🕌 ثلاثيةُ القُلوبِ الصَّافيَة: العُذرُ والإعذارُ والاعتِذار
#خطبة_جمعة #الاعتذار #قبول_العذر #سلامة_الصدر #الأخلاق #اجتماعيات
الحمدُ للهِ الذي يَقْبَلُ المَعاذيرَ ويَتجاوزُ عنِ التَّقصير، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، سَتَرَ العُيوبَ، وغَفَرَ الذُّنوبَ، وفَتَحَ بابَ التَّوبةِ للمُنيبين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أوسَعُ النَّاسِ صَدرًا، وأطيَبُهُم قَلبًا، وأسرَعُهُم إلى العَفوِ والصَّفح، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
أيها المؤمنون، هل سَألتُم أنفسَكم يومًا: لماذا تَموجُ مَحاكِمُنا بالخُصومات؟ ولماذا تَتَمَزَّقُ أُسَرٌ وتَتَقاطَعُ أرحامٌ بَعدَ عِشرةِ عُمرٍ طويل؟ ولماذا يَهُونُ الصَّديقُ على صَديقِه، والأخُ على أخيه، فَيَهجُرُهُ سَنواتٍ طِوالًا من أجلِ مَوقِفٍ عابرٍ أو كَلِمةٍ زَلَّ بها اللِّسان؟
إنَّنا اليومَ نَعيشُ في زَمَنٍ تَضَخَّمَت فيه ذَواتُنا، وكَبُرَت فيه "أنا" الإنسانِ حتى صارَت جَبَلًا يَحجُبُ النُّورَ عنِ القَلب. في هذا الزَّمَنِ الصَّعب، غابَت عن قواميسِ حَياتِنا ثَلاثيَّةٌ أخلاقيَّةٌ عَظيمة، كانَت هي السِّرَّ الذي بَنى بهِ النَّبيُّ ﷺ مُجتَمَعَ المَدينةِ الصَّافي، وهي ثَلاثيَّةُ: العُذر، والإعذار، والاعتِذار. ثلاثُ مَحطَّاتٍ، لو أتقَنَّاها، لعادَت لبيوتِنا سَكينَتُها، ولَمَا بَقِيَ بَينَنا مَقطوعٌ ولا مَهجور.
عِبادَ الله، أوَّلُ مَحطَّةٍ نَقِفُ عِندَها هي مُنطَلَقُ هذه الأخلاقِ كُلِّها: أن نَعلَمَ أنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُه — وهو المَلِكُ الجَبَّارُ الذي لا يُسألُ عمَّا يَفعل — يُحِبُّ العُذر. واسمَعوا لهذا الحَديثِ العَظيم، الذي رَواهُ الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه، لِتَعرِفوا مِقدارَ هذا الخُلُقِ عِندَ رَبِّكُم. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «ولا أحَدَ أحَبُّ إليهِ العُذرُ مِنَ اللهِ، ومِن أجْلِ ذلكَ بَعَثَ المُبَشِّرينَ والمُنذِرين».
تَأمَّلوا! اللهُ الغَنيُّ عن عِبادِه، القادِرُ على إهلاكِهِم بِطَرفَةِ عَين، يُحِبُّ أن يُعذِرَ إليهِ عِبادُه، ويُحِبُّ أن يَقبَلَ أعذارَهُم ومُناجاتَهُم وتَوبَتَهُم. فَإذا كانَ الخالِقُ العَظيمُ يَقبَلُ عُذرَ المَخلوقِ الضَّعيفِ الذي عَصاهُ عِشرينَ سَنةً ومَائةَ سَنة، ثُمَّ يَأتي مُنكَسِرًا يَقولُ: "يا رَبِّ اعتَذَرتُ إليك فاقبَلني"، فَيَقبَلُه؛ فَكَيفَ يَستَكبِرُ عَبدٌ ضَعيفٌ مَخلوقٌ مِن تُرابٍ على عَبدٍ مِثلِه، فَيَرفُضُ عُذرَهُ ويَرُدُّ اعتِذارَه؟!
