من مكتبة مِداد الخطيب

خُرافَةُ "أَزَليَّةِ الكَون" وتَهافُتُ فَرضيَّةِ الأكوانِ المُتَعَدِّدَة

مشاركة
🕌 خُرافَةُ "أَزَليَّةِ الكَون" وتَهافُتُ فَرضيَّةِ الأكوانِ المُتَعَدِّدَة #خطبة_جمعة #أزلية_الكون #الانفجار_العظيم #الديناميكا_الحرارية #الأكوان_المتعددة #براهين_الخلق #إيمانيات الحمدُ للهِ الأوَّلِ فلَيسَ قَبلَهُ شيء، والآخِرِ فلَيسَ بَعدَهُ شيء، والظَّاهِرِ فلَيسَ فَوقَهُ شيء، والباطِنِ فلَيسَ دُونَهُ شيء. خَلَقَ الزَّمانَ والمَكان، وأبدَعَ الأكوان، وتَفَرَّدَ بالقِدَمِ والبَقاء، وكَتَبَ على خَلقِهِ الحُدوثَ والفَناء. لم يَتَّخِذ صَاحِبَةً ولا وَلَداً، ولم يَكُن لهُ كُفُواً أحَد، سُبحانَهُ قَهَرَ العِبادَ بالمَوت، وأفرَدَ نَفسَهُ بالعِزَّةِ والمَلَكوت، يَبدَأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُه، وهوَ أهْوَنُ عليه، وإليهِ تُرجَعون. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادَةَ مَن أفرَدَهُ بالرُّبوبيَّةِ والأُلوهيَّة، وتَبَرَّأَ مِن خُرافاتِ الدَّهريَّةِ والفَلسَفاتِ الإلحاديَّة. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أرسَلَهُ بالحَقِّ بشيراً ونَذيراً، فأنارَ العُقولَ بهَديِ التَّوحيد، ودَحَضَ أوهامَ الشِّركِ والتَّعطيل، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليه، وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الأطهَار، وصَحابَتِهِ المُوقِنينَ الأبرار، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ القرار. أمَّا بعد: أيُّها المؤمنون، تَأمَّلوا مَعي في صِراعٍ فِكريٍّ ضارِبٍ في أعمَاقِ التَّاريخ؛ صِراعٍ بينَ نُورِ الوَحيِ وبَدائهِ العُقولِ مِن جِهة، وبينَ سَفسَطَةِ الإلحادِ والمادِّيَّةِ مِن جِهةٍ أُخرى! لقد عاشَ المَلاحِدَةُ والدَّهريُّونَ عُصوراً مُتَطاوِلَة، وهُم يَتَحَصَّنونَ خَلفَ جِدارٍ واحِدٍ يَرونَهُ مَلاذَهُمُ الأخِير، ألا وهوَ دَعوى: «أَزَلِيَّةِ الكَون»! كانوا يَهرُبونَ مِن سُؤالِ الفِطرَة: «مَن خَلَقَ الكَون؟»، بقَولِهم الفَجّ: «الكَونُ أزَليٌّ لا بِدايَةَ له، وُجِدَ هكذا بلا مُوجِد، والمادَّةُ لا تَفنى ولا تُستَحدَث، فالطَّبيعَةُ هيَ الخالِقُ وهيَ المَخلوق»! ظَلَّ المَلاحِدَةُ يَتعالَونَ بهذهِ الخُرافَةِ قُروناً، ويَنسِجونَ حَولَها الفَلسَفاتِ المادِّيَّة؛ حتَّى انفَجَرَت في وُجوهِهم حَقائقُ العِلمِ الحَديثِ في القَرنِ العِشرين، وحَطَّمَت صَنَمَهُمُ الأكبَر، وأثبَتَت بمَا لا يَدَعُ مَجالاً لشَكٍّ عِلميٍّ أو عَقليٍّ: أنَّ هذا الكَونَ ليسَ أَزَليّاً، بل كانَ عَدَماً مَحضاً، ثمَّ حَدَثَت لهُ بِدايَةٌ زَمَنِيَّةٌ حاتِمَةٌ في لَحظَةٍ صِفريَّةٍ مُحَدَّدَة، انفَجَرَ فيها الزَّمانُ والمَكانُ والمادَّةُ والطَّاقَةُ مِن لا شيء! فطاشَت عُقولُ المَلاحِدَة، وتَهَدَّمَت مَعاقِلُهم، ولَجَأوا اليومَ إلى خُرافَةٍ أُخرى لا تَقلُّ سَذاجَةً، هَرَبوا إلى ما يُسَمُّونَهُ: «فَرضِيَّةُ الأكوانِ المُتَعَدِّدَة»! فما حَقيقَةُ هذهِ الدَّعاوى؟ وكيفَ أرسى القُرآنُ العَظيمُ قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرناً البَراهينَ القاطِعَةَ على حُدوثِ الكَونِ وبِدايَتِه، واستِحالَةِ أزَليَّتِهِ عَقلاً ونَقلاً وفِيزياء؟ استَمِعوا عِبادَ اللهِ إلى كَلامِ رَبِّكُمُ العَليمِ الخَبِير، وهوَ يَصدَعُ بالحَقيقَةِ الكَونيَّةِ الكُبرى، التي اكتَشَفَها عُلَماءُ الفَلَكِ في أواخِرِ القَرنِ المَاضي بعدَ أبحاثٍ استَغرَقَت مِئاتِ السِّنين؛ يقولُ اللهُ جلَّ في عُلاه في سُورَةِ الأنبياء: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]. اللهُ أكبر! تَأمَّلوا هذا الإعجازَ البَيانيَّ الإلهيَّ المُعجِز! الرَّتقُ في لِسانِ العَرَب: هوَ الشَّيءُ المُلْتَحِمُ المُنضَمُّ بَعضُهُ إلى بَعضٍ كالكُتلَةِ الواحِدة، والفَتقُ: هوَ الشَّقُّ والانفِصالُ والانفِجار! يَشهَدُ القُرآنُ أنَّ السَّماواتِ والأرضَ ومادَّةَ الكَونِ كُلَّها كانَت جِزءاً واحِداً مُلتَحِماً، ثمَّ حَدَثَ الفَتقُ والانفِصال؛ وهوَ عَينُ ما تَنطِقُ بهِ أشهَرُ نَظريَّةٍ فِيزيائيَّةٍ في عَصرِنا: «نَظريَّةُ الانفِجارِ العَظيم» (The Big Bang)! ثمَّ يَقولُ سُبحانَهُ في سُورَةِ الذَّارِيات: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]. تَأمَّلوا قَولَه: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾؛ في زَمَنٍ كانَ الفَلاسِفَةُ يَعتَقِدونَ فيهِ أنَّ الكَونَ أزَليٌّ ثابِتٌ ساكِنٌ لا يَتَغَيَّر، قَرَّرَ القُرآنُ أنَّ الكَونَ يَتَمَدَّدُ ويَتَّسِعُ دائمًا! فلمَّا جاءَ العَالِمُ الفَلَكيُّ «إدوين هابل» في عامِ 1929م بِمِرقَبِهِ الشَّهِير، أثبَتَ أنَّ المَجَرَّاتِ تَبتَعِدُ عنَّا وعن بَعضِها بسُرعاتٍ هائلة، وأنَّ الكَونَ يَتَمَدَّدُ في كُلِّ ثانِيَة! وإذا كانَ الكَونُ يَتَمَدَّدُ اليوم، فلو أرجَعنا شَريطَ الزَّمَنِ إلى الوَراء، لوَجَدنا المَجَرَّاتِ تَقترِبُ حتَّى تَلتَحِمَ في نُقطَةٍ صِغريَّةٍ واحِدَة، ثُمَّ تَنتَهي إلى العَدَمِ المَحض! مِمَّا يَعني بيَقينٍ عِلميٍّ صارِم: أنَّ للكَونِ بِدايَة، وأنَّ لهُ نُقطَةَ انطِلاق، وما كانَ لهُ بِدايَةٌ استَحالَ أن يَكونَ أزَليّاً، وما كانَ حادِثاً بعدَ عَدَمٍ استَلزَمَ قَطعاً مُحدِثاً قادِراً مُريداً أوجَدَهُ مِن لا شيء، وهوَ اللهُ الواحِدُ القَهَّار! وقد سَألَ أهلُ اليَمَنِ نَبيَّنا وحَبيبَنا مُحمَّداً صلواتُ ربي وسلامُهُ عليه، سُؤالاً يُلامِسُ أصلَ هذا المَبحَثِ الفَلسَفيّ؛ روى الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ رضي الله عنهما، قال: دَخَلتُ على النبيِّ ﷺ فقالَ أهلُ اليَمَن: "جِئناكَ يا رسولَ اللهِ نَتَفَقَّهُ في