ قَلبِهِ بذِكرِ الله».
يا عِبادَ الله، واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الذي إذا تأمَّلتُموهُ لَن تَبقى ألسِنَتُكم صامِتَةً بَعدَ اليَوم. خَرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَومًا على أصحابِهِ فَقال: «ألا أُنَبِّئُكُم بِخَيرِ أعمالِكُم، وأزكاها عِندَ مَليكِكُم، وأرفَعِها في دَرَجاتِكُم، وخَيرٍ لَكُم مِن إنفاقِ الذَّهَبِ والوَرِق، وخَيرٍ لَكُم مِن أن تَلقَوا عَدُوَّكُم فَتَضرِبوا أعناقَهُم ويَضرِبوا أعناقَكُم؟» قالوا: بَلى يا رَسولَ الله. قال: «ذِكرُ اللهِ تَعالى». رَواهُ التِّرمِذيُّ بإسنادٍ صَحيح. اللهُ أكبَر! أيُّ مَنزِلَةٍ لِهذه العِبادَةِ السَّهلَةِ اليَسيرَة، التي لا تَحتاجُ إلى وُضوءٍ دائِم، ولا إلى استِقبالِ قِبلَة، ولا إلى بَذلِ مال، ولا إجهادِ بَدَن، ومَعَ ذَلِكَ سَبَقَت في فَضلِها الصَّدَقاتِ بالجَواهِرِ والذَّهَب! أيعقَل أن يَبخَلَ أحدُكم على نفسه بكنوز الجنة وهي ملقاة على طرف لسانه؟! لقد كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَعرِفونَ هذا السِّرَّ جَيِّدًا، فَعاشوا أيَّامَهُم والذِّكرُ أنفاسُهُم. دَعونا نَنتَقِلُ الآن 1400 سَنَةٍ لِلخَلف، لِنَرى رِجالًا عَظَّموا اللهَ في قُلوبِهم، فأكثَروا ذِكرَهُ بألسِنَتِهم. هذا أبو هُرَيرَة رَضيَ اللهُ عَنه، حافِظُ الإسلامِ الأوَّل. أتعرِفونَ كَم مَرَّةً كانَ يُسَبِّحُ اللهَ في اليَوم؟ كانَت لَهُ خَيطٌ فيه ألفا عُقدَة، لا يَنامُ حتى يُسَبِّحَ بِها! وفي رِوايَةٍ صَحيحَة، كانَ يُسَبِّحُ اللهَ كُلَّ يَومٍ اثنَي عَشَرَ ألفَ تَسبيحَة! يَقُول: "أُسَبِّحُ بِقَدرِ دِيَتي". أي أنَّهُ يُريدُ أن يَشتَريَ نَفسَهُ مِنَ النَّارِ كُلَّ يَوم. وتَأمَّلوا مَعي لَحظَةَ الذُّروَةِ في حَياةِ المُؤمِن... لَحظَةَ المَوت. لَمَّا حَضَرَت مُعاذَ بنَ جَبَلٍ رَضيَ اللهُ عَنه الوَفاةُ بَكى. فَقيلَ لَه: أتَبكي وأنتَ صاحِبُ رَسولِ اللهِ ﷺ؟ فَقال كَلِمَةً تَكتُبُ بماءِ الذَّهَب: "ما أبكي جَزَعًا مِنَ المَوت، ولا حِرصًا على دُنياكُم، ولَكِنْ أبكي عَلى ظَمَإِ الهَواجِر (أي الصِّيام في شِدَّة الحَر)، وقِيامِ لَيلِ الشِّتاء، ومُزاحَمَةِ العُلَماءِ بالرُّكَبِ في حِلَقِ الذِّكْرِ". يا سُبحانَ الله! المُحتَضَرُ في سَكَراتِه، يَبكي لأنَّهُ سيُحرَمُ مِن لَذَّةِ ذِكرِ الله! أينَ نَحنُ مِن هذه الحَلاوة؟ أينَ نحن من حلاوة ذكر الله ونحن نقضي الساعات الطوال نُقلّب شاشات الهواتف، ولا تلهج ألسنتنا بتسبيحة واحدة؟ يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "تَفَقَّدوا الحَلاوةَ في ثَلاثَة: في الصَّلاة، وفي القُرآن، وفي الذِّكر. فَإن وَجَدتُموها فامضوا وأبشِروا، وإن لَم تَجِدوها فاعلَموا أنَّ البابَ مُغلَق". وهنا قد يظن بعضنا أنَّ الذكر مجرد إضافة في الدين، نافلة إن فعلناها أُجرنا وإن تركناها لا نأثم. والحقيقة عكس ذلك تماماً! اسمعوا لهذا التفريق المخيف الذي قاله الصادق المصدوق ﷺ: «مَثَلُ الَّذي يَذكُرُ رَبَّه والَّذي لا يَذكُرُه، كَمَثَلِ الحَيِّ والمَيِّت». رَواهُ البُخاري. الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت! الميت لا يحس ولو قُطّع لحمه، وكذلك الغافل لا يحس بقسوة قلبه وظلمة دربه لأنه "ميت" روحياً. تَمشي في الطَّريق، وتَأكُل، وتَشرَب، وتَذهَبُ إلى عَمَلِك، وتَظُنُّ أنَّكَ "حَيّ"، ولَكِنَّ ميزانَ النُّبُوَّةِ يَقولُ: إن سَكَتَ لِسانُكَ عَن ذِكرِ اللهِ وماتَ قَلبُكَ عَنِ استِحضارِ عَظَمَتِه، فأنتَ في عِدادِ الأمواتِ وأنتَ تَتَنَفَّس! وهل سألتم أنفسكم يوماً: من منا لا يشتكي من القلق في هذا الزمان؟ من منا لا يحمل هماً لغدٍ، أو حزناً على أمس، أو ضيقاً في الرزق؟ في زَمَنِنا هذا، الذي التَهَمَت فيه المادِّيَّاتُ أرواحَنا، التفت الناس يميناً ويساراً يبحثون عن الطمأنينة. ذهبوا للعيادات، واشتروا الأدوية، ودفعوا الأموال الطائلة ليحصلوا على "ساعة هدوء". ونَسُوا أنَّ الدَّواءَ المَجَّانيَّ الفَعَّالَ قَد أنزَلَهُ اللهُ في كِتابِهِ بآيةٍ قاطِعَةٍ مُحكَمَة، يَقولُ سُبحانَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. تأمَّلوا كَلِمَةَ ﴿أَلَا﴾ التي تُفيدُ التَّوكيدَ والحَصر. كَأنَّ اللهَ يَقولُ لك: لن تَطمَئِنَّ بهذا المالِ الذي تَجمَعُه، ولَن تَطمَئِنَّ بهذا المَنصِبِ الذي تَسعَى إليه، ولَن تَطمَئِنَّ بِكَثرَةِ الأصحابِ والمَعارِف... الطُّمأنينَةُ لها مِفتاحٌ واحِدٌ فَقَط: أن يَكونَ قَلبُكَ مُتَّصِلًا بخالِقِه ذِكرًا ومَوَدَّةً وإجلالًا. يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "الذِّكرُ لِلقَلبِ مِثلُ الماءِ لِلسَّمَك، فَكَيفَ يَكونُ حالُ السَّمَكِ إذا فارَقَ الماء؟". وكَذَلِكَ قَلبُكَ يَتَلَوَّى اختِناقًا في هُمومِ الدُّنيا حينَ تُخرِجُهُ مِن ماءِ الذِّكر.
انظروا إلى حالنا اليوم وقارنوا. يقف الشاب أو الرجل بسيارته في الزحام ساعة كاملة، يغضب، ويتذمر، ويشتكي من ضياع الوقت. وتمر الساعة وقد أكلت من أعصابه وحسناته. وتخيلوا لو أن هذا الرجل أمسك بمسبحته، أو حرك شفتيه وقال: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" في هذه الساعة. كم مرة سيقولها؟ ألف مرة؟ ألفا مرة؟ قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: «كَلِمَتانِ خَفيفتانِ على اللِّسان، ثَقيلَتانِ في الميزان، حَبيبَتانِ إلى الرَّحمن: سُبحانَ اللهِ وبِحَمدِه، سُبحانَ اللهِ العَظيم». ساعة واحدة من الزحام المزعج، كانت كفيلة أن تزرع له ألف نخلة في الجنة، وأن تمحو خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر! لكنه الغبن العظيم والغفلة المطبقة. فيا مَن تُثقِلُكُم الذُّنوب، ويا مَن تُرهِقُكُم الدُّنيا... ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]. تأملوا أيها الإخوة هذه الآية القصيرة في مبناها، العظيمة في معناها. لم يقل الله: فاذكروني أُعطِكم، بل قال: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾. ومجرد أن يذكرك الله في الملأ الأعلى، فهذا عطاء لا تساويه الدنيا بما فيها. أن يُنادى باسمك أنت، العبد الفقير الضعيف، في سماوات الله العلى... أي شرف هذا؟! أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمين مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مع عَظَمَة الخالِق الجَليلِ التي يجب أن تَملأ القلوب، وكَيف تَطمَئِنُّ النُّفوس بِذِكرِه، وتَأمَّلنا حالَ سَلَفِنا الصَّالِحين الذين جَعَلوا الذِّكرَ زادَهُم وغِذاءَهُم حتى في أصعب سكرات الموت. والآن، إخواني، بقي السُّؤال الأهمُّ الذي سيُحَدِّدُ إن كانت هذه الخطبةُ ستَمُرُّ مرورَ الرِّيح أم ستُثمر في قُلوبكم: كيف نترجم