🕌 أسرى الشاشات: حقيقة الإدمان الرقمي وضياع أعمار الشباب
#خطبة_جمعة #الإدمان_الإلكتروني #وسائل_التواصل #الشباب #حفظ_الوقت #رقائق #أخلاق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ العُمرَ مَيدانًا للمُسابَقة، وأودَعَ في أوقاتِنا خَزائنَ الأجورِ المُضاعَفة، وحَذَّرَنا من سَفَهِ الغَفلةِ وبَطَرِ الفَراغ. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الليلَ والنَّهارَ خِلفَةً لِمَن أرادَ أن يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكورًا، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، أَنصَحُ مَن دَلَّ على خَيرٍ وحَذَّرَ من ضَياع، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، أئمَّةِ الهُدَى ومَنارِ الدُّجَى، ومَن سارَ على نَهجِهم واقتَفى أثَرَهم إلى يومِ الحِسابِ والجَزاء.
أمَّا بعد:
تَأمَّلوا في لَيلِ كثيرٍ من بيوتِنا اليوم: أجسادٌ ساكِنة، وغُرَفٌ مُظلِمة، إلَّا من وَهَجٍ أزرَقَ يَنبَعِثُ من شاشاتٍ صَغيرة، تَلتَصِقُ بها عُيونُ أبنائِنا وبَناتِنا بالسَّاعاتِ الطِّوال! تَنقَضي السَّاعاتُ تِلوَ السَّاعات، والأعمارُ تَتَسَرَّبُ كَحَبَّاتِ رَملٍ ناعِمَةٍ من بَين الأصابع، والقلوبُ تَغرَقُ في صَمْتٍ ثَقيلٍ وعُزلَةٍ مُوحِشة. لَيس الحديثُ اليومَ عن وسيلةٍ تِقنيَّةٍ عابِرة، بل عن «حَبلِ سِحْرٍ» عَصريٍّ استَعبَدَ عُقولًا، واستَلبَ إرادات، وأحالَ الفُتوَّةَ غَفلةً، ونَقَلَ الجيلَ من مَيادينِ البِناءِ والعَطاءِ إلى دَهاليزِ المُشاهَدَةِ والاستهلاك. كيف تَحَوَّلَت هذه الهواتفُ من خادِمٍ يُعِين إلى سَيِّدٍ يَقود؟ وما الذي خَسِرناهُ في مَعركةِ الانتباه؟ جوابٌ سنَقِفُ على حَقائقهِ المَريرةِ في خُطبَتِنا هذه.
أيُّها المؤمنون:
هل سَأَلَ أحدُنا نَفسَهُ يَومًا: ما قيمَةُ الدَّقيقةِ في ميزانِ اللهِ عز وجل؟
إنَّ هذا العُمرَ الذي نَعيشُهُ لَيس مِلْكًا مُهْدَرًا نَصرِفُهُ كَيفَ شِئنا، بل هو رَأسُ مالِ العَبدِ الذي لا يَملِكُ غَيرَه، فإذا نَفِدَ رَأسُ المال، أَفلَسَ التَّاجِرُ وخَسِرَ الصَّفقة.
اسمعوا إلى قَسَمِ الحَقِّ جل جلاله في كتابهِ العَزيز، حينَ يُقسِمُ بالزَّمنِ كُلِّه ليُنَبِّهَ الغافِلينَ على شَرَفِ اللَّحظات: يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].
أقسَمَ اللهُ بالعَصر — وهو الزَّمانُ والدَّهر — لأنَّه وِعاءُ الأعمال، فكُلُّ دَقيقةٍ تَمرُّ هي جُزءٌ يَنقَطِعُ من حَياتِك ولا يَعُودُ أبدًا!
واسمعوا إلى النَّذيرِ العَظيمِ الذي صَدَعَ به نبيُّنا ﷺ مُحَذِّرًا من الغَبنِ المَقيت، روى البخاريُّ في صحيحهِ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ».
