من مكتبة مِداد الخطيب

نارُ الدُّنيا ونارُ الآخِرَة.. عِبرَةٌ للمُتَّقينَ ورِسالةٌ للمُفسِدين

مشاركة
🕌 نارُ الدُّنيا ونارُ الآخِرَة.. عِبرَةٌ للمُتَّقينَ ورِسالةٌ للمُفسِدين #خطبة_جمعة #حرائق_الغابات #الجزائر #حد_الحرابة #حفظ_البيئة #أخلاق #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ في تَقَلُّبِ اللَّيلِ والنَّهارِ عِبرةً لأُولي الأبصار، والحمدُ للهِ الذي أنزَلَ من السَّماءِ ماءً فَأحيا بهِ الأرضَ بَعدَ مَوتِها، وأنبَتَ فيها من كُلِّ زَوجٍ بَهيج، وجَعَلَ الأشجارَ والظِّلالَ نِعمةً لعبادِه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، القائلُ في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُصلِحينَ ورَحمةُ اللهِ للعالَمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، نَرى في هذه الأيَّامِ النِّيرانَ تَلتَهِمُ غاباتِنا، ونَشعُر بحَرارةِ الشَّمسِ تَلفَحُ وُجوهَنا... فهل هذا مُجَرَّدُ حَدَثٍ عابِر؟ وماذا لو أخبَرتُكم أنَّ ما تَرَونَهُ هو رِسالةٌ عاجلةٌ من السَّماء، وأنَّ مَن يَتَعَمَّدُ إشعالَ هذه الحَرائقِ يَنتَظِرُهُ حُكمٌ شَرعيٌّ مُزَلزِلٌ لا يَخطُرُ على بالِ الكَثيرين؟ جَوابٌ ومَوقِفٌ سَنَقِفُ عليهِ بَعدَ قَليل. أيُّها المُسلِمون، تَعيشُ بِلادُنا الجَزائر في هذه الأيَّامِ مَوجَةَ حَرٍّ شَديدة، تَلتَهبُ فيها الأجواء، وتَلفَحُ فيها السَّمومُ الوُجوه، وتَكادُ الأنفاسُ تَختَنِق. وفي مِثلِ هذه اللَّحظاتِ القاسية، يَقِفُ المُؤمِنُ مَوقِفاً يَختَلِفُ عَن غَيرِه. المُؤمِنُ لا يَرى الحَرارَةَ مُجَرَّدَ ظاهِرَةٍ مُناخيَّة، بَل يَراها رِسالةً، تَذكِرةً، جَرَساً يُقرَعُ في قَلبِه ليُوقِظَهُ من غَفلَتِه. قالَ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة التوبة: 81]. آيةٌ لو تَدَبَّرناها حَقَّ التَّدَبُّر لَطاشَت لَها العُقول! إنَّ هذا الحَرَّ الذي نَفِرُّ مِنهُ إلى المُكَيِّفاتِ والظِّلال، ما هو إلَّا نَفَسٌ واحِدٌ من أنفاسِ جَهَنَّم. واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ سَمُومِ جَهَنَّمَ» (متفق عليه). يا عِبادَ الله، هَل سَألتُم أنفُسَكم يَوماً: إذا كُنَّا لا نُطيقُ هذا الحَرَّ ونَحنُ في وِسعٍ وظِلٍّ وماءٍ بارِد، فكَيفَ بِنارٍ قالَ عَنها النَّبيُّ ﷺ: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ»؟ (متفق عليه). كيفَ لِجَسَدٍ ضَعيفٍ أن يَحتَمِل؟ وكانَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ إذا مَرَّ في يَومٍ شَديدِ الحَرِّ، وَضَعَ يَدَهُ على رَأسِهِ وبَكى وقال: "يا رَبِّ، هذا حَرُّ شَمسِكَ في الدُّنيا فكَيفَ بِحَرِّ نارِكَ في الآخِرَة؟". هذا هو الإيمانُ الحَيُّ، أن نَجعَلَ من كُلِّ ظاهِرَةٍ كَونيَّةٍ جِسراً يَربِطُنا باليَومِ الآخِر. ثُمَّ إنَّنا في وَسَطِ هذا الحَرِّ، نُبتَلى في بَلَدِنا الجَزائِر بكارِثَةٍ تَتَكَرَّرُ كُلَّ صَيف؛ كارِثَةِ حَرائِقِ الغاباتِ والمَحاصيلِ الزِّراعيَّة. غاباتٌ بأكمَلِها تَتحَوَّلُ إلى رَماد، أراضٍ خَضراءُ تُصبِحُ خَراباً، مَحاصيلُ زِراعيَّةٌ تَعِبَ فيها الفَلَّاحونَ طَوالَ العامِ تَلتَهِمُها النِّيرانُ في دَقائِق، وحَيواناتٌ تُحَرَّقُ وهي حَيَّة، بل وتُزهَقُ أرواحٌ بَريئَةٌ من أبناءِ شَعبِنا بِسَببِ هذه الحَرائق! يا أُمَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ، إنَّ الغِطاءَ النَّباتيَّ والأشجارَ التي نَراها تَحتَرِقُ ليسَت مُجَرَّدَ خَشَبٍ ووَرق، بل هي نِعمَةٌ عَظيمَةٌ ومِنحَةٌ رَبَّانيَّة. يَقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ [سورة الواقعة: 71-72]. اللهُ هو الذي أنشَأها رَحمَةً بنا. ولَقَد بَلَغَ من تَعظيمِ الإِسلامِ لِلبِيئَةِ والزِّراعَةِ أنْ جَعَلَهُما من أعظَمِ القُرُبات، حتى قالَ نَبيُّنا ﷺ الكَلِمةَ التي تَهُزُّ الوِجدان: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» (رواه أحمد). أيُّ دِينٍ هذا العَظيم؟ السَّاعَةُ تَقوم، والكَونُ يَتَدَمَّر، والنَّبيُّ ﷺ يَأمُرُنا أن نَغرِسَ نَبتَة! ويَقولُ المَصطَفى ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (متفق عليه).
ومن هُنا، ومِن هذا المِنبَر، نَقِفُ وَقفَةَ إجلالٍ وتَقديرٍ لِكُلِّ رَجُلٍ وامرَأةٍ يَقومونَ على حِمايَةِ هذا الغِطاءِ النَّباتي. لِرجالِ الحِمايَةِ المَدنيَّةِ، لِحُرَّاسِ الغابات، لِلمُتَطَوِّعينَ من الشَّبابِ الجَزائريِّ الشَّهمِ الذينَ يَرمونَ أنفُسَهم وَسَطَ النِّيرانِ لإنقاذِ الأرواحِ والأشجار. إنَّ ما تَفعَلونَهُ يا أبطالَنا ليس مُجَرَّدَ وَظيفَة، بل هو جِهادٌ في سَبيلِ اللهِ وحِمايَةٌ لِلنَّسلِ والحَرث. عَرَقُكُم المَخلوطُ بِدُخانِ الحَرائِقِ هو عِطرٌ يَشُدُّكُم إلى رِضوانِ الله، فاستَبشِروا! ولكِن... ولتَنصِتِ القُلوبُ قَبلَ الآذانِ هُنا. ماذا عَن أُولئِكَ الذين يَقِفون خَلفَ هذه الكارِثة؟ الحَرائِقُ نَوعان: نَوعٌ يَحدُثُ بِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ وللأسبابِ الطَّبيعيَّة، ونَحنُ نَرضى بِقَضاءِ الله، ونَوعٌ آخَر... يُشعِلُهُ الإنسان. هذا الإنسانُ، إمَّا أن يكونَ مُستَهتِراً غافِلاً، وإمَّا أن يكونَ مُجرِماً مُتَعَمِّداً! أمَّا المُجرِمُ المُتَعَمِّد.. الذي يَحمِلُ في قَلبِهِ حِقداً، فيَذهَبُ تَحتَ جُنحِ الظَّلامِ لِيُشعِلَ النَّارَ في غاباتِنا وحُقولِنا، ليُدَمِّرَ اقتِصادَ البَلَد، ويُحَرِّقَ أرزاقَ الفَلَّاحين، ويَقتُلَ الأبرياءَ في بُيوتِهم... فهَل تَعرِفونَ ما حُكمُ هذا في دِينِ الله؟ إنَّهُ ليسَ مُجَرَّدَ مُخالِفٍ للقانون، بَل هو مُفسِدٌ في الأرضِ ومُحارِبٌ للهِ ورَسولِه! استَمِعوا لِوَصفِ القُرآنِ الدَّقيقِ لِهذا الصِّنفِ من البَشَر، يَقولُ رَبُّنا جَلَّ وعَلا: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة: 205]. انظُروا! إهلاكُ الحَرثِ (الزَّرعِ والغابات) والنَّسلِ (الحَيوانات والبَشَر) سَمَّاهُ اللهُ فَساداً كُبرى! هذا الفِعلُ الإجراميُّ يَدخُلُ شَرعاً في حَدِّ يُسَمَّى "حَدُّ الحَرابَة"! قالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة: 33]. وقد قَرَّرَ الإمامُ ابنُ تَيميَّة رَحِمَهُ اللهُ وغَيرُهُ من عُلَماءِ الأُمَّةِ أنَّ كُلَّ مَن أفسَدَ في الأرضِ بالسِّلاحِ أو بالنَّارِ أو بالدَّمارِ العامِّ لِيُخيفَ السَّبيلَ ويُتلِفَ الأموالَ؛ فهو مُحارِبٌ تَتَنَزَّلُ عليهِ آيَةُ الحَرابَة. وتَعالَوا مَعي، نَعودُ ألفاً وأربَعَمِائَةِ عامٍ إلى الوَراء... إلى زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ في المَدينَة. وقَعَت حادِثَةٌ شَهيرةٌ مَعروفَةٌ بِقصَّةِ "العُرَنِيِّين" (قَومٌ من قَبيلَةِ عُكْلٍ وعُرَيْنَة). جاءوا إلى المَدينَةِ مِراضاً جِياعاً، فَآواهمُ النَّبيُّ ﷺ الكَريمُ الرَّحيم، وأمَرَ لهم بأن يَخرُجوا إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ لِيَشرَبوا من ألبانِها حتى يَصحُّوا وتَقوى أجسادُهم. عامَلَهُم بِكُلِّ رَحمَة! فَلَمَّا صَحُّوا وسَمِنوا... ماذا فَعَلوا؟ هَل شَكَروا النِّعمَة؟ كَلَّا! بَل كَفَروا الإحسان، وعَمَدوا إلى الرَّاعي المُسلِمِ البَريءِ فَقَتَلوهُ أشنَعَ قِتلَة، وسَمَلوا عَينَيه، وسَرَقوا الإبِل، وارتَدُّوا عَن الإسلام، وأخافوا السَّبيل. فَلَمَّا بَلَغَ الخَبَرُ رَسولَ اللهِ ﷺ — وهو المَبعوثُ رَحمَةً لِلعالَمين — غَضِبَ غَضَباً شَديداً لِهذا الفَسادِ والإرعاب. فأرسَلَ خَلفَهم، فَلَمَّا جِيءَ بِهم، هَل سامَحَهم؟ لا والله. حُقوقُ المُجتَمَعِ والأمنِ العامِّ لا مُجاملَةَ فيها. أمَرَ بِقَطعِ أيديهم وأرجُلِهم من خِلاف، وسَمَلَ أعيُنَهم كما فَعَلوا بالرَّاعي، وتَرَكَهم في ظِلِّ حَرِّ الحَرَّةِ (الصَّحراء الحارقة) عِقاباً لَهم على بَشاعَةِ إفسادِهم في الأرض (والحديث متفق عليه). يا عِبادَ الله... قِفوا مَعي لَحظَة. إذا كانَ هذا حُكمَ النَّبيِّ ﷺ في قَومٍ قَتَلوا راعِياً واحِداً وسَرَقوا إبِلاً... فكَيفَ بِالذي يُشعِلُ النَّارَ اليَومَ في غاباتِنا ومُدُنِنا وقُرى القَبائِلِ والشَّرقِ والغَرب؟! الذي يُحَرِّقُ مِئاتِ الهِكتارات، ويَجعَلُ المِئاتِ من الأُسَرِ تَهيمُ على وُجوهِها بِلا مَأوى، ويَقتُلُ في الحَرائِقِ نِساءً وأطفالاً وشُيوخاً لا ذَنبَ لَهم؟! أليسَ هذا هو الإفسادُ في الأرض؟ أليسَ هذا هو الإرهابُ بِعَينِه؟ أليسَت الحَرابَةُ تَتَطابَقُ مَعَ أفعالِهِم المُجرِمَة؟ بَلى والله! إنَّهُم مُفسِدونَ في الأرض، يَستَحِقُّونَ أشَدَّ العُقوباتِ في الدُّنيا، ولَهم بَعدَ ذلِكَ عِندَ اللهِ نارٌ تَأكُلُ وُجوهَهم، جَزاءً وِفاقاً بِما أحرَقوا في الدُّنيا!
