من مكتبة مِداد الخطيب

حَجَّةُ الوَدَاع... دُسْتُورُ الأُمَّةِ الخَالِد

مشاركة
🕌 حَجَّةُ الوَدَاع... دُسْتُورُ الأُمَّةِ الخَالِد #خطبة_جمعة #حجة_الوداع #السيرة_النبوية #حقوق_الإنسان_في_الإسلام #عقيدة #أخلاق الحمدُ للهِ الذي أكمَلَ لنا الدِّينَ وأتَمَّ علينا النِّعمَة، ورَضِيَ لنا الإسلامَ دِينًا، وجعلنا من خَيرِ أُمَّةٍ أُخرِجَت للناسِ. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادةً نَرجو بها النجاةَ يومَ الفزعِ الأكبر، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أرسلَهُ رحمةً للعالمينَ، وحُجَّةً على العِبادِ أجمعين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كثيرًا. أمَّاح بعدُ: أيها الإخوةُ الأحبة، هل سألتم أنفسَكم يومًا: ماذا لو عَلِمَ إنسانٌ أنَّ هذهِ الساعاتِ هي آخِرُ عهدِهِ بالدنيا، وأنَّهُ يَقِفُ لِيُودِّعَ أحبَّتَهُ الوداعَ الأخير؟ ماذا سيقولُ لهم؟ وبمَ سيوصيهم؟ وكيفَ ستكونُ كلماتُه؟ إنَّ الحديثَ اليومَ ليسَ كحَديثِ الأمسِ، والوقوفَ هنا ليس كأيِّ وقوف. دعونا نَنتَقِلْ بقلوبِنا وأرواحِنا أربعةَ عشَرَ قرنًا إلى الوراء. تخيلوا أنفسَكم الآنَ في العامِ العاشرِ للهجرة. الزمانُ: يومُ عرفة، والمكانُ: بطحاءُ مكة. أمامَكم مِائةٌ وأربعةٌ وأربعونَ ألفًا من الصحابةِ الكرام، وجوهٌ لوَّحَتْها شمسُ الصحراء، وقلوبٌ صَقَلَهَا الإيمان، وعيونٌ شاخِصَةٌ ترتقبُ حبيبَها وقائدَها ونبيَّها مُحمَّدًا ﷺ. يَركَبُ النبيُّ ﷺ ناقتَهُ القَصواء، ويَرتقي بها، ويُنصِتُ ذلك الجمعُ العظيمُ في سكونٍ مَهيب. تُصيخُ الأرضُ سَمعَها، وتَحِفُّ الملائكةُ بالمكان، لِيُلقيَ رسولُ اللهِ ﷺ خُطبَةً لم يَسمَعِ التاريخُ أجمَعُ، ولا البشريَّةُ كُلُّها، أجمَعَ ولا أشمَلَ ولا أعظَمَ منها. خطبةً لم تكن استعراضًا لقوةٍ، ولا احتفالًا بنصرٍ عسكري، بل كانت "دُستورًا خالدًا" يُعلِنُ فيه اكتمالَ الدِّين، ويُرسِي فيه حقوقَ الإنسانِ قبلَ أن تَعرِفَها مواثيقُ الأرضِ بقرونٍ طويلة. بدأ الحبيبُ ﷺ خُطبتَهُ بكلماتٍ خَلَعَتِ القلوبَ وأسالَتِ المدامع، قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لاَ أَدْرِي لَعَلِّي لاَ أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا». تأملوا هذه الكلمة... "لا أدري لعلي لا ألقاكم"... إنها نَعيٌ لطيفٌ لنفسِهِ الشريفة، وكأنَّهُ يقول: خُذوا عنِّي دِينَكم، وتَشَرَّبوا وَصاياي، فهذا صَوتِي يودِّعُكُم، وهذه عيني تَنظرُ إليكم النظرةَ الأخيرة. ثم انطَلَقَ ﷺ يؤسِّسُ البُنيان. وأوَّلُ ما وضعَهُ من قواعدَ في هذا الدستورِ الخالدِ، كان الإعلانَ عن قُدسيَّةِ الدِّماءِ والأعراضِ والأموال. صرخَ في ذلك الجمعِ الهادرِ قائلًا: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا». واسمعوا لهذه الكلمات، وطابقوها على ما نراهُ اليوم. يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. أينَ نحنُ اليومَ من هذه الوصية؟ في زمنٍ هانَت فيه دماءُ المسلمين، واستُبيحَت فيه الأموالُ بالأكلِ بالباطلِ والاختلاسِ والغش! إنَّ النبيَّ ﷺ لم يَجعَلْ حُرمةَ المسلمِ كحُرمةِ الكعبةِ فحسب، بل أعظَم. قال عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضي الله عنهما وهو يَنظرُ إلى الكعبة: "مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ". فكيفَ يَجرُؤُ إنسانٌ بعد هذا البيانِ النبويِّ أن يَتَطاولَ على دمِ أخيهِ أو مالهِ أو عِرضِهِ بكلمةٍ أو غِيبةٍ أو بهتان؟! ثمَّ ينتقلُ القائدُ المربي ﷺ لِيَهْدِمَ رَواسبَ الماضي الأليم، لِيَدفِنَ الجاهليةَ تحتَ قدميهِ الشريفتين. قال ﷺ بصوتٍ يُزلزِلُ عُروشَ الظلم: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ... وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ». يا لعظمةِ هذا الدين! ويا لروعةِ هذا الموقف! النبيُّ ﷺ لا يكتفي بالتنظير، بل يبدأُ بنفسِهِ وأهلِ بيتِه. فقال: "وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ... وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ".
