من مكتبة مِداد الخطيب

المأمورات المتعلقة بالقلوب: أسرار الملوك في أقفاص الصدور

مشاركة
🕌 المأمورات المتعلقة بالقلوب: أسرار الملوك في أقفاص الصدور #خطبة_جمعة #أعمال_القلوب #الإخلاص #التوكل #الخشية #رقائق #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ القُلوبَ أوعيةً للإيمانِ ومَحَطّاً لنَظَرِهِ مِن بَينِ سائرِ الجوارحِ والأركان، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، لا يَخفى عليهِ ما تُكِنُّهُ الصُّدور، ولا يَعزُبُ عن عِلمِهِ خَفِيُّ الشُّعور، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أطهَرُ النَّاسِ قَلباً، وأصدَقُهُم سَريرةً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: أيها المسلمون، سؤالٌ واحدٌ أضَعُهُ بينَ أيديكم اليوم، وأريدُ من كلِّ واحدٍ منكم أن يُجيبَ عليهِ في خَلوةِ نَفسِه: لو كُشِفَ الغِطاءُ الآن، وظَهَرَ ما في قُلوبِنا مَكتوباً على جِباهِنا لِيَقرأهُ النَّاس.. كم مِنَّا سَيَرفَعُ رأسَهُ فَرحاً بما يُرى، وكم مِنَّا سَيُطَأطِئُ رأسَهُ ويَتوارى خَجَلاً مِمَّا سَيُفضَح؟ يا عبادَ الله، نَحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ طَغَت فيهِ العِنايةُ بالظَّواهِرِ والمَظاهِر. نَقِفُ أمامَ المِرآةِ كُلَّ يَومٍ لِنُهَندِمَ ثِيابَنا، ونُرَتِّبَ هَيئاتِنا، ونُنَظِّفَ أجسادَنا؛ لِئلَّا يَرى النَّاسُ مِنَّا ما يَسوءُهم. وهذا حَسَن.. ولكنْ، مَتى آخِرُ مَرَّةٍ وَقَفتَ فيها أمامَ "مِرآةِ القُرآنِ" لِتُهَندِمَ قَلبَك؟ مَتى آخِرُ مَرَّةٍ غَسَلتَ فيها صَدرَكَ مِن الحِقدِ، أو نَظَّفتَ نِيَّتَكَ مِن الرِّياء، أو طَهَّرتَ رُوحَكَ مِن اليَأسِ والقُنوط؟ نُزَيِّنُ ظَواهِرَنا لِلخَلقِ، ونُهمِلُ بَواطِنَنا التي هِيَ مَحَلُّ نَظَرِ الخالِق! واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الذي يَحسِمُ هذهِ القضيَّة. يقولُ النَّبيُّ ﷺ كما في صَحيحِ مُسلم: «إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صُوَرِكُم وأموالِكُم، ولَكِن يَنظُرُ إلى قُلوبِكُم وأعمالِكُم». تَأمَّلوا! مَركَزُ التَّقييمِ عِندَ اللهِ لَيسَ حَجمَ ثَروَتِك، ولا حُسنَ صُورَتِك، ولا كَثرَةَ حَرَكاتِ جَوارِحِك المجرَّدة؛ بَل الميزانُ يَنصَبُّ أوَّلاً على المُضغَةِ التي تَنبِضُ بَينَ أضلاعِك. ولِذا، كانَت "أعمالُ القُلوبِ" أو "المأموراتُ المتعلِّقَةُ بالقُلوبِ" أعظَمَ عِندَ اللهِ مِن أعمالِ الجوارح، بل إنَّ أعمالَ الجوارِحِ لا تُقبَلُ أصلاً إلا بِها. يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "أعمالُ القُلوبِ هِيَ الأصلُ المَقصودُ، وأعمالُ الجوارِحِ تَبَعٌ ومُكَمِّلَةٌ ومُتَمِّمَةٌ لها". كيفَ لا، والنَّبيُّ ﷺ يَقولُ في الحَديثِ المُتَّفَقِ عَليه: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً، إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألا وهِيَ القَلب». القَلبُ هُوَ المَلِك، والجوارِحُ هِيَ الجُنود. فَإذا كانَ المَلِكُ طاهِراً صادِقاً، ائتَمَرَت الجُنودُ بِأمرِهِ نَحوَ النُّور. وإذا كانَ المَلِكُ فاسِداً مُظلِماً مَريضاً.. تَخَبَّطَت الجُنودُ في مَحطَّاتِ الهَلاك. عبادَ الله، إنَّ القُرآنَ الكَريمَ مُمتَلِئٌ بِالأوامِرِ، ولَكِنَّ أعظَمَ الأوامِرِ ما كُلِّفَ بِهِ القَلب. فَتَعالَوا اليَومَ نَطوفُ في بُستانِ القُلوب، لِنَتَعَرَّفَ على أعظَمِ المأموراتِ التي فَرَضَها اللهُ على قَلبِك، والتي بِدونِها لا يَنجو العَبدُ يَومَ العَرضِ الأكبَر. يَومَ قالَ اللهُ عَنه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء: 88-89]. أوَّلُ هذهِ المأموراتِ وأعظَمُها: الإخلاص. وهُوَ سِرُّ اللهِ في أرضِه، ورُوحُ كُلِّ عِبادَة. يَقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة: 5]. ما هُوَ الإخلاص؟ الإخلاصُ أن تَجعَلَ اللهَ وَحدَهُ غايَةَ عَمَلِك. أن تَستَوِيَ عِندَكَ مَدائِحُ النَّاسِ ومَذامُّهُم. أن تَعمَلَ العَمَلَ في الغُرفَةِ المُظلِمَة، وأنتَ تَعلَمُ أنَّ عَيناً واحِدَةً تَراكَ فَتَكتَفي بِها، ولا تَبحَثَ عَن أعيُنِ المُعجِبين. واللهِ يا إخوَة، إنَّ رَكعَتَينِ في جَوفِ اللَّيلِ، لا يَعلَمُ بِهِما إلا الله، لا رِياءَ فيهِما ولا سُمعَة، قَد تَرجَحُ بِجِبالٍ مِنَ الأعمالِ الظَّاهِرَةِ التي شَابَها حُبُّ الظُّهور. ولنا في قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الذينَ أُغلِقَ عَليهِمُ الغارُ أعظَمُ عِبرَة. ثلاثةُ رِجالٍ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَة، دَخَلوا غاراً لِيَبيتوا فيه، فانحَدَرَت صَخرَةٌ عَظيمَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّت عَليهِم بابَ الغار! لا أكسُجين يَكفي، لا طَعام، ولا هَواتِفَ لِطَلَبِ النَّجدَة. المَوتُ يَنظُرُ في أعيُنِهِم. ماذا فَعلوا؟ هَل تَوَسَّلوا بِمَناصِبِهِم؟ أو بأموالِهِم؟ لا! لَقَد تَوَسَّلوا إلى اللهِ بِأعمالٍ قَلبيَّةٍ خالِصَة. أحَدُهُم، كانَت لَهُ ابنَةُ عَمٍّ، يُحِبُّها أشدَّ ما يُحِبُّ الرِّجالُ النِّساء. طَلَبَها لِنَفسِهِ فَأبَت، حتَّى ألمَّت بِها ضائقَةٌ
وسَنَةٌ شَديدَة، فَجاءَتهُ مُضطَرَّة. فَأعطاها عِشرينَ ومائَةَ دينارٍ على أن تُخَلِّيَ بَينَهُ وبَينَها. فَلَمَّا قَدَرَ عَلَيها وجَلَسَ مِنها مَجلِسَ الرَّجُلِ مِن امرأتِه، انتَفَضَ قَلبُها المُؤمِن، وقالَت كَلِمَةً زَلزَلَت كِيانَه: "يا هذا! اتَّقِ اللهَ، ولا تَفُضَّ الخاتَمَ إلَّا بِحَقِّه". في تِلكَ اللَّحظَة.. لا شُرطَة، لا رَقيب، ولا أحَدَ يَرى! الشَّهوَةُ في ذُروَتِها، والمالُ قَد دُفِع. ما الذي أوقَفَه؟ إنَّهُ "الإخلاصُ والخشيةُ" في قَلبِه. قامَ عَنها وَهِيَ أحَبُّ النَّاسِ إليه، وتَرَكَ لَها الدَّنانير، رَغبَةً في وَجهِ الله. فَلَمَّا دَعا اللهَ بِهذا العَمَلِ الخالِص، انفرَجَتِ الصَّخرَة! هذا هُوَ الإخلاصُ الذي يَدفَعُ الصُّخور، ويَفتَحُ الأبوابَ المُغلَقَة. فَأينَ نَحنُ مِن هَذا؟ كَم مِن عَمَلٍ صالِحٍ أفسَدناهُ بِصُورَةٍ نُصَوِّرُها لِيَراها النَّاس، أو كَلِمَةٍ نُريدُ بِها ثَناءَهُم؟ ثُمَّ نَأتِي إلى مَأمورٍ آخَرَ مِن أعظَمِ مأموراتِ القُلوب: "التَّوَكُّلُ على الله". نَحنُ في زَمَنِ القَلَق. الشَّابُّ يَقلَقُ على مُستَقبَلِه ووظيفَتِه. والأبُ يَقلَقُ على رِزقِ أبنائِه. والأُمُّ تَقلَقُ على صِحَّةِ صِغارِها. القُلوبُ مُنهَكَةٌ مِن حِساباتِ الغَد، ومِنَ الخَوفِ مِنَ المَرَض، ومِن التَّفكيرِ في الأسعارِ والمَآلات. ما الدَّواء؟ الدَّواءُ عَديدَةٌ حُروفُه، عَظيمٌ أثَرُه، نَطَقَ بِهِ القُرآنُ في عِدَّةِ مَواضِع: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة: 23]. وقال تَعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران: 159]. التَّوَكُّلُ لَيسَ كَلِمَةً تُقالُ بِاللِّسان، التَّوَكُّلُ هُوَ انتِقالُ حِملِ الهُمومِ مِن ظَهرِكَ الضَّعيفِ، لِتَضَعَهُ بِيَقينٍ بَينَ يَدَي القَويِّ المَتين. أن تَعقِلَ ناقتَك، وتَعمَلَ بالأسباب، ثُمَّ يَنامَ قَلبُكَ قَريرَ العَين، لأنَّهُ يَعرِفُ أنَّ الرِّزقَ بِيَدِ مَن لا يَنام. يقولُ النَّبيُّ ﷺ كما في سُنَنِ التِّرمذي: «لَو أنَّكُم تَتَوَكَّلونَ على اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُم كَما يَرزُقُ الطَّيرَ، تَغدو خِماصاً وتَروحُ بِطاناً». عودوا مَعي بِخَيالِكُم إلى مَشهَدٍ تاريخيٍّ مُرعِب.. نَبيُّ اللهِ موسى عَلَيهِ السَّلام، خَرَجَ بِقَومِهِ المُستَضعَفينَ هارِباً مِن بَطشِ فِرعَون. ساروا طَويلاً حتَّى وَصَلوا إلى البَحر. وَقَفوا.. المَوجُ مِن أمامِهِم يَلطِمُ الصُّخور، ونَظَروا خَلفَهُم فَإذا غُبارُ جَيشِ فِرعَون، بِعَتادِهِ وسِلاحِه وجُنودِه، يَقتَرِبُ مِنهُم بِسُرعَةٍ هائلَة! تَخَيَّلوا المَشهَد.. البحرُ أمامَك، والمَوتُ المَحَتومُ خَلفَك. أصابَ الهَلَعُ بني إسرائيل، وصَرَخوا كَما أخبَرَنا القُرآن: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [سورة الشعراء: 61]. يَعني: انتَهى الأمر، هَلَكنا. حِساباتُ العَقلِ والأرقامِ تَقول: لا مَفَرّ. ولَكِن، ماذا قالَ القَلبُ المُلِيءُ بِالتَّوَكُّل؟ في تِلكَ اللَّحظَةِ الحَرِجَة، التي تَطيرُ فيها العُقول، وَقَفَ موسى عَلَيهِ السَّلامُ واثِقاً كالجَبَل، وقالَ كَلِمَةً واحِدَةً قَلَبَت مَوازينَ الكَون: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الشعراء: 62]. كَلَّا! لن نُدرَك. لِماذا يا موسى؟ هل عِندَكَ سُفُنٌ لِعُبورِ البَحر؟ لا. هل تَمَلِكُ أسلِحَةً تَرُدُّ فِرعَون؟ لا. إذن ما الذي مَعَك؟ ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾. هذا هُوَ التَّوَكُّل! فَماذا كانت النَّتيجَة؟ ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الشعراء: 63]. اللهُ أكبَر! ضَربَةُ عَصا تُفَلِّقُ مِياهاً كالجِبال، لِأنَّ التَّوَكُّلَ الصَّادِقَ كانَ هُوَ القُوَّةَ الضَّارِبَة. فَيا مَن ضاقَت عَلَيهِ حِيَلُ الدُّنيا، وأرهَقَتهُ دُيونُه، وخافَ مِن أمراضِه، أينَ أنتَ مِن ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾؟ جَرِّب أن تَقولَها بِيَقينِ مُوسى، وسَتَرى كَيفَ يَفِلقُ اللهُ لَكَ بِحارَ الهُموم! ... تَأمَّلوا هذا جَيِّداً. ... ومِن مأموراتِ القُلوبِ العَظيمَة: المَحَبَّةُ والخشية. وهُما جَناحانِ يَطيرُ بِهِما القَلبُ إلى الله. يقولُ اللهُ واصِفاً حُبَّ المُؤمِنين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [سورة البقرة: 165]. ويقولُ في بابِ الخشيَة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر: 28]. واللهِ لا يَصلُحُ قَلبٌ إلا إذا امتلأَ بِحُبِّ الخالِقِ إجلالاً وتَعظيماً، وبِخَشيَتِهِ خَوفاً ورَجاءً. يقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله، مُلَخِّصاً سِرَّ السَّعادَةِ في هذه الدُّنيا: "والقَلبُ لا يَصلُحُ، ولا يُفلِح، ولا يَلتَذُّ، ولا يُسَرُّ، ولا
يَطمَئِنُّ، ولا يَسكُن؛ إلَّا بِعِبادَةِ رَبِّه، وحُبِّهِ، والإنابَةِ إلَيه". إخوتي في الله، نَحنُ نُحِبُّ أبناءَنا، ونُحِبُّ أموالَنا، ونُحِبُّ أزواجَنا.. ولَكِنَّ حُبَّ اللهِ يَجِبُ أن يَكونَ فَوقَ كُلِّ حُبّ، ومُهَيمِناً على كُلِّ عَلاقَة. ومِن عَلاماتِ هذا الحُبّ، أنَّكَ إذا تَعارَضَ أمرُ اللهِ مَعَ هَواك، دُستَ على هَواكَ طاعَةً لِمَن تُحِبّ. وفِي مُقابِلِ الحُبّ، لا بُدَّ مِن الخشيَة. والخشيةُ لَيسَت مُجَرَّدَ الخَوف، بل هِيَ "خَوفٌ مَبنيٌّ على عِلمٍ بِعَظَمَةِ الخالِق". حينَ تَخلوا بِنَفسِك، وشاشَةُ هاتِفِكَ بَينَ يَدَيك، وتَتَهَيَّأُ لِلمَعصيَة.. هُنا تَأتِي الخشيَةُ لِتَصرُخَ في قَلبِك: "اللهُ يَراني! اللهُ مَعِي!". استَمِعوا إلى هذا الوَعدِ الرَّبَّانيِّ المُذهِلِ في سُورَةِ ق: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ۝ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ۝ مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ۝ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [سورة ق: 31-34]. ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ﴾.. في السِّر، حَيثُ لا شَرطَة ولا أقرِباء ولا كَاميرات رَصد! هُناكَ تَظهَرُ حَقيقَةُ إيمانِك. وأخيراً، نَأتِي إلى مأمورٍ قَلبيٍّ نَفقِدُهُ كَثيراً في زَمَنِنا هذا: "الرِّضا والسَّلامَةُ مِن الأحقاد". نَعيشُ في عَصرِ السُّوشيال ميديا، حَيثُ نُشاهِدُ حَياةَ الآخَرينَ طَوالَ اليَوم. هذا اشتَرى سَيَّارَةً جَديدَة، وتِلكَ سافَرَت إلى بَلَدٍ جَميل، وهَؤُلاء يَأكُلونَ أطيَبَ الطَّعام. ماذا يَحدُثُ لِلقُلوب؟ تَتَسَلَّلُ إلَيها أدواءٌ خَفِيَّة: الحَسَد، عَدَمُ الرِّضا والقناعة، والضِّيقُ بِما قَسَمَ الله. ألا فليُعلَم أنَّ الرِّضا بِما قَسَمَ اللهُ هُوَ رُوحُ الغِنى. وأنَّ سَلامَةَ القَلبِ تِجاهَ المُسلِمينَ هِيَ طَريقُ الجَنَّةِ السَّريع. رُوِيَ أنَّ بَكرَ بنَ عبدِ اللهِ المُزَنيَّ قالَ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَبِ عَن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عَنه، قال: "واللهِ ما فَضَلَهُم أبو بَكرٍ بِكَثرَةِ صَومٍ ولا صَلاة، ولَكِن بِشَيءٍ وَقَرَ في قَلبِه". ما الذي وَقَرَ في قَلبِ أبي بَكر؟ إنَّهُ التَّصديقُ المُطلَق، والإخلاصُ التَّام، والمَحَبَّة، وسَلامَةُ الصَّدرِ لِلمُؤمِنين. يا مَن قاطَعَ أخاهُ مِن أجْلِ مِيراث.. ويا مَن هَجَرَ جَارَهُ مِن أجْلِ كَلِمَة.. ويا مَن مَلأَ قَلبَهُ حِقداً على أقارِبِه.. أينَ سَلامَةُ القَلب؟ اللهُ سُبحانَهُ يَقولُ على لِسانِ إبراهيمَ عَلَيهِ السَّلام: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة الشعراء: 87]. النَّجاةُ لَيسَت في الكَراهيَةِ والأحقاد، بَل في غَسلِ هذهِ المُضغَةِ قَبلَ أن تَتَوَقَّفَ عَن النَّبض. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وتَفَقَّدوا قُلوبَكُم قَبلَ أن تُفَتِّشوا عَن صُوَرِكُم. وعالِجوا أمراضَ صُدورِكُم قَبلَ أن تُعالِجوا أمراضَ أبدانِكُم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مُباركاً فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورَسولُهُ، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وأتباعِهِ إلى يَومِ البَعثِ والنُّشور. أمَّا بَعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن أعظَمِ جُزءٍ في الإنسان: القَلب. هذا المَلِكُ الذي تَتَحَرَّكُ الجوارِحُ بِأمرِه. ووَقَفنا مَع مأموراتٍ عَظيمَةٍ أُمِرنا بِتَحقيقِها فيه: كالإخلاصِ الذي يُحَرِّكُ الصُّخور، والتَّوَكُّلِ الذي يَفلِقُ البِحار، والمحبة والخشية، والرِّضا وسَلامَةِ الصَّدر. والآن، إخواني، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأهمّ: كَيفَ نُطبِّقُ هذا في واقِعنا المَليءِ بالمُشتِّتات؟ كيفَ نُعالجُ قُلوبَنا القاسِيَةَ والغافِلَة؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم، وهِيَ دَواءٌ لِمَن أرادَ النَّجاة: الأولى (قَلبيَّة): راقِب نِيَّتَكَ كُلَّ يَومٍ قَبلَ أن تَخرُجَ مِن بَيتِك. حتَّى في خُروجِكَ لِوَظيفتِك، قُل في قَلبِك: "اللهمَّ إنِّي أخرُجُ طَلَباً لِلحَلال، وإعفافاً لِنَفسي وعِيالي". بِهذهِ النِّيَّة، يَتَحَوَّلُ الدَّوامُ المُرهِقُ والزِّحامُ الخانِقُ إلى ميزانِ حَسَناتِكَ وعِبادَةٍ مَقبولَة. الثانية (لِسانيَّة): اجعَل لِلسانِكَ وِرداً لا يَنقَطِعُ مِن الاستِغفار. فإنَّ القَلبَ يَصدَأ، كَما أخبَرَنا النَّبيُّ ﷺ حين قال عَن العَبدِ إذا أذنَبَ كَيفَ تُنكَتُ في قَلبِهِ نُكتَةٌ سَوداء، ثُمَّ قال: «فإن تابَ ونَزَعَ واستَغفَرَ، صُقِلَ قَلبُه». الاستِغفارُ هُوَ الجِلاءُ ومادَّةُ
