🕌 توثيق الديون بين الأقارب: كتابة تمنع قطيعة
#خطبة_جمعة #توثيق_الديون #فقه_المعاملات #صلة_الرحم #حفظ_الحقوق #أخلاق
الحمدُ للهِ الذي شَرَعَ الشَّرائعَ لِحِفظِ الحُقوقِ، وأحكَمَ الأحكامَ لِصِيانةِ القُلوبِ والصُّفوف. الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ أطوَلَ آيةٍ في كِتابهِ ميزاناً للعَدل، وحِصناً للأموال، ووِقايةً من قَطيعةِ الأرحامِ ونَزَغاتِ الشَّيطان. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعلَمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور، ويُحاسِبُ العِبادَ على القِنطارِ والنَّقيرِ والقِطمير. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، أطهَرُ النَّاسِ ذِمَّةً، وأوفاهُم عَهداً، وأصدَقُهُم وَعداً، حَذَّرَ أمَّتَهُ من الدَّينِ وتَبِعاتِه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بَعدُ:
يا عِبادَ الله، لو سَألتُكم في هذا المَقامِ المُبارَك: ما هي أطوَلُ آيةٍ في القُرآنِ الكَريمِ كُلِّه؟ هل هي آيةٌ تَتَحَدَّثُ عن التَّوحيد؟ أم آيةٌ تَصِفُ الجَنَّةَ والنَّار؟ أم آيةٌ تُشَرِّعُ الصَّلاةَ أو الجِهاد؟ الجَوابُ الذي يَستَوقِفُ العُقولَ ويَأخُذُ بالألباب: إنَّها آيةٌ نَزَلَت في حِفظِ الأموال، وفي وُجوبِ كِتابةِ الدُّيونِ وتَوثيقِها! فما السِّرُّ العَظيمُ الذي جَعَلَ أطوَلَ كَلامِ اللهِ يَنزِلُ في أمرٍ نَستَحي نَحنُ اليومَ أن نُطَبِّقَهُ مَعَ أقارِبِنا وإخوانِنا؟ ولِماذا صارَ هذا "الحَياءُ الكاذِب" سَبَباً في تَمزيقِ عائلاتٍ بأكمَلِها في زَمانِنا؟ سِرٌّ ومُفارَقَةٌ سَنَقِفُ على تَفاصيلِها، ونُفَكِّكُ أبعادَها بَعدَ قَليل.
أيُّها الإخوَةُ الكِرام، كَثيراً ما نَقرَأُ القُرآنَ فَنَمُرُّ على آياتِهِ مَرَّ الكِرام، دونَ أن نَربِطَها بِواقِعِنا ومَشاكِلِنا اليَوميَّة. وفي سُورةِ البَقَرَة، خَتَمَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ أحكامَ الأموالِ والرِّبا والمُعاملاتِ بِآيَةٍ مَهيبَة، آيَةٍ استَغرَقَت صَفحَةً كامِلَةً من المُصحَف، بَدَأها سُبحانَهُ بِنِداءٍ لأهلِ الإيمان، يَقولُ رَبُّنا تبارَكَ وتَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [سورة البقرة: 282].
تَأمَّلوا مَعي يا عِبادَ الله... "فَاكْتُبُوهُ". أمرٌ رَبَّانيٌّ واضِح، لا لَبسَ فيهِ ولا غُموض. ولَم يَكتَفِ القُرآنُ بِهذا الأمرِ المُجمَل، بَل فَصَّلَ تَفصيلاً دَقيقاً؛ مَن يَكتُب؟ ومَن يُملي؟ ومَن يَشهَد؟ وكَيفَ يَكونُ الإشهاد؟ حَتَّى قالَ سُبحانَهُ في ذاتِ الآيَة، رافِعاً أيَّ حَرَجٍ قَد يَقعُ في النُّفوس: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [سورة البقرة: 282].
قالَ الإمامُ القُرطُبيُّ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِهِ لِهذِهِ الآيَة: "أَمَرَ اللهُ تَعالى بِالكِتابَةِ والإشهادِ في الدَّين، لِئَلَّا يَقَعَ النِّسيانُ فَيَقَعَ الجُحود، ولتَنحَسِمَ أسبابُ النِّزاعِ والخُصومَة".
