🕌 الإرجاع والاستبدال: سماحة تحمي الحق والثقة
#خطبة_جمعة #فقه_البيوع #أخلاق_التجار #السماحة #الإقالة #المعاملات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ شَريعَتَهُ رَحمةً للعباد، وضِياءً يُنيرُ ظُلُماتِ الأسواقِ كما يُنيرُ المَحاريب. الحمدُ لله الذي أَحَلَّ البَيعَ وحَرَّمَ الرِّبا، وبَسَطَ الرِّزقَ لِمَنِ اتَّقى، وأَخلَفَ البَرَكَةَ لِمَن سَمَحَ وعَفا. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ حُسنَ الخُلُقِ في المُعاملاتِ أثقَلَ في الميزانِ من كثيرِ الصِّيامِ والصَّلاة. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أصدَقُ الناسِ حَديثًا، وأسَمحُهُم بَيعًا وشِراءً وقَضاءً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، نَدخُلُ أسواقَنا لنَطلُبَ الرِّزقَ من الله، فإذا بنا نُغلِقُ أبوابَ الرَّحمةِ في وُجوهِ خَلقِه! نُعَلِّقُ اللَّافتاتِ العريضةَ على أبوابِ مَتاجِرنا: "البضاعةُ المُباعَةُ لا تُردُّ ولا تُستَبدَل"، ونَنسى أنَّنا في كلِّ يومٍ — بل في كلِّ صلاةٍ — نَقِفُ بين يَدَيِ اللهِ نَرجوهُ أن يَرُدَّ عنَّا سَيِّئاتِنا، وأن يُقيلَنا من عَثَراتِنا. فما العَلاقةُ الخَفيَّةُ بينَ أن تَقبَلَ إرجاعَ بِضاعَةٍ من مُشتَرٍ نادِم، وبينَ أن يَمحُوَ اللهُ ذُنوبَك يومَ تَطيرُ الصُّحُف؟ سِرٌّ عَظيمٌ، وسُنَّةٌ مَهجورَة، سَنَعرِفُها بعد قليل.
أيُّها المؤمنون، هل سألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا نَظَّمَ الإسلامُ أمرَ الأسواقِ والبيوعِ بِهذا التَّفصيلِ العَجيب؟ لماذا لَم يَترُكِ الدِّينُ المُعاملاتِ الماليَّةَ لِشَطارَةِ التُّجَّار، ومَكرِ السُّوق، وقانُونِ الغابِ المَبنيِّ على عَقيدةِ "القانونُ لا يَحمي المُغَفَّلين"؟
الجوابُ — يا كرام — لأنَّ السُّوقَ مِحرابٌ من مَحاريبِ العِبادَة. السُّوقُ هو المِحنَةُ الحقيقيَّةُ الَّتي يَظهَرُ فيها مَعدِنُ الإيمان. في المسجدِ، الكُلُّ خاشِع، والكُلُّ طاهِر. أمَّا في السُّوق، حين يَحضُرُ الدِّينارُ والدِّرهَم، وحين تَتَعارَضُ مَصلَحَتُكَ الماليَّةُ مع أخلاقِكَ الإسلاميَّة — هُنا يَظهَرُ مَن يَعبُدُ اللهَ، ومَن يَعبُدُ الدِّينار. يقولُ النَّبيُّ ﷺ كما في سُنَنِ التِّرمذيِّ بِسَنَدٍ صَحيح: «إنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَومَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إلَّا مَن اتَّقَى اللَّهَ، وَبَرَّ، وَصَدَقَ».
وتَأمَّلوا مَعي — رَحِمَكم الله — في هذا المَشهَدِ اليَوميِّ الَّذي يَعرِفُهُ كُلُّ مَن باعَ واشتَرى.
