🕌 خَلَوَاتُ الغَابَاتِ... تَرفِيهٌ مَوهُومٌ وَفِتْنَةٌ مَسْمُومَةٌ
#خطبة_جمعة #الاختلاط #الخلوة #تخييم_الشباب #التربية #حفظ_الأعراض #أخلاق
إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70–71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
تَخَيَّلُوا مَعِي عِبَادَ اللهِ... رِحْلَةً تَبْدَأُ بِضِحَكَاتٍ بَرِيئَةٍ، وَتَنْتَهِي فِي ظُلُمَاتِ غَابَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أَعْيُنِ الرَّقِيبِ. شَبَابٌ وَفَتَيَاتٌ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ نَارٍ مُشْتَعِلَةٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، تَذُوبُ بَيْنَهُمُ الحَوَاجِزُ، وَتَسْقُطُ حُدُودُ الحَيَاءِ بَاسْمِ "التَّرْفِيهِ" وَ"التَّخْيِيمِ". أَيُّ شَيْطَانٍ ذَاكَ الَّذِي زَيَّنَ لِلنَّاسِ هَذِهِ الخَلَوَاتِ؟ وَأَيُّ نِهَايَةٍ مُفْجِعَةٍ تَنْتَظِرُ أُمَّةً تُسَلِّمُ أَعْرَاضَهَا لِلغَابَاتِ بِلَا حَسِيبٍ وَلَا حَافِظٍ؟ هَذَا مَا سَنَقِفُ عَلَيْهِ بَعْدَ قَلِيلٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ فِي عُلَاهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النور: 21]. تَأَمَّلُوا كَيْفَ صَاغَ القُرْآنُ هَذَا التَّحْذِيرَ! إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَأْتِي لِلشَّابِّ أَوْ لِلْفَتَاةِ فَيَقُولُ لَهُمَا: "اِذْهَبَا إِلَى الفَاحِشَةِ مُبَاشَرَةً". لَا، بَلْ يَسْتَدْرِجُهُمَا خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ. يُسَمِّي الأَشْيَاءَ بِغَيْرِ مُسَمَّيَاتِهَا؛ فَيُسَمِّي التَّبَرُّجَ حُرِّيَّةً، وَيُسَمِّي الخَلْوَةَ اسْتِكْشَافًا، وَيُسَمِّي الِاخْتِلَاطَ المُحَرَّمَ نَشَاطًا شَبَابِيًّا جَمَاعِيًّا!
وَقَدِ ابْتُلِينَا فِي هَذَا الزَّمَانِ بِظَاهِرَةٍ خَطِيرَةٍ، تَسَلَّلَتْ إِلَى مُجْتَمَعَاتِنَا تَحْتَ لَافِتَاتٍ بَرَّاقَةٍ؛ مَا يُسَمَّى بِـ "التَّخْيِيمِ الشَّبَانِيِّ المُخْتَلَطِ" فِي الغَابَاتِ وَالمَنَاطِقِ النَّائِيَةِ. شَبَابٌ وَفَتَيَاتٌ يَخْرُجُونَ فِي مَجْمُوعَاتٍ، يَبِيتُونَ فِي خِيَامٍ مُتَجَاوِرَةٍ، وَيَسْهَرُونَ حَتَّى هَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ بَعِيدًا عَنْ رَقَابَةِ الأَهْلِ، وَبَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ المُجْتَمَعِ. فَأَيُّ دِينٍ هَذَا الَّذِي يُقِرُّ ذَلِكَ؟! وَأَيُّ عَقْلٍ ذَاكَ الَّذِي يَأْمَنُ النَّارَ إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الحَطَبِ؟!
وَاسْمَعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ، حَدِيثٍ كَأَنَّهُ يَصِفُ حَالَنَا اليَوْمَ، يَقُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ). وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: "إِنَّهُمْ فِي مَجْمُوعَاتٍ، وَلَيْسُوا فِي خَلْوَةٍ فَرْدِيَّةٍ!" لَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: أَلَيْسَتِ الغَابَةُ المُقْفِرَةُ، وَاللَّيْلُ البَهِيمُ، وَغِيَابُ الرَّادِعِ الِاجْتِمَاعِيِّ، هِيَ أَعْظَمُ خَلْوَةٍ يُزَيِّنُ فِيهَا الشَّيْطَانُ الخَطِيئَةَ؟! إِنَّ الشَّابَّ مَعَ الفَتَاةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ البِيئَاتِ يَتَخَلَّصُونَ مِنْ بَقَايَا الحَيَاءِ التِّي تَحْفَظُهُمْ فِي مُدُنِهِمْ؛ فَتَرْتَفِعُ الأَصْوَاتُ، وَتَتَمَازَجُ الضَّحَكَاتُ، وَتُخْتَرَقُ حُدُودُ العَفَافِ.
