من مكتبة مِداد الخطيب

فَضلُ الصَّدَقَةِ وَالإِنفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُشَوِّقَةٌ عَن بَرَكَاتِ البَذلِ فِي الدُّنيَا وَحَالِ الصَّدَقَةِ يَومَ القِيَامَةِ لِصَاحِبِهَا — نسخة مختصرة

مشاركة
فَضلُ الصَّدَقَةِ وَالإِنفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُشَوِّقَةٌ عَن بَرَكَاتِ البَذلِ فِي الدُّنيَا وَحَالِ الصَّدَقَةِ يَومَ القِيَامَةِ لِصَاحِبِهَا الحَمدُ للهِ الجَوَادِ الكَرِيمِ، الوَهَّابِ العَظِيمِ، الَّذِي بَسَطَ يَدَيهِ بِالعَطَاءِ وَالإِحسَانِ، وَفَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبوَابَ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ مَعَهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَاستَقرَضَهُم مِن أَموَالِهِ الَّتِي وَهَبَهَا لَهُم تَفَضُّلًا مِنهُ وَامتِنَانًا، وَضَاعَفَ لِلمُنفِقِينَ الأُجُورَ أَضعَافًا كَثِيرَةً وَأَعَدَّ لَهُم فِي الآخِرَةِ ظِلًّا ظَلِيلًا وَرِضوَانًا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الغَنِيُّ الحَمِيدُ الَّذِي لَا تَنقُصُ خَزَائِنُهُ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ أَبَدًا، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَجوَدُ النَّاسِ كَفًّا وَأَندَاهُم يَدًا، كَانَ أَجوَدَ بِالخَيرِ مِنَ الرِّيحِ المُرسَلَةِ يُعطِي عَطَاءَ مَن لَا يَخشَى الفَقرَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ بَذَلُوا النَّفسَ وَالنَّفِيسَ ابتِغَاءَ وَجهِ المَلِكِ الغَفَّارِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَقدِيمِ الزَّادِ لِيَومِ المَعَادِ؛ امتِثَالًا لِقَولِ رَبِّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الحَشرِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَو أَنَّ مَلِكًا مِن مُلُوكِ الدُّنيَا أَعطَى رَجُلًا فَقِيرًا قَصرًا عَامِرًا وَخَزَائِنَ مَملُوءَةً بِالذَّهَبِ مَجَّانًا بِلَا ثَمَنٍ، ثُمَّ جَاءَ ذَلِكَ المَلِكُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَقَالَ لَهُ بِأَلطَفِ عِبَارَةٍ: أَقرِضنِي دِرهَمًا وَاحِدًا مِن هَذَا المَالِ الَّذِي وَهَبتُكَ إِيَّاهُ، عَلَى أَن أَرُدَّهُ إِلَيكَ سَبعَمِائَةِ دِرهَمٍ أَو أُضَاعِفَهُ لَكَ إِلَى غَيرِ حِسَابٍ، وَأَحفَظَ لَكَ بِهِ قَصرَكَ وَصِحَّتَكَ وَأَولَادَكَ! بِاللهِ عَلَيكُم: هَل يَتَرَدَّدُ عَاقِلٌ لَحظَةً وَاحِدَةً فِي تَلبِيَةِ نِدَاءِ ذَلِكَ المَلِكِ؟! فَكَيَفَ وَالمُنَادِي هُوَ مَلِكُ المُلُوكِ، وَوَاهِبُ الأَرزَاقِ وَالأَعمَارِ جَلَّ جَلَالُهُ، حِينَ يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾! سُبحَانَكَ يَا رَبَّنَا مَا أَكرَمَكَ! المَالُ مَالُكَ، وَالفَقِيرُ عَبدُكَ، وَالتَّوفِيقُ لِلبَذلِ مِن فَضلِكَ، ثُمَّ تُسَمِّي صَدَقَةَ العَبدِ الضَّعِيفِ قَرضًا؛ جَبرًا لِخَاطِرِ الفَقِيرِ، وَتَأكِيدًا لِلوَفَاءِ بِالعِوَضِ الأَعظَمِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَيسَت مُجَرَّدَ دَرَاهِمَ تَخرُجُ مِنَ الجَيبِ، بَل هِيَ الدَّلِيلُ القَاطِعُ عَلَى صِدقِ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ؛ فَإِنَّ النَّفسَ البَشَرِيَّةَ مَجبُولَةٌ عَلَى حُبِّ المَالِ، فَلَا يَسخُو العَبدُ بِمَالِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ حُبُّ اللهِ وَالثِّقَةُ بِمَوعُودِهِ أَعظَمَ فِي قَلبِهِ مِن حُبِّ الدِّرهَمِ وَالدِّينَارِ، وَلِهَذَا قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَالصَّدَقَةُ بُرهَانٌ». وَأَجمَلُ مَا فِي الصَّدَقَةِ أَنَّهَـا تَقَعُ فِي يَدِ الرَّحمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبلَ أَن تَصلَ إِلَى يَدِ الفَقِيرِ، فَيُرَبِّيهَا اللهُ لِصَاحِبِهَا حَتَّى تَصِيرَ القَبلَةُ الصَّغِيرَةُ كَالجَبَلِ الشَّامِخِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن تَصَدَّقَ بِعَدلِ تَمرَةٍ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثلَ الجَبَلِ». وَلَا تَظُنَّنَّ يَا عَبدَ اللهِ أَنَّ الإِنفَاقَ يُنقِصُ المَالَ، بَل وَاللهِ إِنَّهُ عَينُ الزِّيَادَةِ وَمِفتَاحُ الخَلَفِ العَاجِلِ؛ كَمَا وَعَدَ الصَّادِقُ الَّذِي لَا يُخلِفُ المِيعَادَ فِي سُورَةِ سَبَإٍ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، وَأَقسَمَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَسَمًا صَادِقًا فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَالَ: «مَا نَقَصَت صَدَقَةٌ مِن مَالٍ»، وَأَخبَرَنَا فِي الصَّحِيحَينِ أَنَّهُ: «مَا مِن يَومٍ يُصبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهمَّ أَعطِ مُنفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهمَّ أَعطِ مُمسِكًا تَلَفًا». وَمِن أَعجَبِ بَرَكَاتِ الصَّدَقَةِ فِي الدُّنيَا مَا قَرَّرَهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ الوَابِلِ الصَّيِّبِ حِينَ قَالَ: «فَإِنَّ لِلصَّدَقَةِ تَأثِيرًا عَجِيبًا فِي دَفعِ أَنوَاعِ البَلَاءِ، وَلَو كَانَت مِن فَاجِرٍ أَو مِن ظَالِمٍ بَل مِن كَافِرٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَدفَعُ بِهَا عَنهُ أَنوَاعًا مِنَ البَلَاءِ، وَهَذَا أَمرٌ مَعلُومٌ عِندَ النَّاسِ خَاصَّتِهِم وَعَامَّتِهِم، وَأَهلُ الأَرضِ كُلُّهُم مُقِرُّونَ بِهِ لِأَنَّهُم جَرَّبُوهُ»، وَذَكَرَ رَحِمَهُ اللهُ فِي زَادِ المَعَادِ أَنَّ المُتَصَدِّقَ كُلَّمَا تَصَدَّقَ اتَّسَعَ قَلبُهُ وَانشَرَحَ صَدرُهُ، فَكَأَنَّهُ لَبِسَ جُنَّةً وَاقِيَةً مِنَ الهُمُومِ وَالأَحزَانِ وَالأَسقَامِ. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِذَا كَانَت هَذِهِ بَرَكَاتِ الصَّدَقَةِ فِي الدُّنيَا، فَكَيَفَ يَكُونُ حَالُهَا لِصَاحِبِهَا عِندَ المَوتِ وَيَومَ القِيَامَةِ؟! تَأَمَّلُوا فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ يَحضُرُ المَوتُ الإِنسَانَ وَيَنكَشِفُ لَهُ الغِطَاءُ؛ فَلَا يَتَمَنَّى الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنيَا لِيَجمَعَ الأَموَالَ أَو يَبنِيَ القُصُورَ، بَل يَتَمَنَّى أُمنِيَةً وَاحِدَةً هِيَ الصَّدَقَةُ! كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ المُنَافِقُونَ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾! قَالَ أَهلُ التَّفسِيرِ: إِنَّمَا تَمَنَّى الصَّدَقَةَ دُونَ غَيرِهَا لِأَنَّهُ عَايَنَ عِندَ خُرُوجِ رُوحِهِ عَظَمَةَ ثَوَابِهَا وَنُورِهَا! ثُمَّ إِذَا قَامَ النَّاسُ مِن قُبُورِهِم لِرَبِّ العَالَمِينَ، حُفَاةً عُرَاةً غُرلًا، وَدَنَتِ الشَّمسُ مِنَ الرُّؤُوسِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى قَدرِ مِيلٍ، وَأَلجَمَ العَرَقُ الخَلَائِقَ فِي مَوقِفٍ عَصِيبٍ؛ هُنَالِكَ تَأتِي الصَّدَقَةُ كَالغَمَامَةِ البَارِدَةِ تَنتَصِبُ فَوقَ رَأسِ صَاحِبِهَا! فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّ امرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفصَلَ بَينَ النَّاسِ»، وَكَانَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ مَرثَدُ بنُ عَبدِ اللهِ اليَزَنِيُّ أَبُو الخَيرِ رَحِمَهُ اللهُ -وَكَانَ رَاوِيَ هَذَا الحَدِيثِ عَن عُقبَةَ- لَا يُخطِئُهُ يَومٌ إِلَّا تَصَدَّقَ فِيهِ بِشَيءٍ وَلَو كَعكَةً أَو بَصَلَةً أَو كَذَا! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي حَدِيثِ السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخفَاهَا حَتَّى لَا تَعلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ». ثُمَّ إِذَا نُصِبَتِ المَوَازِينُ وَبَرَزَتِ الجَحِيمُ، كَانَتِ الصَّدَقَةُ هِيَ المَاءَ البَارِدَ الَّذِي يُطفِئُ لَهِيبَ الذُّنُوبِ وَالحِجَابَ الوَاقِيَ مِن لَظَى النِّيرَانِ؛ كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَالصَّدَقَةُ تُطفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطفِئُ المَاءُ النَّارَ»، وَقَالَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تُرجُمَانٌ، فَيَنظُرُ أَيمَنَ مِنهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِن عَمَلِهِ، وَيَنظُرُ أَشأَمَ مِنهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنظُرُ بَينَ يَدَيهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلقَاءَ وَجهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ». حَتَّى إِذَا تَجَاوَزَ الصِّرَاطَ، وَوَقَفَ عَلَى أَبوَابِ الجِنَانِ، سَمِعَ المُنَادِيَ يُنَادِيهِ بِاسْمِهِ مِن بَابٍ خَاصٍّ أُعِدَّ لِأَهلِ البَذلِ وَالإِحسَانِ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَمَن كَانَ مِن أَهلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّدَقَةِ». بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ عَلَى إِحسَانِهِ، وَالشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعظِيمًا لِشَأنِهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضوَانِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَإِخوَانِهِ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ الرَّعِيلَ الأَوَّلَ مِن أَصحَابِ نَبِيِّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَمِعُوا وَعدَ اللهِ لِلمُنفِقِينَ تَسَابَقُوا إِلَى البَذلِ بِأَحبِّ أَموَالِهِم؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، قَامَ أَبُو طَلحَةَ الأَنصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَحَبَّ أَموَالِي إِلَيَّ بَيرُحَاءُ -وَكَانَت حَدِيقَةً غَنَّاءَ مُستَقبِلَةَ المَسجِدِ النَّبَوِيِّ- وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرجُو بِرَّهَا وَذُخرَهَا عِندَ اللهِ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «بَخٍ! ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ». وَهَكَذَا كَانَ الصِّدِّيقُ وَالفَارُوقُ وَذُو النُّورَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِينَ يَشتَرُونَ الجَنَّةَ بِأَموَالِهِم، وَيَعلَمُونَ أَنَّ مَا أَمسَكُوهُ زَائِلٌ وَمَا أَنفَقُوهُ للهِ بَاقٍ، وَصدقَ القَائِلُ: أَنتَ لِلمَالِ إِذَا أَمسَكتَهُ ... فَإِذَا أَنفَقتَهُ فَالمَالُ لَك فَيَا عِبَادَ اللهِ: لَا يَحتَقِرَنَّ أَحَدُكُم مِنَ الصَّدَقَةِ شَيئًا وَلَو كَانَ قَلِيلًا؛ فَرُبَّ دِرهَمٍ مِن فَقِيرٍ مَجهُودٍ يَسبِقُ فِي مِيزَانِ اللهِ قَنَاطِيرَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ؛ كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «سَبَقَ دِرهَمٌ مِائَةَ أَلفِ دِرهَمٍ». تَفَقَّدُوا اليَومَ فُقَرَاءَ أَقَارِبِكُم وَجِيرَانِكُم، وَاجعَلُوا لَكُم خَبِيئَةً مِن صَدَقَةِ السِّرِّ بَينَكُم وَبَينَ اللهِ، وَداوُوا مَرضَاكُم وَافرِجُوا كُرُوبَكُم بِالإِحسَانِ إِلَى المُحتَاجِينَ وَالمَكرُوبِينَ، تَفُوزُوا بِالخَلَفِ العَاجِلِ فِي الدُّنيَا، وَالظِّلِّ الظَّلِيلِ يَومَ الدِّينِ. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَإِمَامِ الجُودِ وَالإِحسَانِ، كَمَا أَمَرَكُم بِذَلِكَ رَبُّكُمُ الرَّحمَنُ فِي مُحكَمِ القُرآنِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللهمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللهمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَاحمِ حَوزَةَ الدِّينِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا رَخَاءً سَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. اللهمَّ اجعَلنَا مِنَ المُنفِقِينَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَطَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ الشُّحِّ وَالبُخلِ وَالرِّيَاءِ، وَبَارِك لَنَا فِي أَرزَاقِنَا وَأَعمَارِنَا وَأَهلِينَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَأَظِلَّنَا فِي ظِلِّ عَرشِكَ وَظِلِّ صَدَقَاتِنَا يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ، وَادعُنَا مِن بَابِ الصَّدَقَةِ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.