الدِّين، ولِنَسألَكَ عن أوَّلِ هذا الأمرِ ما كان؟" فأجابَهُم رَسولُ الهُدى ﷺ بكَلِماتٍ تَزِنُ كُلَّ فَلسَفاتِ الدُّنيا، وتَقضي على خُرافَةِ أزَليَّةِ المادَّة: «كانَ اللهُ ولم يَكُن شَيءٌ قَبلَه، وكانَ عَرشُهُ على الماء، وكَتَبَ في الذِّكرِ كُلَّ شَيء، وخَلَقَ السَّماواتِ والأرض»! يا لها مِن كَلِمَةٍ نبويَّةٍ تَفِيضُ جَلالاً ويَقيناً! «كانَ اللهُ ولم يَكُن شَيءٌ قَبلَه»؛ فالأزَليَّةُ حَقٌّ حَصريٌّ للخالِقِ وَحدَه، لا يُشارِكُهُ فيها زَمان، ولا مَكان، ولا ذرَّة، ولا مَجَرَّة: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3]. أيُّها الإخوَةُ الفُضَلاء، مَعاشِرَ الشَّباب، اسمعوا إلى ما تَنطِقُ بهِ الفِيزياءُ الحَديثَةُ التي يُحاوِلُ المَلاحِدَةُ الاحتِماءَ بها زُوراً؛ هُناكَ قانونٌ يُعَدُّ مِن أرسَخِ قَوانينِ الكَون، يُسَمَّى: «القانونَ الثَّاني للدِّيناميكا الحَراريَّة» (The Second Law of Thermodynamics)، أو قانونَ «الإنتروبي» (Entropy). مَفادُ هذا القانونِ البَسيط: أنَّ الطَّاقَةَ القابِلَةَ للاستِخدامِ في الكَونِ تَتَحَوَّلُ باستِمرارٍ إلى طاقَةٍ حَراريَّةٍ غَيرِ نافِعَة، وأنَّ الكَونَ يَسيرُ حَتْماً نحوَ التَّفَكُّك، والتَّبَدُّد، ومَا يُعرَفُ بـ «المَوتِ الحَراريِّ» للكَون! الكَونُ يَحترِق، وشُموسُهُ تَستَهلِكُ وَقودَها، وطاقَتُهُ تَتَناقَص! والسُّؤالُ العَقليُّ الفِيزيائيُّ القاصِمُ لكُلِّ مُلحِد: لو كانَ هذا الكَونُ أزَليّاً بلا بِدايَة، لو كانَ قَد وُجِدَ مُنذُ زَمَنٍ لا نِهائيٍّ مَضى... فلِماذا لم تَنفَد طاقَتُهُ حتَّى الآن؟! لو كانَ الكَونُ أزَليّاً لكانَ وَقودُ الشُّموسِ قدِ احترَقَ مُنذُ أمَدٍ بَعيد، ولكانَتِ الحَياةُ قدِ انتَهَت، ولكانَ الكَونُ كُتْلَةً مُظلِمَةً بارِدَةً مَيِّتَة! إنَّ بَقاءَ حَرارَةِ الشَّمسِ إلى هذا الصَّباح، وجَرَيانَ الطَّاقَةِ في هذا الوُجود، هُوَ بُرهانٌ فِيزيائيٌّ قاطِعٌ على أنَّ الكَونَ لَيسَ أَزَليّاً، بل شُحِنَ بالطَّاقَةِ في لَحظَةٍ مَعلُومَةٍ حادِثَةٍ ذاتِ بِدايَة! أفَبَعدَ هذا البُرهانِ يَبقى لعاقِلٍ أن يَدَّعِيَ أزَليَّةَ المادَّةِ ويُنكِرَ الصَّانِعَ الأوَّل؟! ثمَّ تَعالَوا نَنظُرْ في المَنطِقِ العَقليِّ الرِّياضيّ، فيما يُسَمِّيهِ الفَلاسِفَة: «بُرهانَ استِحالَةِ تَسَلسُلِ الحَوادِثِ في المَاضي إلى ما لا نِهايَة». يَقولُ العَقل: لو فَرَضنا أنَّ الكَونَ أزَليٌّ لا بِدايَةَ له، فهذا يَعني أنَّهُ قد مَرَّت قبلَ يَومِنا هذا أحداثٌ لا نِهائيَّة! وضَرْبُ المَثَلِ يُوَضِّحُ هذا الأمر: تَخَيَّلوا جُنديّاً في مَعرَكَة، أُمِرَ بألَّا يُطلِقَ الرَّصاصَةَ حتَّى يَأخُذَ الإذنَ مِن قَائدِه، وقائدُهُ لا يَأذَنُ حتَّى يَأذَنَ قائِدُهُ الأعلَى، وذلكَ الأعلَى يَنتَظِرُ مَن فَوقَه، وتَسَلسَلَتِ الأوامِرُ في سِلسِلَةٍ لا