🕌 الأرضُ أمانة... ونِعمَةُ البيئةِ في ميزانِ الإسلام
#خطبة_جمعة #نعمة_البيئة #إعمار_الأرض #شكر_النعم #النظافة #أخلاق #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي مَهَّدَ الأرضَ فبَسَطَها، ورَفَعَ السَّماءَ فزَيَّنَها، وأرسَى الجبالَ فأثبَتَها، وأجرَى الأنهارَ ففَجَّرَها، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَنا خَلائفَ في الأرضِ لنَعمُرَها لا لنُفسِدَ فيها، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُصلِحين، وقُدوةُ الشَّاكرين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، هل سألتم أنفسَكم يوماً: ما علاقةُ ديننا بالشجرةِ التي نَستظلُّ بها؟ وما علاقةُ عقيدتنا بقطرةِ الماءِ التي نَشربُها؟ وما حُكمُ إيماننا في الطريقِ الذي نَمشي عليه؟ كثيرٌ منّا يظنُّ أنَّ الإسلامَ مَحصورٌ بين جدرانِ المسجد، ولا يَعلمُ أنَّ هذا الدينَ قد جَعَلَ الحفاظَ على نِعمَةِ البيئةِ والأرضِ شُعبةً من شُعَبِ الإيمان. فكيف تَكونُ النظافةُ عبادة؟ وكيف يَكونُ التلويثُ معصية؟ هذا ما سَنَقِفُ عليه في خُطبتنا.
أيها المسلمون، إنَّ الأرضَ التي نَمشي عليها ليست مُجرَّدَ تُرابٍ وحَجَر، بل هي خَلقٌ من خَلقِ الله، مُسَبِّحٌ بحمده، سَخَّرَهُ اللهُ لنا لِنَحيا عليه. اسمعوا إلى نداءِ القرآن وهو يُذَكِّرنا بهذه النعمة العظيمة، يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: 10]. تأملوا! لم يَقل خَلَقها فقط، بل "وَضَعَها"، مَهَّدَها، هَيَّأها لتَكونَ مَهداً صالِحاً لحياتنا.
ولقد جَعَلَ اللهُ هذا الكونَ كتاباً مَفتوحاً يَنطقُ بعَظَمَته، وكلُّ ما فيه من شجرٍ ودوابَّ وأنهارٍ يُسَبِّحُ اللهَ جل جلاله، يقول تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].
هل استشعرتم هذا المعنى العظيم؟ الشجرةُ التي تَكسِرُ غُصنَها عَبَثاً هي كائنٌ يُسبِّحُ الله! والعَينُ الجاريةُ التي تُلقي فيها الأوساخَ هي خَلقٌ ساجدٌ لله! فكيف يَجرؤُ مُؤمنٌ يَعرفُ اللهَ أن يُفسِدَ مِحراباً كَونياً يَعِجُّ بتسبيحِ الخالق؟
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "مفتاح دار السعادة": "تأمَّلْ هذا الخَلقَ العجيب، وهذا الصُّنعَ المُتقَن، كيف جَعَلَ اللهُ الأرضَ كِفاتاً أحياءً وأمواتاً، وهَيَّأها مَسكناً، وأنبَتَ فيها الأقوات، وفَجَّرَ فيها العيون، لِتَعلَمَ أنَّ هذا كُلَّهُ من تَدبيرِ حكيمٍ خبير، سَخَّرَهُ لكَ لِتَشكُرَه، لا لِتَكفُرَه".
أيها الإخوة الأحبة، لقد خَلَقَ اللهُ هذه البيئةَ بـ "ميزان" دقيقٍ غايةَ الدِّقَّة. يقول جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: 7-8]. كلُّ شيءٍ في هذا الوجودِ مَوزون؛ نسبةُ الهواء، دورةُ الماء، تَكاثُرُ النبات. والإنسانُ بجهلِه وطَمَعِه هو الذي يُخِلُّ بهذا الميزان. وقد سَمَّى اللهُ هذا الخَلَلَ البيئيَّ والأخلاقيَّ بالفساد، فقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "أي نَقَصَتِ الزُّروعُ والثِّمارُ بسببِ المعاصي". واليوم، نَرى هذا الفسادَ رَأيَ العَين في تَلَوُّثِ الأجواء، وتَصَحُّرِ الأراضي، وجَفافِ الأنهار. أليس هذا من عملِ أيدي الناس؟ أليس هذا من الطغيانِ في الميزان؟ واللهُ يحذرنا بصريح العبارة قائلاً: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56].