إخوتي الكِرام، إنَّ القِطعَةَ الأولى في هذهِ الثَّلاثيَّةِ هي "الاعتِذار". والاعتِذارُ في مُجتَمَعاتِنا المُعاصِرةِ يُنظَرُ إليهِ لِلأسَفِ كَأنَّهُ انكسارٌ ومَذَلَّة. الرَّجُلُ يَستَكبِرُ أن يَعتَذِرَ لِزَوجَتِه، والمُديرُ يَستَنكِفُ أن يَعتَذِرَ لِمُوَظَّفِه، والأبُ يَستَصغِرُ نَفسَهُ إنِ اعتَذَرَ لِوَلَدِه. ولَكِنَّ الاعتِذارَ في دينِ اللهِ شَجاعةٌ، ورُجولَةٌ، ونُبلٌ لا يَقدِرُ عليهِ إلا الكِبار.
دَعوني أنقُلُكُم مَعِي أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا إلى الوَراء، لِنَرى كَيفَ كانَ الاعتِذارُ عِندَ الرِّجالِ الذينَ رَبَّاهُم مُحَمَّدٌ ﷺ. مَشهَدٌ يهتَزُّ لَهُ الوِجدان. غَضِبَ الصَّحابيُّ الجَليلُ أبو ذَرٍّ الغِفاريُّ رضيَ اللهُ عنه — وكانَ في خُلُقِهِ حِدَّةٌ — على أخيهِ بِلالِ بنِ رَباحٍ رضيَ اللهُ عنه، وفي فَوْرَةِ الغَضَب، انْفَلَتَت مِن لِسانِهِ كَلِمةٌ قاسيَة، فقالَ لِبِلال: "يا ابنَ السَّوداء!".
كَلِمةٌ كالسَّهم. سَمِعَها النَّبيُّ ﷺ فَغَضِبَ غَضَبًا شَديدًا، وقالَ كلمتَهُ القاطِعة: «يا أبا ذَرٍّ، أعَيَّرتَهُ بِأُمِّه؟! إنَّكَ امْرُؤٌ فيكَ جاهِليَّة».
ماذا فَعَلَ أبو ذَر؟ هل بَرَّرَ مَوقِفَه؟ هل قالَ: "هو الذي استَفَزَّني"؟ هل قال: "أنا مِن قَبيلةٍ كُبرى وهو عَبْدٌ مُعتَق"؟ لا والله! مَن رَبَّاهُم القُرآنُ لا يَعرِفونَ هذا الكِبر.
لَقَد ألقى أبو ذَرٍّ رضيَ اللهُ عنه نَفسَهُ على الأرْض، ووَضَعَ خَدَّهُ — الذي كانَ يَرفَعُهُ عِزَّةً — على التُّراب، وأقْسَمَ قَسَمًا عَظيمًا وقال: "واللهِ لا أرفَعُ خَدِّي مِن التُّرابِ حتى يَطَأَهُ بِلالٌ بِقَدَمِه!".
تَخيَّلوا المَشهَد! صَحابيٌّ مِن عُظَماءِ الصَّحابَةِ يَضَعُ وَجهَهُ في التُّرابِ اعتِذارًا ورَجاءً لِلقَبول. فما كانَ مِن بِلالٍ — ذي القَلبِ الطَّاهِر — إلا أن تَقَدَّمَ، لا لِيَطَأَ الخَدَّ، بَل لِيُقَبِّلَ ذلكَ الخَدَّ الذي سَجَدَ للهِ، ويَعفُوَ ويَصفَح.