تَدبَّروا كلمةَ «مَغْبُون»! المَغبُونُ في لُغةِ العَرَب هو الذي اشترى بَخْسًا وباعَ نَفيسًا، هو الذي خُدِعَ في البَيعِ حتى سُلِبَ مالُه وهو لا يَدري. فكيفَ بمَن يَبيعُ أنفاسَ عُمرِهِ الثَّمينةَ بمَقاطِعَ تافِهة، ويَشري الفَراغَ القاتِلَ بِبِضاعَةِ الآخِرة؟!
وقد فَطِنَ سَلَفُنا الصَّالِحُ إلى قَدْرِ هذه الأوقات، فكانوا يَحفَظونَ الدَّقائقَ كحِفظِ الشَّحيحِ لِذَهَبِه، قال الحَسَنُ البَصريُّ رحمه الله: «يا ابنَ آدم، إنَّما أنتَ أيَّام، كُلَّما ذَهَبَ يَومٌ ذَهَبَ بَعضُك». وقال الإمامُ ابنُ الجَوزيِّ رحمه الله في «صَيدِ الخاطِر»: «يَنبَغي للإنسانِ أن يَعرفَ شَرَفَ زَمانِهِ وقَدْرَ وَقتِه، فلا يُضَيِّعَ مِنهُ لَحظَةً في غَيرِ قُربَة، ويُقَدِّمَ الأفضَلَ فالأفضَلَ مِن القَولِ والعَمَل، ولَقَد رَأيتُ جَماعةً يُضَيِّعُونَ الزَّمانَ في الفُضُول... فرَأيتُ أنَّ مِنَ الإثمِ مُشارَكَتَهُم، ومِنَ الخُسرانِ مُتابَعَتَهم».
فأينَ هذا الوَعْيُ الرَّفيعُ ممَّن جَعَلَ لَيلَهُ ونَهارَهُ طَوافًا لا يَنقَطِعُ بينَ مَنشورٍ ومَنشور، وتَغريدةٍ وتَغريدة، وفِيديو وقِصَّة؟!
يا عباد الله:
إنَّنا لا نَتَحدَّثُ عن تَرفيهٍ مُباحٍ يُرَوِّحُ به المَرءُ عن نَفسِهِ لِحَظاتٍ لِيَستَأنِفَ الجِدَّ، بل نَتَحَدَّثُ عن «إدمانٍ مَدروس»، خُطِّطَ له بأَيدي شَرِكاتٍ تَستَخدِمُ عُلَماءَ النَّفْسِ وتَقنيَّاتِ السُّلوكِ لِتَصيُّدِ العُقول!
لقد صُمِّمَت هذه التَّطبيقاتُ لتَجعَلَ عَقْلَ الشَّابِّ يَنتَظِرُ «إشعارًا» بَعدَ إشعار، وضَغطةَ إعجابٍ تِلوَ أُخرى، ليَحصُلَ على جُرعَةٍ زائِفةٍ من الشُّعورِ بالرِّضا، حتى غَدَت الشَّاشاتُ هي السِّجنَ الافتراضيَّ الذي يَدخُلُهُ الشَّابُّ باختيارِه، ويُغلِقُ البابَ على نَفسِهِ بمِلءِ إرادَتِه!
تأمَّلوا في حَالِ قُلوبِنا وقُلوبِ أولادِنا: أينَ الخُشوعُ في الصَّلاة؟ أينَ حَلاوَةُ تِلاوةِ القُرآن؟
يَدخُلُ الشَّابُّ في الصَّلاةِ وجَسَدُهُ راكِعٌ ساجِد، أمَّا عَقْلُهُ ورُوحُهُ فمُعَلَّقَةٌ بهاتِفِه: مَن عَلَّق؟ مَن أرسَل؟ ما المَقطَعُ الجَديد؟
هذا هو الشَّتاتُ القَلبيُّ الذي حَذَّرَ مِنهُ كِتابُ رَبِّنا، يقول الله عز وجل مُشَخِّصًا داءَ الغَفلة: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: 1-3].
«لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ»! ما أدَقَّ التَّشخيصَ القُرآني! تَلْهُو القُلوبُ بالشَّاشاتِ حتى تَفقِدَ القُدرةَ على التَّدبُّر، وتَفقدَ الشَّوقَ إلى الله، وتَفقدَ الإحساسَ بِهَولِ المَوتِ والقَبر.