عباد الله، إنَّ ديننا العظيم لم يكتفِ بالتنظير، بل حَوَّلَ الحفاظَ على البيئةِ إلى سُلوكٍ يوميٍّ عَمَلي، بل جَعَلَهُ مِن صَميمِ العقيدة!
اسمعوا لهذا الحديث العظيم، فإنَّ فيه كنزاً يحلُّ كثيراً من أمورنا. يقول النبي ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (متفق عليه).
تأملوا... إماطةُ الأذى، رَفعُ الشَّوكة، إبعادُ النُّفايةِ عن طريقِ الناس، جَعَلَها النبي ﷺ شُعبةً ومَرتَبةً من مراتب الإيمان، مَقرونةً في النَّسَقِ العَقَديِّ بكلمةِ التوحيد! فأيُّ دينٍ هذا الذي يَجعَلُ تنظيفَ الشارعِ عَمَلاً يَتَقَرَّبُ به العَبدُ إلى ربِّ السماوات والأرض؟
ولنتأمل معاً كيف ربط النبي ﷺ بين الإحسانِ إلى البيئةِ وبين دخولِ الجنة والعتقِ من النار.
هل سألتم أنفسكم يوماً عن قيمةِ الشجرةِ في الإسلام؟
اسمعوا حديث المصطفى ﷺ وهو يَرسمُ لنا منهجَ التنميةِ المُستدامةِ قبل أن تَعرِفَها البشريَّةُ بقرون. قال ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (رواه البخاري).
بل وتَصِلُ النظرةُ الإسلاميَّةُ لإعمارِ الأرضِ إلى اللحظةِ الأخيرةِ من عُمُرِ الكَون! يقول الصادق المصدوق ﷺ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» (رواه أحمد).
الله أكبر! القيامةُ تَقوم، والنفخُ في الصورِ يوشك، والجبالُ ستُنسَف، ومع ذلك يطلبُ منك الإسلام أن تَزرَعَ الفسيلة (النبتة الصغيرة)! لماذا؟ لأنَّ المُسلمَ مُكَلَّفٌ بالعَمَل، مُكلَّفٌ بالإعمار، مُكَلَّفٌ بتركِ البَصمةِ الخضراءِ حتى آخِرِ رَمَق.
واسمعوا لهذا المشهد التاريخي الذي يُثبِتُ كيف تَشرَّبَ الصَّحابةُ هذا الفَهمَ العَميق.
خَرَجَ جيشُ أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما في زمنِ الخليفةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه. جيشٌ يَمضي للحَرب، والحَربُ مَظِنَّةُ الدَّمار والتخريب. فبماذا يُوصيهم خليفةُ رسولِ الله؟ هل يوصيهم بسحقِ الأعداءِ وحرقِ أراضيهم؟
لا! بل وَقَفَ أبو بكرٍ الصديق يُوَدِّعُ الجيشَ قائلاً كلماتٍ تُكتَبُ بماءِ الذَّهب، قال: «لَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلَا تَخْرَبُوا عَامِرًا، وَلَا تَعْقِرُوا شَاةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ...».
في ذُروةِ الحَربِ وعُنفِ المَعارك، يَمنَعُ الإسلامُ قَطعَ الشجرةِ المُثمِرة، ويُحَرِّمُ إفسادَ البيئة، ويَرحمُ الحيوان! فكيف بنا نحن اليومَ في سِلمِنا ورَخائنا وحياتِنا اليوميَّة؟
يا من غرّته النعم فألهاه التبذير! انظروا إلى حالنا اليوم، وقارنوه بهذا الهديِ النبوي.
كم نُسرِفُ في الماءِ ونحن نَتوضأ للعبادة؟
مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ لَهُ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟» قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ ﷺ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» (رواه ابن ماجه).
تأملوا هذا التوجيه! حتى لو كنتَ تَجلِسُ على نَهرٍ يَتدفَّقُ بملايين الأمتار المكعَّبة من الماء، يُحَرِّمُ عليكَ الإسلامُ أن تُهدِرَ كَأسًا واحداً بلا حاجة! لأنَّ الإسرافَ سُلوكٌ مَذموم، وسُوءُ أَدَبٍ مع المُنعِم سبحانه. قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60].