هؤلاءِ هُمُ الرِّجال! الاعتِذارُ لم يُنقِص مِن قَدرِ أبي ذَرٍّ شَيئًا، بَل رَفَعَهُ في الدُّنيا والآخِرَة. فَمَن مِنَّا اليَومَ يَملِكُ جُزءًا مِن شَجاعَةِ أبي ذَرٍّ لِيَقولَ لِمَن أخطَأَ في حَقِّه: "أنا مُخطِئ، فسامِحني"؟
ويَقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ تَنزيلِه، واصِفًا عِبادَهُ المُتَّقين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ
عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. كَظمُ الغَيظِ مَرحَلة، والعَفوُ مَرحَلةٌ أعلى، والإحسانُ إلى المُخطي مَرحلةٌ لا يَبلُغُها إلا الأنبياءُ ووَرَثَتُهُمُ الصَّادِقون.
أمَّا المَحطَّةُ الثَّانيةُ في هذهِ الثَّلاثيَّة، فَهي "قَبولُ العُذر".
يا عِبادَ الله، قَد يَمتَلِكُ المُخطِئُ شَجاعَةَ الاعتِذار، ولَكِنَّهُ يَصطَدِمُ بِجِدارٍ مِنَ القَسوةِ، وقَلبٍ مُتَحَجِّرٍ يَرفُضُ أن يَقبَلَ العُذر. وهذا مِن أعظَمِ آفاتِ القُلوب.
اسْمَعوا ماذا يُقَرِّرُ نَبيُّكُم ﷺ تَحذيرًا مِن هذهِ الآفة. يقولُ ﷺ: «مَنِ اعتَذَرَ إلى أخيهِ بِمَعذِرَةٍ فَلَم يَقبَلْها، كانَ عليهِ مِثلُ خَطيئَةِ صاحِبِ مَكْسٍ» (ابن ماجه). صاحِبُ المَكسِ هو الذي يَأخُذُ أموالَ النَّاسِ ظُلمًا، وجَعَلَهُ النَّبيُّ ﷺ قَرينًا لِمَن يَرفُضُ عُذرَ أخيهِ المُعتَذِر! لماذا؟ لِأنَّهُ كَما أنَّ السَّارِقَ يَسلِبُ حُقوقَ النَّاسِ الماديَّة، فَإنَّ رافِضَ العُذرِ يَسلِبُ الرَّحمَةَ والمَوَدَّةَ مِن حَياتِهِمُ الاجتِماعيَّة، ويَزرَعُ الحِقدَ الدَّفين.
وقَد ذَكَرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمهُ اللهُ في مَدارِجِ السَّالكينَ مَعنًى بَديعًا، حَيثُ قال: "يا ابنَ آدَم، إنَّكَ إن عَفَوتَ عَن عِبادِ اللهِ عَفَا اللهُ عَنك، وإن غَفَرتَ لَهُم غَفَرَ لَك، وإن ضَيَّقتَ عَلَيهِم ضَيَّقَ عَلَيك". الجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَل. كيفَ تَطْمَعُ أن تَستَغفِرَ اللهَ في جَوفِ اللَّيلِ فَيَغفِرَ لَك، وأنتَ لا تَغفِرُ لِزَوجَتِكَ أو أخيِكَ زَلَّةً واحِدةً، وقَد جاءَكَ يَطلُبُ الصَّفح؟
ولَنا في أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ المَثَلُ الأعلى. حينَ تَكَلَّمَ بَعضُ الخائِضينَ في عِرضِ ابنَتِهِ عائِشَةَ الطَّاهِرَةِ رضيَ اللهُ عنها في حادِثَةِ الإفك، وكانَ مِنهُم رَجُلٌ اسمُهُ مِسطَحٌ، وكانَ أبو بَكرٍ يُنفِقُ عليهِ لِقَرابَتِهِ وفَقرِه. فَلَمَّا بَرَّأَ اللهُ عائِشَةَ مِن فَوقِ سَبعِ سَماوات، أَقسَمَ أبو بَكرٍ أن يَقطَعَ النَّفقَةَ عَن مِسطَح، وهو مَعذورٌ كَأبٍ طُعِنَ في شَرَفِه!
لَكِنَّ القُرآنَ يُريدُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَقاماتٍ أعلى مِن مَقاماتِ البَشَرِ العاديِّين. فَنَزَلَتِ الآيَةُ تَهزُّ قَلبَ أبي بَكر: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22].