وَلَقَدْ قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: "وَلَا رَيْبَ أَنَّ تَمْكِينَ النِّسَاءِ مِنْ اخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ أَصْلُ كُلِّ بَلِيَّةٍ وَشَرٍّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نُزُولِ العُقُوبَاتِ العَامَّةِ، كَمَا أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ فَسَادِ أُمُورِ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ، وَاخْتِلَاطُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الفَوَاحِشِ وَالزِّنَا". كَلَامٌ خَرَجَ مِنْ قَلْبِ عَالِمٍ بَصِيرٍ بِالنُّفُوسِ؛ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الِاخْتِلَاطِ العَامِّ فِي الأَسْوَاقِ، فَكَيْفَ بِاخْتِلَاطِ الشَّبَابِ بِالفَتَيَاتِ فِي مُخَيَّمَاتِ الغَابَاتِ وَبَيْنَ الأَشْجَارِ المَعْزُولَةِ؟!
تَأَمَّلُوا مَعِي قِصَّةً عَظِيمَةً قَصَّهَا اللهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ؛ قِصَّةَ نَبِيِّ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ ابْنَتَيْ شُعَيْبٍ. رَجُلٌ غَرِيبٌ مُسَافِرٌ، فِي أَرْضٍ نَائِيَةٍ عِنْدَ مَاءِ مَدْيَنَ، وَفَتَاتَانِ ضَعِيفَتَانِ لَا عَائِلَ لَهُمَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ. هَلْ نَصَبُوا خَيْمَةً لِلتَّعَارُفِ؟! هَلْ جَلَسُوا يَتَسَامَرُونَ عِنْدَ المَاءِ لِاسْتِكْشَافِ الطَّبِيعَةِ؟! لَا وَاللهِ! اسْمَعُوا لِوَصْفِ القُرْآنِ: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ﴾ [الْقَصَصِ: 24]. قَضَى الحَاجَةَ ثُمَّ "تَوَلَّى"، أَيِ انْصَرَفَ مُبْتَعِدًا عَنْ مَكَانِهِمَا. ثُمَّ لَمَّا جَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تُبَلِّغُهُ رِسَالَةَ أَبِيهَا، كَيْفَ مَشَتْ؟ ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [الْقَصَصِ: 25]! كَانَ الحَيَاءُ هُوَ السِّيَاجَ، وَكَانَتِ الرُّجُولَةُ هِيَ الِابْتِعَادَ عَنْ مَوَاطِنِ الفِتْنَةِ. فَقَارِنُوا هَذَا الطُّهْرَ الرَّبَّانِيَّ، بِوَاقِعٍ مُزْرٍ نَرَى فِيهِ شَبَابَنَا وَفَتَيَاتِنَا يَجْلِسُونَ مُتَلَاصِقِينَ حَوْلَ نَارِ المُخَيَّمَاتِ يَضْحَكُونَ بِلَا حُدُودٍ! أَيْنَ مَشْيُ الِاسْتِحْيَاءِ؟ وَأَيْنَ التَّوَلِّي إِلَى الظِّلِّ؟!