وإنَّ من أشدِّ المُفارقاتِ حُزناً في زماننا، أن ترى العائلةَ المُسلمةَ تَخرجُ للتَّنَزُّهِ في رُبوعِ الأرضِ التي طَهَّرها الله، يَجلِسون تحت شجرةٍ، يَأكلون من رِزقِ الله، ويَشربون من مائه، وربَّما قاموا فَصَلَّوا تحت ظِلِّها، ثُمَّ إذا هَمُّوا بالانصراف، تَرَكوا مَكانَهم مَليئاً بالنُّفاياتِ وبقايا الطَّعامِ والأذى!
كيف يَعقِلُ هذا؟ أتُصَلِّي للهِ في مَكانٍ، ثم تُهينُ هذا المَكانَ الذي سَجَدتَ فيه وتَترُكُه قَذِراً لمن بَعدَك؟ أينَ إماطةُ الأذى؟ بل أينَ شُكرُ النِّعمة؟ قال الله جل جلاله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]. الماءُ حياة، والأرضُ مَهد، فهل شُكرُ الحياةِ تَلويثُها؟
أيها المسلمون، لقد سَجَّلَت لَنا السِّيرةُ النَّبَويَّةُ مَواقفَ تَقطُرُ رَحمةً، ليس بالبَشَرِ فَحَسب، بل بالبيئةِ والطَّيرِ والحيوان.
كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً (طائراً صغيراً) مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ (تُرَفرِفُ بِجَناحَيها فزعاً)، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا» (رواه أبو داود).
نبيُّ الرَّحمةِ، قائدُ الأمَّة، المَشغولُ بِهُمومِ الدَّعوةِ والدَّولة، يَستَوقِفُهُ حُزنُ طائرٍ صغيرٍ على فِراخِه! لأنَّهُ ﷺ يَعلَمُ أنَّ هذا الطَّائرَ أُمَّةٌ من الأمَم، وأنَّ الرَّحمةَ لا تَتَجَزَّأ. وقد قالها ﷺ واضحةً جَلِيَّة: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ... فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ... ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ... فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (متفق عليه).
وفي المُقابل: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (رواه البخاري).
الرَّحمةُ بالبيئةِ وما فيها أدخَلَت رَجُلاً الجنَّة، والقَسوةُ عليها أدخَلَتِ امرأةً النَّار! إنَّها ليست مَسألةً هَيِّنة، بل هي من أعظمِ ما يُسألُ عنه العَبدُ يومَ القيامة.
تأمّلوا هذا المعنى جيداً.
شُكرُ نِعمةِ البيئةِ لا يَكونُ باللِّسانِ فقط بِقَول "الحمد لله"، بل بالاستخدامِ الصَّحيحِ لِهذه النِّعمة، وبِعَدَمِ الإسرافِ فيها، وبالحِفاظِ على نَقائها. يَقُولُ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]. استَعمَرَكُم فيها أي طَلَبَ مِنكُم إعمارَها وبِناءَها وصِيانَتَها، لا تَخريبَها وتَدميرَها.
وكم من نِعمةٍ زالَت عن قَومٍ لأنَّهم لم يَشكُروها بالعَمَل! قال سبحانه: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعدُ:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن مكانةِ البيئةِ في عقيدتِنا، وكيف أنَّ إماطةَ الأذى من شُعَبِ الإيمان، وأنَّ زِراعةَ الشَّجرةِ صَدقة، وأنَّ الحِفاظَ على الماءِ شُكرٌ لِلمُنعِم، وأنَّ التَّلويثَ لونٌ من ألوانِ الفسادِ في الأرض. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستمر مرور الريح أم ستثمر في قلوبكم: كيف نُتَرجِمُ هذا الشُّكرَ إلى واقِعٍ في حياتِنا اليوميَّة؟
وأوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): استَحضِر نِيَّةً صادِقَةً في كلِّ عَمَلٍ بِيئيٍّ تَقومُ به. حينَ تَرفَعُ النُّفايَةَ من الطَّريق، انوِ بها التَّقَرُّبَ إلى الله؛ عَسَى أن يَرْفَعَ اللهُ بها قَدرَك ويَمحُوَ ذَنبَك كما رَفَعتَ الأذى عَن خَلقِه.