نِهايَةَ لها... هل ستَنطَلِقُ تِلكَ الرَّصاصَةُ أبداً؟! الجَوابُ البَديهي: لَن تَنطَلِقَ الرَّصاصَةُ أبداً؛ لأنَّ كُلَّ شَرطٍ مَوقوفٌ على شَرطٍ قَبلَه إلى ما لا نِهايَة! وكذلكَ هذا اليَوم: لو كانتِ الأيَّامُ التي قَبلَهُ تَرجِعُ في المَاضي إلى ما لا نِهايَةَ له، لَما وَصَلْنا إلى هذا اليَومِ أبداً؛ لأنَّ اللَّانِهايَةَ لا يُمكِنُ قَطعُها واستِيفاؤُها! فبِما أنَّنا نَعيشُ في اللَّحظَةِ الحاضِرَة، فهذا يَدُلُّ دَلالَةً عَقليَّةً قاطِعَةً على أنَّ لِلزَّمَنِ بِدايَة، وأنَّ هُناكَ سَبَباً أوَّلَ غَيرَ مَسبوقٍ بعَدَم، هُوَ الذي بَدَأَ الزَّمانَ والمَكان! يَقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَةَ رحمه اللهُ تعالى في كِتابِهِ «منهاج السنة النبوية»: "وكُلُّ ما سِوى اللهِ مَخلوقٌ حادِث، كائِنٌ بَعدَ أن لم يَكُن، فالسَّماواتُ والأرضُ ومَا بينَهُما كُلُّها حادِثَةٌ مَخلوقَة، كانَت بَعدَ العَدَم، واللهُ تبارَكَ وتعالى وَحدَهُ هُوَ القَديمُ الأزَليُّ الذي ليسَ لوُجودِهِ بِدايَة، ولا لآخِريَّتِهِ نِهايَة". وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمه الله في «طريق الهجرتين»: "فالعَقلُ الصَّريحُ والفِطرَةُ السَّليمَةُ والنُّصوصُ الإلهيَّةُ مُتَطابِقَةٌ كُلُّها على أنَّ ما سِوى اللهِ مُفتَقِرٌ إلى الإيجاد، وأنَّهُ حادِثٌ مَسبوقٌ بعَدَم، ومَن زَعَمَ أزَليَّةَ شيءٍ مَعَ اللهِ فقد كَفَرَ بالشَّريعَةِ ونَبَذَ حُكمَ العَقل". عِبادَ الله، حِينَ حاصَرَت هذهِ الحَقائقُ العِلميَّةُ والمَنطِقيَّةُ المَلاحِدَةَ في الزَّاوِيَة، وعَلِموا أنَّ الإقرارَ ببِدايَةِ الكَونِ يَعني حَتْماً الإقرارَ بوُجودِ الخالِق... ماذا فَعَلوا؟! هل خَضَعوا للحَقّ؟ هل عادوا إلى الفِطرَة؟ كَلَّا! بل فَرُّوا إلى خَيالٍ عِلميٍّ بائِس، واختَرَعوا ما يُسَمُّونَهُ اليوم: «فَرضِيَّةُ الأكوانِ المُتَعَدِّدَة» (The Multiverse Hypothesis)! أخَذوا يَقولون: "نَعَم، كَونُنا لهُ بِدايَة، ولكنَّهُ لَيسَ الكَونَ الوَحيد! بل هُناكَ مِلياراتُ الأكوانِ الأُخرى التي لا نَراها، ونَحنُ نَعيشُ في كَونٍ مِنها وُجِدَ صُدفَة"! يا لَلعَجَب! ويا لَسَخافَةِ العُقولِ حِينَ تَنكَبُّ على عَقِبَيها! يَرفُضونَ الإيمانَ بإلهٍ واحِدٍ دَلَّت على وُجودِهِ وحِكمَتِهِ وعَظَمَتِهِ مَلايينُ الآياتِ في الآفاقِ والأنفُس، ثُمَّ يُؤمِنونَ بمِلياراتِ الأكوانِ الغَيبيَّةِ التي لم يَرَها أحَد، ولم يُسَجِّلْها مِرقَب، ولا يُوجَدُ عليها دَليلٌ رَصديٌّ ولا حِسِّيٌّ واحِد! يَهرُبونَ مِنَ الغَيبِ الإيمانيِّ المُبَرهَن، إلى غَيبٍ إلحاديٍّ خُرافيٍّ لا سَنَدَ له! وحَتَّى لو سَلَّمنا جَدَلاً بوُجودِ مِلياراتِ الأكوان؛ فمَنِ الذي أوجَدَ تِلكَ الأكوان؟ ومَنِ الذي وَضَعَ القَوانينَ التي تُوَلِّدُها؟! تَكثيرُ المَخلوقاتِ وتَوسيعُ رُقعَةِ الأكوانِ لا يَحُلُّ مُعضِلَةَ الخَلق، بل يَزيدُ الحاجَةَ إلى الخالِقِ إلحاحاً وعَظَمَة! فالكَونُ كُلُّه — بسَمواتِهِ ومَجَرَّاتِهِ وأفلاكِهِ — حادِثٌ فَقير، مَربوبٌ مَقهور، يَهتِفُ بلِسانِ حالِهِ وصَنعَتِه: «لا إلهَ إلا الله، ولا رَبَّ سِواه». فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العِلمَ الصَّحيحَ جُندٌ مِن جُنودِ التَّوحيد، وأنَّ كُلَّ كَشفٍ فَلَكيٍّ أو ذَرِّيٍّ يَزيدُ المُؤمِنَ إيماناً، ويَكشِفُ سُقوطَ الفَلسَفاتِ الإلحاديَّة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ كَفى، وصَلاةً وسَلاماً على عِبادِهِ الذينَ اصطَفى، وعلى نَبيِّهِ المُجتَبى، وآلِهِ وصَحبِهِ أُولِي الفَضلِ والنُّهى. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه ﷺ. أمَّا بعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن أَصْلٍ عَقليٍّ وفِيزيائيٍّ قاطِع: «تَفنيدُ خُرافَةِ أزَليَّةِ الكَون، وتَهافُتُ فَرضِيَّةِ الأكوانِ المُتَعَدِّدَة»، وبَيَّنَّا كَيفَ دَمَّرَت نَظريَّةُ الانفِجارِ العَظيم (Big Bang) والقانونُ الثَّاني للدِّيناميكا الحَراريَّة خُرافَةَ أزَليَّةِ المادَّة، وأثبَتَت أنَّ الكَونَ مَخلوقٌ حادِثٌ كانَ عَدَماً، مِمَّا يَستَلزِمُ عَقلاً وُجودَ الخالِقِ الأوَّلِ الحَكيم، وكَيفَ فَرَّ الإلحادُ المُعاصِرُ إلى خَيالاتِ الأكوانِ المُتَعَدِّدَةِ فِراراً مِن حَقيقَةِ الرُّبوبيَّة. والآن، كيفَ يَنعَكِسُ هذا البُرهانُ العَقليُّ نُوراً في قُلوبِنا وسُلوكِنا كُلَّ يَوم؟ لذا، فإنِّي أُوصيكُم ونَفسي بخَمسِ وَصايا عَمليَّةٍ جامِعَة: الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): عَظِّموا في قُلوبِكم اسمَ اللهِ «الأوَّل»، ورَسِّخوا اليَقينَ بأنَّ كُلَّ ما في هذا الوُجودِ — مِن سَماواتٍ وأرضٍ ومَجرَّاتٍ وقُوى — حادِثٌ فانٍ مَربوب، لا يَملِكُ لنَفسِهِ وُجوداً ولا بَقاءً إلَّا بإمدادِ الله، فإذا امتَلأَ قَلبُكَ بهذا الإجلال، تَصاغَرَت عِندَكَ قُوى الأرضِ كُلُّها، وعَلِمتَ أنَّ الرُّكونَ إلى غَيرِ اللهِ رُكونٌ إلى عَدَمٍ حادِثٍ يَزول. الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّةٌ ومَنهجيَّة): تَسَلَّحوا بالحُجَجِ العِلميَّةِ والعَقليَّةِ الحَديثة؛ فإذا جالَستُم شَابّاً حائراً أو مُتَأثِّراً برِياحِ الشُّبُهات، فاخاطِبوهُ بلُغَةِ العَصر: «العِلمُ اليومَ يُقَرِّرُ أنَّ للكَونِ بِدايَة، فمَنِ الذي بَدَأَه؟»