ومِن الإفسادِ المُتَعَمِّد، إلى نَوعٍ آخَرَ لا يَقِلُّ خُطورَةً... وهو "الاستِتارُ والاستِهتار". كَم مِن حَريقٍ ضَخمٍ دَمَّرَ وِلايَةً بِأكمَلِها، لم يَكُن بَدؤُهُ مُؤامَرَة، بَل كانَ سَبَبُهُ شِواءً تَرَكَهُ بَعضُ العائِلاتِ أو الشَّبابِ في الغابَةِ ومَضَوا! كَم مِن حَريقٍ التَهَمَ المَحاصيل، كانَ سَبَبُهُ رَميَ زُجاجَةٍ فارِغَةٍ كَسَرَت أشِعَّةَ الشَّمسِ فَأشعَلَتِ العُشبَ اليابِس! أمَّا المُصيبَةُ الكُبرى، فهي ما نَراهُ في احتِفالاتِنا وأفراحِنا وأعراسِنا. إشعالٌ لِلألعابِ النَّاريَّةِ (المفرقعات) والمَشاعِل في أماكِنَ مَليئَةٍ بالعُشبِ الجافِّ، أو بالقُربِ من الأراضي الزِّراعيَّة والمَنازِل! رُغمَ الحَمَلاتِ التي تُحَذِّر، ورُغمَ صَرَخاتِ الحِمايَةِ المَدنيَّة، نَجِدُ مَن لا يُبالي! يَقولُ في نَفسِهِ: "أُريدُ أن أفرَح". أيُّ فَرَحٍ هذا الذي يُبنى على أنقاضِ الآخَرين؟ أيُّ احتِفالٍ هذا الذي يُحَوِّلُ عُرسَكَ إلى مَأتَمٍ لِجارِك؟ لقد شَهِدنا بأُمِّ أعيُنِنا أعراساً استَحالَت رَماداً وبُكاءً بِسَبَبِ شَرارَةٍ من لُعبَةٍ ناريَّةٍ طائشَة! أيُّها المُسلِم، استَمِع إلى نَبيِّكَ ﷺ وهو يُحَذِّرُنا قَبلَ ألفٍ وأربَعِمِائَةِ عام، رَأى نَبيُّنا ﷺ ناراً اشتَعَلَت في بَيتٍ بالمَدينَة، فَقالَ كَلِمَةً حاسِمَة: «إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» (متفق عليه). سَمَّاها رَسولُ اللهِ: "عَدوٌّ لَكم". والعَدوُّ لا يُؤتَمَن، ولا يُتَلاعَبُ مَعَه! ويَقولُ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» (رواه أبو داود). وكَيفَ بِمَن يُرَوِّعُ قَريَةً بِأكمَلِها بِطَيشِهِ واستِهتارِه؟ ومِن القَصَصِ التي تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَبِ في التَّاريخ، ما وَقَعَ في عَهدِ أميرِ المُؤمِنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ، حينَ اندَلَعَت نارٌ عَظيمَةٌ في أطرافِ المَدينَة. هَل وَقَفَ عُمَرُ يَتَفَرَّج؟ هَل لامَ الزَّمان؟ لا. خَرَجَ يَقودُ النَّاس، وأمَرَهم بالتَّكبير، لأنَّ التَّكبيرَ يُطفِئُ النَّار كما جاءَ في الأثَر. وكافَحوا النَّارَ حتى أخمَدوها. والأعظَمُ من ذلك، صَرامَةُ عُمَرَ في حِفظِ أموالِ النَّاسِ والمُمتَلَكاتِ العامَّة، فكانَ لا يَسمَحُ بِعَبَثٍ يُهَدِّدُ حَياةَ المُسلِمين! يا مَعشَرَ الشَّباب، يا رَبُّ الأسرة، يا مَن تَذهَبُ لِلنُّزهَةِ في الغابَة: إنَّ تِلكَ الغابَةَ مُلكٌ لِلأُمَّةِ كُلِّها، والاشتِراكُ في إفسادِها هو إفسادٌ لحَقِّ كُلِّ جَزائريٍّ ومُسلِم. لا تَكُن أنتَ الشَّرارَةَ التي تُحرِقُ الأخضَرَ واليابِس. من استَهانَ بأخلاقِ المُسلِمينَ واستَهتَرَ بآدابِ السَّلامَة، فهو آثِمٌ إثماً عَظيماً يَومَ القِيامَة، لأنَّهُ سَبَبٌ في الفَساد. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: 90]. بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعني وإيَّاكم بِما فيهِ من الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروه، إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن هذا الحَرِّ الشَّديدِ وكَيفَ يَكونُ رِسالةً تُذَكِّرُنا بِنارِ الآخِرة، ووَقَفنا مَعَ نِعمَةِ الغِطاءِ النَّباتيِّ وعَظيمِ أجرِ مَن يَزرَعُ ويَغرس ويَحمي. ورَأينا كَيفَ أنَّ المُتَعَمِّدَ لإشعالِ الحَرائِقِ مُجرِمٌ مُحارِبٌ لِلهِ ورَسولِه يَستَحِقُّ القِصاص، وكَيفَ أنَّ المُستَهتِرَ بِأرواحِ النَّاسِ آثِمٌ أثراً وعَمَلاً. والآنَ، ونَحنُ نُواجهُ هذا الواقِعَ، بَقيَ السُّؤالُ العَمَليُّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا في حَياتِنا اليَوم؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا في قُلوبِكُم الخَشيَةَ من اللهِ كُلَّما لَفَحَكُم حَرُّ الشَّمس. لا تَكتَفوا بالتَّأَفُّف، بَل قُولوا من قُلوبِكُم: اللَّهُمَّ أَجِرني مِن حَرِّ جَهَنَّم. فإنَّ العَبدَ إذا دَعا ذلِكَ استَجابَ اللهُ له.