وَإِنِّي لَأَتَسَاءَلُ وَأَسْأَلُ كُلَّ أَبٍ غَيُورٍ، وَكُلَّ أُمٍّ مُؤْمِنَةٍ: كَيْفَ يَغْمِضُ لَكَ جَفْنٌ، وَابْنَتُكَ تَبِيتُ فِي غَابَةٍ مَعَ شَبَابٍ لَيْسُوا مِنْ مَحَارِمِهَا؟! مِنْ أَيْنَ تُسْتَمَدُّ هَذِهِ الثِّقَةُ العَمْيَاءُ الَّتِي تُقَدِّمُ العِرْضَ لُقْمَةً سَائِغَةً لِلشَّيَاطِينِ؟! هَلْ مَاتَتِ الغَيْرَةُ فِي القُلُوبِ؟! يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الحَدِيثِ الَّذِي يُزَلْزِلُ الضَّمَائِرَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: العَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالمَرْأَةُ المُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ» (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ). وَأَيُّ دِيَاثَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَأْذَنَ الرَّجُلُ لِأَهْلِ بَيْتِهِ بِالذَّهَابِ إِلَى مَوَاطِنِ الرِّيبَةِ وَالخَلْوَةِ المُحَرَّمَةِ بِاسْمِ التَّرْفِيهِ وَالِانْفِتَاحِ؟!
وَلْنَقِفْ مَعَ التَّارِيخِ لَحْظَةً؛ يُرْوَى عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى اخْتِلَاطَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ فِي طَرِيقِ السُّوقِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَضَرَبَهُمْ بِدِرَّتِهِ وَقَالَ لِلرِّجَالِ: "أَلَا تَسْتَحُونَ؟! أَلَا تَغَارُونَ أَنْ يَمْشِيَ رِجَالُكُمْ مَعَ نِسَائِكُمْ فِي زِحَامِ الطَّرِيقِ؟!" هَذَا فِي طَرِيقٍ عَامٍّ مَكْشُوفٍ! فَكَيْفَ لَوْ رَأَى عُمَرُ هَذِهِ التَّخْيِيمَاتِ الَّتِي تُنْظَمُ لِلشَّبَابِ وَالفتَيَاتِ فِي أَعْمَاقِ الغَابَاتِ وَالأَوْدِيَةِ المُعْتِمَةِ؟! وَاللهِ لَقَامَ فِينَا خَطِيبًا مُنْذِرًا بِالهَلَاكِ وَالدَّمَارِ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ الحَيَاةَ الخَارِجِيَّةَ فِي الغَابَاتِ لَهَا تَأْثِيرٌ نَفْسِيٌّ عَجِيبٌ؛ فَهِيَ تُشْعِرُ الإِنْسَانَ بِالِانْقِطَاعِ عَنِ العَالَمِ، وَالتَّحَرُّرِ مِنَ القُيُودِ، وَمَعَ كَثْرَةِ المُزَاحِ، وَاللَّعِبِ المُشْتَرَكِ، تَنْسَلِخُ الفَتَاةُ مِنْ خَفَرِهَا، وَيَتَجَرَّأُ الشَّابُّ عَلَى حَرُمَاتِ اللهِ. وَمَا يَبْدَأُ بِنَظْرَةٍ إِعْجَابٍ، يَنْتَهِي بِمُصِيبَةٍ تَهْدِمُ بُيُوتًا وَتُدَنِّسُ سُمْعَةً، ثُمَّ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ. يَقُولُ رَبُّنَا المَطَّلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. نَعَمْ! إِنْ غَابَتْ أَعْيُنُ الآبَاءِ، وَغَابَتْ أَعْيُنُ السُّلْطَةِ، فَإِنَّ عَيْنَ اللهِ لَا تَنَامُ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي ظُلُمَاتِ الغَابَاتِ وَلَا فِي أَعْمَاقِ الخِيَامِ.
وَإِنِّي أُحَذِّرُ الشَّبَابَ خَاصَّةً، مِنْ تِلْكَ المُنَظَّمَاتِ أَوْ الشَّرِكَاتِ الرِّبْحِيَّةِ التِّي تُسَوِّقُ لِهَذِهِ الرِّحْلَاتِ تَحْتَ مُسَمَّيَاتٍ كَـ"بِنَاءِ الفَرِيقِ" أَوْ "الِاتِّصَالِ بِالطَّبِيعَةِ". إِنَّهُمْ يَبِيعُونَ لَكُمُ الوَهْمَ، وَيَجْنُونَ أَمْوَالَهُمْ مِنْ خِلَالِ تَسْهِيلِ سُبُلِ الغِوَايَةِ لَكُمْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَمَاذَا تَظُنُّونَ بِمَكَانٍ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ أَعْظَمِ فِتْنَةٍ، مَعَ الشَّبَابِ المُنْدَفِعِ، فِي ظِلِّ غِيَابِ الرَّقِيبِ الرَّبَّانِيِّ، وَالتَّغَافُلِ عَنِ الحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ؟! إِنَّهَا وَاللهِ وَصْفَةٌ لِلدَّمَارِ الأَخْلَاقِيِّ.