يَدخُلُ رَجُلٌ إلى مَتجَرِك، يَشتَري بِضاعَةً بِمَلغٍ من المال. يَتِمُّ البَيعُ، ويَدفَعُ الثَّمَن، ويَخرُج. بعدَ ساعاتٍ، أو في اليَومِ التَّالي، يَعودُ إليكَ مَكسورَ الخاطِر، مُتَرَدِّدَ النَّظرَة، ويَقول: "يا أخي، اشتَرَيتُ هذه البِضاعَةَ بالأمس، ولَم تُناسِبني، أو لَم يَرضَ بها أهلي، أو وَجَدتُ أنِّي في ضائِقَةٍ ماليَّةٍ وأحتاجُ مالي... هَل يُمكِنُني إرجاعُها؟"
هُنا، يَقِفُ التَّاجِرُ أمامَ مَوقِفٍ شَرعيٍّ ذي طَبَقَتَين: طَبَقَةِ "العَدلِ والحَقّ"، وطَبَقَةِ "الفَضلِ والإحسان".
أمَّا في طَبَقَةِ العَدلِ والفِقه: فإنَّ البَيعَ قد تَمَّ. وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَتفرَّقا». وما دامَ المُشتَري قد خَرَجَ من السُّوق، ولا يُوجَدُ في البِضاعَةِ عَيبٌ خَفيٌّ أو غِشٌّ، فليسَ من حَقِّهِ الشَّرعيِّ المُطلَقِ أن يُجبِرَ التَّاجِرَ على إرجاعِها. التَّاجرُ هُنا حُرٌّ؛ إن رَفَضَ فلا إثمَ عليهِ قانونًا ولا شَرعًا.
لكن... هل يَتَوقَّفُ الإسلامُ عِندَ حُدودِ الحُقوقِ الجافَّة؟ هل يُريدُنا اللهُ أن نَعيشَ مَعًا بِمَنطِقِ المَحاكِمِ والعُقودِ الصَّارِمَةِ فَقَط؟
لا والله! هُنا تَأتِي الطَّبَقَةُ العُليا، طَبَقَةُ "الفَضلِ والسَّماحَة"، طَبَقَةُ الجَزاءِ الأُخرَويِّ الَّذي يَجعَلُكَ تَرمي العَقدَ عَن يَمينِك، وتَبتَغِي ما عِندَ الله.
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الَّذي لو كُتِبَ بماءِ الذَّهَبِ وعُلِّقَ في أسواقِ المُسلمين، لَتَغَيَّرَت حَياتُنا. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ — كما أخرَجَهُ أبو داود وابنُ ماجَه بإسنادٍ صَحيح —: «مَن أقالَ مُسلمًا بَيعتَهُ، أقالَهُ اللَّهُ عَثرتَهُ».
تَوَقَّفوا هُنا...
ما هي الإقالَة؟
يَقولُ الإمامُ النَّوَويُّ — رَحِمَهُ الله — مُبَيِّنًا مَعناها: "هي فَسخُ العَقدِ وإلغاؤُه، وسُمِّيَت إقالَةً لِما فيها مِن رَفعِ المَشَقَّةِ عَنِ النَّادِم".
المُشتَري نادِم. مالُهُ خَرَجَ مِنهُ، والبِضاعَةُ لا مَنفَعَةَ لَهُ فيها الآن، وهو يَتَمَنَّى لَو أنَّ الزَّمَنَ يَعودُ لِلوراءِ فَلا يَشتَري. وأنتَ — أيُّها التَّاجِر — تَمْلِكُ المال، ولا تُريدُ أن تُرجِعَه.
فَيُناديكَ الشَّرع: أَقِلْهُ... أَرِح قَلبَه، أَرْجِع لَهُ مالَه، وخُذ بِضاعَتَك، وتَنازَل عَن رِبحٍ دُنيَويٍّ عابِر، لِتَربَحَ صَفقَةً مَعَ رَبِّ العالَمين.
وما هي الصَّفقَة؟
«أقالَهُ اللَّهُ عَثرتَهُ».
