من مكتبة مِداد الخطيب

الوصايا الخالدة... دستور الحياة من سورة الأنعام

مشاركة
🕌 الوصايا الخالدة... دستور الحياة من سورة الأنعام #خطبة_جمعة #سورة_الأنعام #الوصايا_العشر #العقيدة #الأخلاق #الأسرة #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي أنزلَ الكتابَ تِبياناً لكلِّ شيءٍ وهُدىً ورحمةً وبُشرى للمسلمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ شريعتَهُ نُوراً للقلوبِ، ودستوراً للحياةِ، وعصمةً لمن استمسك بها من الزلل، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا ومُعلِّمَنا محمداً عبدُهُ ورسولُه، أرسلهُ ربُّهُ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ الطاهرين، وصحبِهِ المُخلِصين، ومَن سارَ على نَهجِهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أمَّا بعد: فيا أيُّها المسلمون، هل سألتم أنفسكم يوماً: لو قيل لأحدنا أن يُلخّص دين الإسلام كله، بعقيدته، وأخلاقه، وحقوقه، وواجباته، في صفحةٍ واحدةٍ، فماذا سيكتب؟ وما هي الآيات التي يمكن أن نُسميها "دستور الإسلام" الذي لا يُنسخ ولا يتغير بتغير الزمان والمكان؟ تخيلوا معي مشهداً تهتز له القلوب.. أبٌ في لحظاته الأخيرة، يجمع أبناءه حوله، يخرج ورقةً مطويةً قد كُتبت بمداد قلبه، ويقول: "هذه وصيتي لكم، فيها خلاصة عمري، ونجاة مستقبلكم، من تمسك بها نجا، ومن ضيعها هلك". كيف سيكون إنصات الأبناء؟ كيف ستكون دقات قلوبهم وهم يقرؤون كل حرفٍ فيها؟ واللهِ يا عباد الله، إنَّ بين أيدينا وصيةً أعظم، وأجلّ، وأكبر.. وصيةً لم يكتبها إنسان، بل صاغها خالق الإنسان جل جلاله! وصيةً وقّع عليها النبي ﷺ وتركها أمانة في أعناقنا. اسمعوا لما قاله حبر الأمة، الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو يصف لنا هذه الوصية العظيمة، يقول: «مَن سَرَّهُ أن يَنظُرَ إلى الصَّحيفةِ التي عليها خاتَمُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلْيَقرَأْ هؤلاءِ الآيات.. ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ...﴾». هذه الآيات العظيمة من أواخر سورة الأنعام، جمعت تسعاً من المحرمات والمقاصد، وتوجت بالعاشرة وهي الصراط المستقيم، حتى عُرفت بين السلف بـ "الوصايا العشر". قال عنها الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره: "هذه الآيات هي أم الكتاب، وهي الوصايا التي لم تختلف فيها الشرائع، ولم ينسخها شيء من الملل قط". اليوم، سنفتح معاً هذه الوصية المحمدية، والميثاق الرباني، لنقرأه لا قراءة المارّين، بل قراءة المتعطشين للنجاة في زمنٍ كثرت فيه سبل الهلاك. يفتتح الله جل وعلا هذا الدستور بنداءٍ عجيب، فيقول لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا...﴾. تأملوا معي كلمة ﴿تَعَالَوْا﴾.. لم يقل: "هلموا" أو "أقبلوا"، بل قال "تعالوا". وهي مشتقة من العلو والارتفاع. كأن الله تبارك وتعالى ينادينا: ارتفعوا يا عبادي، اصعدوا من وحل الشهوات، ومستنقعات الذنوب، وحضيض الدنيا، وتعالوا إلى سمو التشريع، وعلو القصد، وطهارة الوحي! ثم تبدأ الوصايا، وتأتي الوصية الأولى، الرأس والأساس، القاعدة التي إن انكسرت انهدم المبنى كله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. وهنا قد يظن ظانٌّ فيقول: الحمد لله، نحن مسلمون، لا نعبد أصناماً ولا أحجاراً، فهذه الوصية قد تجاوزناها! أقول لكم: مهلاً يا عباد الله.. إن الشرك الذي حذرنا منه القرآن ليس فقط سجوداً لصنم، بل هو تعلق القلب بغير الله. ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ كلمة نكرة تفيد العموم المطلق. لا تشرك به رئيساً ترجوه وتخافه كأن بيده رزقك! لا تشرك به طبيباً تظن أن الشفاء بيده لا بيد الشافي! لا تشرك به قانوناً أو دستوراً بشرياً تقدمه على حكم الله! إن من الشرك الخفي اليوم أن يتعلق قلب الشاب بوظيفته، أو الفتاة بجمالها، أو التاجر بماله، حتى يصبح هذا الشيء هو محركه ومسكنه، يفرح له ويغضب له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وكل من علّق قلبه بمخلوق يرجوه ويخافه، فقد وقع في عبوديته بحسب ذلك التعلق". ففتشوا في زوايا قلوبكم، هل الله هو الأوحد فيها؟ أم أن هناك "أشياء" تشاركه في الرجاء والخوف؟ ثم تأتي الوصية الثانية، ملتصقة بالتوحيد التصاقاً لا ينفك: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. عجباً لهذا البيان القرآني! الآية تسرد "المحرمات": ألا تشركوا، ولا تقتلوا، ولا تقربوا.. وفي وسط هذه المحرمات يأتي أمرٌ إيجابي: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. لماذا لم يقل: "ولا تعقوا الوالدين"؟ لأن مجرد ترك العقوق لا يكفي! الله جل في علاه يقرر هنا أن مجرد كفك أذاك عن والديك ليس نجاحاً.. بل عدم الإحسان إليهما هو في حد ذاته "حرام". متى آخر مرة نظرت فيها إلى وجه أمك نظرة رحمة؟ متى آخر مرة قبّلت فيها يد أبيك خافضاً له جناح الذل؟ نحن في زمنٍ صار الابن يجلس مع والديه بالساعات، لكن عينه في شاشة هاتفه، وأصابعه تكتب لغريبٍ في قارة أخرى، بينما قلبه غائب عن أقرب الناس إليه! أهذا هو الإحسان؟ وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى مراراً، ففي الحديث المتفق عليه: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ الْإِشْرَاكُ
بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ...». قرنهما كما قرنهما القرآن، فمن ضيع حق من كان سبباً في وجوده، كيف يُرجى منه أن يحفظ حق من أوجده من عدم؟ ثم ننتقل للوصية الثالثة، وصيةٌ تدمي القلوب حين نقرأها في سياق واقعنا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾. الإملاق هو الفقر المقعقع. كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفاً من الفقر والجوع. واليوم، قد نقول: الحمد لله، نحن لا نقتل أبناءنا. ولكن، ألا تتفكرون قليلاً؟ أليس هناك "قتلٌ معنوي" يُمارس اليوم في بيوتنا؟ كم من أبٍ يقتل فطرة ابنه حين يهمله بالكلية جرياً وراء سراب الدنيا وجمع الأموال خوفاً من "الإملاق" المستقبلي، فيتركه فريسة لشاشاتٍ تفسد عقله، ومقاطع تدمر دينه؟ أيها الأب، أنت تكدح ليل نهار لتوفر لهم الخبز، وهذا عظيم، ولكن ماذا عن خبز الروح؟ أيعقل أن يخاف الإنسان من فقر المال، فيقتل مستقبل ولده الأخروي بيده حين لا يعلمه آية، ولا يوقظه لصلاة، ولا يغرس فيه فضيلة؟ إن تضييع الأمانة في الأبناء هو وأدٌ معنويٌّ في عصرنا الحديث! ثم تصعد الخطاب القرآني إلى الوصية الرابعة، وتأملوها جيداً، فهي طامة هذا العصر: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. الله أكبر! لم يقل ربنا تبارك وتعالى: "ولا تقعوا في الفواحش"، بل قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾. لأن الفاحشة مغناطيس للنفوس الضعيفة، إن اقتربت من محيطها، جذبتك، ولا محالة! وما هي الفواحش اليوم؟ إنها ليست فقط في دور البغاء كما كان في الجاهلية القديمة. بل إن طامة الطامات في قوله تعالى: ﴿وَمَا بَطَنَ﴾! الفواحش الباطنة، الخفية، التي لا يراها أحد! كم من عينٍ خلوتَ بها في غرفتك المظلمة، والباب مغلق، والناس نيام، وأنت تظن أن لا أحد يراك، فمددت إصبعك لتبحث في شاشة هاتفك عما يغضب الجبار؟ الهاتف الذكي اليوم هو أكبر ساحة لاختبار ﴿وَمَا بَطَنَ﴾. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "الذنوب للقلب كالسموم، إن لم تهلكه أضعفته، ولا بدّ". وهذه الخلوات المحرمة، والمقاطع المسمومة التي يتناقلها الشباب، هي الفواحش الباطنة التي تسلب من الوجه نوره، ومن القلب سروره، ومن الصلاة خشوعها. اسمعوا لما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ في الحديث المتفق عليه: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ...». فكيف نرجو النجاة ونحن نكسر هذا الميثاق الغليظ في خلواتنا؟ وتتوالى الوصايا لتصل إلى الوصية الخامسة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. عصمة الدماء في الإسلام ليست شعاراً، بل هي ركيزةٌ لا تسقط. قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ». زوال الكواكب والشموس والمجرات، أهون عند الخالق من قطرة دم معصومة تُسفك بغير حق! وهنا ختم الله هذه الوصايا الخمس الأولى بقوله: ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. كأن العقل السليم الفطري لا يملك إلا أن يُسلّم بهذه المحرمات. إخواني في الله، قبل أن نكمل بقية الوصايا، لنتأمل موقفاً تاريخياً عجيباً يوضح لنا كيف فهم الصحابة هذا الدستور. يروي لنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قصة "بيعة النساء" أو بيعة العقبة، حين جلس النبي ﷺ مع أصحابه ليعقد معهم الميثاق الذي ستقوم عليه دولة الإسلام، فماذا قال لهم؟ هل حدثهم عن خطط عسكرية معقدة؟ لا! قال: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ...». لقد بايعهم على هذه الآيات بعينها! لأن الأمة التي لا تحمي عقيدتها، ولا تبر آباءها، ولا تصون أعراضها ودماءها، هي أمةٌ هشة لا تبني حضارة ولا تستحق نصراً. وننتقل إلى الوصية السادسة في الآية التي تليها، وهي وصيةٌ بالاقتصاد النظيف: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. اليتيم، الحلقة الأضعف في المجتمع، ماله هو الاختبار الحقيقي لأمانة الأقوياء. واليوم، قد لا نكون أوصياء على أيتام بالمعنى الحرفي، لكن الآية تؤسس لمبدأ "حماية مال الضعيف". كم من أخٍ يأكل حق أخواته في الميراث؟ كم من شريك يستغفل شريكه الأضعف؟ هذا كله من جنس أكل مال اليتيم. والوصية السابعة مكملة لها في نزاهة التعامل المالي: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. العدل الاقتصادي في الإسلام تبلغ دِقته حد الإعجاز. ولا تظنوا أن وفاء الكيل والميزان خاصٌّ ببائع الخضار الذي يزن الطماطم والتفاح! لا والله! أنت أيها الموظف، الذي يبيع "وقته" لجهة العمل، حين تأتي متأخراً ساعة، وتخرج مبكراً ساعة، وتنشغل بهاتفك ساعتين.. أنت هنا "تطفف في الميزان". تتقاضى راتباً كاملاً على عملٍ ناقص. أليس هذا من تطفيف
الكيل؟ وقد قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». وهنا نصل إلى الأمر الأخطر، الوصية الثامنة التي تنخلع لها القلوب، وتطيش فيها العقول في زماننا هذا: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾. يا لعظمة هذا الدين! العدل في الكلمة. العدل في النطق. العدل في كتابة الأحرف! أين نحن من هذه الوصية في عصر الهواتف والشاشات ومواقع التواصل؟ ما الفرق بين من يزن بضاعته للناس بالغش، وبين من يزن كلامه قبل أن يكتبه بالظلم والبهتان؟ تجد الشاب منا أو الرجل يغضب من جهة، أو يختلف مع داعية، أو يكره تياراً، فيكتب تغريدة أو رسالةً في "واتساب" أو "فيسبوك" يمزق فيها عِرض أخيه المسلم، ويسخر منه، وينشر عنه الإشاعات، ثم ينام ملء جفنيه! هل سألت نفسك يوماً: لو عُرضت كلماتنا التي نكتبها ونقولها كل يوم على ميزان الله، فكم منها سيكتب لنا وكم منها سيكتب علينا؟ ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾.. العدل مطلوب منك حتى مع من تكره، ومطلوب منك أن تقوله حتى على من تحب ومن يقرب إليك! ولنتأمل معاً هذا المشهد العظيم من السيرة. أرسل النبي ﷺ عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى يهود خيبر لِيَخْرُصَ عليهم (أي يقدر) ثمارهم، فأرادوا أن يرشوه لكي يخفف عنهم، فماذا قال هذا الصحابي العظيم الذي تشرّب دستور سورة الأنعام؟ قال لهم: "يا معشر اليهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم (أي أظلمكم)". الله أكبر! البغض في القلب لم يمنع العدل في الميزان! فأين هذا من حالنا اليوم حين نختلف مع أقرب الناس إلينا فنفجر في الخصومة وننسى كل فضل؟ إن الكلمة خطرها عظيم، واسمعوا لما يقوله الصادق المصدوق ﷺ في صحيح البخاري: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ». وتأتي الوصية التاسعة الجامعة التي تلملم كل ما سبق: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. عهد الله هو التزامك بكل ما شرع. هو الميثاق الذي أُخذ عليك حين قلت "لا إله إلا الله". أوفِ بصلاتك، أوفِ بزكاتك، أوفِ بأمانتك تجاه زوجتك وأبنائك، أوفِ ببيعتك مع الله ألا تعصيه. ولأن هذه الوصايا التسع تحتاج إلى مسارٍ تسير عليه، ولأن الإنسان ضعيفٌ قد يتوه في الدروب الفرعية، ختم الله تبارك وتعالى هذا الدستور بالوصية العاشرة، الآية الفاصلة، الطريق الواضح: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. صراط الله واحد، لا اعوجاج فيه. وهو صراط التوحيد، وصراط البر، وصراط الطهارة من الفواحش، وصراط العدل الاقتصادي والقولي. وما سوى ذلك سبلٌ متفرقة، على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، شيطان الشبهات، وشيطان الشهوات، وشيطان الظلم، وشيطان العقوق. ومن سار على هذا الصراط المستقيم، أفضى به حتماً إلى دار السلام. فاللهم اجعلنا ممن يستمعون الوصية فيتبعون أحسنها، وممن يقفون عند حدودك فلا يتجاوزونها. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُعز من أطاعه واتبع هداه، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ، إمام المتقين وسيد المرسلين. أمَّا بعد: عباد الله، وقفنا في خطبتنا الأولى مع دستور الحياة، والوصايا العظيمة التي أمرنا الله بها في سورة الأنعام، كيف ننزّه الله عن الشريك، ونبرّ الوالدين، ونحمي أنفسنا وبيوتنا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وكيف نقيم العدل في كلماتنا قبل أفعالنا، ونسير على الصراط المستقيم. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستمر مرور الريح أم ستثمر في قلوبكم حقاً: كيف نترجم هذه الوصايا إلى واقع نعيشه اليوم ونُطبّقه غداً؟ وأوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري، خذوها معكم عهداً وتطبيقاً: الأولى (قَلبيَّة): فتش في قلبك الليلة عن "الشرك الخفي".. هل تعتمد على المخلوقين وتنسى الخالق؟ جدد توحيدك، وقل بيقين: اللهم إني أبرأ إليك من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك. الثانية (لِسانيَّة): احفظ لسانك وأصابعك. قبل أن تكتب تعليقاً جارحاً أو تنشر إشاعة في هاتفك، تذكر: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾. اجعل لسانك اليوم رطباً بالكلمة الطيبة وبكثرة الاستغفار. الثالثة (عَمَليَّة): نظّف شاشاتك من "الفواحش ما بطن". احذف كل مقطع، وكل حساب، وكل صورة تخجل أن تراها لو فاجأك الموت وأنت تنظر إليها.
اجعل هاتفك شاهداً لك لا عليك. الرابعة (اجتماعيَّة): إن كان والداك أو أحدهما حياً، فاتصل بهما اليوم، أو زرهما، وقدم لهما من الإحسان ما يمسح عنهما تعب السنين. وإن كانا قد رحلا، فتصدق عنهما الليلة وادعُ لهما، فهذا من برهما الباقي. الخامسة (موضوعيَّة): أوصيكم أن تعودوا إلى بيوتكم، وتفتحوا المصحف على أواخر سورة الأنعام (الآيات 151-153)، واقرؤوها مع أزواجكم وأبنائكم، واجعلوها ميثاقاً يحكم مسار بيتكم. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على الوفاء بعهد الله والثبات على صراطه المستقيم. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام الأنبياء وقائد الأصفياء، فقد قال ربكم جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم طهر قلوبنا من الشرك الخفي والظاهر، وارزقنا كمال التوحيد وحسن الاعتماد عليك. اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا كما ربَّونا صغاراً، واجعلنا من البارِّين بهم في حياتهم وبعد مماتهم، وأنزِل عليهم من رَحَماتك ما تَسعَد به قلوبهم في الدنيا والآخرة. اللهم طهر أعيننا من الخيانة، وقلوبنا من النفاق، واحفظنا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وارزقنا العدل في الغضب والرضا، وفي القول والعمل. اللهم اهدنا صراطك المستقيم، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم اجعل أيامنا خيراً من أمسها، وَغَدنا خيراً من يومها، واختم بالصالحات أعمالنا يا أرحم الراحمين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.