ألا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم؟ هَذا هو السُّؤالُ الذي كَسَرَ كُلَّ حَواجِزِ البَشَريَّة. بَكى أبو بَكرٍ وقال كلمتَهُ التي خَلَّدَها التَّاريخ: "بَلى واللهِ، إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي". وأعادَ النَّفَقَةَ على الرَّجُلِ الذي خاضَ في عِرضِ ابنَتِه!
فيا مَن تُقاطِعُ أخاكَ لِخِلافٍ على مِتْرِ أرض، ويا مَن تَهجُرُ جِيرانَكَ لِكَلِمَةٍ قالوها في لَحظَةِ غَضَب، ويا مَن تَرفُضينَ الصُّلحَ مَع أُختِكِ لِمَوقِفٍ في مُناسَبَة: ألا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم؟! إن كُنتُم تُحِبُّونَ ذلكَ، فاعفُوا واصْفَحوا لِيَعفُوَ اللهُ عَنكُم.
أمَّا المَحطَّةُ الثَّالثةُ في هذه الثَّلاثيَّة، فَهي "التِماسُ الأعذار" (العُذرُ والاستِعذار).
إن لَم يأتِكَ أخوكَ مُعتَذِرًا، فابحَث أنتَ لَهُ عَن عُذرٍ في قَلبِك. هَذا هو المُجتَمَعُ الإيمانيُّ الحَقيقي. يَقولُ الإمامُ حَمدونُ القَصَّارُ رَحِمَهُ الله: "إذا زَلَّ أخوكَ فاطلُب لَهُ سَبعينَ عُذرًا، فإن لَم تَجِد لَهُ عُذرًا، فقُل: لَعَلَّ لَهُ عُذرًا لا أعرِفُه".
يا لَعَظمَةِ هَذا الدِّين! يُعَلِّمُنا أن نَكونَ مُحامينَ لِإخوانِنا في غِيابِهِم، لا قُضاةً قُساةً نَنتَظِرُ زَلَّتَهُم.
الآن، إذا اتَّصَلتَ بِصَديقٍ ولَم يَرُد، ماذا يَقولُ لَكَ الشَّيطان؟ "إنهُ يَتَجاهَلُك، إنَّهُ لا يَحتَرِمُك". ولَكِنَّ قَلبَ المُؤمِنِ يَقول: "لَعَلَّهُ مَريض، لَعَلَّهُ مَهموم، لَعَلَّ هاتِفَهُ بَعيد، لَعَلَّ لَهُ عُذرًا لا أعرِفُه". هَكَذا تُبنى جُسورُ المَوَدَّة، وبِغَيرِها تَتَحَوَّلُ المُجتَمَعاتُ إلى غاباتٍ مِن الشُّكوكِ وسُوءِ الظَّنّ، وقَد نَهانا اللهُ عَن ذلكَ نَهيًا قاطِعًا فَقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].
عِبادَ الله، قَبلَ أن أختِمَ جُزئي هذا، لا بُدَّ أن أُشيرَ إلى النَّوعِ الأخطَرِ مِنَ الاعتِذار والإعذار... وهو الاعتِذارُ إلى اللهِ جَلَّ جَلالُه.
دَعونا نَنتَقِل إلى غزوةِ تَبوك. المَشهَدُ مَهيب. تَخَلَّفَ كَعبُ بنُ مالِكٍ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ الغَزوَةِ دونَ عُذرٍ مَشروع. وعادَ النَّبيُّ ﷺ مُنتَصِرًا. المُنافِقونَ — الذينَ تَخَلَّفوا أيضًا — دَخَلوا مَجلِسَ النَّبيِّ ﷺ يَحلِفونَ الأيْمانَ
الكاذِبَة، ويَختَلِقونَ الأعذارَ المُزَيَّفَة. قَبِلَ النَّبيُّ ﷺ أعذارَهُمُ الظَّاهِرَة، ووَكَلَ سَرائِرَهُم إلى الله.