وقد قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمه الله في كتابهِ «الفَوائدِ» حَقيقةً تَخلَعُ القُلوب، فقال: «إضاعَةُ الوَقتِ أَشَدُّ مِنَ المَوْت، لِأَنَّ إضاعَةَ الوَقتِ تَقطَعُكَ عَنِ اللهِ والدَّارِ الآخِرة، والمَوتُ يَقطَعُكَ عَنِ الدُّنيا وأَهلِها».
المَوتُ يَأخُذُ جَسَدَك، أمَّا الإدمانُ على التَّوافِهِ فيَأخُذُ قَلبَك، ويَسلُبُ رُوحَك، ويَترُكُك جُثَّةً هامِدةً تَتحرَّكُ في الأسواقِ والشَّوارع!
معاشر المسلمين:
إنَّ جَرائمَ هذا الاستهلاكِ المَجنونِ لِشَبَكاتِ التَّواصُلِ لَم تَقِف عندَ حَدِّ إضاعةِ السَّاعات، بل نَفَذَت إلى عَقائِدِ الشَّبابِ وأخلاقِهم وبُيوتِهم بدَاءِ «المُقارَنةِ القاتِلة».
يَفتَحُ الشَّابُّ هاتفَهُ فيَرى حَياةً مُزَيَّفة: صُوَرًا لِقُصور، ومَطاعِمَ فاخِرة، ورِحلاتٍ باذِخة، ومَظاهِرَ ثَراءٍ كاذِبة، يَعرِضُها «صُنَّاعُ الوَهْم» ليَجنُوا المَال، فيَرجِعُ الشَّابُّ أو الفَتاةُ ببَصَرِهِ إلى بَيتِ أُمِّهِ وأبيه، فيَرى فَقْرًا في عَينِه، وتَواضُعًا في عَيشِه، فتَنطَفئُ في قَلبِهِ نِعمَةُ الرِّضا، ويَشتَعِلُ في صَدرِهِ السَّخَطُ على قَدَرِ الله!
يَزدَري نِعمَةَ اللهِ عليه، ويَنسى عافِيَتَه، ويَنسى أَمْنَه، لأنَّ شاشَتَهُ لا تُريِهِ إلَّا النَّاقِصَ من حَياتِه.
وقد حَسَمَ القُرآنُ هذا المَزْلَقَ الخَطيرَ بنَهيٍ صَريحٍ يَحفَظُ القُلوبَ من الاحتِراق، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: لا تَجعَل بَصَرَكَ مَمْدودًا مُتَلَهِّفًا وراءَ ما في أَيدي النَّاس، فرِزقُ رَبِّكَ مِنَ الإيمانِ والسَّكينةِ والعافِيةِ هو الخَيرُ الحَقيقيُّ وهو الأَبقى.
ثمَّ انظُروا — رَحِمكُم الله — إلى المَفسَدَةِ الأُخرى: مَفسَدَةِ «الخَلَواتِ الجَريحة».
كم مِن شابٍّ كانَ يَستَحي من أن يَنظُرَ إلى حَرامٍ في قَريتِهِ أو حَيِّه، صارَ اليومَ في غُرفَتِهِ المُغلَقَةِ يَصِلُ إلى أَقذَرِ الفَواحِشِ والآثامِ بمُجرَّدِ نَقرةٍ صَغيرة؟!
يَجُرُّهُ المَقطَعُ إلى المَقطَع، والصُّورةُ إلى الصُّورة، حتى تَنهَدِمَ أَسوارُ الحَياءِ في نَفْسِه، ويَعتادَ مُبارَزَةَ الحَقِّ بالذُّنوبِ في سِتْرِ الظَّلام.
واسمعوا إلى هذا الحَديثِ المَفزِعِ الذي يَجِبُ أن يَقِفَ عندَهُ كُلُّ صاحِبِ هاتف، روى ابنُ ماجه في سُننهِ وصححهُ الألباني، عن ثَوبانَ رضي الله عنه، عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا».
قالَ ثَوبان: يا رَسولَ الله، صِفْهُمْ لنا، جَلِّهِمْ لنا، أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ ونَحْنُ لا نَعْلَم!
