🕌 التقييمات المزيفة: شهادة زور على شاشة المتجر
#خطبة_جمعة #شهادة_الزور #الأمانة #البيوع #الغش #أخلاق_المسلم #فقه_المعاملات
الحمدُ للهِ الذي حَرَّمَ الغِشَّ والخِداع، وجَعَلَ الصِّدقَ والأمانةَ مِن أعظَمِ طَبائعِ أهلِ الإيمان، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعلَمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، الصَّادقُ المَصدوق، أَمَرَ بالنُّصحِ وحَذَّرَ من الزُّور، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَفتَحُ هاتِفَك، تَبحَثُ عن مَتجَرٍ أو سِلعة، تَجِدُ مِئاتِ التَّعليقاتِ تَمدَح، وخَمسَ نُجومٍ تَتَلألأ، فَتَشتَري وأنتَ مُطمَئِن... لِتَكتَشِفَ لاحِقاً أنَّ البِضاعَةَ رَديئة، وأنَّ تِلكَ النُّجوم لم تَكُن سِوى سَرابٍ مَدفوعِ الثَّمَن. ظاهِرَةٌ حَديثةٌ بأسماءٍ تَقنيَّة، لَكِنَّها تُخفي وَراءَها واحِدَةً مِن أكبَرِ الكَبائرِ الَّتي حَذَّرَ مِنها النَّبيُّ ﷺ. ما هي؟ وكَيفَ تَسَلَّلَت إلى هَواتِفِنا وأسواقِنا؟ الجَوابُ بَعدَ قَليل.
أيُّها الإخوَةُ الأكارِم، في أسواقِنا القَديمة، كانَ التَّاجِرُ يُنادي على سِلعَتِه، والمُشتَري يُقَلِّبُها بيَدِه، والعَينُ تَرى والخِبرَةُ تَحكُم. أمَّا اليَوم، في أسواقِنا الإلكترونيَّة، صارَ "التَّقييمُ" هو البائِع، و"التَّعليقُ" هو الدَّليل. وهُنا، بالضَّبطِ هُنا، دَخَلَ الشَّيطانُ مِن بابٍ واسِع، بابٍ اسمُه: التَّقييماتُ الوَهميَّة.
يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [سورة الحج: 30]. تَأمَّلوا يا عِبادَ الله! اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَرَنَ شَهادَةَ الزُّورِ وقَولَ الزُّورِ بالشِّركِ باللهِ وعِبادَةِ الأوثان! هَل تَخَيَّلتَ يَوماً أنَّ تَعليقاً تَكتُبُه مِن خَمسِ كَلِمات، تَمدَحُ فيهِ مَطعَماً لَم تَأكُل فيه، أو سِلعَةً لَم تُجَرِّبها، مُقابِلَ دَراهِمَ مَعدودَة، يُوضَعُ في ميزانِ السَّيِّئاتِ بجِوارِ الشِّركِ بالله؟
واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ المَهيب، الَّذي يَهُزُّ قَلبَ كُلِّ مُؤمِن. يَجلِسُ النَّبيُّ ﷺ بَينَ أصحابِه، فَيَقول: «ألا أُنَبِّئُكُم بأكبَرِ الكَبائِر؟» ثَلاثاً. قالوا: بَلى يا رَسولَ الله. قال: «الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالِدَين» وجَلَسَ وكانَ مُتَّكِئاً، فَقال: «ألا وقَولُ الزُّور، ألا وشَهادَةُ الزُّور». فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتَّى قالَ الصَّحابَة: لَيتَهُ سَكَت! (متفق عليه).
لِماذا يا تُرى كَرَّرَها النَّبيُّ ﷺ واعتَدَلَ مِن اتِّكائِه مُحَذِّراً مُشفِقاً؟ لأنَّ الشِّركَ وعُقوقَ الوالِدَينِ ضَرَرُهُما قاصِرٌ غالِباً على صاحِبِه، أمَّا شَهادَةُ الزُّورِ فَتَضيعُ بِها الحُقوق، وتُسلَبُ بِها الأموال، وتُدَمَّرُ بِها تِجارات، ويُغَشُّ بِها عامَّةُ المُسلِمين!