هذا السَّماع إلى حقيقة واقعة في حياتنا المُزدحمة؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِبري، فخُذوها بقُوَّة: الأولى (قَلبيَّة): استَحضِر عَظَمَةَ اللهِ قَبلَ أن يُحَرِّكَ لِسانَك. لا تَجعَل "سُبحانَ الله" مُجَرَّدَ عادَةٍ تَلوكُها شَفَتاك. بل إذا قُلتَ "سُبحانَ الله"، فاستَشعِر أنَّكَ تُنَزِّهُ جَبَّارَ السَّماواتِ والأرضِ عن كلِّ نَقص، وإذا قُلتَ "اللهُ أكبر"، فاستَحضِر في قلبِكَ أنَّ اللهَ أكبرُ من هَمِّك، ومرضك، وديونك، والدنيا بأسرها. الثانية (لِسانيَّة): اجعَل لِنَفسِكَ "وِردًا يوميًّا" صارمًا لا تَتَنازَلُ عنه مهما كانت انشغالاتك. مِئةُ مَرَّةٍ "أستَغفِرُ الله"، ومِئةُ مَرَّةٍ صَلاةٌ على النَّبيِّ ﷺ. إنَّها لا تَستَغرِقُ من وقتك خمسَ دقائق، لكنَّها قد تَكونُ هي السَّبب في محو ذنوب عشرين سنة. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): استَثمِر "الأوقاتَ المَيِّتَة". في الطَّريقِ إلى عَمَلِك، في غُرفةِ الانتِظار، أثناءَ قيادة السَّيَّارة... لا تَترُك شَيطانَ الفَراغِ يَلعَبُ برأسك، بل اجعَل هذه اللحظاتِ مَحَطَّاتٍ لِغَرسِ نَخيلِ الجنَّة. قال النبي ﷺ: «لا يَزالُ لِسانُكَ رَطبًا من ذِكرِ الله». الرابعة (اجتماعيَّة): ذَكِّر أهلَ بيتِكَ بالذِّكر. لا تَجعَل بيتكَ مَقبَرَةً صامتة أو مَليئًا بصَخَبِ المسلسلات والأغاني. قال النبيُّ ﷺ: «مَثَلُ البَيتِ الَّذي يُذكَرُ اللهُ فيه، والبَيتِ الَّذي لا يُذكَرُ اللهُ فيه، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّت». أَحيِ بيتكَ بتِلاوة القرآن والذِّكر الجَماعيِّ الخَفيف مع أولادك. الخامسة (موضوعيَّة): حافِظ على أذكارِ الصَّباحِ والمساء كحِفاظِكَ على رُوحك بين جَنبَيك. خصِّص خمسَ دقائق بعد الفجر، وخمسَ دقائق بعد العصر. إنَّها الحِصنُ الحَصين، والدِّرعُ المَتين، من العَينِ والحَسَدِ وسُوءِ الطَّوارِق، وبها تَدخُل في قَولِه تَعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ قَصير، وأنَّ الأنفاسَ مَعدودَة، وأنَّ كلَّ نَفَسٍ لا يُذكَرُ اللهُ فيه، هو حَسرَةٌ وندامةٌ على صاحِبِه يَومَ القِيامة. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عَلَيه، فَقالَ سُبحانَهُ في مُحكَمِ كِتابِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ الذَّاكِرينَ اللهَ كَثيرًا والذَّاكِرات، اللَّهُمَّ أعِنَّا على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادَتِك. اللَّهُمَّ اجعَل قُلوبَنا مُعَظِّمَةً لجَلالِك، وَجِلَةً من خَشيَتِك، مُطمَئِنَّةً بذِكرِك، لا تَرجو سِواك، ولا تَخافُ إلَّا إيَّاك. اللَّهُمَّ أيقِظنا من غَفلاتِنا، وطَهِّر قُلوبَنا من قَسوَتِها، واجعَل ألسِنَتَنا رَطبَةً بِمُناجاتِك، وارزُقنا حَلاوَةَ الإيمانِ ولَذَّةَ الوُقوفِ بينَ يَدَيك. اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُسلِمينَ والمُسلِمات، والمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، الأحياءِ مِنهُم والأموات، إنَّكَ سَميعٌ قَريبٌ مُجيبُ الدَّعَوات. اللَّهُمَّ فرِّج هُمومَ المَهمومين، ونَفِّس كُروبَ المَكروبين، وانصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومين في كُلِّ مَكان يا رَبَّ العالَمين. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.