الثَّانِيَة (لِسانيَّة): أمِروا بالمَعروفِ وانهَوا عن المُنكَر. إذا رَأيتُم شَخصاً يُشعِلُ ناراً في غابَةٍ للِشِّواءِ في ظُروفِ حَرارَةٍ قُصوى وقَريباً من الأرياف، لا تَسكُتوا! نَصحوهُ بِلُطفٍ أو أبلِغوا السُّلُطاتِ حِمايَةً للبلاد. السُّكوتُ هُنا مَوت. الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): المَُقاطَعَةُ التَّامَّةُ والمَنعُ الصَّارِمُ لِلألعابِ النَّاريَّة (المفرقعات) في الأعراسِ والمُناسَبات. اجعَلوا فَرَحَكُم نَظيفاً آمِناً. كُن رَجُلاً في عائلَتِكَ وامنَع إدخالَ هذه المُتَفَجِّراتِ الصَّغيرَةِ التي أحرَقَت البُيوت. الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): دَعمُ ومُسانَدةُ إخوانِنا الذينَ تَضَرَّروا مِنَ الحَرائِق في مُختَلَفِ وِلاياتِ الوَطَن. المُسلِمُ لِلمُسلِمِ كَالبُنيانِ المَرصوص. بالصَّدَقَةِ، بالدُّعاءِ، بالوُقوفِ مَعهم لإعادَةِ إعمارِ بُيوتِهم وزِراعَةِ أراضيهم. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): أن نُحَوِّلَ طاقَتَنا إلى غَرسِ الأشجارِ وحِمايَةِ البِيئَة. عَلِّموا أبناءَكم كَيفَ يَغرِسونَ شَجرَةً، ولا تَجعَلوا حَياتَكُم فَقَط استِهلاكاً بَل كُونوا بُناةً صالِحين. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي التي تَحمِلُكُم على حِفظِ النِّعَم، وصيانَةِ الأرواح، والحَذَرِ من أسبابِ الهَلاكِ والفَساد. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلاً بِقَولِه تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبيِّنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا لَفَحَهم حَرُّ الدُّنيا، تَذَكَّروا نارَ الآخِرَةِ فاستَجاروا بِك فَأجَرتَهم. اللَّهُمَّ بَرِّد على عِبادِكَ، وارحَم ضَعفَنا، واكشِف عَنَّا هذا الغَمّ. اللَّهُمَّ احفَظ بِلادَنا الجَزائِرَ، وغاباتِها، وأراضيها، وأبناءَها مِن كُلِّ سوءٍ ومَكروه. اللَّهُمَّ ادفَع عَنَّا الحَرائِق، واحفَظ أرواحَ إخوانِنا، واشفِ جَرحاهُم، وعَوِّض مُصابَهُم خَيراً. اللَّهُمَّ مَن أرادَ بِهذا البَلَدِ والمُسلِمينَ شَرّاً وفساداً، ومَن تَعَمَّدَ حَرقَ أرزاقِ النَّاس وأرواحِهِم، اللَّهُمَّ افضَحهُ في الدُّنيا قَبلَ الآخِرة، واجعَل كَيدَهُ في نَحرِه، واكفِنا شَرَّهُ بِما شِئت. اللَّهُمَّ بارِك في جُهودِ المُرابِطينَ الذينَ يُكافِحونَ النِّيران، واجزِهم عَنَّا وعَنِ المُسلِمينَ خَيرَ الجَزاء. اللَّهُمَّ ارزُقنا الغَيثَ المِدرار، واجعَلهُ غَيثَ رَحمَةٍ ونَفعٍ لا غَيثَ عَذابٍ وهَدمٍ ولا غَرَق. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.