قالَ الإمامُ الذَّهَبيُّ رَحِمَهُ اللهُ مُحَذِّراً مِن غائِلَةِ هذا الذَّنب: "شاهِدُ الزُّورِ خائِن، طَمَسَ الحَقَّ، وأعانَ الظَّالِم، وأهلَكَ المَظلوم". فَكَيفَ بِمَن يَبيعُ شَهادَتَهُ اليَومَ لِشَرِكاتِ التَّسويقِ كَي يَخدَعَ آلافَ المُتَسَوِّقين؟
في عُرفِ التِّجارَةِ المُعاصِرَة، تُدفَعُ الأموالُ لِشَرِكاتٍ أو أفراد، يُسَمُّونَ أنفُسَهُم مُسَوِّقين، ووَظيفَتُهُمُ الحَقيقيَّة: شُهودُ زُورٍ مُحتَرِفون! يَكتُبونَ آلافَ التَّقييماتِ الإيجابيَّةِ لِبِضاعَةٍ رَديئَة، فَتَرتَفِعُ في مُحَرِّكاتِ البَحث، ويَشتَريها النَّاسُ ثِقَةً بِتِلكَ النُّجومِ الزَّائِفَة.
ولَيسَ هذا فَحَسَب! بَل هُناكَ وَجهٌ آخَرُ أشَدُّ قَتامَة. أن تُستَأجَرَ لِكِتابَةِ تَقيماتٍ سَلبيَّةٍ "نَجمَة واحِدَة" لِتَدميرِ مَتجَرٍ مُنافِس، أو مَطعَمِ جار، أو مُستَشفىً لَم تَدخُلهُ قَط، فَتُنَفِّرَ النَّاسَ مِنه، وتَتَسَبَّبَ في إفلاسِه وقَطعِ رِزقِه! أيُّ ظُلمٍ بَعدَ هذا الظُّلم؟ وأيُّ عُدوانٍ بَعدَ هذا العُدوان؟
يَقولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [سورة المطففين: 1-3]. والمُطَفِّفُ يا عِبادَ اللهِ لَيسَ فَقَط مَن يَتَلاعَبُ بِميزانِ الحَديدِ والذَّهَب! بَل مَن يَتَلاعَبُ بِميزانِ التَّقييماتِ والكَلِمات، فَيَبخَسُ النَّاسَ أشياءَهُم لِيُسقِطَهُم، أو يُعطي سِلعَتَهُ حَجماً أكبَرَ مِن حَقيقَتِها لِيُغريَ النَّاسَ بِها.
ويَزيدُ القُرآنُ الأمَرَ وُضوحاً ورَهبَةً فَيَقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [سورة الإسراء: 36]. كَيفَ تَكتُبُ رَأياً وتُقيمُ مُنتَجاً لَم تَستَخدِمه؟ كَيفَ تَشغَلُ سَمعَكَ وبَصَرَكَ وفُؤادَكَ بِما لا عِلمَ لَكَ بِه، ثُمَّ تَأخُذُ عَلَيهِ أُجرَة؟
تَأمَّلوا مَعي أخلاقَ سَلَفِنا الصَّالِح، وكَيفَ كانوا يَرتَعِدونَ مِنَ الغِشِّ ولَو بِكَلِمَةِ سُكوت، فَكَيفَ بالكَذِبِ الصَّريح! بايَعَ جَريرُ بنُ عَبدِ اللهِ البَجَليُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ النَّبيَّ ﷺ عَلى "النُّصحِ لِكُلِّ مُسلِم". فَأَمَرَ مَولاهُ أن يَشتَريَ لَهُ فَرَساً، فاشتَراهُ بِثَلاثِمائَةِ دِرهَم، وجاءَ بِهِ وبِصاحِبِه لِيَنقُدَهُ الثَّمَن.