يقول الإمامُ ابنُ القيِّم رحمه الله: "إنَّ الربا آفةٌ تُهلِكُ الأموالَ وتُفسِدُ المجتمعات، وتَنزَعُ البركةَ والرحمةَ من القلوب". وها هو رسولُ اللهِ ﷺ يَقتَلِعُ جذورَ الاستغلالِ الاقتصاديِّ والجشعِ الماديِّ الذي يُمَزِّقُ أواصرَ المجتمع. أليسَ فينا اليومَ مَن يَتعاملُ بالرِّبا الماحِق، ويَظُنُّ أنَّهُ يَزدادُ غِنًى، وقد أعلَنَ اللهُ عليهِ الحربَ في كتابِهِ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278]؟! إنَّ مَن يُرابي اليومَ يُحيي جاهليَّةً داسَهَا النبيُّ ﷺ بقدميهِ يومَ عرفة. ثمَّ يُحَوِّلُ النبيُّ ﷺ بصرَهُ ورَحمتَهُ إلى الحَلقَةِ الأضعفِ في مجتمعاتِ ذلك الزمان، إلى الأمانةِ التي استُودِعَت في أعناقِ الرِّجال. فيقولُ كلماتٍ نَدِيَّةً قَطَرَت رحمةً وحنانًا: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ... وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً». الله أكبر! أينَ أدعياءُ التحريرِ الزائفِ اليومَ من هذه الوصيَّة؟ أيُّ وثيقةٍ أرضيَّةٍ بَلَغَت هذا المَبلَغَ من تقديسِ رِباطِ الزوجيَّة؟ النبيُّ ﷺ يُلخِّصُ ميثاقَ الأسرةِ في كلمتين: "بأمانِ الله". زوجتُكَ، ابنتُكَ، أختُكَ... لسنَ مُلكًا يَمينًا تُهينُهُ وقتما تشاء، بل هُنَّ "أمانةُ الله" عندك. فكيفَ يَهُونُ على مُسلِمٍ يَسمَعُ هذه الوَصيَّةَ أن يُهينَ زوجتَهُ، أو أن يَظلِمَ أختَهُ في ميراثِها، أو أن يَقسُوَ على ابنتِه؟ وقد قال اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]. ومضى ﷺ في خطبتِهِ الجامعة، لِيُلقيَ قنبلةً أخلاقيَّةً دَكَّتْ حُصونَ العُنصريَّةِ والتَّفْرِقَةِ التي مَزَّقَتِ البشريَّةَ طَوالَ تاريخِها. رفعَ صوتَهُ ليسمعَ الأبيضُ والأسودُ، والعربيُّ والأعجمي، والحرُّ والمولى، وقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى». يا لعظمة هذا الدين! ويا لرحمةِ هذا الربِّ الكريم! معيارٌ واحدٌ للكرامةِ والتفاضل، لا يَعترِفُ باللونِ ولا بالحسَبِ ولا بالنَّسبِ ولا بالجِنسيَّة، بل يعترفُ بما استقرَّ في القلبِ وصدَّقَهُ العمل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. يقولُ الحسنُ البصريُّ رحمه الله: "واللهِ ما عَصَمَ الناسَ من التفاخُرِ بالأنسابِ والأموالِ إلا تقوى الله، فهي الميزانُ الذي لا يَخِيب". فأينَ نحنُ اليومَ من هذه المعاني حين نَرى التَّعَصُّبَ للقبيلةِ، أو العائلةِ، أو الجنسيَّةِ يُفرِّقُ صفوفَ المسلمين ويُقطِّعُ أرحامَهم؟! ولم يَترُكنا الحبيبُ ﷺ هَمَلاً في خِضَمِّ الفتن، بل أشارَ إلى صِمامِ الأمانِ وقارِبِ النجاة، فقال: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللَّهِ». القرآن! حبلُ اللهِ المتين، والنورُ المبين. مَن تمسَّكَ به نجا، ومَن تَرَكَهُ هَلَك. فكيفَ نَرضى أن نَترُكَ القرآنَ مُعلَّقًا