ولَكِن، أينَ نَحنُ من هذا الأمرِ الرَّبَّانيِّ في حَياتِنا اليَوميَّة؟
هُنا نَأتي إلى المُفارَقَةِ المُؤلِمَة. يَأتي الرَّجُلُ إلى أخيه، أو ابنِ عَمِّه، أو صَديقِ عُمرِه، يَطلُبُ مِنهُ سُلفَةً من المال، لِبِناءِ بَيتٍ، أو لِبَدءِ تِجارَة، أو لِقَضاءِ حاجَة. فَيُخرِجُ الأخُ مالَهُ عن طِيبِ نَفس، ويُعطيهِ إيَّاه. وحينَ يَطوفُ بِخاطِرِ المُقرِضِ أمرُ اللهِ بِأن يَكتُبَ هذا الدَّين، يَقفِزُ الشَّيطانُ إلى قَلبِه، ويَقولُ لَهُ المُجتَمَع: "أَتَكتُبُ على أخيك؟ أتُشهدُ على ابنِ عَمِّك؟ أينَ الثِّقَة؟ أينَ الرَّوابِطُ والدَّم؟". فَيَغلِبُهُ ما يُسَمَّى بِـ"الحَياء"، ويَدفَعُ المالَ بِلا وَرَقَة، بِلا شَهادَة، وبِلا تَوثيق.
يا عِبادَ الله، هَل سَألتُم أنفُسَكُم يَوماً: هَل نَحنُ أعلَمُ بِطَبيعَةِ النُّفوسِ البَشَريَّةِ من خالِقِها؟ هَل نَحنُ أحرَصُ على صِلَةِ الأرحامِ من اللهِ الذي خَلَقَ الرَّحِمَ وشَقَّ لَها اسماً من اسمِه؟
كَيفَ يُعقَلُ أن نَترُكَ أمراً قَرَّرَهُ القُرآنُ صَراحَةً في أطوَلِ آياتِه، بِحُجَّةِ أنَّنا نَستَحي؟ وأيُّ حَياءٍ هذا الذي يَجعَلُكَ تَعصي أمراً تَنظيميّاً رَبَّانيّاً؟
إنَّ هذا "الحَياءَ الكاذِب" هو البَذرَةُ الأُولى لِأقسى قَطيعَةِ رَحِمٍ قَد تَشهَدُها. وتَأمَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ الواقِعيَّ الذي يَتَكَرَّرُ في مَحاكِمِنا وبُيوتِنا كُلَّ يَوم: تَمُرُّ الأيَّام، ويَطولُ الأجَل. يَنسى المُقتَرِضُ، أو يَتَناسَى، أو تَقسو ظُروفُه. يَحتاجُ الدَّائِنُ مالَه، فَيَستَحي أن يَطلُبَهُ في البِدايَة، ثُمَّ تَضيقُ بِهِ السُّبُلُ فَيَطلُبُه. هُنا تَتَغَيَّرُ النُّفوس. يَشعُرُ المَدينُ بِالإهانَة، ويَبدَأُ المُماطَلَة. يَقولُ: "غَداً، الشَّهرَ القادِم، حينَ تَتَحَسَّنُ الأُمور".
وبِعَدَمِ وُجودِ وثيقَةٍ تُحَدِّدُ الأجَل، والمَبلَغ، وتَضمَنُ الحَقّ، يَدخُلُ الشَّيطانُ من أوسَعِ الأبواب. تَتَكَهَّرُ المَجالِس، ويَتَجَنَّبُ الأخُ لِقاءَ أخيه. يَأتي العيد، فَيَمضي كُلٌّ مِنهُما في طَريقٍ كَي لا تَلتَقي الأعيُن. وتَبكي الأُمُّ العَجوزُ في بَيتِها، تَرى أبناءَها الذينَ رَبَّتهُم على المَحَبَّةِ قَد تَشَتَّتت شَملُهُم، وتَمَزَّقَت أواصِرُهُم. ولِماذا؟ مِن أجلِ مَبلَغٍ من المال، ومِن أجلِ أنَّهُما خالَفا أمرَ اللهِ تَعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾!
يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "أداءُ الحُقوقِ إلى أصحابِها من أعظَمِ الواجِبات، والظُّلمُ فيها من أعظَمِ المُحَرَّمات". وكَيفَ تُؤدَّى الحُقوقُ إن لَم تُحفَظ وتُكتَب؟
عِبادَ الله، دَعونا نَنتَقِلِ الآنَ إلى أمرٍ أخطَرَ وأشَد. لَعَلَّ بَعضَ مَن يَسمَعُني الآنَ في ذِمَّتِهِ دَينٌ لِقَريبٍ أو بَعيد، ويُحَدِّثُ نَفسَهُ قائلًا: "الأمرُ سَهل، سَأسُدِّدُهُ حينَ يَتَيَسَّرُ لي، والمَبلَغُ صَغير، وصاحِبي لا يَحتاجُه".
لِتَعلَموا يَقينًا أنَّ الدَّينَ عِندَ اللهِ لَيسَ بالأمرِ الهَيِّن. إنَّهُ قَيدٌ يُكَبِّلُ الأرواح، وسِجنٌ يَمَعُ صاحِبَهُ من نَعيمِ الآخِرَة، مَهما بَلَغَ من الصَّلاحِ والعِبادَة!
تَخَيَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ المَهيبَ في المَدينَةِ النَّبَويَّة...
تُقامُ صَلاةُ الجِنازَة، ويُؤتى بِرَجُلٍ قَد فارَقَ الحَياة، لِيُصَلِّيَ عَليهِ النَّبيُّ ﷺ، الذي صَلاتُهُ رَحمَةٌ وشَفاعَةٌ وطيِّبُ ريح. يَتَقَدَّمُ النَّبيُّ ﷺ، ويَقِفُ أمامَ الجُثمان... ولَكِنَّهُ قَبلَ أن يُكَبِّر، يَلتَفِتُ إلى الصَّحابَةِ ويَسألُ سُؤالاً واحِداً حاسِماً: «هل على صاحبكم من دَين؟».
قالوا: نعم يا رسول الله، ديناران!
تأمَّلوا... دينارانِ فَقَط! لَيسَت مَلايينَ ولا آلافاً. ماذا فَعَلَ أرحَمُ الخَلقِ بِالخَلق؟ هَل التَمَسَ لَهُ العُذر؟ هَل صَلَّى عَليهِ وقالَ "رَبُّهُ يَغفِرُ لَه"؟
كَلَّا! بَل تَراجَعَ ﷺ إلى الخَلف، وقالَ بِكَلِماتٍ تَقشَعِرُّ لَها الأبدان: «صلوا على صاحبكم»!
تَرَكَ النَّبيُّ ﷺ الصَّلاةَ عَليه! الرَّحمَةُ المُهداةُ يَرفُضُ أن يَشفَعَ لِمُؤمِنٍ بِسَبَبِ دينارَين!
فَوَقَفَ المَوقِفَ رَجُلٌ شَهمٌ هو أبو قَتادَةَ رَضيَ اللهُ عَنه، وقال: هما عليَّ يا رسول الله! (أي أنا أتكَفَّلُ بِسَدادِهِما). حِينَها فَقَط، تَقَدَّمَ النَّبيُّ ﷺ وصَلَّى عَليه.
وفي اليَومِ التَّالي، لَقِيَ النَّبيُّ ﷺ أبا قَتادَةَ فَسَألَه: «ما فعل الديناران؟»، قال: إنما مات أمس! (أي لم يتسع الوقت بعد). وفي اليوم الذي يليه سأله، فقال: قضيتهما يا رسول الله. فَقالَ النَّبيُّ ﷺ الكَلِمَةَ الفَصْل: «الآنَ بَرَدَت عَلَيهِ جِلدُتُه»! أخرَجَهُ الإمامُ أحمَد.
يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! ويا لَخُطورَةِ حُقوقِ العِباد! "الآن بَرَدَت عليه جِلدتُه"، مِمَّا يَعني أنَّ المَيِّتَ كانَ في ضيقٍ وحَرارَةٍ ومُحاسَبَةٍ في قَبرِه، لَيسَ لِأنَّهُ تَرَكَ صَلاةً أو صِياماً، بَل لِأنَّ في ذِمَّتِهِ دينارَينِ لَم يُؤَدِّهِما!
يَقولُ الإمامُ النَّوَويُّ رَحِمَهُ الله مُعَلِّقاً: "وفي هذا الحَديثِ دَليلٌ صَريحٌ على عِظَمِ أمرِ الدَّين، وتَغليظِ شَأنِ حُقوقِ الآدَميِّين، لِيَرتَدِعَ النَّاسُ عن التَّساهُلِ فيها".
وهَل تَظُنُّونَ أنَّ الشَّهادَةَ في سَبيلِ اللهِ، التي تَمحو الخَطايا كُلَّها، تَمحو الدَّين؟
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ» رواه مسلم.
يُقَدِّمُ الشَّهيدُ رُوحَهُ ودَمَهُ رَخيصَةً في سَبيلِ الله، فَيُكَفِّرُ اللهُ عَنهُ كُلَّ صَغيرَةٍ وكَبيرَة، إلا حُقوقَ النَّاس. لِأنَّ حُقوقَ اللهِ مَبنيَّةٌ على المُسامَحَة، وحُقوقَ العِبادِ مَبنيَّةٌ على المُشاحَّة.
أَفيُعقَلُ بَعدَ هذا أن يَستَخِفَّ أحَدُنا بِأخذِ أموالِ أُخوَتِه، ثُمَّ يُماطِلُ في أداءِ حُقوقِهِم، ويَدَّعي بَعدَ ذلِكَ الصَّلاحَ والتَّقوى؟
ولْيَسأل كُلُّ واحِدٍ مِنَّا نَفسَه: لِماذا كَثُرَ في أوساطِنا جُحودُ الدُّيونِ والمُماطَلَةُ فيها؟
السَّبَبُ الأوَّلُ هو فُقدانُ "النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ" عِندَ الأخذ. يَستَدينُ الرَّجُلُ من قَريبِه، وفي نِيَّتِهِ الداخِليَّةِ أنَّ هذا القَريبَ "غَنِيٌّ لا يَحتاجُ المال"، أو "أنَّهُ أخي ولَن يُطالِبَني بِهِ بِقَسوة"، فَيَأخُذُ المالَ لا لِيَرُدَّه، بَل لِيَستَهلِكَه!
وهُنا يَأتيهِ العِقابُ الرَّبَّانيُّ العاجِل. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَن أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» رواه البخاري.
"أتلفه الله"... كَلِمَةٌ مُرعِبَة. يُتلِفُ اللهُ مالَه، ويُتلِفُ بَرَكَةَ رِزقِه، ويُتلِفُ صِحَّتَه، ويُتلِفُ راحَةَ بالِه. تَجِدُ المُماطِلَ الذي يَأكُلُ أموالَ النَّاسِ لا يَهتَدي إلى طَريقِ السَّعادَةِ أبَداً، رُغمَ ما يَبدو عَليهِ من مَظاهِرِ النَّعيم.
يا عِبادَ الله، إن كُنتَ حَقّاً تُحِبُّ أخاك، وإن كُنتَ تَخافُ الله، فَلا تُدخِل مالَهُ في جَيبِكَ إلا بِنِيَّةٍ صادِقَةٍ على الرَّد، وإلَّا بِوَثيقَةٍ مَكتوبَةٍ تَحفَظُ حَقَّهُ إن فاجَأكَ المَوت.
يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رواه الترمذي.
مُعَلَّقَة... مَحبوسَةٌ عن دُخولِ الجَنَّة، لا هي معَ الهالِكين، ولا هي معَ النَّاجين المُتَنَعِّمين. مُوقَفَةٌ تَنتَظِرُ أداءَ الحق.
ولَنا في سَلَفِنا الصَّالِحِ أعظَمُ القُدوَةِ في التَّحَرُّزِ من الدَّينِ والخَوفِ مِنه.
هذا الزُّبَيرُ بنُ العَوَّام، حَواريُّ رَسولِ اللهِ ﷺ، شَهِدَ بَدراً، والمُبَشَّرُ بالجَنَّة. كانَ النَّاسُ يَأتُونَهُ بِأموالِهِم كَأمانَة، فَيَرفُضُ أن يَجعَلَها أمانَة، ويَقول: "لا، بَل هو سَلَفٌ (أي دَينٌ في ذِمَّتي)، فَإنِّي أخشى عَلَيهِ الضَّيعَة". فَكَتَبَ على نَفسِهِ ديوناً عَظيمَةً لِحِفظِ أموالِ النَّاس.
ولَمَّا حَضَرَتهُ الوَفاة، نادي ابنَهُ عَبدَ الله، وقالَ لَه: "يا بُنَيّ، إنَّهُ لا يَبقى من مالِنا شَيءٌ بَعدَ قَضاءِ الدَّين. فَيا بُنَيّ، بِع مالَنا واقضِ دَيني. وإن عَجَزتَ عَن شَيءٍ مِنهُ فاستَعِن عَليهِ بِمَولاي".