فَنَظَرَ جَريرٌ إلى الفَرَسِ فَرَأى أنَّهُ يَستَحِقُّ أكثَر! لَم يَقُل: غَنيمَةٌ ورَبِحتُها، والمُغَفَّلُ مَن لا يَغتَنِمُ الفُرصَة! بَل قالَ لِصاحِبِ الفَرَس: فَرَسُكَ خَيرٌ مِن ثَلاثِمائَةِ دِرهَم، أتَبيعُهُ بأربَعِمائَة؟ قال: نَعَم. فَلَم يَزَل يَزيدُهُ مِائَةً فَمِائَة، حَتَّى اشتَراهُ بِثَمانِمائَةِ دِرهَم! فَلَمَّا سُئِلَ عَن ذَلِكَ أدهَشَ العُقولَ قائِلاً: "إنِّي بايَعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عَلى النُّصحِ لِكُلِّ مُسلِم".
هَذا هُوَ الإيمانُ حينَ يَمشي عَلى الأرْض. أينَ هَذا مِمَّن يُنَظِّمُ الحَمَلاتِ الوَهميَّةَ اليَومَ لِلخِداع؟
وذَكَرَ أهلُ السِّيَرِ عَن يُونُسَ بنِ عُبَيدٍ رَحِمَهُ الله، أنَّهُ كانَ عِندَهُ حُلَلٌ مِنَ الثِّياب، مِنها ما يُسوى أربَعِمائَة، ومِنها ما يُسوى مِائَتَين. فَتَرَكَ ابنَ أخيهِ في الدُّكَّانِ وذَهَبَ لِيُصَلِّي. فَجاءَ أعرابيٌّ يَطلُبُ حُلَّةً بِأربَعِمائَة، فَعَرَضَ عَلَيهِ ابنُ أخيهِ الحُلَّةَ الَّتي بِمِائَتَين، فاستَجادَها الأعرابيُّ واشتَراها بِأربَعِمائَة!
وهُوَ في الطَّريقِ لَقِيَهُ يُونُسُ بنُ عُبَيد، فَعَرَفَ الحُلَّة، فَقال: بِكَم اشتَرَيت؟ قال: بِأربَعِمائَة. قال: إنَّها لا تُسوى إلَّا مِائَتَين، فَارجِع فاستَرِدَّ مالَك. فَقالَ الأعرابي: إنَّها في بَلَدِنا تُسوى خَمسَمائَةٍ وأنا راضٍ! فَأَبى يُونُس، ورَدَّهُ إلى الدُّكَّان، ورَدَّ عَلَيهِ مِائَتي دِرهَم، ثُمَّ وبَّخَ ابنَ أخيهِ تَوبيخاً شَديداً وقال: "أما استَحيَيت؟! أما اتَّقَيتَ الله؟! تَربَحُ مِثلَ الثَّمَنِ وتَغِشُّ المُسلِم؟!"
يا لله! لَم يَسكُت عَن كِتمانِ العَيبِ وغَبنِ السِّعر، وهُوَ رِبحٌ مادِّيٌّ مُباشِر، فَكَيفَ لَو رَأى في زَمانِنا مَن يَكتُبُ المُعَلَّقاتِ المَكذوبَةَ في مَدحِ سِلعَةٍ لا تُساوي دِرهَماً لِيَخدَعَ بِها آلافَ البَشَر؟
يَقولُ اللهُ تَعالى أمراً قاطِعاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: 58]. والأمانَةُ هُنا لَيسَت فَقَط حِفظَ المال، بَل حِفظُ الكَلِمَة. كَلِمَتُكَ أمانَة، وتَقييمُكَ أمانَة، ورَأيُكَ الَّذي يَبني عَلَيهِ النَّاسُ قَراراتِهِم أمانَة.
ولِذَلِكَ قالَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ مُحَذِّراً مِنَ التَّدليسِ في البَيع: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا، فَإن صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لَهُما في بَيعِهِما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَت بَرَكَةُ بَيعِهِما» (متفق عليه).
المَحْق! مَحْقُ البَرَكَة! قَد يَجني التَّاجِرُ مَلايينَ مِن هَذِهِ التَّقييماتِ المُزَيَّفَة، وقَد يَجمَعُ المُعَلِّقُ أُجوراً طائِلَة، لَكِنَّها أموالٌ مَنزوعَةُ البَرَكَة، تَذهَبُ في أمراضٍ ومَصائِبَ وهُموم، ولا تَنفَعُ صاحِبَها في دُنيا ولا آخِرَة. كَما قال الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله: "الصِّدقُ رُوحُ الأعمال، ولُبُّها الَّذي بِهِ حَياتُها، فَإذا خَلَت مِنهُ فَهِيَ مَيِّتَةٌ لا رُوحَ فيها".