يا لَعَظَمَةِ الجَزاء!
وهَل مِنَّا — يا عِبادَ الله — مَن لَيسَت لَهُ عَثَرات؟ هَل مِنَّا مَن لا يَسقُطُ في الوَحلِ كُلَّ يَوم؟ هَل مِنَّا مَن لا يَرتَكِبُ الذُّنوبَ والخَطايا ويَظْلِمُ نَفسَهُ ويَظْلِمُ غَيرَه؟
تَخَيَّل نَفسَكَ يَومَ القِيامَة، وَقَد عُرِضَت صَحيفَتُك، ووُضِعَت عَثَراتُكَ وزَلَّاتُكَ في الميزان، وكِدتَ أن تَهلِك... ثُمَّ يُنادى: أَجيلوهُ مِن هذه العَثرَة، امحُوها عَنهُ، تَجاوَزوا عَن سَيِّئَتِه؛ لِأنَّهُ في يَومٍ مِنَ الأيَّامِ، في سُوقٍ مِنَ الأسواق، رَحِمَ رَجُلًا نادِمًا فَأرجَعَ لَهُ مالَه، فَأقالَهُ اللهُ اليَومَ مِن نارِ جَهَنَّم!
اللهُ أكبَر.
أيُّ رِبحٍ تَكْسِبُهُ من سِلعَةٍ — مِئةَ ريالٍ أو ألفًا — يَعدِلُ أن يُقيلَكَ اللهُ من عَثْرَةٍ يَومَ العَرَضِ الأكبَر؟!
لِذَلِكَ، كانَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ والسَّلَفُ الصَّالِحُ يَفهَمونَ السُّوقَ مَفهومًا آخَر.
كانُوا يَرَونَ المَحَلَّ التِّجاريَّ مَيدانًا لِلحَسَنات.
رُوِيَ أنَّ الصَّحابيَّ الجَليلَ جَريرَ بنَ عَبدِ اللهِ البَجَليَّ رَضيَ اللهُ عَنه، أمَرَ خادِمَهُ أن يَشتَرِيَ لَهُ فَرَسًا، فاشتَرى لَهُ فَرَسًا بِثَلاثِمِئَةِ دِرهَم، وجاءَ بِالفَرَسِ وصاحِبِهِ لِيَنقُدَهُ الثَّمَن. فَلَمَّا رَأى جَريرٌ الفَرَس، عَرَفَ بِخِبرَتِهِ أنَّ الفَرَسَ تُساوي أكثَر.
فَقالَ لِصاحِبِ الفَرَس: فَرَسُكَ خَيرٌ مِن ثَلاثِمِئَة، أتَبيعُها بأربَعِمِئَة؟
قالَ الرَّجُل: ذلِكَ إليكَ يا أبا عَبدِ الله.
فَقالَ جَرير: هي خَيرٌ مِن ذلِك، أتَبيعُها بِخَمسِمِئَة؟
ولَم يَزَل يَزيدُهُ مِئَةً مِئَة، وصاحِبُ الفَرَسِ يَكادُ لا يُصَدِّقُ ما يَسمَع، حَتَّى بَلَغَ ثَمانِمِئَةِ دِرهَم! فاشتَراها بِها.
فَقيلَ لَهُ في ذَلِك: لِماذا زِدتَهُ والأساسُ ثَلاثُمِئَة؟
فَقالَ جَريرٌ كَلِمَةً تَهُزُّ وِجدانَ كُلِّ مُسلِم: "إنِّي بايَعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عَلَى النُّصحِ لِكُلِّ مُسلِم".
أيُّها الإخوَة، هذا في الشِّراء. وأمَّا في الإرجاعِ، فَكانُوا أسرَعَ النَّاسِ استِجابَةً لِمَن نَدِم، لِأنَّهُم يَعلَمونَ أنَّ اللهَ سَمْحٌ يُحِبُّ السَّمْح.
