من مكتبة مِداد الخطيب

زُخْرُفُ القَوْلِ وَبَرِيقُ الطِّين.. النَّجَاةُ مِنْ فِتْنَةِ الانْبِهَارِ الْمَادِّي

مشاركة
🕌 زُخْرُفُ القَوْلِ وَبَرِيقُ الطِّين.. النَّجَاةُ مِنْ فِتْنَةِ الانْبِهَارِ الْمَادِّي #خطبة_جمعة #الانبهار_المادي #الدنيا #الزهد #الإيمان_بالغيب #عقيدة #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الدُّنيَا دارَ مَمَرٍّ لا دارَ مَقَرّ، وكَسَاها بِزِينَةٍ خادِعَةٍ ليَبلُوَ عِبادَهُ أيُّهُم أحسَنُ عَمَلاً، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُعطِي الدُّنيَا لِمَن يُحِبُّ ومَن لا يُحِبّ، ولا يُعطِي الدِّينَ والإيمانَ إلَّا لِمَن يُحِبّ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الزَّاهِدِينَ، وقُدوَةُ المُتَوَكِّلِينَ، الذي خُيِّرَ بَينَ أن يَكُونَ مَلِكاً نَبيّاً أو عَبداً رَسُولاً، فاختارَ أن يَكُونَ عَبداً يَجُوعُ يَوماً فَيَصبِر، ويَشبَعُ يَوماً فَيَشكُر، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَام، هَل سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْماً: لِمَاذَا نَشْعُرُ بِالضَّآلَةِ أَحْيَاناً حِينَ نَرَى صُورَةً لِمَدِينَةٍ بَعِيدَةٍ تَشُقُّ نَاطِحَاتُ سَحَابِهَا عَنَانَ السَّمَاء؟ لِمَاذَا تَتَسَارَعُ نَبَضَاتُ قُلُوبِ بَعْضِنَا حِينَ يَرَى مَقْطَعاً لِشَابٍّ يَسْتَعْرِضُ قُصُورَهُ وَمَرَاكِبَهُ الفَارِهَةَ عَلَى شَاشَاتِ الهَوَاتِف؟ لِمَاذَا نَشْعُرُ أَنَّنَا مُتَأَخِّرُونَ، ضُعَفَاءُ، مَسَاكِينُ، بِمُجَرَّدِ أَنْ نُطَالِعَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الآخَرُونَ مِنْ تَقَدُّمٍ مَادِّيٍّ وَتِكْنُولُوجِيٍّ وَصِنَاعِيّ؟ إِنَّهَا فِتْنَةٌ قَدِيمَةٌ حَدِيثَةٌ؛ إِنَّهَا "فِتْنَةُ الانْبِهَارِ الْمَادِّيِّ". ذَلِكَ الْمَرَضُ الخَفِيُّ الَّذِي يَتَسَلَّلُ إِلَى القُلُوبِ فَيَغْسِلُهَا مِنْ يَقِينِهَا بِعَظَمَةِ اللهِ، لِيَمْلَأَهَا بِتَعْظِيمِ المَخْلُوقِينَ. نَحْنُ نَعِيشُ فِي عَصْرٍ يُرِيدُ أَنْ يُقْنِعَنَا أَنَّ القِيمَةَ الحَقِيقِيَّةَ تُقَاسُ بِمَا تَمْلِكُ، لا بِمَا تَعْتَقِد، وَأَنَّ المِيزَانَ هُوَ بَرِيقُ الذَّهَبِ وَشَاشَاتُ الرَّقْمِيَّاتِ، لَا نُورُ السَّمَاءِ وَمَوَازِينُ الآخِرَة. واسمعوا لِهَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ التي تُشَخِّصُ حَالَ الكَثِيرِينَ اليَوْم. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7]. تَأَمَّلُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ الرَّبَّانِيَّةَ الدَّقِيقَة: ﴿ظَاهِرًا﴾! هُمْ بَرَعُوا فِي الظَّاهِرِ؛ هَنْدَسُوا المُدُنَ، اخْتَرَعُوا الذَّكَاءَ الاصْطِنَاعِيَّ، غَاصُوا فِي قِيعَانِ المُحِيطَاتِ، وَصَعِدُوا إِلَى الكَوَاكِب. لَقَدْ عَلِمُوا "ظَاهِراً" مُبْهِراً، لَكِنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ جَوَابِ السُّؤَالِ الأَعْمَق: لِمَاذَا خُلِقْنَا؟ وَإِلَى أَيْنَ المَصِير؟ فَهَلْ يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ عَرَفَ اللهَ، وَعَرَفَ سِرَّ وُجُودِهِ، أَنْ يَقِفَ مُنْبَهِراً ذَلِيلاً أَمَامَ مَنْ يَعْلَمُ القِشْرَةَ وَيَجْهَلُ اللُّبّ؟ أَمَامَ مَنْ عَرَفَ الطِّينَ وَجَهِلَ نَفْخَةَ الرُّوح؟ عِبَادَ الله، لَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يُحَذِّرُ أَصْحَابَهُ مِنْ هَذَا الانْبِهَارِ تَحْذِيراً شَدِيداً. لَمْ يَكُنْ يَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ بَلْ كَانَ يَخَافُ مِن بَرِيقِهِ الخُلَّبِ الَّذِي يُعْمِي البَصَائِر. فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيباً، وَنَظَرَ فِي عُيُونِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ كَلِمَةً تَهْزُّ القُلُوبَ إِلَى يَوْمِ الدِّين: «فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ». يَا لَعَظَمَةِ هَذَا البَيَانِ النَّبَوِيّ! «تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا».. كَأَنَّهَا بِسَاطٌ مُزَخْرَفٌ يُلْقَى أَمَامَ الأَعْيُن، فَتَأْخُذُ الزَّخَارِفُ الأَلْبَاب، وَيَنْسَى السَّائِرُ عَلَى البِسَاطِ أَنَّ تَحْتَهُ حُفْرَةً عَمِيقَة. إِنَّ التَّنَافُسَ المَادِّيَّ وَالانْبِهَارَ بِالْمُتَعِ الدُّنْيَوِيَّةِ يُهْلِكُ الأُمَمَ؛ لِأَنَّهُ يُحَوِّلُ الإِنْسَانَ مِنْ خَلِيفَةٍ فِي الأَرْضِ يَعْبُدُ اللهَ، إِلَى عَبْدٍ ذَلِيلٍ لِلدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالشَّهْوَةِ وَالشَّاشَة. وقَدْ قَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَب: "أَهِينُوا الدُّنْيَا فَوَاللَّهِ لأَهْنَأُ مَا تَكُونُ إِذَا أَهَنْتُمُوهَا". وَالمَعْنَى: لا تَمْنَحُوهَا قَدْراً فَوْقَ قَدْرِهَا، وَلا تَجْعَلُوهَا سَيِّدَةً عَلَى قُلُوبِكُمْ، فَمَنْ أَعَزَّ الدُّنْيَا أَذَلَّتْهُ، وَمَنْ أَهَانَهَا بِطَاعَةِ اللهِ خَدَمَتْهُ! وَلَعَلَّكُمْ تَسْأَلُونَ: وَكَيْفَ يَكُونُ شَكْلُ هَذَا الانْبِهَارِ فِي
الوَاقِع؟ لِنَرْجِعْ مَعاً إِلَى أَعْظَمِ كِتَاب، إِلَى القُرْآنِ الكَرِيم، لِنَرَى صُورَةً حَيَّةً تَكَادُ تَتَطَابَقُ مَعَ مَا نَرَاهُ اليَوْم. إِنَّهَا قِصَّةُ قَارُون. رَجُلٌ أَعْطَاهُ اللهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة. كَانَتِ المَادَّةُ بَيْنَ يَدَيْهِ جِبَالاً. وَذَاتَ يَوْمٍ، قَرَّرَ قَارُونُ أَنْ يُقِيمَ أَعْظَمَ "اسْتِعْرَاضٍ مَادِّيٍّ" فِي تَارِيخِ قَوْمِه. اسْتِعْرَاضٌ يُشْبِهُ مَا نَرَاهُ اليَوْمَ عَلَى مَنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ حِينَ يَسْتَعْرِضُ المَشَاهِيرُ مُمْتَلَكَاتِهِمْ لِيُبْهِرُوا الفُقَرَاءَ وَالبُسَطَاء. يَصِفُ اللهُ المَشْهَدَ بِدِقَّة: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79]. كَيْفَ كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ الجُمْهُور؟ انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى قِسْمَيْن. القِسْمُ الأَوَّلُ هُمُ المُنْبَهِرُونَ المَادِّيُّونَ، الَّذِينَ سَقَطُوا فِي الفَخّ. قَالَ اللهُ عَنْهُمْ: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. دَخَلَ الفَيْرُوسُ إِلَى قُلُوبِهِم. ظَنُّوا أَنَّ الحَظَّ العَظِيمَ وَالنَّجَاحَ الحَقِيقِيَّ هُوَ هَذَا البَرِيقُ الفَانِي. احْتَقَرُوا حَيَاتَهُمْ، احْتَقَرُوا أَرْزَاقَهُمُ الّتِي كَتَبَهَا اللهُ لَهُم، وَتَمَنَّوْا لَوْ كَانُوا نُسْخَةً مِنْ هَذَا الطَّاغِيَةِ المَادِّيّ. أَلا يُشْبِهُ هَذَا حَالَ الكَثِيرِينَ مِنَّا اليَوْم؟ حِينَ تَرَى شَابّاً يَتَحَسَّرُ عَلَى حَيَاتِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا يَمْلِكُهُ فُلانٌ مِنَ المَشَاهِير! حِينَ تَرَى امْرَأَةً تَحْتَقِرُ بَيْتَهَا الدَّافِئَ لِأَنَّهَا رَأَتْ صُورَةً لِقَصْرِ امْرَأَةٍ أُخْرَى عَلَى الشَّاشَة! إِنَّهَا نَفْسُ الصَّيْحَةِ القَدِيمَة: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾. لَكِنْ، انْتَبِهُوا لِلْقِسْمِ الثَّانِي مِنَ الجُمْهُور. الصِّنْفُ الَّذِي امْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ بِعَظَمَةِ السَّمَاءِ فَلَمْ يَبْهَرْهُمْ طِينُ الأَرْض. قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 80]. هَؤُلاءِ هُمْ أَهْلُ المَنَاعَةِ الإِيمَانِيَّة! لَمْ يَرَوْا فِي الذَّهَبِ إِلَّا حِجَارَةً سَتَفْنَى، وَرَأَوْا الثَّوَابَ الأُخْرَوِيَّ هُوَ الحَقِيقَةَ البَاقِيَة. وَمَاذَا كَانَتِ النِّهَايَة؟ بَعْدَ لَحَظَاتٍ مِنْ هَذَا الانْبِهَارِ، جَاءَ الحُسْمُ الرَّبَّانِيّ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾. غَاصَ قَارُونُ، وَغَاصَ ذَهَبُهُ، وَغَاصَ كِبْرِيَاؤُهُ فِي وُحُولِ الأَرْض! فَمَاذَا قَالَ المُنْبَهِرُونَ بِالأَمْس؟ ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾. لَقَدْ أَدْرَكُوا الحَقِيقَةَ، وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ كَادُوا يَهْلِكُون! يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِمَاذَا نُنْبَهِر؟ نَحْنُ نُنْبَهِرُ حِينَ نَنْسَى قِيمَةَ مَا نَمْلِكُ مِنَ اليَقِين، وَحِينَ نُعْطِي الدُّنْيَا حَجْماً أَكْبَرَ مِنْ حَجْمِهَا عِنْدَ خَالِقِهَا. يَقُولُ رَسُولُ الهُدَى ﷺ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ». اللهُ أَكْبَر! كُلُّ هَذِهِ النَّاطِحَات، وَكُلُّ هَذِهِ الحَضَارَاتِ المَادِّيَّة، وَكُلُّ أَرْصِدَةِ البُنُوك، وَكُلُّ مَا تَرَاهُ أَعْيُنُكُمْ مِنْ زَخَارِفَ شَرْقاً وَغَرْباً.. لا تُسَاوِي عِنْدَ مَلِيكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ "جَنَاحَ بَعُوضَة"! فَكَيْفَ يَسْمَحُ مُؤْمِنٌ يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَيَعْرِفُ قَدْرَ هَذِهِ الدُّنْيَا الهَزِيلَةِ، أَنْ يَنْكَسِرَ قَلْبُهُ حَسْرَةً عَلَيْهَا؟ كَيْفَ نَرْضَى أَنْ نُنْبَهِرَ بِنَاطِحَةِ سَحَابٍ بَنَاهَا إِنْسَانٌ، وَنَنْسَى عَظَمَةَ خَالِقِ الإِنْسَانِ وَالسَّمَاء؟ لِنَتَأَمَّلْ مَعاً صُورَةً مُشْرِقَةً لِمُؤْمِنٍ امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِعَظَمَةِ اللهِ، فَصَغُرَتْ فِي عَيْنِهِ أَعْظَمُ حَضَارَاتِ الأَرْض. عِنْدَمَا دَخَلَ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَيْمَةَ "رُسْتُم" قَائِدِ الفُرْس، كَانَتْ خَيْمَةً تَكَادُ تَنْطِقُ مِنَ الفَخَامَة؛ حَرِيرٌ وَذَهَبٌ وَتِيجَانٌ وَلَآلِئُ، وِسَادَاتٌ مِنْ حَرِير، وَبُسُطٌ مُذَهَّبَة. قِمَّةُ الانْبِهَارِ المَادِّيِّ فِي ذَلِكَ
الزَّمَان. فَبِمَاذَا دَخَلَ رِبْعِيّ؟ دَخَلَ بِفَرَسٍ قَصِيرَة، وَثِيَابٍ رَثَّة، وَتُرْسٍ مُتَوَاضِع، ثُمَّ رَبَطَ فَرَسَهُ بِمِسْنَدٍ مِنَ الذَّهَب، وَأَقْبَلَ يَمْشِي وَسِلاحُهُ يُمَزِّقُ تِلْكَ البُسُطَ المُذَهَّبَة! لَمْ يَرْتَجِف. لَمْ يَنْبَهِر. لَمْ يَشْعُرْ بِالدُّونِيَّةِ وَهُوَ يَرَى أَعْظَمَ إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ مَادِّيَّةٍ أَمَامَه. فَسَأَلَهُ رُسْتُم: مَنْ أَنْتُمْ وَمَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ؟ فَأَطْلَقَهَا رِبْعِيٌّ جُمْلَةً تُلَخِّصُ العِزَّةَ الإِيمَانِيَّة: "اللهُ ابْتَعَثَنَا، لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ الله، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَة، وَمِنْ جَوْرِ الأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الإِسْلام". أَيُّهَا المُسْلِمُون، لَقَدْ أَدْرَكَ رِبْعِيٌّ أَنَّ كُلَّ هَذَا الحَرِيرِ هُوَ "ضِيقُ الدُّنْيَا"، وَأَنَّ الإِسْلامَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ هُوَ "السَّعَةُ الحَقِيقِيَّة". وَلِذَلِكَ يَقُولُ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً عَمِيقَة: "إِنَّ فِي الدُّنْيَا جَنَّةً، مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الآخِرَة". إِنَّهَا جَنَّةُ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ وَالاسْتِغْنَاءِ بِاللهِ عَنْ خَلْقِه. وَهُنَا نَصِلُ إِلَى الأَمْرِ الأَخْطَر. الانْبِهَارُ المَادِّيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِعْجَابٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ حَالَةٌ نَفْسِيَّةٌ تُؤَدِّي إِلَى "الهَزِيمَةِ الدَّاخِلِيَّة". إِذَا انْبَهَرَ المُسْلِمُ بِمَادِّيَّاتِ أُمَّةٍ كَافِرَةٍ، بَدَأَ يَتَشَرَّبُ أَفْكَارَهَا بِلا وَعْي، وَيَتَسَاهَلُ فِي أَقْوَالِهَا الفَاسِدَة، لِأَنَّ القَلْبَ يَمِيلُ لِمَنْ يُعَظِّمُه. وَلِذَلِكَ قَطَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ هَذَا الطَّرِيقَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ مُنْذُ البِدَايَة، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةً تُعْتَبَرُ المَصْلَ الأَعْظَمَ لِمُوَاجَهَةِ فَيْرُوسِ الانْبِهَار. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]. ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾! لا تُطِلِ النَّظَرَ إِلَى مُمْتَلَكَاتِهِم. لا تُدْمِنْ مُشَاهَدَةَ حَيَاتِهِمُ المُزَيَّفَة. لا تَغْتَرَّ بِقُوَّتِهِمُ الزَّائِلَة. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهَا مُجَرَّدُ ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وَالزَّهْرَةُ سَرِيعَةُ الذُّبُولِ، يَسْلُبُهَا الخَرِيفُ جَمَالَهَا بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا! ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ السِّرَّ الخَفِيَّ خَلْفَ هَذَا العَطَاءِ المَادِّيِّ لَهُمْ: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. هُوَ ابْتِلاءٌ وَاسْتِدْرَاج، لا كَرَامَةٌ وَاصْطِفَاء. وَمِمَّا يَزِيدُ الأَمْرَ وُضُوحاً قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الإِيمَانَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ» (رواه أحمد وصححه الألباني). فَمَنْ أُعْطِيَ الإِيمَانَ فَقَدْ أُعْطِيَ الكَنْزَ الَّذِي لَا يَفْنَى، وَمَنْ أُعْطِيَ الدُّنْيَا مُجَرَّدَةً عَنِ الإِيمَانِ فَقَدْ أُعْطِيَ وَهْماً سَيَسْتَيْقِظُ مِنْهُ عَلَى حَسْرَةٍ أَبَدِيَّة. أَيُّهَا الإِخْوَة، إِنَّ المُسْلِمَ الحَقَّ لا يَرْفُضُ التَّقَدُّمَ المَادِّيَّ، وَلَا يُحَرِّمُ التِّكْنُولُوجِيَا وَالقُوَّةَ وَالعُمْرَان؛ بَلْ هَذِهِ الأُمَّةُ مَأْمُورَةٌ بِأَنْ تُعِدَّ مَا اسْتَطَاعَتْ مِنْ قُوَّة، وَبِأَنْ تَعْمُرَ الأَرْض. الخَلَلُ لَيْسَ فِي "امْتِلاكِ" المَادَّة، بَلْ فِي "الانْبِهَارِ" بِهَا وَرُؤْيَتِهَا غَايَةَ وُجُود. المُسْلِمُ يَسْتَخْدِمُ النَّاطِحَاتِ، لَكِنَّ قَلْبَهُ يَبْقَى مُتَعَلِّقاً بِالسَّمَاوَات. يَمْلِكُ الدُّنْيَا فِي يَدِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْمَحُ لَهَا أَنْ تَتَسَلَّلَ إِلَى قَلْبِه. يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "القَلْبُ كَالطَّائِر، كُلَّمَا عَلا بَعُدَ عَنِ الآفَات، وَكُلَّمَا نَزَلَ احْتَوَشَتْهُ الآفَات". فَمَنْ رَفَعَ قَلْبَهُ إِلَى الآخِرَة، لَمْ تَصْطَدْهُ شِبَاكُ الدُّنْيَا، وَمَنْ أَهْبَطَ قَلْبَهُ لِلطِّين، تَلَطَّخَ بِوَحَلِهِ كُلَّ يَوْم! فَاسْأَلْ نَفْسَكَ الآن: هَلْ قَلْبُكَ يُحَلِّقُ مَعَ الآيَاتِ كُلَّمَا قُرِئَتْ، أَمْ يَلْتَصِقُ بِالشَّاشَاتِ كُلَّمَا أَضَاءَت؟ يَا مَنْ خَلَقَكُمُ اللهُ لِلْخُلُود.. اعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَوْقَ هَذِهِ الأَرْضِ، مَهْمَا بَرَقَ وَلَمَع، فَإِنَّهُ يَسِيرُ نَحْوَ نِهَايَةٍ مَحْتُومَة. ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ
مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد: 20]. هَذَا هُوَ المَصِيرُ: حُطَام! نَاطِحَاتُ السَّحَابِ؟ حُطَام! أَرْصِدَةُ البُنُوكِ؟ حُطَام! المَرَاكِبُ الفَارِهَةُ؟ حُطَام! وَلَنْ يَبْقَى إِلا وَجْهُ ذِي الجَلالِ وَالإِكْرَام، وَمَا قَدَّمْتَهُ مِنْ سَجْدَةٍ خَاشِعَة، وَدَمْعَةٍ صَادِقَة، وَرَكْعَةٍ فِي ظَلامِ اللَّيْل. مَنْ امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِعَظَمَةِ الخَالِق، صَغُرَ فِي عَيْنِهِ كُلُّ مَخْلُوق. وَمَنْ رَأَى الآخِرَةَ بِقَلْبِهِ، عَرَفَ أَنَّ الدُّنْيَا لَا تَسْتَحِقُّ دَمْعَةَ حَسْرَةٍ وَاحِدَة! أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، رَبُّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّين. أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ الله، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى عَنْ فِتْنَةِ الانْبِهَارِ المَادِّيِّ، وَكَيْفَ أَنَّ هَذَا الانْبِهَارَ يُقَزِّمُ الإِيمَانَ، وَيُفْسِدُ طُمَأْنِينَةَ القَلْب، وَيَجْعَلُ الإِنْسَانَ عَبْداً لِظَوَاهِرِ الأَشْيَاءِ مُتَنَاسِياً حَقِيقَتَهَا وَنِهَايَتَهَا الكَوْنِيَّة الّتِي بَيَّنَهَا القُرْآن. وَوَقَفْنَا مَعَ مَشْهَدِ قَارُون، وَعِزَّةِ رِبْعِيِّ بْنِ عَامِر، لِنُدْرِكَ أَنَّ الثَّبَاتَ فِي الوِجْدَان. وَالآن، وَنَحْنُ نَعِيشُ هَذِهِ الفِتْنَةَ كُلَّ يَوْم، مَا هُوَ الطَّرِيقُ العَمَلِيُّ لِلنَّجَاةِ مِنْ هَذَا الفَخّ؟ أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي: الأُولَى (قَلْبِيَّة): جَدِّدُوا مَعْنَى "اللهُ أَكْبَرُ" فِي قُلُوبِكُمْ. كُلَّمَا رَأَيْتُمْ مَظْهَراً مِنْ مَظَاهِرِ القُوَّةِ المَادِّيَّةِ أَوِ التِّكْنُولُوجِيَّةِ أَوْ عَظَمَةِ حَضَارَةٍ أَرْضِيَّة، فَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ يَقِيناً: "اللهُ أَكْبَرُ!". لِأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْء، هَانَتْ فِي عَيْنَيْهِ زَخَارِفُ الدُّنْيَا، وَعَادَ البَوْصَلَةَ لِوَجْهَتِهَا الصَّحِيحَة. الثَّانِيَة (لِسَانِيَّة): حَافِظُوا عَلَى كَلِمَةِ "سُبْحَانَ الله". كُلَّمَا انْبَهَرْتُمْ بِصَنِيعَةٍ بَشَرِيَّةٍ مُذْهِلَةٍ عَلَى الشَّاشَاتِ، سَبِّحُوا مَنْ خَلَقَ عَقْلَ هَذَا البَشَرِيِّ وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَعْلَم! ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. اِجْعَلُوا كُلَّ مَشْهَدِ انْبِهَارٍ، بَوَّابَةً لِلذِّكْرِ لا بَاباً لِلْغَفْلَة. الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة): انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ» (رواه مسلم). طَبِّقُوا هَذَا الحَدِيثَ اليَوْمَ حِينَ تَتَصَفَّحُونَ هَوَاتِفَكُم؛ لا تُطِيلُوا النَّظَرَ لِحَيَاةِ المُتْرَفِينَ كَي لا تَحْتَقِرُوا نِعَمَ اللهِ المَسْتُورَةَ فِي بُيُوتِكُم. الرَّابِعَة (اجْتِمَاعِيَّة): طَهِّرُوا مَجَالِسَكُمْ مِنْ ثَقَافَةِ التَّفَاخُرِ المَادِّيّ. إِذَا جَلَسْتُمْ، لا تَجْعَلُوا أَحَادِيثَكُمْ كُلَّهَا عَنِ الأَسْعَارِ وَالأَمْوَالِ وَالمَارْكَاتِ وَالسَّيَّارَات، لِأَنَّ كَثْرَةَ الحَدِيثِ عَنِ الطِّينِ تَجْذِبُ الرُّوحَ إِلَيْه. ارْفَعُوا مَجَالِسَكُمْ بِذِكْرِ صَالِح، أَوْ قِصَّةٍ تَرْبَوِيَّة، أَو خَبَرٍ يَرْبِطُ الأُسْرَةَ بِدِينِهَا. الخَامِسَة (مَوْضُوعِيَّة): ابْنُوا أَرْصِدَتَكُمْ لِلْمُسْتَقْبَلِ الحَقِيقِيّ. كَمَا يَتَنَافَسُ المَادِّيُّونَ فِي تَعْلِيَةِ مَبَانِيهِم، تَنَافَسُوا أَنْتُمْ فِي أَعْمَالِ الخَفَاء. رَكْعَةٌ تُخْفِيهَا فِي جَوْفِ اللَّيْل، وَصَدَقَةٌ تَبْذُلُهَا وَيَمِينُكَ تُخْفِيهَا عَنْ شِمَالِك.. هِيَ البُنْيَانُ الَّذِي لَا يَسْقُط، وَهِيَ النَّاطِحَةُ الَّتِي تَبْلُغُ سَقْفَ العَرْشِ مَقْبُولَةً عِنْدَ رَبِّ العَالَمِين! فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله، وَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الغَرُور. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْه، فَقَدْ قَالَ قَائِلاً عَلِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:
56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُخْرِجَ حُبَّ الدُّنْيَا مِنْ قُلُوبِنَا، وَأَنْ تَجْعَلَهَا فِي أَيْدِينَا لا فِي قُلُوبِنَا، سَخِّرْهَا لَنَا لِطَاعَتِكَ، وَلا تُسَخِّرْنَا لَهَا لِمَعْصِيَتِك. اللَّهُمَّ أَرِنَا الأَشْيَاءَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون. اللَّهُمَّ ارزُقْنَا قَنَاعَةً تَمْلَأُ قُلُوبَنَا سَكِينَة، وَيَقِيناً يَحْفَظُنَا مِنَ التَّخَبُّطِ وَالانْبِهَار بِغَيْرِ جَلالِك. اللَّهُمَّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا فَارْزُقْهُ شُكْرَهَا، وَمَنْ مَنَعْتَهُ فَارْزُقْهُ الصَّبْرَ وَعَوِّضْهُ خَيْراً فِي الدَّارَيْن. اللَّهُمَّ اجْعَلِ الآخِرَةَ هِيَ أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَمَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَاجْعَلِ الْجَنَّةَ هِيَ دَارَنَا وَقَرَارَنَا. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا المُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَان، وَكُنْ لَهُمْ مُؤَيِّداً وَنَصِيراً يا رَبَّ العَالَمِين. عِبَادَ الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.