وهُنا قَد يَقولُ قائِل: أنا لَستُ تاجِراً، أنا مُجَرَّدُ شَخصٍ عُرِضَ عَلَيَّ أن أُقَيِّمَ مُنتَجاتٍ مِن خِلالِ تَطبيق، أو أكتُبَ تَعليقاتٍ جاهِزَة، وأحصُلَ عَلى عُمولَةٍ بَسيطَة، فما ذَنبي؟
أقولُ لَك: ذَنبُكَ أنَّكَ الشَّاهِدُ الكاذِب! يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: 18]. ويَقولُ سُبحانَهُ في مَن يَكتُبونَ ما لا يَعلَمون: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [سورة الزخرف: 19].
هَذا التَّعليقُ المَكتوبُ شَهادَةٌ سَتُسألُ عَنها. كُلُّ قِرشٍ كَسِبتَهُ مِن هَذا التَّعليقِ هُوَ سُحتٌ حَرام. وكُلُّ شَخصٍ اشتَرى البِضاعَةَ بِناءً عَلى تَعليقِكَ الكاذِبِ وتَضَرَّر، فَأنتَ شَريكٌ في إثمِهِ وغِشِّه! ألَم تَسمَع قَولَ النَّبيِّ ﷺ القاطِع: «مَن غَشَّنا فَلَيسَ مِنَّا» (رواه مسلم).
وقَد قَرَّرَ الإمامُ النَّوَويُّ رَحِمَهُ اللهُ قاعِدَةً عَظيمَةً حينَ قال: "الصِّدقُ مَأمورٌ بِه، والكَذِبُ مَنهيٌّ عَنهُ في جَميعِ الأحوال، إلَّا ما خَصَّهُ الشَّرع". ولا مَصلَحَةَ شَرعيَّةَ قَطُّ في غِشِّ المُسلِمينَ لأجَلِ حَفنَةٍ مِنَ المال. بَل قَد نادى الشَّرعُ بِعَكسِ ذَلِك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة: 119].
يا عِبادَ الله، الشَّاشاتُ الَّتي نَلمِسُها بِأصابِعِنا اليَوم، سَتَنطِقُ عَلَينا غَداً. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة يس: 65]. سَتَشهَدُ يَدُكَ الَّتي طَبَعَتِ الخَمسَ نُجومٍ زُوراً وتَغريراً. وسَتَشهَدُ يَدُكَ الَّتي كَتَبَتِ النَّجمَةَ الواحِدَةَ بُهتاناً وظُلماً لإسقاطِ تِجارَةِ مُسلِم.
فَمَن أرادَ رِزقاً حَلالاً، فَلْيَصدُق. ومَن أرادَ بَرَكَةً في مالِه، فَلْيَتَّقِ اللهَ في كِتاباتِهِ وفي تِجارَتِه، فَإنَّ النَّبيَّ ﷺ بَشَّرَ التَّاجِرَ الصَّدوقَ بِأعظَمِ بِشارَةٍ حينَ قال: «التَّاجِرُ الصَّدوقُ الأمينُ مَعَ النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداء» (رواه الترمذي).
أقولُ قَولي هَذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه ﷺ. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن خُطورَةِ التَّقييماتِ المُزَيَّفَة، ووَقَفنا مَعَ كَونِها شَهادَةَ زُورٍ وتَطفيفاً في الميزانِ وغِشاً صَريحاً، وكَيفَ كانَ سَلَفُنا الصَّالِحُ يَتَوَرَّعونَ عَن مُجَرَّدِ السُّكوتِ عَنِ العَيب، فَكَيفَ بالكَذِبِ المَدفوع. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمّ: كَيفَ نَحمي أنفُسَنا ومُجتَمَعاتِنا مِن هَذا الوَباءِ الخَفيّ؟ وكَيفَ نُطَهِّرُ أموالَنا؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): استَحضِر رَقابَةَ اللهِ عَلَيكَ قَبلَ أن تَضغَطَ زِرَّ "إرسال" لأيِّ تَقييمٍ أو تَعليق، وتَذَكَّر أنَّ كَلِمَتَكَ سَتُعرَضُ عَلَيكَ يَومَ القِيامَة، فَلا تَجعَل نَفسَكَ في مَقامِ شاهِدِ الزُّور.