يَقولُ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ الَّذي رَواهُ البُخاري: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى».
تَأمَّلوا هَذِه اللَّفظَةَ البَديعَة: "سَمْحًا".
السَّماحَةُ هي اللُّيونَة، هي اليُسر، هي البُعدُ عَنِ التَّشَدُّدِ والمُكابَرَة. التَّاجِرُ السَّمْحُ هو الَّذي لا يُجادِلُ في كُلِّ قِرش، ولا يَكسِرُ خاطِرَ المُشتَري، ولا يَتَعَنَّتُ في شُروطِه. إذا جاءَهُ أخوهُ يُريدُ استِبدالَ قِطعَةٍ لِأنَّها صَغيرَةٌ أو كَبيرَة، تَبَسَّمَ في وَجهِهِ وبَدَّلَها دونَ أن يُعَبِّسَ أو يَتَذَمَّر. وإذا جاءَهُ يُريدُ إرجاعَها، قالَ لَهُ: "مالُكَ مَردودٌ إليك، ورِزقي عَلَى الله". هَذا الرَّجُلُ لَم يَربَحِ اليَومَ مالًا، لَكِنَّهُ دَخَلَ تَحتَ قَولِ رَسولِ اللهِ: «رَحِمَ اللَّهُ...». ودَعوَةُ النَّبيِّ ﷺ مُستَجابَة، فَمَن نالَها فَقَد نالَ خَيرَيِ الدُّنيا والآخِرَة.
عِبادَ الله...
هَذا كُلُّهُ فيما إذا كانَ الإرجاعُ لِمُجَرَّدِ النَّدَم، وأمَّا إذا كانَ في البِضاعَةِ عَيبٌ خَفِيٌّ كَتَمَهُ البائِع، فَإنَّ القَضيَّةَ هُنا تَنتَقِلُ مِن بابِ "الفَضل" إلى بابِ "الوُجوبِ والتَّحريم".
اليَومَ، نَرى في بَعضِ الأسواقِ — خُصوصًا في التِّجارَةِ الإلكترونيَّةِ وبَيعِ السَّيَّاراتِ والأجْهِزَةِ المُستَعمَلَة — مَن يَبيعُ البِضاعَةَ المَعيبَة، ويُخفي العَيبَ بِطِلاءٍ أو تَغليفٍ أو قَسَمٍ كاذِب، فَإذا اكتَشَفَ المُشتَري العَيبَ وجاءَ لِيَرُدَّها، قالَ لَهُ البائِعُ بِكُلِّ بَرود: "البِضاعَةُ المُباعَةُ لا تُردُّ، والقانونُ لا يَحمي المُغَفَّلين"!
يا سُبحانَ الله! أيُّ قانونٍ هذا؟ ومُنذُ مَتى صارَ الغِشُّ شَطارَة؟
لَقَد حَسَمَ النَّبيُّ ﷺ هَذا الأمرَ قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا، حينَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعامٍ (كَومَةٍ مِن طَعام)، فَأدخَلَ يَدَهُ فيها، فَنالَت أصابِعُهُ بَلَلًا ومَاءً خَفيًّا أفسَدَ ما بِداخِلِها.
فَقالَ لِصاحِبِها باستِنكار: «ما هذا يا صاحِبَ الطَّعام؟»
قالَ: أصابَتْهُ السَّماءُ (أيِ المَطَر) يا رَسولَ الله.
فَقالَ ﷺ الكَلِمَةَ الفاصِلَة: «أفَلا جَعَلتَهُ فَوقَ الطَّعامِ كَي يَراهُ النَّاس؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي!». رَواهُ مُسلِم.
«لَيسَ مِنِّي»! هَل تُدرِكونَ خُطورَةَ الكَلِمَة؟
المُصطَفَى يَتَبَرَّأُ مِن كُلِّ بائِعٍ يُخفي عَيبَ سِلعَتِه. يَتَبَرَّأُ مِمَّن يَكسِبُ المَلايينَ بالحِيَل.