على الجُدرانِ للزِّينَة، أو مَركونًا على الرُّفوفِ تَعلُوهُ الأتربَة، بينما أوقاتُنا تضيعُ أمامَ الشاشاتِ وفي مَجالسِ الغيبة؟! وفي ختامِ هذه الخطبةِ المزلزلة، حانت لحظةُ الذروة. لحظةٌ بَكَتْ فيها السماءُ والأرض. التفتَ النبيُّ ﷺ إلى المائةِ والأربعةِ والأربعينَ ألفًا، وسألهم سؤالاً يَقشَعِرُّ له البدن، قال: «وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟». تخيَّلوا المشهد... هدوءٌ يسبِقُ العاصفة، ثم ترتجُّ بطحاءُ مكةَ بصوتٍ واحدٍ مدوٍّ، حَناجِرُ الصحابةِ تَصدَحُ بالدموع: "نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ". عندها... رفعَ المصطفى ﷺ أُصبُعَهُ السَّبَّابَةَ إلى السماء، يَنكُتُها إلى السماءِ ويُشيرُ بها إلى الناس، ويقولُ بصوتٍ يَتَهَدَّجُ بالبكاء: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ». يا الله! نبيُّ الأمةِ يُشهِدُ ربَّهُ أنَّهُ أبلَغَ الرِّسالةَ وأدَّى الأمانة. وفي تلك اللحظةِ العظيمة، يَتَنَزَّلُ الوحيُ بالآيةِ التي تَوَّجَتْ مَسيرةَ ثلاثٍ وعشرينَ سَنَةً من الجِهادِ والدَّعوة والتَّضحيات، يَنزِلُ قَولُ الحقِّ تباركَ وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
فلما سَمِعَها عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه، بَكَى بُكاءً شَديدًا. قيل له: ما يُبكيك؟ قال: "إنَّهُ ليسَ بعدَ الكَمالِ إلا النُّقصان". أدرَكَ عُمَرُ بِفِقهِهِ وبَصيرتِهِ أنَّ المهمَّةَ قدِ انتَهَت، وأنَّ رَحيلَ الحبيبِ ﷺ قد دَنَا. أيها الإخوة الأحبة، لقد مَضَتْ خُطبَةُ الوداع، لكنَّ كلماتها لا تزالُ حَيَّةً تَنبِضُ في عُروقِ الزمان، تُحاكِمُنا وتُسائِلُنا في كُلِّ جِيل: أينَ أنتم ممَّا عاهدتُم عليه رسولَ الله؟ هل حَفِظتُمُ الدِّماء؟ هل صُنتُمُ الأعراض؟ هل اتَّقيتُمُ اللهَ في النِّساء؟ هل تمسَّكتُم بالقرآن؟ أسألُ اللهَ العظيمَ أن يَجعَلنا مِمَّن يَستَمِعونَ القَولَ فَيَتَّبِعونَ أحسَنَه. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، يَتَفَضَّلُ بالرَّحمَة، ويُجازي باليُسرى، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، توقَّفنا في خطبتِنا الأولى مع الموقفِ المهيبِ في حَجَّةِ الوداع، وكيف أَرسى رسولُ اللهِ ﷺ دَعائمَ الأمنِ والسلامِ، والمساواةِ، وحُرمَةِ الدِّماءِ والأعراض، وكيف حَطَّمَ مَواريثَ الجاهلية، وأوصَى بالنِّساءِ خَيرًا، وتَرَكَنا على المَحَجَّةِ البيضاءِ، مُعتَصِمِينَ بكتابِ اللهِ الذي لا يَضِلُّ مَن تمسَّكَ به. والآن، ونحنُ نَرى واقعَنا وما يَموجُ به من فِتَن، بقيَ السؤالُ العَمَليُّ الحاسم: كيفَ نُتَرجِمُ هذهِ الوصايا الخالدةَ إلى واقعٍ نَعيشُه؟ كيفَ نكونُ بحقٍّ أُمَّةً تَستَحِقُّ أن تَفخَرَ بنبيِّها يومَ الزِّحام؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم، تَجعَلُ من حَجَّةِ الوداعِ دُستورًا يَمشي على الأرض: الأولى (قلبيَّة): جَدِّدْ في قلبِكَ العهدَ على التمسُّكِ بسُنَّةِ نبيِّكَ ﷺ؛ فإنَّهُ قال: "تركتُ فيكم ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا". انوِ من اليوم أن تَكونَ حياتُكَ، أفكارُكَ، وقناعاتُكَ مَحكومةً بوحيِ السماء، لا بأهواءِ الأرضِ ولا بشُبُهاتِ المُرجِفين. الثانية (لِسانيَّة): كُفَّ لسانَكَ عن أعراضِ المسلمين ودِمائهم، فالكلمةُ في الفِتنةِ كطَعنَةِ السَّيف. قال ﷺ: "إنَّ أعراضَكم عليكم حَرام". فلا تَخُضْ في نَميمَة، ولا تَنقُلِ الشائعات، واجعَلْ لِسانَكَ مِفتاحًا للخيرِ ومِغلاقًا للشر. الثالثة (عَمَليَّة): طبِّقْ وصيَّةَ نبيِّك اليوم: "استوصوا بالنساءِ خيرًا". عُد إلى بيتِكَ اليوم، ابتَسِمْ في وجهِ زوجَتِك، تَجاوَزْ عن زَلَّتِها، وارحَمْ ابنتَكَ وأكرِمها، فإنَّهُنَّ أمانَةُ اللهِ في عُنقِك، وخيرُكُم خيرُكُم لأهلِه. الرابعة (اجتماعيَّة): طَهِّر مالَكَ من كُلِّ شُبهَةِ رِبًا أو ظُلمٍ أو غِشّ. "ربا الجاهليةِ موضوع". فلا تَأكُلْ حَقَّ أجير، ولا تَسطُ على ميراثِ أخت، ولا تَستَبِحْ قِرشًا من حَرام؛ فإنَّ الجسَدَ الذي يَنبُتُ من سُحتٍ، النارُ أولى به. الخامسة (موضوعيَّة): انزَعْ من صَدرِكَ كُلَّ أثَرٍ للعُنصريَّةِ أو التَّكَبُّرِ بالنَّسبِ أو اللُّونِ أو الجِنسيَّة. المُسلِمُ أخو المُسلِم، لا يَظلِمُهُ ولا يَحقِرُه. اجعَلْ ميزانَكَ للناسِ هو (التقوى)، وبذلك نُعيدُ للأمَّةِ وِحدتَها المَفقودة. فاتقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ التقوى هي التي تَحملُكُم على الوفاءِ بعهودِكُم مع اللهِ ومع خَلقِه. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصلاةِ عليهِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللهمَّ إنَّا نَسألُكَ أن تَجعَلنا مِمَّن يَستَمِعونَ القولَ فَيَتَّبِعونَ أحسَنَه. اللهمَّ أحيِنا على سُنَّةِ نبيِّكَ، وأمِتْنا على مِلَّتِهِ، واحشُرنا في زُمرَتِهِ، وأورِدنا حَوضَهُ، واسقِنا من يَدِهِ الشَّريفةِ شَربَةً هَنيئَةً مَريئَةً لا نَظمَأُ بَعدَها أبدًا. اللهمَّ احفَظْ دِماءَ المُسلمين، وصُنْ أعراضَهم، وأمِّنْ رَوعاتِهم، واستُر عَوراتِهم في كُلِّ مكان. اللهمَّ ارْفَعِ الظُّلْمَ عَنِ المَظْلُومِينَ، وَانْصُرِ المُسْتَضْعَفِينَ، وَاجْعَلْ دَائِرَةَ السَّوْءِ عَلَى المَانِعِينَ لِحُقُوقِ عِبَادِك، المُسْتَبِيحِينَ لِحُرُمَاتِك. اللهمَّ أصلِحْ بيوتَنا، وأصلِحْ نساءَنا وأبناءَنا، واجعَلنا من البارِّينَ بهم والرُّحماءِ معهم. اللهمَّ نَقِّ أموالَنا من الحرامِ والرِّبا، واكفِنا بحلالِكَ عن حرامِكَ، وبطاعَتِكَ عن مَعصِيَتِكَ، وبفضلِكَ عَمَّن سِواك.
عبادَ الله، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.