فقال الحَبيبُ المصطفى ﷺ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا»!
يا لَهولِ الحَديث! صَلَواتٌ وصِيامٌ وقِيامُ لَيلٍ مِثلُ جِبالِ تِهامة... كُلُّها تَصيرُ هَباءً مَنثورًا، لأنَّ الخَلَواتِ لم تُرَاقِبْ نَظَرَ الله، ولأنَّ الهاتِفَ في جَوفِ اللَّيلِ فَتَحَ بَابَ الجُرأةِ على مَحارِمِ الرَّحمن!
أيُّها الأحبَّة:
تَعالَوا نَضرِبْ مَثَلًا يُقَرِّبُ المَعنى لِكُلِّ عَقل:
لَو أنَّ عَدُوًّا دَخَلَ بَيتَكَ، وجَلَسَ في حُجرَةِ ابنِك، وسَرَقَ مِنهُ ثَمانيَ ساعاتٍ كُلَّ يوم، وحَرَمَهُ النَّوم، وشَغَلَهُ عن الصَّلاة، وزَرَعَ في صَدرِهِ العُقوقَ والتَّمَرُّدَ وعَدَمَ البِرِّ، وسَكَبَ في عَيْنَيهِ كُلَّ ما يَحرُم... هل كُنتَ تَسكُت؟ هل كُنتَ تَترُكُهُ يَجلِسُ في بَيتِك؟!
ألا إنَّ هذه الهَواتِفَ التي نَحمِلُها في جُيوبِنا قد فَعَلَت ذَلِكَ وأكثَر، حينَ أسلَمنا لها قِيادَنا بلا ضَوابِطَ ولا حِساب!
واسمعوا لمَوقِفٍ يَهتَزُّ لهُ الوِجدانُ مِن صَدرِ هذهِ الأمَّة:
يَروي التَّاريخُ أنَّ شَابًّا كانَ يَجلِسُ في مَجلِسِ الإمامِ مالِكِ بنِ أنسٍ رحمه الله بالمدينةِ المنوَّرة، وهو يَحيى بنُ يَحيى اللَّيثي. فبَينما هُم كَذلِك، إذ صاحَ صائحٌ في أزِقَّةِ المدينة: «قَدِمَ الفِيل! قَدِمَ الفِيل!». والفِيلُ حَيوانٌ عَجيبٌ لم يَكُن أهلُ المَدينةِ يَرَونَه، فقَامَ طُلَّابُ العِلْمِ كُلُّهم من المَجلِسِ يَركُضُونَ لِيَروا هذا المَشهَدَ الغَريبَ النَّادِر، وبَقِيَ يَحيى بنُ يَحيى قاعِدًا بَين يَدَي مالِكٍ لم يَتَحَرَّك.
فقالَ له الإمامُ مالِك: «لِمَ لا تَخرُجُ وتَنظُرُ إلى الفِيل، فإنَّهُ ليسَ بأندَلُسِك؟».
فقالَ هذا الشَّابُّ البَصيرُ كَلِمَةً كَتَبَها التَّاريخُ بمِدادِ الذَّهَب: «إنَّما جِئتُ مِن بَلَدي لأنظُرَ إليكَ وأتَعَلَّمَ مِن هَديِكَ وعِلمِك، لا لأنظُرَ إلى الفِيل!».
تَأمَّلوا هِمَّةَ الشَّباب! مَشهَدٌ استِثنائيٌّ يَمرُّ في شَوارعِ المَدينةِ لا يَلْفِتُ عَيْنَهُ عن هَدَفِه، وشَبابُنا اليومَ تَلتَفِتُ أعمارُهُم وتَضيعُ أوقاتُهُم خَلْفَ مَقاطِعَ رَدِيئةٍ وتَفاهاتٍ لا تَنقَضي!
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ أَنفاسٌ مَعدودة، ولَحَظاتٌ مَحدودة، وسَيَأتي يَومٌ نَقِفُ فيهِ أَمامَ مَن لا تَخفَى عليهِ خافِية، فيَسأَلُنا عن كُلِّ ثانِيَةٍ فِيمَ قَضَيناها.
يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].
ألا فاستَيقِظوا من هذه السَّكْرَةِ الرَّقميَّة قَبلَ أن يَنزِلَ هاذِمُ اللَّذَّات، فيَقولَ المَفْرِطُ نادِمًا: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56].
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولَكم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وخَطيئة، فاستَغفِروهُ وتُوبُوا إليه، إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعدُ، فيا عبادَ الله:
تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن جِنايَةِ الإدمانِ الرَّقميِّ على أعمارِنا، ورَأينا كيفَ أنَّ الوقتَ رَأسُ مالِ المُؤمِنِ الذي لا يُعوَّض، وكيفَ نَصَبَت لَنا وَسائلُ التَّواصُلِ فِخاخَ الغَفلة، وسَلَبَت مِنَّا خُشوعَ القُلوب، وأورَثَت شَبابَنا نَفادَ الصَّبر، وقَسوةَ المُقارَنات، وجُرأةَ الخَلَوات.
والسُّؤالُ الذي يَفرِضُ نَفسَهُ الآنَ على كُلِّ مُصَلٍّ يَجلِسُ في هذا المَسجِد:
ما المَخرَج؟ وكيفَ نَكسِرُ هذه الأغلالَ التي كَبَّلَت أوقاتَنا وأوقاتَ أولادِنا؟
أيها المسلمون:
إنَّنا لا نَدعُو إلى الانقِطاعِ عَنِ الحَياة، ولا إلى تَحريمِ التِّقنِيَّةِ التي نَفَعَ اللهُ بها، ولكنَّنا نَدعُو إلى أن نَكونَ أحرارًا مَعَ الله، لا عَبيدًا لِشاشاتِنا.
ولذا، فإنِّي أُوصيكُم — ونَفسي المُقَصِّرة — بخَمسِ وَصايا عمليَّةٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكُم:
الوصيَّةُ الأولى (قَلبيَّة): إحياءُ المُراقَبةِ في الخَلَوات.
استَحضِر في كُلِّ مَرَّةٍ تَخلُو فيها بِهاتِفِكَ أنَّ اللهَ يَرى سِرَّكَ ونَجوَاك، قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. اجعَل لِنَفسِكَ نِيَّةً واضِحة: لِماذا أَفتَحُ هذا الهاتِف؟ هل لِعِلمٍ نَافِع، أو تِجارَة، أو صِلَةِ رَحِم؟ فإن لم يَكُن شَيءٌ مِن ذَلِك، فاعلَم أنَّ الشَّيطانَ يَنتَظِرُك على البَاب.
الوصيَّةُ الثانية (لِسانيَّة): استِبدالُ اللَّغوِ بذِكرِ الله.
كَم نَقضِي مِن دَقائِقَ في تَصفُّحِ مَنشوراتٍ لا تُسمِنُ ولا تُغنِي مِن جُوع؟ حَوِّلْ عادَةَ النَّقْرِ والتَّصفُّحِ إلى عادَةِ التَّسبيحِ والتَّهليل. قال النبيُّ ﷺ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» [متفق عليه]. لَو قُلتَها بَدَلَ عَشرِ دَقائِقَ مِنَ السَّكْرَولِ، لَغَرَسْتَ لَكَ في الجَنَّةِ بُستانًا!
الوصيَّةُ الثالثة (عَمَليَّةٌ فِعليَّة): فَرضُ «صِيامٍ رَقْميٍّ» يَوميٍّ في البُيوت.
حَدِّد أوقاتًا مُقَدَّسَةً لا يَدخُلُ فيها الهاتِفُ أبدًا: وَقتَ الصَّلاة، ووقتَ الطَّعامِ مَع الأُسرَة، وساعَةً كَامِلةً قَبلَ النَّوم. أخرِجِ الهواتِفَ من غُرَفِ نَومِ الأبناءِ والبَناتِ لَيلًا؛ فإنَّ وَضعَ الهاتِفِ تَحتَ وِسادَةِ الشَّابِّ أو الفَتاةِ في عُتمَةِ اللَّيلِ مِفتاحٌ لِكُلِّ بَلاءٍ وغَفلة.