واللهِ، لَو أَنَّ رَجُلًا رَبِحَ أَموالَ الدُّنيا كُلَّها بِالغِشِّ وكِتمانِ العُيوب، ثُمَّ حُرِمَ مِن شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَومَ العَطَشِ الأكبَرِ لِأنَّهُ بَرِئَ مِنه، لَكانَ هُوَ الخاسِرَ الأكبَر!
واسمَعوا لِهذا المَوقِفِ العَجيبِ مِن صَحابيٍّ تَشَرَّبَ قَلبُهُ مَعنَى البَيعِ الحَلال.
وَقَفَ واثِلَةُ بنُ الأَسقَعِ — رَضيَ اللهُ عَنه — في السُّوق، فَرَأى رَجُلًا يَبيعُ ناقَةً، فاشتَراها مُشتَرٍ ودَفَعَ الثَّمَن ومَضى بِها.
فَرَكَضَ واثِلَةُ خَلفَ المُشتَري حَتَّى أدرَكَه، وقالَ لَه: يا أخي، هَلِ اشتَرَيتَها لِلَّحمِ أم لِلرُّكوب؟
قالَ المُشتَري: بَل لِلرُّكوبِ والسَّفَر.
قالَ واثِلَة: إنَّ بِخُفِّها ثَقبًا (أي أنَّ قَدَمَها مَعيبَةٌ لا تَحتَمِلُ طُولَ السَّفَر).
فَعادَ المُشتَري إلى البائِع، ورَدَّ النَّاقَةَ لِعَيبِها، وأخَذَ مالَه!
فَغَضِبَ البائِعُ غَضَبًا شَديدًا، واشتَكى إلى واثِلَة، وقالَ لَه: "أفسَدتَ عَلَيَّ بَيعي!"
بِماذا رَدَّ الصَّحابيُّ؟ هَلِ اعتَذَر؟
قال لَهُ بِثَبات: "سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقول: لا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَبيعُ شَيئًا إلَّا بَيَّنَ ما فيه، ولا يَحِلُّ لِمَن يَعلَمُ ذلِكَ إلَّا بَيَّنَه".
هَذا هُوَ السُّوقُ الإسْلاميُّ الحَقيقي. سُوقٌ مَبنيٌّ عَلَى النُّصحِ والوُضوح. البائِعُ فيهِ حَريصٌ عَلَى مالِ المُشتَري كَحِرصِهِ عَلَى مالِه.
يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم — رَحِمَهُ الله — في كَلامٍ نَفيس: "إنَّ مَبنَى المُعاملاتِ في الشَّريعَةِ عَلَى العَدلِ والإحسان، فَالعَدلُ أن لا تَظلِمَهُ، والإحسانُ أن تَنفَعَهُ وتُقيلَ عَثرَتَه".
أيُّها المُسلِمون، ولَعَلَّ قائلًا يَقول: "الأسواقُ اليَومَ مُعَقَّدَة، والتُّجَّارُ يُعانونَ مِنَ الخَسائِر والإيجارات، وفَتحُ بابِ الإرجاعِ بِمُطلَقِهِ قَد يُخَسِّرُنا، فَبَعضُ المُشتَرينَ يَأخُذُ البِضاعَة، يَستَخدِمُها، يُتلِفُ غِلافَها، ثُمَّ يَأتي لِيُرِدَّها مُتَعَلِّلًا بِالنَّدَم! ألَيسَ في هَذا ظُلمٌ لِلتَّاجِر؟"
بَلَى، الشَّريعَةُ عَدلٌ كُلُّها.