ثُمَّ جاءَ كَعب. جاءَ الرَّجُلُ الصَّادِق. وَقَفَ بَينَ يَدَي رَسولِ اللهِ ﷺ، ولَم يُحاوِل أن يُلَفِّقَ كِذبَة. قال كَلمتَهُ الخالِدة: "يا رَسولَ الله، واللهِ ما كانَ لي مِن عُذر! واللهِ ما كُنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسَرَ مِنِّي حينَ تَخَلَّفتُ عَنك".
هذا هو الاعتِذارُ الحَقيقي! لا مُراوَغة، لا تَبرير، بلِ اعتِرافٌ كامِلٌ بالذَّنب.
ماذا كانَتِ النَّتيجَة؟ نَعَم، عوقِبَ كَعبٌ بِالهَجرانِ خَمسينَ ليلة، ضاقَت عَليهِ الأرضُ بِما رَحُبَت، ولَكِنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُه أنزَلَ تَوبَتَهُ في قُرآنٍ يُتلى إلى يَومِ القِيامة: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118].
لقد نَجَّاهُ الصِّدقُ في الاعتِذار. أمَّا أولئِكَ المُنافِقونَ الذينَ قَدَّموا أعذارًا كاذِبَة، فَقَد فَضَحَهُمُ اللهُ فَضيحةً أبَديَّة، وقالَ عَنهُم: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: 94].
فيا أيُّها المُسلِم، إيَّاكَ أن تَأتيَ يَومَ القِيامَةِ بِأعذارٍ واهِيَة! لا تَقُل غدًا بَينَ يَدَي الله: "المُجتَمَعُ كانَ فاسِدًا فَفَسَدتُ"، أو "الأصدِقاءُ أضَلُّوني"، أو "الوُقوفُ لِصَلاةِ الفَجرِ كانَ مُرهِقًا". كُلُّنا نَعلَمُ في قَرارَةِ أنفُسِنا مَتى نَكونُ مَعذورينَ حَقًّا، ومَتى نَكونُ مُتَهاوِنين. قَدِّمِ اعتِذارَكَ الصَّادِقَ للهِ اليَومَ بالتَّوبَة، قَبلَ أن يأتيَ يَومٌ قالَ اللهُ فيه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: 52].
فارْجِعوا إلى أرحامِكُم، وإلى إخوانِكُم، وإلى رَبِّكُم. فواللهِ إنَّ العُمُرَ أقْصَرُ مِن أن يُقضى في قَطيعة، وأقرَبُ مِن أن يُهدَرَ في كِبر. كُلُّها أيَّامٌ ونُدرَجُ في القُبور، وهُناكَ لا يَنفَعُ مُكابِرٌ مُكابَرَتَه.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ الرَّحمَةِ المُهداة، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن ثَلاثيَّةِ الصَّفاءِ الرُّوحي: الاعتِذارُ الذي هو دَليلُ الشَّجاعَة، وقَبولُ العُذرِ الذي هو دَليلُ القَلبِ السَّليم، والتِماسُ الأعذارِ لِلنَّاسِ الذي هو سَبيلُ حِفظِ المُجتَمَع. وتَأمَّلنا كَيفَ أنَّ الاعتِذارَ الصَّادِقَ لِلهِ يُنجي العَبدَ كَما نَجَّى كَعبَ بنَ مالِك. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَمشي بِهِ على الأرْض؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِيَأخُذَها كُلُّ واحِدٍ مِنَّا عَمَلًا في حَياتِه:
الأولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ مِنَ الكِبرِ الذي يَمنَعُكَ مِنَ الاعتِذار. إذا عَلِمتَ أنَّكَ أخطَأت، فاستَحضِر هَوانَ الدُّنيا وعَظَمَةَ وُقوفِكَ بَينَ يَدَي الله، واعْلَم أنَّ ذِلَّةَ الاعتِذارِ في الدُّنيا، خَيرٌ مِن ذُلِّ الفَضيحَةِ والمُحاسَبَةِ يَومَ القِيامَة.