قال عبد الله: من مولاك؟
قال الزبير: "الله! فواللهِ ما وَقَعتُ في كُربَةٍ من دَينِهِ إلا قُلتُ: يا مَولى الزُّبَير، اقضِ عَنهُ دَينَه، فَيَقضيه".
فقامَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَير، بَعدَ وَفاةِ أبيه، أربَعَ سَنواتٍ كامِلَة، يَقِفُ في مَوسِمِ الحَجِّ يُنادي: "مَن كانَ لَهُ على الزُّبَيرِ دَينٌ فَليَأتِنا فَلنَقضِه"، حَتَّى سَدَّدَها كُلَّها ولَم يَترُك قِرشاً واحِداً!
تأمَّلوا هذا الوَرَع... وتأمَّلوا واقِعَ بَعضِنا اليَوم!
يَكونُ الرَّجُلُ غَنِيّاً مَيسوراً، ويَطلُبُهُ قَريبُهُ حَقَّه، فَيَتَذَمَّرُ ويَتَضَجَّر، ويُغَيِّرُ رَقمَ هاتِفِه، ويَمتَنِعُ عَن حُضورِ الوَلائِمِ العائليَّةِ كَي لا يَراه. يَشتَري السَّيَّارات، ويُسافِرُ لِلسِّياحَة، ويَبني القُصور، ودَينُ أخيهِ الفَقيرِ مُعَلَّقٌ في عُنُقِه!
ألا يَعلَمُ هذا أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَكَمَ عَليهِ بِالظُّلمِ الصَّريح؟ قال ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» رواه البخاري. أي أن يُؤَخِّرَ الغَنِيُّ (القادِرُ على السَّداد) قَضاءَ الدَّينِ، فَهوَ ظالِمٌ غاصِب، ولَيسَ مُجرَّدَ مُتَأخِّر.
وبِسَبَبِ هذا الظُّلم، تُقطَعُ الأرحام. والأخُ الذي أقرَضَكَ مالَهُ حينَ احتَجتَه، هو أفضَلُ النَّاسِ إلَيك، بَدَلَ أن تُكافِئَهُ بِالشُّكرِ وحُسنِ القَضاء، تُعاقِبُهُ بِالمُماطَلَةِ والجُحود! فَيَصِلُ الأمُر إلى المَحاكِم، ويَقِفُ الأخوانِ أمامَ القاضي خُصوماً. ولَو أنَّهُما امتَثَلا لأمرِ الله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾، لما ضاعَ حَقٌّ، ولَما فَسَدَت قُلوب.
يَقولُ اللهُ مُحَذِّراً من الإفسادِ في الأرحام: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [سورة محمد: 22-23].
يا مَن في ذِمَّتِهِ حَقٌّ لأخيه، القَبرُ مُظلِمٌ وضيِّق، ولا مَكانَ فيهِ لِأموالِ النَّاس. لا تَدخُل حُفرَتَكَ وفي عُنُقِكَ طَوقٌ من دَين. سارِع إلى قَضائِه، أو استَحِلَّ صاحِبَهُ قَبلَ يَومٍ لا دِينارَ فيهِ ولا دِرهَم، إنَّما هي الحَسَناتُ والسَّيِّئات.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ كَما يَنبَغي لِجَلالِ وَجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، حَمداً نَستَجلِبُ بِهِ رِضاه، ونَستَدفعُ بِهِ بَلاءه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن خُطورَةِ الدَّين، وكَيفَ أنَّ أطوَلَ آيةٍ في القُرآنِ الكَريم نَزَلَت لِتَوثيقِه وإثباتِه. ووَقَفنا مَعَ ثِقَلِ الدَّينِ على المَيِّتِ ومَنعِهِ للشَّهيدِ من المَغفِرَة، وكَيفَ أنَّ الحَياءَ الكاذِبَ في عَدَمِ الكِتابَةِ يُمَزِّقُ الأرحامَ ويورِثُ العَداوات. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا إلى واقِعٍ نَحمي بِهِ أموالَنا وأُسَرَنا؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ من مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ في السَّداد. إنِ اضطُرِرتَ لِلاستِدانَة، فليَكُن في قَلبِكَ عَزمٌ أكيدٌ على الرَّد، وادعُ اللهَ أن يَقضِيَ عَنك — فإنَّ اللهَ تَكَفَّلَ بِمُعاوَنَةِ مَن نَوى الأداء. ولْتَكُن دَعوَتُكَ دائِماً: "اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ".