إذا كانَ المُشتَري يَتَلاعَب، أو استَهلَكَ البِضاعَة، أو غَيَّرَ مِن صِفَتِها، فَلا وُجوبَ — بَل ولا استِحبابَ — لِإقالَتِهِ إذا كانَ في ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى البائِع. الإسلامُ لا يَدعو إلى السَّذاجَةِ أو تضييعِ رُؤوسِ الأموال. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
لَكِنَّ حَديثَنا هُوَ عَنِ الرَّجُلِ الصَّادِقِ، الَّذي اشتَرى شَيئًا ثُمَّ بانَ لَهُ أنَّهُ لا يَحتاجُه، وعادَ بِهِ سالِمًا كما هُو — هُنا تَتَجَلَّى السَّماحَة.
إخوَتي الأَحِبَّة...
إنَّ مَفهومَ "الإقالَة" وتَصحيحِ الخَطَأ لا يَقِفُ عِندَ حُدودِ الدِّينارِ والدِّرهَمِ في السُّوق.
الدِّينُ كُلٌّ مُتَكامِل، ومَن تَرَبَّى عَلَى السَّماحَةِ في بَيعِهِ وشِرائِه، تَرَبَّى عَلَيها في حَياتِهِ كُلِّها.
الإقالَةُ مَطلوبَةٌ بَينَ الزَّوجَين. إذا زَلَّت كَلِمَةٌ مِن زَوجَتِكَ في لَحظَةِ غَضَب، ثُمَّ جاءَت نادِمَةً تَعتَذِر، فَأَقِلْ عَثرَتَها! لا تُعايِرهَا بِها كُلَّ يَوم.
الإقالَةُ مَطلوبَةٌ مَعَ الأصدِقاء. إذا أخطَأَ صَديقُكَ في حَقِّك، ثُمَّ نَدِمَ وعَرَفَ خَطَأَه، فاقبَل رَجعَتَه، وأقِل عَثرَتَه، ولا تَكُن قاسيًا لا تَغفِر.
يَقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
لا تَنسَوا الفَضلَ بَينَكم...
لَفظَةٌ قُرآنيَّةٌ تَجمَعُ كُلَّ ما تَحَدَّثنا عَنه. العَدلُ يَحمي المُجتَمَعَ مِن الانهِيار، لَكِنَّ الفَضلَ هو الَّذي يَجعَلُ المُجتَمَعَ قابِلًا لِلحَياة.
فيا أيُّها التَّاجِر، وَيا أيُّها المُشتَري، ويا كُلَّ مَن يَتَعامَلُ مَعَ النَّاس: كُن سَمْحًا يَكُنِ اللهُ مَعَكَ سَمْحًا. وتَجاوَز عَنِ النَّاسِ، لَعَلَّ اللهَ أن يَتَجاوَزَ عَنك.
أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ مَفهومِ "الإقالَةِ" في البَيعِ والشِّراء، وعَرَفنا كَيفَ رَبَطَ الإسلامُ بَينَ إرجاعِك لِمالِ أخيكَ النَّادِمِ، وبَينَ إرجاعِ اللهِ لَكَ رَأسَ مالِكَ يَومَ القِيامَةِ بِمَحوِ عَثَراتِك. وكَيفَ أنَّ إخفاءَ العُيوبِ والتَّستُّرَ عَلَيها غِشٌّ يُوجِبُ بَراءَةَ النَّبيِّ ﷺ مِن فاعِلِه. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الكَلامَ إلى حَقائِقَ تَمشي في أسواقِنا وبُيوتِنا؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَكَ وأنتَ تَذهَبُ إلى عَمَلِكَ وتِجارَتِكَ كُلَّ صَباح. قُل في قَلبِك: "اللَّهُمَّ إنِّي نازِلٌ إلى السُّوقِ لِأُغنيَ نَفسي بالحَلال، ولِأَنفَعَ عِبادَك". النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ تُحَوِّلُ وقوفَكَ في مَحَلِّكَ التِّجاريِّ إلى عِبادَةٍ تُؤجَرُ عَلَيها كَما تُؤجَرُ عَلَى الصَّلاة.