يَا مَنْ تَسْمَعُنِي الآنَ، وَأَنْتَ أَبٌ أَوْ وَلِيُّ أَمْرٍ... تَذَكَّرْ أَنَّ اللهَ قَدْ حَمَّلَكَ أَمَانَةً عَظِيمَةً حِينَ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. وَقَايَةُ الأَهْلِ مِنَ النَّارِ تَبْدَأُ بِمَنْعِهِمْ مِنْ أَمَاكِنِ الفِتَنِ! فَإِنْ تَرَكْتَ ابْنَتَكَ أَوِ ابْنَكَ يَذْهَبُونَ إِلَى حَيْثُ يُعْصَى اللهُ بِاخْتِلَاطٍ فَاضِحٍ وَخَلْوَةٍ مُنْكَرَةٍ، فَقَدْ ضَيَّعْتَ الأَمَانَةَ، وَسَتُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ الجَبَّارِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ... إِيَّاكُمْ أَنْ تَسْتَهِينُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ، فَإِنَّ النَّارَ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ. كَانَتِ المَعَاصِي تُسْتَخْفَى، فَلَمَّا خَرَجَتْ إِلَى العَلَنِ بِاسْمِ النُّزْهَةِ؛ مَاتَتِ الغَيْرَةُ وَتَبَلَّدَتِ الإِحْسَاسَاتُ. فَارْفَعُوا صَوْتَ الحَقِّ، وَلَا تُدَاهِنُوا فِي دِينِ اللهِ. فَمَنْ أَرَادَ لِنَفْسِهِ النَّجَاةَ، وَلِأُسْرَتِهِ العَفَافَ، فَلْيَحْفَظْ حُدُودَ اللهِ.
فَاحْذَرُوا يَا عِبَادَ اللهِ أَنْ تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَبْنَائِكُمْ... أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
---
🔷 الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى عَنْ خَطَرِ هَذِهِ التَّخْيِيمَاتِ المُخْتَلَطَةِ الَّتِي تُقَامُ فِي الغَابَاتِ، وَبَيَّنَّا كَيْفَ أَنَّهَا فَخٌّ شَيْطَانِيٌّ يُهْدَرُ فِيهِ الحَيَاءُ وَتُدَنَّسُ فِيهِ الأَعْرَاضُ بِحُجَّةِ التَّرْفِيهِ. وَرَأَيْنَا كَيْفَ حَذَّرَ الإِسْلَامُ مِنَ الخَلْوَةِ وَمُقَدِّمَاتِ الفِتْنَةِ حِفْظًا لِكَرَامَةِ الإِنْسَانِ. وَالآنَ، إِخْوَتِي، بَقِيَ السُّؤَالُ العَمَلِيُّ الأَهَمُّ: كَيْفَ نَحْمِي شَبَابَنَا وَفَتَيَاتِنَا مِنْ هَذَا المُسْتَنْقَعِ؟
أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي:
الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): ازْرَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِ أَبْنَائِكُمْ خَشْيَةَ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ. ذَكِّرُوهُمْ بِأَنَّ الَّذِي يَرَاهُمْ فِي الغَابَةِ المُعْتِمَةِ، هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ السَّحَابَ وَيُنَزِّلُ المَطَرَ، فَكَيْفَ نَعْصِيهِ فِي مَلَكُوتِهِ؟! فَإِنَّ الخَشْيَةَ هِيَ حَارِسُ القَلْبِ الأَعْظَمُ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): قُولُوا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ "لَا" حَازِمَةً لِكُلِّ دَعْوَةٍ إِلَى هَذِهِ الرِّحْلَاتِ المُشْبُوهَةِ. لَا تَسْتَحُوا أَنْ تَقُولُوا: "دِينِي يَمْنَعُنِي"، فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ أَنْ تُرْضُوا أَصْدِقَاءَ السُّوءِ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ): رَاقِبُوا أَبْنَاءَكُمْ وَبَنَاتِكُمْ، وَاعْرِفُوا مَعَ مَنْ يَذْهَبُونَ وَأَيْنَ يَبِيتُونَ! لَيْسَتِ الرَّقَابَةُ تَخْوِينًا، بَلْ هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ تُرْجَمُ إِلَى عَمَلٍ؛ فَالأَبُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ عَنْ مَبِيتِ ابْنَتِهِ خَارِجَ المَنْزِلِ، قَدْ خَانَ الأَمَانَةَ التِّي سَيُسْأَلُ عَنْهَا.