الثانية (لِسانيَّة): دَرِّب لِسانَكَ على قَولِ: "أنا آسِف، أخطَأتُ، سامِحني". قُلْها لِزَوجَتِكَ، قُلْها لِأبنائِك، قُلْها لِخادِمِك. الكَلِمَةُ الطَّيِّبةُ صَدَقة، وهي هُنا تَرأَبُ صَدعًا قَد يَهدِمُ بَيتًا. لا تَتَعالَ عَنِ الحَقِّ أبَدًا.
الثالثة (عَمَليَّة): كُن مِفتاحًا لِلعَفوِ اليوم. إن جاءَكَ شَخصٌ قَد أساءَ إليكَ واعتَذَر، فاقبَل عُذرَهُ فَوْرًا. لا تُعَنِّف، لا تَلُمْ بِقَسوة، بَل قُل لَهُ كَما قالَ يوسُفُ لِإخوَتِه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾. كُن أنتَ الكَريمَ الذي يُتاخِمُ مَقامَ الأنبياء.
الرابعة (اجتماعيَّة): ابْدَأ أنتَ بِالوَصل. هُناكَ قَريبٌ أو صَديقٌ بَينَكَ وبَينَهُ جَفوَةٌ أو قَطيعَة، وكِلاكُما يَنتَظِرُ اعتِذارَ الآخَر. كُن أنتَ أفضَلَ الاثنَين، قال ﷺ في المُتَخاصِمَين: «وخَيرُهُما الذي يَبدَأُ بِالسَّلام». اتَّصِل بِهِ اليَوم، وتَجاوَزوا المِحنة.
الخامسة (موضوعيَّة): قَدِّمِ اعتِذارَكَ الصَّادِقَ للهِ قَبلَ نَومِكَ اللَّيلَة. قِف بَينَ يَدَيهِ في رَكعَتَين، واعتَرِف بِتَقصيرِكَ وذَنبِكَ دونَ تَبرير. قُل: يا رَبِّ أذنَبتُ وأخطَأتُ فَاغفِر لي، فَإنَّ اللهَ يَفْرَحُ
بِتَوبَةِ عَبدِه، ولا أحَدَ أحَبُّ إليهِ العُذرُ مِن الله.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ تَقوى اللهِ هي التي تَحمِلُكُم على التَّواضُعِ لِلخَلقِ والانكِسارِ لِلخالِق.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عليه، فَقَد قالَ سُبحانَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أساءَ اعتَذَر، وإذا اعتُذِرَ إليهِ قَبِلَ وغَفَر.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ الغِلِّ والحِقدِ والحَسَد، واجعَلنا نَلتَمِسُ الأعذارَ لِإخوانِنا، ولا تَجعَل في قُلوبِنا قَسوَةً تَمنَعُنا مِنَ العَفو.
اللَّهُمَّ إنَّا نَعتَذِرُ إلَيكَ مِن كُلِّ ذَنبٍ قاقَرفناه، ومِن كُلِّ فَرضٍ ضَيَّعناه، ومِن كُلِّ وَقتٍ في غَيرِ طاعَتِكَ أمضَيناه؛ فاقبَل مَعاذيرَنا، وتَجاوَز عَن سَيِّئاتِنا، وتُب عَلَينا إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحيم.
اللَّهُمَّ أصلِح ذاتَ بَينِنا، وألِّف بَينَ قُلوبِنا، واهدِنا سُبُلَ السَّلام، وأخرِجنا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّور.
اللَّهُمَّ انصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لَهُم مُؤَيِّدًا ونَصيرًا، وظَهيرًا ومُعينًا، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجًا.
اللَّهُمَّ ارزُقنا حُسنَ الخاتِمَة، وتَوَفَّنا وأنتَ راضٍ عَنَّا غَيرَ غَضبان.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.