من مكتبة مِداد الخطيب

الأَسْبَابُ المَنسِيَّةُ فِي مِيزَانِ الشَّرِيعَة: بَينَ المَادِّيَّةِ وَالغَيب

مشاركة
📖 الأَسْبَابُ المَنسِيَّةُ فِي مِيزَانِ الشَّرِيعَة: بَينَ المَادِّيَّةِ وَالغَيب #درس_علمي #العقيدة #الأسباب_المنسية #التوكل #الرزق #لطلبة_العلم #إيمانيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: إِخْوَتِي طَلَبَةَ العِلْمِ، دَرْسُنَا اليَوْمَ يَتَنَاوَلُ مَسْأَلَةً عَقَدِيَّةً وَسُلُوكِيَّةً غَايَةً فِي الأَهَمِّيَّةِ، مَسْأَلَةً طَغَتْ عَلَيْهَا المَادِّيَّةُ المُعَاصِرَةُ حَتَّى كَادَتْ تُنْسَى بَيْنَ المُسْلِمِينَ، أَلَا وَهِيَ: "الأَسْبَابُ الشَّرْعِيَّةُ المَنسِيَّةُ". نَحْنُ نَعِيشُ فِي عَصْرٍ بَلَغَ فِيهِ التَّعَلُّقُ بِالأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ مَبْلَغاً عَظِيماً؛ فَإِذَا مَرِضَ الإِنْسَانُ بَحَثَ عَنْ أَمْهَرِ طَبِيبٍ، وَإِذَا افْتَقَرَ سَعَى خَلْفَ أَقْوَى التِّجَارَاتِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ وَمَطْلُوبٌ. لَكِنَّ الخَلَلَ أَنَّنَا نَسِينَا الشِّقَّ الآخَرَ مِنَ المُعَادَلَةِ، نَسِينَا الأَسْبَابَ الغَيْبِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَقْوَى أَثَراً، وَأَشَدُّ فَاعِلِيَّةً، وَأَعْظَمُ بَرَكَةً مِنَ الأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ المَحْضَةِ. سَنَمُرُّ فِي دَرْسِنَا اليَوْمَ بِخَمْسِ مَحَطَّاتٍ عِلْمِيَّةٍ رَئِيسِيَّةٍ: أَوَّلًا: تَحْرِيرُ مَفْهُومِ "السَّبَبِ" وَمَوْقِفِ الفِرَقِ مِنْهُ. ثَانِياً: الفَرْقُ بَيْنَ الأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ وَالأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ (الغَيْبِيَّةِ). ثَالِثاً: عَرْضٌ تَفْصِيلِيٌّ لِأَعْظَمِ الأَسْبَابِ المَنسِيَّةِ فِي جَلْبِ الرِّزْقِ وَدَفْعِ البَلَاءِ. رَابِعاً: النَّمَاذِجُ وَالأَمْثِلَةُ التَّطْبِيقِيَّةُ. خَامِساً: دَفْعُ الإِشْكَالَاتِ الوَارِدَةِ حَوْلَ المَسْأَلَةِ. أَوَّلًا: تَحْرِيرُ مَفْهُومِ السَّبَبِ عِنْدَ العُلَمَاءِ كَلِمَةُ "السَّبَبِ" فِي اللُّغَةِ: هُوَ الحَبْلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى المَاءِ فِي البِئْرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى شَيْءٍ. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: 15]، أَيْ بِحَبْلٍ. وَفِي الاصْطِلَاحِ الأُصُولِيِّ: "مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الوُجُودُ، وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ لِذَاتِهِ"، مِثْلُ زَوَالِ الشَّمْسِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ. وَهُنَا مَسْأَلَةٌ عَقَدِيَّةٌ كُبْرَى فِي "إِثْبَاتِ الأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا"، وَقَدِ افْتَرَقَ فِيهَا النَّاسُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ، بَيَّنَهَا شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيَاناً شَافِياً: المَذْهَبُ الأَوَّلُ: مَذْهَبُ نُفَاةِ الأَسْبَابِ (وَهُمْ غُلَاةُ الجَبْرِيَّةِ وَالأَشَاعِرَةُ فِي قَوْلِهِمْ بِعَادَةِ اللَّهِ)، الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ النَّارَ لَا تُحْرِقُ بِطَبْعِهَا، بَلِ اللَّهُ يَخْلُقُ الِاحْتِرَاقَ عِنْدَ مُلَامَسَةِ النَّارِ لَا بِهَا. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالنَّقْلِ. المَذْهَبُ الثَّانِي: مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ وَالفَلَاسِفَةِ، الَّذِينَ أَثْبَتُوا الأَسْبَابَ لَكِنَّهُمْ غَلَوْا فِيهَا، وَقَالُوا إِنَّ الأَسْبَابَ تُؤَثِّرُ بِطَبِيعَتِهَا اسْتِقْلَالًا عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ المُتَجَدِّدَةِ. المَذْهَبُ الثَّالِثُ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَهُوَ الحَقُّ؛ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأَسْبَابَ، وَخَلَقَ قُوَاهَا المُؤَثِّرَةَ، وَلَكِنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى سَلْبِ هَذِهِ الأَسْبَابِ قُوَّتَهَا، كَمَا سَلَبَ النَّارَ الإِحْرَاقَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]. قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ فِي "مَدَارِجِ السَّالِكِينَ": "الِالتِفَاتُ إِلَى الأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَمَحْوُ الأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَاباً نَقْصٌ فِي العَقْلِ، وَالإِعْرَاضُ عَنِ الأَسْبَابِ بِالكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ". ثَانِياً: الفَرْقُ بَيْنَ الأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ وَالأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ
الِاشْتِغَالُ بِالأَسْبَابِ نَوْعَانِ: 1. أَسْبَابٌ حِسِّيَّةٌ مَادِّيَّةٌ: كَالتِّجَارَةِ لِكَسْبِ المَالِ، وَشُرْبِ الدَّوَاءِ لِلشِّفَاءِ، وَالمُذَاكَرَةِ لِلنَّجَاحِ. هَذِهِ يُدْرِكُهَا المُسْلِمُ وَالكَافِرُ، وَيَعْمَلُ بِهَا كُلُّ عَاقِلٍ. 2. أَسْبَابٌ غَيْبِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ: وَهِيَ مَوْضُوعُ دَرْسِنَا. وَهِيَ أَسْبَابٌ جَعَلَهَا اللَّهُ بِمُقْتَضَى وَحْيِهِ سَبَباً لِلرِّزْقِ وَدَفْعِ البَلَاءِ، لَا يُدْرِكُهَا العَقْلُ المُجَرَّدُ بَلْ يُثْبِتُهَا النَّقْلُ. وَمُشْكِلَةُ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ أَنَّهُمْ أُشْرِبُوا المَادِّيَّةَ الغَرْبِيَّةَ الَّتِي تَرْبِطُ النَّتَائِجَ بِالمَادِيَّاتِ فَقَطْ، فَأَهْمَلُوا الأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ أَوْ تَعَامَلُوا مَعَهَا عَلَى أَنَّهَا "أُمُورٌ بَرَكِيَّةٌ ثَانَوِيَّةٌ" لَا أَسْبَاباً حَقِيقِيَّةً فَعَّالَةً. ثَالِثاً: عَرْضٌ تَفْصِيلِيٌّ لِأَعْظَمِ الأَسْبَابِ المَنسِيَّةِ إِلَيْكُمْ — إِخْوَتِي — أَعْظَمَ خَمْسَةِ أَسْبَابٍ غَيْبِيَّةٍ تُرَتِّبُ النَّتَائِجَ المَادِّيَّةَ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْهَا الكَثِيرُونَ: السَّبَبُ الأَوَّلُ: الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ (سَبَبٌ لِلثَّرْوَةِ وَالنَّسْلِ وَالقُوَّةِ) يَظُنُّ البَعْضُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مُجَرَّدُ كَفَّارَةٍ لِلذُّنُوبِ لِيَوْمِ القِيَامَةِ، وَهَذَا فَهْمٌ نَاقِصٌ. الِاسْتِغْفَارُ مُحَرِّكٌ مَادِّيٌّ عَظِيمٌ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا. اسْتَمِعُوا إِلَى العَقْدِ الَّذِي بَرَمَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ قَوْمِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12]. انْظُرُوا إِلَى المُنْتَجَاتِ المَادِّيَّةِ لِلِاسْتِغْفَارِ: مَطَرٌ، أَمْوَالٌ، بَنُونَ، زِرَاعَةٌ (جَنَّاتٌ)، مِيَاهٌ (أَنْهَارٌ). كُلُّهَا أُمُورٌ مَادِّيَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ بَحْتَةٌ ارْتَبَطَتْ بِسَبَبٍ لِسَانِيٍّ قَلْبِيٍّ هُوَ الِاسْتِغْفَارُ. وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَشْكُو الجَدْبَ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ. وَجَاءَ آخَرُ يَشْكُو الفَقْرَ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ. وَجَاءَ ثَالِثٌ يَشْكُو عُقْمَ زَوْجَتِهِ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ. فَقَالَ لَهُ جُلَسَاؤُهُ: عَجَباً لَكَ! أَكُلَّمَا سَأَلَكَ رَجُلٌ حَاجَةً مَادِّيَّةً قُلْتَ لَهُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ آيَاتِ سُورَةِ نُوحٍ. السَّبَبُ الثَّانِي: صِلَةُ الرَّحِمِ (سَبَبٌ لِطُولِ العُمُرِ وَبَسْطِ الرِّزْقِ) مِنَ المَعْلُومِ طِبِّيًّا أَنَّ الرِّيَاضَةَ وَالطَّعَامَ الصِّحِّيَّ أَسْبَابٌ لِلصِّحَّةِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ. لَكِنَّ السَّبَبَ الأَغْفَلَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ "صِلَةُ الرَّحِمِ". روى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». الِاخْتِلَافُ هُنَا عِلْمِيٌّ دَقِيقٌ عِنْدَ العُلَمَاءِ: كَيْفَ يَزِيدُ العُمُرُ وَهُوَ مَكْتُوبٌ سَلَفاً؟ قَالَ الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ فِي "فَتْحِ البَارِي": الفَرِيقُ الأَوَّلُ قَالَ هِيَ الزِّيَادَةُ الحِسِّيَّةُ، فَاللَّهُ يَكْتُبُ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ أَنَّ عُمُرَ فُلَانٍ 60 سَنَةً، فَإِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ جَعَلَهُ 70، وَعِلْمُ اللَّهِ الأَزَلِيُّ مُحِيطٌ بِمَا سَيَصِيرُ إِلَيْهِ الأَمْرُ. وَالفَرِيقُ الثَّانِي قَالَ: هِيَ زِيَادَةُ البَرَكَةِ فِي الوَقْتِ، فَيَفْعَلُ فِي عُمُرِهِ القَصِيرِ مَا لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ فِي عُمُرٍ مُضَاعَفٍ. وَكِلَا الأَمْرَيْنِ حَاصِلٌ بِفَضْلِ اللَّهِ. المُهِمُّ أَنَّ صِلَةَ العَمَّةِ وَالخَالَةِ وَالأَخِ مِفْتَاحٌ لِخَزَائِنِ الأَرْضِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ عِلْمُ الِاقْتِصَادِ المُعَاصِرِ!
السَّبَبُ الثَّالِثُ: الصَّدَقَةُ وَالإِحْسَانُ إِلَى الضُّعَفَاءِ (سَبَبٌ لِلنَّصْرِ وَمُضَاعَفَةِ المَالِ) قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: العَقْلُ المَادِّيُّ يَقُولُ إِنَّ إِخْرَاجَ المَالِ يُنْقِصُهُ (10 - 1 = 9). لَكِنَّ الحِسَابَ الإِلَهِيَّ يَخْتَلِفُ تَمَاماً. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261]. وَفِي الحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ». وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّصْرَ العَسْكَرِيَّ وَالرِّزْقَ الدَّوْلِيَّ مَنُوطٌ بِشَرِيحَةٍ مَنسِيَّةٍ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ]. قَالَ الإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ قُوَّةً مَادِّيَّةً يَصِيرُ قَلْبُهُ أَشَدَّ تَعَلُّقاً بِاللَّهِ، فَتَكُونُ دَعْوَتُهُ خَالِصَةً لَيْسَ فِيهَا شَائِبَةُ تَعَلُّقٍ بِالأَسْبَابِ، فَيَنْصُرُ اللَّهُ بِهَا الأُمَّةَ الجَيْشَ العَرَمْرَمَ! السَّبَبُ الرَّابِعُ: الدُّعَاءُ (السَّبَبُ الَّذِي يُدَافِعُ القَدَرَ) الدُّعَاءُ لَيْسَ مَلَاذاً لِلْعَاجِزِينَ أَوْ "كَلَاماً يُسَلِّي بِهِ المَرْءُ نَفْسَهُ" كَمَا يَزْعُمُ المَلَاحِدَةُ. الدُّعَاءُ سَبَبٌ فِيزْيَائِيٌّ غَيْبِيٌّ لَهُ قُوَّةُ التَّصَادُمِ مَعَ القَدَرِ المُنْزَلِ. صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا البِرُّ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ]. يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ فِي "الجَوَابِ الكَافِي": "الدُّعَاءُ مَعَ البَلَاءِ مَقَامُ المُدَافَعَةِ، يَلْتَقِيَانِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَيَعْتَلِجَانِ (يَتَصَارَعَانِ) إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". فَالدُّعَاءُ طَاقَةٌ تَرْتَفِعُ لِتُقَابِلَ البَلَاءَ النَّازِلَ فَتَدْفَعُهُ. السَّبَبُ الخَامِسُ: التَّقْوَى (مِفْتَاحُ المَخَارِجِ) حِينَ تُغْلَقُ كُلُّ الأَبْوَابِ المَادِّيَّةِ أَمَامَ الإِنْسَانِ؛ يُفْصَلُ مِنْ عَمَلِهِ، تَتَرَاكَمُ دُيُونُهُ، تَنْسَدُّ طُرُقُهُ.. مَا هُوَ السَّبَبُ لِفَتْحِ بَابٍ مِنْ عَدَمٍ؟ يُقَرِّرُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ بِقَاعِدَةٍ حَاسِمَةٍ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. أَيُّ: يَرْزُقُهُ مِنْ بَابٍ لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابَاتِهِ البَشَرِيَّةِ قَطُّ، لِأَنَّهُ اتَّقَى اللَّهَ حِينَ خَلَا، وَخَافَ مَقَامَ رَبِّهِ. التَّقْوَى هِيَ السَّبَبُ السِّرِّيُّ لِإِسْقَاطِ كُلِّ حَوَاجِزِ الدُّنْيَا. رَابِعاً: النَّمَاذِجُ وَالأَمْثِلَةُ التَّطْبِيقِيَّةُ لِكَيْ لَا يَبْقَى هَذَا الكَلَامُ فِي إِطَارِ النَّظَرِيَّةِ، لِنَأْخُذْ أَمْثِلَةً تَتَعَلَّقُ بِحَيَاتِنَا العَمَلِيَّةِ المُعَاصِرَةِ: المِثَالُ الأَوَّلُ: مَرِيضٌ يَبْحَثُ عَنِ الشِّفَاءِ. السَّبَبُ المَادِّيُّ: أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الطَّبِيبِ وَيَأْخُذَ العِلَاجَ. وَهَذَا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ كَمَا صَحَّ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً» [رَوَاهُ أَحْمَدُ]. لَكِنَّ المُسْلِمَ الفَقِيهَ لَا يَقِفُ هُنَا! بَلْ يُضِيفُ الأَسْبَابَ المَنسِيَّةَ: يَتَصَدَّقُ بِنِيَّةِ الشِّفَاءِ؛ عَمَلًا بِالآثَارِ المُسْتَفَاضَةِ: "دَاوَوْا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ". يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ عَلَى نَفْسِهِ بِيَقِينٍ أَنَّهَا "رُقْيَةٌ شَافِيَةٌ". وَهَكَذَا، جَمَعَ بَيْنَ حَبَّةِ الدَّوَاءِ (السَّبَبِ الحِسِّيِّ) وَالصَّدَقَةِ وَالرُّقْيَةِ (السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ)، وَبِهَذَا يَتِمُّ الشِّفَاءُ بِإِذْنِ اللَّهِ. المِثَالُ الثَّانِي: طَالِبٌ أَوْ بَاحِثٌ يَطْلُبُ النَّجَاحَ. السَّبَبُ المَادِّيُّ: السَّهَرُ، حِفْظُ الكُتُبِ، فَهْمُ المُعَادَلَاتِ. وَأَمَّا السَّبَبُ الغَيْبِيُّ: فَهُوَ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَالِانْكِسَارُ لله. كَانَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إِذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ — وَهُوَ بَحْرُ العُلُومِ — تَرَكَ الكُتُبَ، وَخَرَجَ إِلَى المَسَاجِدِ المَهْجُورَةِ، يُمَرِّغُ جَبْهَتَهُ فِي التُّرَابِ وَيَقُولُ: "يَا مُعَلِّمَ إِبْرَاهِيمَ عَلِّمْنِي، وَيَا مُفَهِّمَ سُلَيْمَانَ فَهِّمْنِي!" فَتُفْتَحُ عَلَيْهِ المَغَالِيقُ. خَامِساً: الإِشْكَالَاتُ وَالِاسْتِدْرَاكَاتُ عَلَى المَسْأَلَةِ قَدْ يُشْكِلُ عَلَى الطَّالِبِ أَمْرَانِ فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ:
الإِشْكَالُ الأَوَّلُ: إِذَا كَانَتِ التَّقْوَى وَالِاسْتِغْفَارُ أَسْبَاباً لِلرِّزْقِ، فَكَيْفَ نَرَى دُوَلًا كَافِرَةً تَمْلِكُ أَعْظَمَ رَخَاءٍ مَادِّيٍّ وَاِقْتِصَادِيٍّ، وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ اللَّهَ وَلَا يَسْتَغْفِرُونَ؟ كَيْفَ نُوَفِّقُ بَيْنَ الآيَةِ وَالوَاقِعِ؟ الجَوَابُ: هَذَا الإِشْكَالُ مَبْنِيٌّ عَلَى نِسْيَانِ سُنَّةٍ أُخْرَى مِنْ سُنَنِ اللَّهِ، وَهِيَ سُنَّةُ "الِاسْتِدْرَاجِ". اللَّهُ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا لِمَنْ يُحِبُّ وَلِمَنْ لَا يُحِبُّ، لَكِنَّهُ لَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44]. فَالكُفَّارُ أَخَذُوا بِالأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ البَحْتَةِ (الإِدَارَةُ، الصِّنَاعَةُ، النِّظَامُ) فَرَزَقَهُمُ اللَّهُ بِمُقْتَضَاهَا فِي الدُّنْيَا، لَكِنَّهُ رِزْقٌ مُنْزُوعُ البَرَكَةِ الأُخْرَوِيَّةِ، وَمَصِيرُهُ إِلَى التَّبَابِ. أَمَّا المُؤْمِنُ فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ الأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ وَالأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ رُزِقَ فِي الدُّنْيَا بِبَرَكَةٍ، وَنَالَ نَعِيمَ الآخِرَةِ. الخَلَلُ أَنْ يَتْرُكَ المُسْلِمُ الأَسْبَابَ المَادِّيَّةَ بَدَعْوَى "التَّوَكُّلِ"، وَيَنْتَظِرَ أَنْ تُمْطِرَ لَهُ السَّمَاءُ ذَهَباً! الإِشْكَالُ الثَّانِي: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الأَسْبَابُ الشَّرْعِيَّةُ تُؤْتِي نَتَائِجَهَا، فَلِمَاذَا أَتَصَدَّقُ وَأَدْعُو ثُمَّ لَا أَرَى نَتِيجَةً؟ هَلِ الخَلَلُ فِي السَّبَبِ؟ الجَوَابُ: النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ لَيْسَتْ كَبِسْمِ السِّحْرِ تَعْمَلُ بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ؛ بَلْ لَهَا "شُرُوطٌ" يَجِبُ تَوَفُّرُهَا، وَ"مَوَانِعُ" يَجِبُ انْتِفَاؤُهَا. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي "المَجْمُوعِ": الدُّعَاءُ سَبَبٌ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَانِعِهِ: أَكْلُ الحَرَامِ، وَاسْتِعْجَالُ الإِجَابَةِ ("يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ")، وَغَفْلَةُ القَلْبِ ("إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ"). فَالخَلَلُ لَيْسَ فِي الدَّوَاءِ الشَّرْعِيِّ، بَلْ فِي مَحَلِّ التَّلَقِّي، أَو أَنَّ اللَّهَ ادَّخَرَ لَهُ خَيْراً مِنْهَا، أَو صَرَفَ عَنْهُ سُوءاً لَمْ يَعْلَمْهُ، لِكَمَالِ حِكْمَةِ الرَّبِّ. الإِحَالَةُ إِلَى المَرَاجِعِ وَالتَّوَسُّعِ لِمَنْ أَرَادَ التَّوَسُّعَ العِلْمِيَّ فِي فَهْمِ مَنْهَجِ الشَّرِيعَةِ فِي الأَسْبَابِ وَالتَّوَكُّلِ، أَنْصَحُكُمُ الرُّجُوعَ إِلَى هَذِهِ النَّفَائِسِ: 1. "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى" لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ — المُجَلَّدُ الثَّامِنُ (فِي مَبَاحِثِ القَدَرِ وَالتَّوَكُّلِ). 2. "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" لِلْإِمَامِ ابْنِ القَيِّمِ — كِتَابُ "مَنْزِلَةُ التَّوَكُّلِ". 3. "جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ" لِلْإِمَامِ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ — عِنْدَ شَرْحِهِ لِحَدِيثِ "لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ...". خَاتِمَةُ الدَّرْسِ وَالخُطْوَةُ العَمَلِيَّةُ إِخْوَتِي الكِرَامَ، دَرْسُنَا اليَوْمَ تَنَاوَلَ ثَلَاثَ قَضَايَا مِحْوَرِيَّةً: أَوَّلًا: أَنَّ تَرْكَ الأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ جَهْلٌ بِالشَّرْعِ، وَالِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا فَقَطْ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ. ثَانِياً: أَنَّ الشَّرِيعَةَ أَوْجَدَتْ أَسْبَاباً غَيْبِيَّةً غَايَةً فِي القُوَّةِ (الِاسْتِغْفَارُ، صِلَةُ الرَّحِمِ، الدُّعَاءُ، الصَّدَقَةُ، التَّقْوَى) لِتَغْيِيرِ الوَاقِعِ المَادِّيِّ. ثَالِثاً: بَيَّنَّا الفَرْقَ بَيْنَ بَرَكَةِ رِزْقِ المُؤْمِنِ وَبَيْنَ اسْتِدْرَاجِ العَاصِي. الخُطْوَةُ العَمَلِيَّةُ الَّتِي أُوصِي بِهَا نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ بَعْدَ انْتِهَاءِ المَجْلِسِ: - عِنْدَمَا تُوَاجِهُكَ غَداً أَيُّ مُشْكِلَةٍ فِي عَمَلِكَ، أَوْ فِي صِحَّتِكَ، أَوْ فِي مَالِكَ؛ اتَّخِذِ السَّبَبَ المَادِّيَّ بِيَدِكَ، وَلَكِنْ لَا تَنْسَ أَنْ تَرْبِطَ قَلْبَكَ بِرَبِّكَ بِصَدَقَةٍ، أَوْ بِدَعْوَةٍ صَادِقَةٍ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَاِعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ حِكْمَةِ العَقْلِ وَنُورِ الشَّرْعِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا عَلَّمَنَا. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا صِدْقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وَحُسْنَ الِاعْتِمَادِ إِلَيْكَ، وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. وَالآنَ، البَابُ مَفْتُوحٌ لِمَنْ لَدَيْهِ إِشْكَالٌ أَو سُؤَالٌ... سَطْرَانِ فَارِغَانِ قَبْلَ هَذِهِ الفِقْرَةِ.
🌿 هُنَا يَنْتَهِي القَلَمُ، وَهُنَا تَبْدَأُ مَسْؤُولِيَّتُكَ أَيُّهَا الخَطِيبُ. هَذَا نَصٌّ صَاغَهُ نَمُوذَجٌ آلِيٌّ، وَالآلَةُ تُحْسِنُ وَتُسِيءُ. فَلَا تَأْمَنْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ تَحَقُّقٍ — رَاجِعْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَامْزُجْهَا بِقَلْبِكَ وَتَجْرِبَتِكَ، فَالمِنْبَرُ مِيزَانٌ يَوْمَ الحِسَابِ. وَإِنْ أَرَدْتَ صَقْلَ هَذَا الدَّرْسِ فَحَدِّدْ طَلَبَكَ بِدِقَّةٍ، تَنَلْ مَا يُلَائِمُ مَجْلِسَكَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.