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): أَوْجِدُوا بَدَائِلَ صَالِحَةً لِلشَّبَابِ. لَا يَمْنَعُ الإِسْلَامُ مِنَ التَّرْفِيهِ الخَالِي مِنَ المَعْصِيَةِ. رَتِّبُوا رِحْلَاتٍ شَبَابِيَّةً لِلذُّكُورِ وَحْدَهُمْ يَتَعَلَّمُونَ فِيهَا الخُشُونَةَ وَالِاعْتِمَادَ عَلَى النَّفْسِ، وَرِحْلَاتٍ آمِنَةً لِلْفَتَيَاتِ فِي بِيئَةٍ مَحْفُوظَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ. فَالنَّفْسُ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالحَقِّ، شَغَلَتْكَ بِالبَاطِلِ.
الخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): تَقْطِيعُ أَسْبَابِ الِاخْتِلَاطِ مِنْ جُذُورِهَا. اِمْنَعُوا كُلَّ تَنْظِيمٍ يَجْمَعُ الجِنْسَيْنِ بِلَا ضَابِطٍ؛ سَوَاءٌ فِي الرِّحْلَاتِ أَوِ الأَنْشِطَةِ الجَامِعِيَّةِ التِّي تُسَمَّى خَارِجَ نِطَاقِ التَّعْلِيمِ. فَإِنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ شَرِيعَتِنَا الغَرَّاءِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ التِّي تَحْمِلُكُمْ عَلَى غَضِّ الأَبْصَارِ وَحِفْظِ الأَعْرَاضِ وَصِيَانَةِ المُجْتَمَعِ مِنَ الِانْحِلَالِ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
🤲 الدُّعَاءُ
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَحْفَظَ شَبَابَنَا وَفَتَيَاتِنَا مِنْ مُضِلَّاتِ الفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْهِمُ الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَرِّهْ إِلَيْهِمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَهُمْ، وَحَصِّنْ فُرُوجَهُمْ، وَاغْفِرْ ذُنُوبَهُمْ، وَاجْعَلْهُمْ سَدًّا مَنِيعًا فِي وَجْهِ أَعْدَاءِ هَذَا الدِّينِ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِشَبَابِنَا سُوءًا، أَوْ أَرَادَ أَنْ يُشِيعَ فِيهِمُ الفَاحِشَةَ بِأَيِّ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ، فَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَافْضَحْهُ يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ.
اللَّهُمَّ ارْزُقِ الآبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ الغَيْرَةَ الصَّادِقَةَ، وَأَعِنْهُمْ عَلَى حُسْنِ رِعَايَةِ أَمَانَاتِهِمْ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ ضَيَّعُوا فَرُدُّوا إِلَى خَيْبَةٍ وَخُسْرَانٍ.
اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَاجْعَلْ تَرْفِيهَنَا فِيمَا يُرْضِيكَ، وَجَنِّبْنَا مَوَاطِنَ سَخَطِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
---
🌿 هُنَا يَنْتَهِي القَلَمُ، وَهُنَا تَبْدَأُ مَسْؤُولِيَّتُكَ أَيُّهَا الخَطِيبُ. هَذَا نَصٌّ صَاغَهُ نَمُوذَجٌ آلِيٌّ، وَالآلَةُ تُحْسِنُ وَتُسِيءُ. فَلَا تَأْمَنْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ تَحَقُّقٍ — رَاجِعْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَامْزُجْهَا بِقَلْبِكَ وَتَجْرِبَتِكَ، فَالمِنْبَرُ مِيزَانٌ يَوْمَ الحِسَابِ، وَمَا يُلْقَى فَوْقَهُ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ صَقْلَ هَذِهِ الخُطْبَةِ فَحَدِّدْ طَلَبَكَ بِدِقَّةٍ، تَنَلْ مَا يُلَائِمُ مِنْبَرَكَ.