الوصيَّةُ الرابعة (اجتماعيَّةٌ أُسَريَّة): إحياءُ المَجالَسَةِ الحَيَّةِ مَعَ الأهل.
يا مَعاشِرَ الآباءِ والأُمَّهات، لا تَكونوا مَعَ أولادِكُم أجسادًا حَاضِرةً وقُلوبًا مُهاجِرة! مِنَ العُقوقِ المُعاصِرِ أن يَجلِسَ الأبُ مَع أَبنائِهِ وعَينُهُ مَسمورَةٌ في مَجموعاتِ الواتساب، ورَأسُهُ لا يَرتَفِعُ لِيَسمَعَ هُمومَ بَيتِه. كُونوا قُدوَةً لأبنائِكُم في الاستِغناءِ عن هذه الشَّاشات، وافتَحوا مَعَهُم حِواراتِ الرَّحمَةِ والمَودَّة.
الوصيَّةُ الخامسة (مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): تَطهيرُ الهَواتِفِ مِنَ الحِساباتِ السَّامَّة.
قُم اليومَ — لا غَدًا — بحَمْلَةِ «تَطهيرٍ شَامِلة» لِحساباتِك: كُلُّ صَفحَةٍ تَجُرُّكَ إلى مَعصِية، أو تُثِيرُ فيكَ الحَسَدَ والمُقارَنة، أو تَنشُرُ التَّفاهَةَ وتَقتُلُ الوَقْت، احذِفْها وحَاظِرْها فَوْرًا ابتِغاءَ وَجهِ الله. ومَن تَرَكَ شَيئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا مِنه: نُورًا في قَلبِه، وبَرَكَةً في وَقتِه.
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ تَعصِمُ الجَوارِح، وتُنيرُ البَصائر، وتَحمِي الأوقاتَ مِن ضَيَاعِ الغَافِلين.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّمُوا على مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليه، فقالَ سُبحانَهُ في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على عبدِكَ ورسولِكَ نبيِّنا مُحمَّد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِهِ الرَّاشدين: أبي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وعَليّ، وعن سائرِ الصَّحابَةِ والتَّابعين، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوب، ثَبِّتْ قُلوبَنا على دِينِك.
اللَّهُمَّ نَجِّنا مِنَ الغَفْلَةِ وشَتاتِ الأَمر، وأعِذْنا مِن ضَياعِ الأوقاتِ في غَيرِ طاعَتِك.
اللَّهُمَّ احفَظْ شَبابَنا وبَناتِنا مِن فِتَنِ الشَّهواتِ والشُّبُهات، ومِن شُرورِ ما تَحمِلُهُ هذه الشَّاشات.
اللَّهُمَّ اجعَلْ هَواتِفَنا شاهِدَةً لَنا لا شَاهِدَةً عَلَينا، واجعَلها مَفاتِيحَ لِلخَيرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرّ.
اللَّهُمَّ املأْ قُلوبَنا بحُبِّكَ وخَشيَتِكَ في الغَيبِ والشَّهادَة، وارزُقنا لَذَّةَ الإقبالِ عليك، وحَلاوَةَ القُرآن، وخُشوعَ الصَّلاة.
اللَّهُمَّ أصلِحْ أُسَرَنا، وبارِكْ في بيوتِنا، واجمَعْ شَمْلَنا على التَّقوى والهُدى، ورُدَّنا ورُدَّ شَبابَ المُسلمينَ إليكَ رَدًّا جَميلًا.
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المَهمُومِينَ مِنَ المُسلِمين، ونَفِّسْ كَرْبَ المَكرُوبين، واقْضِ الدَّيْنَ عَنِ المَدِينِين، واشْفِ مَرضانا ومَرضى المُسلِمين، وارفَعِ البَلاءَ والظُّلمَ عنِ المُستَضعَفِينَ في كُلِّ مَكان.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].
عِبادَ الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
فاذكُرُوا اللهَ العَظيمَ يَذكُرْكُم، واشكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُم، ولَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
🕌 أسرى الشاشات: حقيقة الإدمان الرقمي وضياع أعمار الشباب
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.