الثانية (لِسانيَّة): الشَّفافيَةُ والمُصارَحَةُ مَعَ مَن أقرَضَك. إن حَلَّ أجَلُ الدَّينِ ولَم تَملِكِ السَّداد، لا تَهرُب، ولا تُغَيِّر رَقمَ هاتِفِك! اذهَب إلَيهِ، واعتَذِر مِنه، واشرَح ظَرفَك بِلُطف. الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ والمُصارَحَةُ تَمتَصُّ الغَضَب، وتَحفَظُ حِبالَ المَوَدَّة، والغُموضُ يَصنَعُ الشُّكوك.
الثالثة (عَمَليَّة): بادِر اليَومَ — لا غَداً — إلى حِصرِ ما لَكَ وما عَلَيك، واكتُبهُ في وَرَقَةٍ تُرفِقُها بِوَصِيَّتِك. مَهما كانَ الدَّائِنُ قَريباً كَأخيكَ أو أُختِك، اكتُبه. قد تَموتُ اللَّيلَة، ويُنكِرُ الوَرَثَة، فَتَكونُ أنتَ السَّبَبَ في أكِلِ الحَرامِ وقَطيعَةِ الرَّحِم بَعدَ مَوتِك. الكِتابَةُ أمَانٌ لكَ في قَبرِك.
الرابعة (اجتماعيَّة): العَفوُ وإنذارُ المُعسِر. إن كُنتَ أنتَ صاحِبَ المال، ورَأيتَ من قَريبِكَ المَدينِ عُسراً حَقيقيّاً وضيقَ ذاتِ يَد، فَتَذَكَّر قَولَ الله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 280]. أنظِرهُ وصابِرهُ؛ فَفي كُلِّ يَومٍ تُؤَجِّلُهُ لَه، لَكَ صَدَقَةٌ بِمِثلِ مالِك كُلِّه، كَما أخبَرَ الصَّادِقُ المُصَدَّق ﷺ.
الخامسة (موضوعيَّة): رُدَّ الحُقوقَ بِأفضَلَ مِمَّا أخَذتَها. إذا أيسَرتَ، فَسارِع للرَّد، واذهَب إلى صاحِبِ الحَقِّ إلى بَيتِه، واشكُره، وادعُ لَه، كَما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَفعَلُ إذا قَضى دَيناً، فَيَقول: "بارَكَ اللهُ لَكَ في أهلِكَ ومالِك، إنَّما جَزاءُ السَّلَفِ الوَفاءُ والحَمد".
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، في أموالِكُم، وفي أرحامِكُم، ولا تَجعَلوا الدِّرهَمَ والدِّينارَ سَيفاً يُقَطِّعُ أواصِرَكُم ويُهلِكُ آخِرَتَكُم.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، القائِل: «إنَّ من أخيَرِكم أحسَنَكم قَضاءً». اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ اقضِ عَنَّا الدَّين، وأغنِنا من الفَقر، واكفِنا بِحَلالِكَ عن حَرامِك، وبِفَضلِكَ عَمَّن سِواك.
اللَّهُمَّ لا تَجعَل في ذِمَّتِنا حَقّاً لِأحَدٍ من خَلقِكَ إلا قَضَيتَهُ عَنَّا في الدُّنيا قَبلَ الآخِرَة.
اللَّهُمَّ طَهِّر أموالَنا من الشُّبُهاتِ والحَرام، وطَهِّر قُلوبَنا من الغِلِّ والحِقدِ والحَسَد.
اللَّهُمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِنا، وأصلِح ذاتَ بَينِنا، واجمَع شَملَ أُسَرِنا، ولا تَجعَل لِلدُّنيا في قُلوبِنا مَكاناً يُقَطِّعُ أرحامَنا ويُفسِدُ وُدَّنا.
اللَّهُمَّ ارحَم أمواتَنا وأمواتَ المُسلمين، وتَجاوَز عن سَيِّئاتِهِم، ونَقِّهِم من الخَطايا كَما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبيَضُ من الدَّنَس.
اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، كُن لَهُم عوناً ونَصيراً، ومُؤيِّداً وظَهيراً، يا ذَا الجَلالِ والإكرام.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبتوثيق الديون بين الأقارب: كتابة تمنع قطيعة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.