الثانية (لِسانيَّة): رَبِّ أبناءَك وعَلِّمهُم بِلِسانِكَ وفِعلِكَ أنَّ النَّظافَةَ دِين، وأنَّ الشَّارِعَ والمُتَنَزَّهَ كَبَيتِهم تَماماً. لا تَسمَح لِوَلَدِكَ أن يُلقِيَ وَرَقَةً مِن نافِذَةِ السَّيَّارَة، وَذَكِّرهُ أنَّ اللهَ يَرى.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): ازرَع شَجَرَةً، أو نَبتَةً في بَيتِك أو شارِعِك. كُن أنتَ المُبادِر؛ ففي كُلِّ كَبِدٍ رَطبَةٍ تأكُلُ مِنها، أو ظِلٍّ يُستَظَلُّ بِه، صَدَقَةٌ جارِيَةٌ لَك في صَحيفَتِك.
الرابعة (اجتماعيَّة): لا تَترُك أثَراً سَيِّئاً خَلفَك في الأماكِنِ العامَّة، والمُتَنَزَّهات، والشَّواطِئ. كُن أنتَ السَّبَبَ في نَظافَتِها، فالمُؤمِنُ كالغَيثِ حَيثُما وَقَعَ نَفَع، ومَكانُهُ دَائماً أطهَرُ مِمَّا كان.
الخامسة (موضوعيَّة): اقتَصِد في استِهلاكِ الماءِ والكَهرَباءِ والمَوارِد. لا تُسرِف في وُضوئِكَ، ولا تُسَيِّبِ الماءَ عَبَثاً في بَيتِك، فالمُبَذِّرونَ إخوانُ الشَّياطين، والاقتِصادُ في المَوارِدِ شُكرٌ عَمَليٌّ يَحفَظُ النِّعمَةَ مِنَ الزَّوال.
فاتقوا الله عباد الله، فإنَّ تقوى اللهِ هي التي تَحمِلُكم على حِفظِ الأماناتِ، وشُكرِ النِّعَم، وعِمارَةِ الأرضِ بِالخَير.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
اللهم اجعَلنا ممن إذا أُعطي شَكر، وإذا ابتُلي صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر.
اللهم اجعَلنا عُمَّاراً لِهذِه الأرضِ بالخَير، مُصلِحينَ غَيرَ مُفسِدين، شَاكِرينَ لِنِعَمِكَ غَيرَ جَاحِدين.
اللهم بارِك لَنا في أرزاقِنا وأقواتِنا وأمطارِنا وثِمارِنا، واجعَلها عَوناً لنا على طاعَتِك.
اللهم رُدَّنا إليكَ رَدّاً جَميلاً، وارزُقنا الأخلاقَ التي تُرضيكَ عَنَّا في السِّرِّ والعَلَن.
اللهم ارحَم أمواتَنا وأمواتَ المُسلمين، واجبُر كَسرَ المُستَضعَفينَ من المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، وعُمَّهُم برَحمَتِكَ وفَضلِك.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
الأرضُ أمانة... ونِعمَةُ البيئةِ في ميزانِ الإسلام
1,703 كلمةنص كامل · جاهز للقراءة والنسخ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.
كلماتٌ أخرى تحمل أثرًا
كل المكتبةخطب الجمعةالعربية
تَضحِيَاتُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَصَبرُهُم عَلَى الأَذَى فِي سَبِيلِ الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن ثَمَنِ الثَّبَاتِ عَلَى العَقِيدَةِ وَمَوَاقِفِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ وَأَئِمَّةِ الهُدَى
تَضحِيَاتُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَصَبرُهُم عَلَى الأَذَى فِي سَبِيلِ الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن ثَمَنِ الثَّبَاتِ عَلَى العَقِيدَةِ وَمَوَاقِف…
تزكية النفسالسيرة والصحابة
2,188 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
وَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعظَمُ مَصَائِبِ الأُمَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَشهَدِ الوَدَاعِ النَّبَوِيِّ وَوَصَايَاهُ الأَخِيرَةِ وَثَبَاتِ الصِّدِّيقِ وَوَاجِبِنَا فِي التَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ
وَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعظَمُ مَصَائِبِ الأُمَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَشهَدِ الوَدَاعِ النَّبَوِيِّ وَوَصَايَاهُ الأَخِير…
السيرة والصحابةالموت والآخرة
2,134 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهَا الأَغنِيَاءُ وَيُترَكُ الفُقَرَاءُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالرِّيَاءِ فِي الأَفرَاحِ وَفَضلِ جَبرِ خَوَاطِرِ المَسَاكِينِ
شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهَا الأَغنِيَاءُ وَيُترَكُ الفُقَرَاءُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالرِّيَاءِ فِي الأ…
الأخلاق والمعاملاتالمجتمع والعلاقات
1,974 كلمةاقرأ النص كاملًا