، ولا تَدَعوا شُبُهاتِ الإلحادِ تَتَبَجَّحُ بأنَّها تُمَثِّلُ العِلم، بل بَيِّنوا أنَّ الإلحادَ هُوَ الذي يُصادِمُ العِلمَ ويَهرُبُ إلى الخُرافَة. الثالثة (وَصيَّةٌ فِعليَّة): أكثِروا مِن عِبادَةِ التَّفَكُّر؛ انظُروا إلى السَّماءِ في اللَّيل، تَأمَّلوا في حَرَكَةِ الأفلاك، واستَحضِروا أنَّ هذهِ المَجرَّاتِ الهائلَةَ التي تَسيرُ بحِسابٍ دَقيقٍ كانَت عَدَماً مَحضاً، فأمَرَها اللهُ بقَولِهِ «كُن» فتَكَوَّنَت! واجعَلوا كُلَّ مَعلُومَةٍ عِلميَّةٍ تَقرَؤونَها سَبَباً لزِيادَةِ الخُشوعِ في الصَّلاة. الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّةٌ وتَربويَّة): حَصِّنوا أبناءَكُم وبَناتِكُم في المَدارِسِ والجامِعات، واشرَحوا لهُم أنَّ دِراسَةَ الفِيزياءِ والفَلَكِ والكِيمياءِ لَيسَت مَجالاً للابتعادِ عنِ الله، بل هيَ مِن أعظَمِ مَيادينِ التَّعرُّفِ على عَظَمَةِ الخالِقِ سُبحانَه، ورَبِّتوهُم على الفَخرِ بكِتابِ رَبِّهِم الذي سَبَقَ مَراصِدَ العالَمِ بقَرارِ فَتْقِ الرَّتْقِ وتَمَدُّدِ السَّماء. الخامسة (وَصيَّةٌ فِكريَّةٌ مَوضوعيَّة): اليَقَظَةُ مِن خُدعَةِ «المُصطَلَحاتِ البَرَّاقَة»؛ فليسَ كُلُّ ما يُلَفَّفُ باصطِلاحٍ فِيزيائيٍّ كـ «الأكوانِ المُتَعَدِّدَة» حَقيقَةً عِلميَّة، بل كَثيرٌ مِنهُ فَرَضِيَّاتٌ إلحاديَّةٌ تُطرَحُ بغَيرِ بُرهانٍ لإنقاذِ الإلحادِ مِن سَكراتِ المَوتِ المَعرفيّ؛ فاثبُتوا على نُورِ الوَحيِ المُبين. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ الذي أوجَدَ هذا الكونَ مِنَ العَدَم، قادِرٌ على بَعثِكُم بَعدَ المَوتِ للحِسابِ والجَزاء: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ • إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ • فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 81-83]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على نَبيِّ الرَّحمَةِ ورَسولِ الهُدى، فقد أمَرَكُم ربُّكم جلَّ وعلا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا ونَبيِّنا مُحمَّدٍ، وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ المُهاجِرينَ والأنصار، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهُمَّ يا أوَّلُ فلَيسَ قَبلَكَ شيء، ويا آخِرُ فلَيسَ بَعدَكَ شيء، ويا ظاهِرُ فلَيسَ فَوقَكَ شيء، ويا باطِنُ فلَيسَ دُونَكَ شيء؛ نَسألُكَ إيماناً لا يَرْتَدّ، ونَعيماً لا يَنفَد، ومُرافَقَةَ نَبيِّكَ مُحمَّدٍ ﷺ في أعلَى جَنَّةِ الخُلد. اللَّهُمَّ ثَبِّت قُلوبَنا على دِينِك، ونَوِّر بَصائرَنا بنُورِ اليَقين، واعصِم شَبابَنا مِن فِتَنِ الشُّبُهاتِ ومَزالِقِ الشَّهَوات، واجعَلهُم هُداةً مُهتَدين، غَيرَ ضالِّينَ ولا مُضِلِّين. اللَّهُمَّ ارفَعِ الكَربَ عنِ المَكروبين، وفَرِّج هَمَّ المَهمومين، وانصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ في غَزَّةَ وفِلسطين، وفي كُلِّ مَكانٍ يُذكَرُ فيهِ اسمُك. اللَّهُمَّ ارحَم مَوتانا، واشفِ مَرضانا، واختِم بالصَّالِحاتِ آجالَنا يا أرحَمَ الرَّاحمين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ________________ ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.