من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

محاسبة النفس قبل النوم: دقائق تغير مسار يوم

مشاركة
🕌 محاسبة النفس قبل النوم: دقائق تغيِّر مسار يوم #خطبة_جمعة #محاسبة_النفس #التوبة #قيام_الليل #أخلاق #الرقائق #تزكية_النفس الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ اللَّيلَ سَكَنًا لِتَهدَأَ فيهِ النُّفوس، وجَعَلَ النَّومَ سُباتًا ومَوتةً صُغرى فيها أَعظَمُ الدُّروس. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوتِها، فَيُمسِكُ الَّتي قَضى عليها المَوتَ ويُرسِلُ الأُخرى برَحمَتِه. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أصدَقُ مَن حاسَبَ نَفسَهُ، وأطْهَرُ مَن أَرخى اللَّيلَ سُدولَهُ عليهِ فقامَ يُناجي رَبَّه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعد: عبادَ الله، تَخيَّلوا معي رَجلًا يَقِفُ كُلَّ لَيلةٍ على حافَّةِ الهاوية، يَخلَعُ ثَوبَ الدُّنيا، ويُسَلِّمُ رُوحَهُ لِخالِقِها، ولا يَدري أَتُردُّ إليهِ صَباحًا أم تَمضي إلى بارِئِها. هذه ليست قِصَّةً خياليَّة، بل هي حالُ كُلِّ واحدٍ مِنَّا اللَّيلةَ وكلَّ ليلة. ومع ذلك، هناك سِرٌّ يَغفَلُ عَنهُ الكثيرون في آخِرِ خمسِ دقائقَ قَبلَ النَّوم... دقائقَ مَعدوداتٍ تَستَطيعُ أن تَمحُوَ ذُنوبَ يَومٍ كامِل، وتُغَيِّرَ مَسارَ يَومِكَ التَّالي، بل ورُبَّما مَسارَ آخِرَتِكَ كُلِّها. ما هو هذا السِّر؟ وكيف نَعيشُه؟ سَنَعرِفُ الجوابَ بَعدَ قَليل. أيُّها المؤمنون، هل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَومًا: لِماذا خَلَقَ اللهُ النَّوم؟ هل هو مُجرَّدُ راحَةٍ للجسَدِ المُنهَك؟ أم تِكرارٌ روتينيٌّ لِدَورةِ الحَياة؟ لا والله. إنَّ النَّومَ آيَةٌ عَميقةٌ، ومَوقِفٌ يَهزُّ القُلوبَ الحَيَّة. واسمَعوا لِهذهِ الآيَةِ التي إذا تَأمَّلتُموها لَن تَبقى نَظرتُكُم لِفِراشِكُم كما كانَت. يَقولُ رَبُّنا تبارَكَ وتَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الزمر: 42]. تَأمَّلوا! في كُلِّ ليلةٍ تَضَعُ فيها رَأسَكَ على الوسادَةِ وتُغمِضُ عَينَيك، أنتَ لا تَنامُ فَحَسب... أنتَ تَموتُ مَوتةً صُغرى. تَخرُجُ رُوحُكَ مِن قَبضَتِك لِتَستَقِرَّ في قَبضَةِ مَلِيكِها. فإن كَتَبَ اللهُ لكَ العُمر، أرسَلَها إلَيكَ لِتَستَيقِظَ غدًا، وإن كَتَبَ عَليكَ النِّهايَة، أمسَكَها عِندَهُ، وكانَت نَومتُكَ تِلكَ آخِرَ عَهدِكَ بالدُّنيا. ولو عَلِمَ المَرءُ أنَّهُ قَد لا يَستَيقِظُ غَدًا، فبِأيِّ حالٍ سَيَختِمُ يَومَه؟ هل سَيَختِمُهُ على مَعصيَة؟ أم على غَفلَة؟ أم على قَلبٍ مُشَبَّعٍ بالحِقدِ والبَغضاء؟ ولكن، لِنَنظُر إلى حالِنا اليَوم، في هذا العَصرِ الذي تَسارَعَت فيه الأيَّام. انظُروا إلى حالِ الكَثيرينَ مِنَّا قَبلَ النَّوم: نُمسِكُ بِهذهِ الشَّاشاتِ المُضيئَةِ في الظَّلام، نُهَروِلُ مِن صَفحَةٍ إلى صَفحَة، ومِن مَقطَعٍ إلى مَقطَع، ليسَ بَحثًا عَن فائِدَة، بَل هَرَبًا مِنَ السُّكون! هَرَبًا مِن أن نَختَلي بِأنفُسِنا لِدَقيقَةٍ واحِدة، نَخافُ مِن أفكارِنا، نَخافُ مِن مُواجَهَةِ أخطائِنا، فنَظلُّ نَهرُبُ داخِلَ الشَّاشَةِ حَتَّى يَسقُطَ الهاتِفُ مِن أيدينا إرهاقًا ونَحنُ لا نَشعُر. أَيُعقَلُ أن يَهرُبَ أحَدُنا مِن مُواجَهةِ نَفسِهِ في غُرفَةٍ مُظلِمَة، لِيُواجِهَها عَلانِيَةً أمامَ الخَلائِقِ يَومَ القِيامَة؟! يَقولُ الحَقُّ جَلَّ جَلالُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]. ولْتَنظُر نَفسٌ! نَظرَةُ الفاحِصِ، نَظرةُ المُحاسِب. وقَد فَهِمَ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ هذا المَعنى فَهمًا عَميقًا، فَوَقَفَ يُنادي في النَّاسِ قائِلًا: "حاسِبوا أنفُسَكم قَبلَ أن تُحاسَبوا، وزِنوها قَبلَ أن تُوزَنوا، فَإنَّهُ أَهوَنُ عَليكُم في الحِسابِ غَدًا أن تُحاسِبوا أنفُسَكُمُ اليَوم". ويَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "المُؤمِنُ قَوَّامٌ على نَفسِهِ، يُحاسِبُها للهِ، وإنَّما خَفَّ الحِسابُ يَومَ القِيامَةِ على قَومٍ حاسَبوا أنفُسَهُم في الدُّنيا، وإنَّما شَقَّ الحِسابُ يَومَ القِيامَةِ على قَومٍ أَخَذوا هذا الأمرَ مِن غَيرِ مُحاسَبَة". إخوتي في الله، ما هِيَ هذهِ المُحاسَبَةُ التي نَتَحَدَّثُ عَنها؟ المُحاسَبَةُ قَبلَ النَّومِ ليست جَلدًا للذَّاتِ كَي تَيأَس، ولا تَفكيرًا مُحبِطًا كَي تَكتَئِب. بَل هي جَلسَةُ صِدقٍ بَينَ العَبدِ ورَبِّه، لا يَطَّلِعُ عَلَيها أَحَد، جَلسَةٌ تُشبِهُ جَردَ التَّاجِرِ لِحِساباتِه، كَما وَصَفَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ حينَ قال: "المُؤمِنُ مَعَ نَفسِهِ كَالشَّريكِ مَعَ شَريكِه؛ لا يَستَقيمُ لَهُما الأَمرُ إلَّا بِالمُحاسَبَةِ الجادَّة". كيفَ نَرضى أن نَقومَ بِجَردِ حِساباتِ أموالِنا وتِجارَتِنا بالقِرشِ في نِهايَةِ كُلِّ يَوم، ولا نَجرُدُ حِساباتِ أعمارِنا التي تَتَناقَص؟! المَالُ إذا ضاعَ يُعَوَّض، أَمَّا اليَومُ الذي يَغيبُ شَمسُهُ فلا يَعودُ إلى يَومِ الدِّين! وتَعالَوا مَعي لِنَرى ثَمَرَةَ هذهِ المُحاسَبَةِ الصَّادِقَةِ قَبلَ النَّومِ في هذهِ القِصَّةِ العَظيمَةِ الَّتي صَنَعَت بَطَلًا مِن أبطالِ الجَنَّة، وهو يَمشي بَينَ النَّاسِ في سُوقِ المَدينَة. جَلَسَ النَّبيُّ ﷺ ذاتَ يَومٍ مَعَ أصحابِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَجأَةً وقالَ كَلِمَةً صَمَتَ القَومُ لَها: «يَطلُعُ عَلَيكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِن أهلِ الجَنَّة». فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصار، تَنطُفُ لِحيَتُهُ مِن وُضوئِه. وفي اليَومِ الثَّاني قالَ ﷺ نَفسَ المَقالَة، فَدَخَلَ نَفسُ الرَّجُل. وفي اليَومِ الثَّالِثِ كَذلِك! هُنا لَم يَصبِر عَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عَنهُما، أرادَ أن يَعرِفَ سِرَّ هذا الرَّجُل. فَتَحَيَّلَ عَلَيهِ وباتَ عِندَهُ في بَيتِهِ ثَلاثَ لَيالٍ. راقَبَهُ لَيلًا ونَهارًا، فَلَم يَرَهُ كَثيرَ صَلاةٍ في اللَّيل، ولا كَثيرَ صِيام! فَلَمَّا مَضَتِ اللَّيالي الخَمس، قالَ له عَبدُ الله: يا أخي، لَم يَكُن بَيني وبَينَ أبي غَضَب، ولكِنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ عَنكَ كَذا وكَذا، فَأرَدتُ أن أَعرِفَ عَمَلَك! فَما هُوَ عَمَلُك؟ اسمعوا بِرَبِّكم إلى جَوابِ هذا الرَّجُل... قال: "ما هُوَ إلَّا ما رَأَيت". فَلَمَّا وَلَّى عَبدُ الله، ناداهُ الرَّجُلُ وقال: "ما هُوَ إلَّا ما رَأَيت... غَيرَ أَنِّي لا أَجِدُ في نَفسي لأَحَدٍ مِنَ المُسلِمينَ غِشًّا، ولا أحسُدُ أَحَدًا على خَيرٍ أعطاهُ اللهُ إيَّاه". فَقالَ عَبدُ الله: "هذِهِ الَّتي بَلَغَت بِك، وهذِهِ الَّتي لا نُطيق!". تَأمَّلوا يا عِبادَ الله! لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ بِكَثرَةِ التَّهَجُّدِ فَقَط، بَل بِعَمَلٍ كانَ يَفعَلُهُ كُلَّ لَيلَةٍ قَبلَ أن يَنام؛ كانَ يَفتَحُ قَلبَهُ ويَغسِلُه... يُسامِحُ هذا، ويَعفو عَن هذا، ويُزيلُ الحِقدَ والحَسَدَ والحَسراتِ مِن صَدرِه. يَنامُ وقَلبُهُ أبيَضُ كَالثَّلج! يَتَمَثَّلُ قَولَ الحَقِّ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]. ما الفَرقُ بَينَ مَن يَنامُ على ذِكرٍ ومُسامَحَة، ومَن يَنامُ عَلى مَعصيَةٍ وتَخطيطٍ لِلاِنتِقام؟ الأَوَّلُ تَبيتُ المَلائِكَةُ تَستَغفِرُ لَه، والثَّاني يَبيتُ الشَّيطانُ قَرينًا لَه! واسمَعوا لهذا الحديثِ العظيم، الذي رَواهُ الإمامُ التِّرمِذيُّ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قال: «مَن أوى إِلى فِراشِهِ فَقالَ: أَستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الَّذي لا إلهَ إلَّا هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتوبُ إليهِ - ثَلاثَ مَرَّات - غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنوبَهُ وإن كانَت مِثلَ زَبَدِ البَحر، وإن كانَت عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَر، وإن كانَت عَدَدَ رَملِ عالِج». ما أكرَمَ الله! ذُنوبُ يَومِكَ كُلِّها... غيبَةٌ، كَذبَةٌ، نَظرَةٌ مُحَرَّمَةٌ، تَأخيرُ صَلاة، رَفعُ صَوتٍ عَلى والِدَين... كُلُّها تُغسَلُ بِثَلاثِ كَلِماتٍ صادِقاتٍ تَخرُجُ مِن قَلبٍ مُنقادٍ مُعتَرِفٍ مُنكَسِرٍ قَبلَ النَّوم! إخوَتي الأَحِبَّة، النَّفسُ تَتَمَرَّد، والشَّيطانُ يَسعى لِيَجعَلَكَ تَنامُ مَغفولًا عَن رَبِّك. يَقولُ تَعالى مُحَذِّرًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. المُتَّقي لا يُعصَمُ مِنَ الخَطَأ، ولكِنَّهُ يَتَذَكَّر... يُحاسِبُ نَفسَه، فَإذا هُوَ مُبصِر! وهذِهِ قِصَّةٌ مِن قَصَصِ الصَّالِحين، لِرَجُلٍ أَرادَ أن يَجعَلَ مُحاسَبَةَ النَّفسِ واقعًا مَلموسًا، لا مُجَرَّدَ فِكرَة. هُوَ التَّابعيُّ الجَليلُ الرَّبيعُ بنُ خُثَيم رَحِمَهُ الله. ماذا فَعَل؟ حَفَرَ في بَيتِهِ قَبرًا! نَعَم، حَفَرَ حُفرَةً على شَكلِ قَبر. وكانَ إذا أحَسَّ بِقَسوَةٍ في قَلبِهِ أو غَفلَة، نَزَلَ في هذا القَبرِ واضطَجَعَ فيه، ثُمَّ أغلَقَ عَينَيهِ وتَخَيَّلَ أنَّهُ مات! وتَخَيَّلَ ظُلمَةَ القَبر، وضيقَ اللَّحد، وسُؤالَ المَلَكَين. ثُمَّ يَبكي ويَصرُخُ بِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]. فَيُجيبُ نَفسَهُ وهُوَ يَبكي ويَخرُجُ مِنَ القَبرِ قائِلًا: "يا رَبيع، قَد رُجِعتَ... فاعمَل قَبلَ أن تَطلُبَ الرُّجوعَ فَلا تُرَدّ!". يا سُبحانَ الله! يَحرِصُ أحَدُنا أَلَّا يَخسَرَ رِيالًا واحِدًا مِن مالِه، ولا يُبالي أن يَخسَرَ عُمُرًا مِن طاعَتِه! لِذلِكَ كانَ مَيمونُ بنُ مِهران رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "لا يَكونُ العَبدُ تَقِيًّا حَتَّى يَكونَ أشَدَّ مُحاسَبَةً لِنَفسِهِ مِنَ الشَّريكِ الشَّحيحِ لِشَريكِه". أينَ أنتَ مِن سَجدَةٍ في جَوفِ اللَّيلِ تَغسِلُ بِها خَطايا النَّهار؟ أينَ أنتَ مِن دَمعَةٍ تَسيلُ على خَدِّكَ في ظُلمَةِ غُرفَتِك؟ قالَ ﷺ في السَّبعَةِ الَّذينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّه: «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خالِيًا فَفاضَت عَيناه». الخَلوَةُ قَبلَ النَّومِ هيَ مِضمارُ السِّباق، ومَحَكُّ الصِّدق! هُناك حَيثُ لا يَراكَ أَحَدٌ إلَّا الله... يَتَبَيَّنُ الإيمانُ الصَّادق. المُحاسَبَةُ تَصنَعُ في القَلبِ يَقَظَةً تَجعَلُكَ مِن أهلِ هذِهِ الآيَةِ الكَريمَة: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64]. أقولُ ما تَسمَعون، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ وخطيئة، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَنِ المَوتَةِ الصُّغرى وكَيفَ نَهرُبُ مِن مُواجَهَةِ أنفُسِنا في آخِرِ دَقائِقَ يَومِنا. ووَقَفنا عَلى قَصَصِ مَن كانَ يَغسِلُ قَلبَهُ كُلَّ لَيلةٍ كَي يَرتَقِيَ في الجَنَّة. والآن، إخوَتي، بَقيَ السُّؤالُ الأَهَمُّ الَّذي سَيُحَدِّدُ إن كانَت هذِهِ الخُطبَةُ سَتَمُرُّ مُرورَ الرِّيحِ أم سَتُثمِرُ في قُلوبِكُم: كَيفَ نُتَرجِمُ هذِهِ المُحاسَبَةَ إلى واقِعٍ في غُرَفِ نَومِنا اللَّيلَة؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، تَجعَلونَها عادَةً لَكُم قَبلَ النَّوم: الأولى (قَلبيَّة): نَظِّف قَلبَكَ قَبلَ أن تُغمِضَ عَينَك. قُل: يا رَبّ، إنِّي قَد عَفَوتُ عَن كُلِّ مَن ظَلَمَني أوِ اغتابَني أو شَتَمَني. المُسامَحَةُ في اللَّيلِ تَجأَرُ إلى السَّماء، وتَجعَلُكَ مِنَ المُحسِنين، قال تَعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. لا تَنَم وفي قَلبِكَ ضَغينَةٌ، فَالحِقدُ حِملٌ ثَقيلٌ لا يَستَحِقُّ أن تَنامَ بِه. الثانية (لِسانيَّة): لا تَنَم إلَّا وقَد لَهَجَ لِسانُكَ بِسُنَنِ النَّوم. اقرَأ آيَةَ الكُرسيِّ، وخَواتيمَ سُورَةِ البَقَرَة، وسَبِّحِ اللهَ ثَلاثًا وثَلاثين، واحمَدهُ ثَلاثًا وثَلاثين، وكَبِّرهُ أربَعًا وثَلاثين. قالَ النَّبيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ عَن هذا الذِّكرِ قَبلَ النَّوم: «خَيرٌ لَكُما مِن خادِم». إنَّها كَلِماتٌ تَحفَظُكَ حَتَّى تُصبِح، وتَجعَلُ نَومَكَ عِبادَة. الثالثة (عَمَليَّة): اضبِط مُنَبِّهَكَ لِصَلاةِ الفَجرِ قَبلَ أن تَضبِطَهُ لِدَوامِ العَمَل! هَل يَعقِلُ أن تَأخُذَ الأَسبابَ الدُّنيَويَّةَ بِكُلِّ دِقَّة، وتَترُكَ صَلاةَ الفَجرِ لِلصُّدَف؟ رَكعَتا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها. فمَن نَوى القِيامَ وصَلَّى الفَجرَ في وَقتِها، كانَ في ذِمَّةِ الله. الرابعة (اجتماعيَّة): لا تَنَم وبَينَكَ وبَينَ زَوجَتِكَ، أو بَينَكِ وبَينَ زَوجِكِ، أو بَينَكَ وبَينَ والدَيكَ هَجرٌ أو قَطيعَة. المَوتُ يَأتي فَجأة! لا تَجعَل آخِرَ كَلِمَةٍ لَكَ في بَيتِكَ شِجارًا وصُراخًا. كُن أنتَ الأَكبَرَ خُلُقًا، واعتَذِر، ونَم وقَد رَضِيَ عَنكَ أهلُ بَيتِك. الخامسة (موضوعيَّة): اجلِس مَعَ نَفسِكَ دَقيقَتَينِ فَقَط قَبلَ النَّوم. حاسِبها بِثَلاثَةِ أسئِلَة: ماذا فَعَلتُ اليَومَ مِن خَيرٍ فَأَحمَدَ الله؟ وماذا فَعَلتُ مِن شَرٍّ فَأستَغفِرَ الله؟ وما الَّذي سَأُصلِحُهُ غَدًا إن أحَياني الله؟ فَاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ تَقوى اللهِ هِيَ الَّتي تَحمِلُكُم على صِدقِ المُحاسَبَة، والمُحاسَبَةُ هِيَ مِفتاحُ التَّوبَة، والتَّوبَةُ بابُ الجَنَّة. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ وسَلِّموا عَلَيه، القائِل: «إنَّ مِن أفضَلِ أيَّامِكُم يَومَ الجُمُعَة، فَأكثِروا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فيه». وقَد قالَ رَبُّكُم في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسأَلُكَ نُفوسًا مُطمَئِنَّة، تُؤمِنُ بِلِقائِك، وتَرضى بِقَضائِك، وتَقنَعُ بِعَطائِك. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أوى إلى فِراشِهِ نامَ عَلى توبَةٍ نَصوح، واستَيقَظَ عَلى هِمَّةٍ في طاعَتِك. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ الغِلِّ والحِقدِ والحَسَد، واجعَلنا نُسامِحُ مَن ظَلَمَنا ابتِغاءَ مَرضاتِك يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ لا تَجعَل مُصيبَتَنا في دينِنا، ولا تَجعَلِ الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا، ولا مَبلَغَ عِلمِنا. اللَّهُمَّ ارزُقنا لَذَّةَ مُناجاتِكَ في قِيامِ اللَّيل، وارزُقنا المِحافَظَةَ عَلى صَلاةِ الفَجرِ، واختِم بِالصَّالِحاتِ أعمالَنا، وبِالسَّعادَةِ آجالَنا، وتَوَفَّنا وأنتَ راضٍ عَنَّا غَيرَ غَضبان. اللَّهُمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزَكِّها أنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها، أنتَ وَلِيُّها ومَولاها. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ عامَّة، وفرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلِمين، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلِمين. فَمَن أرادَ الجَنَّةَ فَلْيَتَجَهَّز، فَإنَّها بِضاعَةٌ لا تُنالُ إلَّا بِالسَّعيِ الصَّادِقِ والمُحاسَبَةِ الدَّائِمَة. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.