التَّنظيفِ التي تَغسِلُ قَلبَكَ كُلَّ يَوم. الثالثة (عَمَليَّة): اجعَل بَينَكَ وبَينَ اللهِ "خَبيئَةً" مِن عَمَلٍ صالِح.. سِرّاً لا يَعلَمُهُ أحَد، لا زَوجَتُك، ولا أبناؤُك، ولا تَكتُبهُ على وَسائلِ التَّواصُل! صَدقَةٌ شَهريَّةٌ مَخفيَّة، أو رَكعَتانِ في اللَّيل، أو دَمعَةٌ في خَلوَة. هذا السِّرُّ هُوَ رَصيدُ إخلاصِكَ يَومَ العَرضِ الأكبَر. الرابعة (اجتماعيَّة): طَهِّر قَلبَكَ اللَّيلَةَ قَبلَ أن تَنام. سامِح مَن أخطَأَ في حَقِّك مِن إخوانِكَ المُسلِمين، واعفُ عَمَّن ظَلَمَك. واللهِ لا يَستَحِقُّ أحَدٌ أن تَخسَرَ رَاحَةَ قَلبِكَ ودُخولَ جَنَّتِكَ مِن أجلِ جِدالٍ عابِرٍ أو مِيراثٍ زائل. الخامسة (موضوعيَّة): تَعَلَّم أن تَتَوَكَّلَ على اللهِ في هُمومِك. إذا داهَمَكَ الخَوفُ مِن المُستَقبَل، أو الرِّزق، أو المَرَض.. ارفَع يَدَيكَ وقُل بِيَقينِ مُوسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. اتخِذِ السَّبَب، ثُمَّ دَعِ التَّدبيرَ لِلْمُدَبِّرِ سُبحانَه. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هِيَ الحارِسُ الذي يَحمي هذهِ المُضغَةَ مِن الانحِرافِ والزَّيغ. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [سورة الحج: 46]. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَليه، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهرين، وصَحابَتِهِ أجمَعين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللهمَّ إنَّا نَسألُكَ قُلوباً سَليمَة، ونُفوساً مُطمَئنَّة، تُؤمِنُ بِلِقائك، وتَرضى بِقَضائك، وتَقنَعُ بِعَطائك. اللهمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء، وألسِنَتَنا مِنَ الكَذِب، وأعيُنَنا مِنَ الخِيانَة؛ إنَّكَ تَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور. اللهمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ، ثَبِّت قُلوبَنا على دينِك. ويا مُصَرِّفَ القُلوبِ، صَرِّف قُلوبَنا إلى طاعَتِك. اللهمَّ ارزُقنا الإخلاصَ في الأقوالِ والأفعال، وارزُقنا التَّوَكُّلَ الصَّادِقَ عَلَيك، واجعَل خَشيَتَكَ في الغَيبِ والشَّهادَةِ شِعارَنا ودِثارَنا. اللهمَّ انزَع مِن قُلوبِنا الغِلَّ والحَسَدَ والحِقدَ لِلَّذينَ آمَنوا، واجعَلنا إخواناً مُتَحابِّينَ في جَلالِك. اللهمَّ اغفِر لآبائِنا وأُمَّهاتِنا، وارحَمهُم كَما رَبَّونا صِغاراً. اللهمَّ كُن لِلمُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِن المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللهمَّ اربُط على قُلوبِهِم، وفَرِّج هَمَّهُم، وتَوَلَّ أمرَهُم، يا أرحَمَ الرَّاحِمين. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.