الثانية (لِسانيَّة): احذَروا الأَيمانَ الكاذِبَةَ في السُّوق! لا تَحلِف بِاللهِ لِتُقنِعَ المُشتَري بِأنَّ البِضاعَةَ أصليَّةٌ أو أنَّها مُكَلِّفَةٌ جِدًّا وأنتَ تَعلَمُ خِلافَ ذلِك. قالَ ﷺ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلعَة، مُمحِقَةٌ لِلبَرَكَة». قَد تَبيعُها، لَكِنَّ البَرَكَةَ سَتُمحَقُ مِن مالِكَ وصِحَّتِك.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): غَدًا، إذا وَقَفَ أمامَكَ مُشتَرٍ مُتَرَدِّدٌ أو نادِمٌ يُريدُ إرجاعَ شَيءٍ اشتَراهُ مِنكَ ولَم يُفسِده، قابِلهُ بِابتِسامَة. خُذ بِضاعَتَك، وأَعطِهِ مالَه، وقُل في نَفسِكَ سِرًّا: "اللَّهُمَّ أَقَلتُ بَيعَتَهُ، فَأَقِل عَثرَتي يَومَ القِيامَة". واللَهِ سَتَجِدُ لَذَّةً في قَلبِكَ تَفوقُ لَذَّةَ الرِّبح.
الرابعة (اجتِماعيَّة): طَبِّقُوا سُنَّةَ "الإقالَةِ" في عُلاقاتِكُم. إذا جاءَكَ أخوكَ مُعتَذِرًا عَن خَطَأ، أو قَريبٌ لكَ يَتَأسَّفُ عَلَى زَلَّة، فَلا تُغلِقِ البابَ في وَجهِه. كُن سَمْحًا وتَجاوَز، فَإنَّ اللهَ يَقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
الخامسة (مَوضوعيَّة): ويا أيُّها المُشتَري، اتَّقِ اللهَ في التُّجَّار. لا تَشتَرِ السِّلعَةَ لِتَستَعمِلَها في حَفْلَةٍ أو مُناسَبَةٍ ثُمَّ تُعيدَها بِحُجَّةِ أنَّها لَم تُعجِبك! هَذا غِشٌّ وتَحايُلٌ عَلَى شَرعِ الله، وأكلٌ لِأموالِ النَّاسِ بِالباطِل. السَّماحَةُ مَطلوبَةٌ مِنَ الطَّرَفَين، والعَدلُ ميزانُ السَّماء. ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ تَشمَلُ كُلَّ مَن أخَذَ حَقَّهُ وافيًا، وبَخَسَ النَّاسَ حُقوقَهُم.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ كُلَّ دِرهَمٍ يَدخُلُ جُيوبَكُم أو يَخرُجُ مِنها مَكتوبٌ في صَحائِفِكُم، مُحاسَبونَ عَلَيهِ أمامَ مَن لا تَخفى عَلَيهِ خافيَة.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللَّهُمَّ ارزُقنا السَّماحَةَ في بَيعِنا وشِرائِنا واقتِضائِنا.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ أن تُقيلَ عَثَراتِنا، وتَغفِرَ زَلَّاتِنا، وتَتَجاوَزَ عَن سَيِّئاتِنا، كَما تَأمُرُنا أن نَتَجاوَزَ عَنِ المُخطِئينَ مِن عِبادِك.
اللَّهُمَّ طَهِّر أسواقَنا مِنَ الغِشِّ والكَذِبِ وأكلِ الحَرام، واجعَل أقواتَنا ومَكاسِبَنا حَلالًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه.
اللَّهُمَّ اكفِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وبِطاعَتِكَ عَن مَعصِيَتِك، وبِفَضلِكَ عَمَّن سِواك.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، واحفَظ أعراضَهُم، واحقِن دِماءَهُم، وانصُر مُستَضعَفيهِم يا رَبَّ العالَمين.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالإرجاع والاستبدال: سماحة تحمي الحق والثقة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.