الثانية (لِسانيَّة): طَهِّر لِسانَكَ وقَلَمَكَ ولَوحَةَ مَفاتيحِكَ مِن قَولِ الزُّور. لا تَقبَل أيَّ عَرضٍ ماليٍّ مُقابِلَ كِتابَةِ تَقييمٍ وَهميٍّ لِسِلعَةٍ لَم تُجَرِّبها أو خِدمَةٍ لَم تَتَلَقَّها، مَهما كانَ المَبلَغُ مُغرياً، فَهُوَ مالُ سُحتٍ يَأكُلُ بَرَكَةَ رِزقِك.
الثالثة (عَمَليَّة): لِلتَّاجِرِ وصاحِبِ المَتجَر؛ التَزِمِ الصِّدقَ في عَرضِ بِضاعَتِك، ولا تَشتَرِ المُتابِعينَ والتَّقييمات، فَإنَّ الصِّدقَ يُورِثُ البَرَكَةَ ولَو قَلَّ المال، والكَذِبَ يَمحَقُها ولَو كَثُر، والمُؤمِنُ يَطلُبُ رِضا اللهِ لا رِضا الخَوارِزميَّاتِ المَكذوبَة.
الرابعة (اجتِماعيَّة): إذا جَرَّبتَ سِلعَةً أو خِدمَةً وأرَدتَ تَقِيمَها، فاكتُب تَقييماً صادِقاً وعَدلاً. لا تَبخَسِ النَّاسَ أشياءَهُم إن قَصَّروا قَليلاً وتُسقِط مَجهودَهُم بِنَجمَةٍ ظالِمَة، ولا تُبالِغ في المَدحِ لِتُجامِلَهُم فَتَغِشَّ غَيرَك. كُن عادِلاً ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾.
الخامسة (مَوضوعيَّة): حَصِّن نَفسَكَ بالوَعي؛ كَمُشتَرٍ، لا تَكُن ساذَجاً تُصَدِّقُ كُلَّ ما تَقرَؤُهُ عَلى الشَّاشات، بَل تَثَبَّت وتَحَرَّ واقرَأ بِعَينِ النَّاقِد، واعلَم أنَّ كَثيراً مِن هَذِهِ الأرقامِ وَهميَّة، والمُؤمِنُ كَيِّسٌ فَطِن.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ تَقوى اللهِ هيَ الَّتي تَعصِمُكُم مِنَ الزَّلَل، وتُطَهِّرُ أموالَكُم، وتُورِثُكُمُ البَرَكَةَ في الدُّنيا والنَّجاةَ في الآخِرَة.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيه، قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء، وألسِنَتَنا مِنَ الكَذِب، وأعيُنَنا مِنَ الخِيانَة، فَإنَّكَ تَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور.
اللَّهُمَّ اكفِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وأغنِنا بِفَضلِكَ عَمَّن سِواك.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَصدُقونَ في أقوالِهِم وأفعالِهِم وتِجاراتِهِم، ولا تَجعَلنا مِنَ الَّذي يَشهَدونَ الزُّورَ ويَغِشُّونَ عِبادَك.
اللَّهُمَّ بارِك لِلمُسلِمينَ في أرزاقِهِم وتِجاراتِهِم، واجعَلها خالِصَةً مِنَ الغِشِّ والتَّدليس، مُبارَكَةً طَيِّبَة.
اللَّهُمَّ ارفَعِ الظُّلمَ عَنِ المَظلومين، وانصُرِ المُستَضعَفينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجاً يا رَبَّ العالَمين.
عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون.
وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هُنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيبُ الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قَبلَ أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مَصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألُك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالتقييمات المزيفة: شهادة زور على شاشة المتجر
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.